استضافت العاصمة الأمريكية واشنطن (4 فبراير الجاري) قمة حول “المعادن الهامة” في العالم، حضرها ممثلون من 50 دولة من أرجائه؛ من بينها سبع دول إفريقية تتنوع أهمية احتياطاتها المعدنية من جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى سيراليون؛ ودارت القمة حول الخطط الأمريكية والغربية المقرَّرة لاستغلال موارد معدنية هامة، لا سيما في إفريقيا.
وتناول المقال الأول أجندة هذه القمة فيما يخص القارة الإفريقية بشكل مُحدّد؛ أما المقال الثاني فقد تناول القمة من زاوية مهمة للغاية في سياق التحليل الحالي، ألا وهي التعاون الأمريكي الألماني (كمثال على التنسيق الغربي المتزايد في إفريقيا) في استغلال الموارد المعدنية الإفريقية. بينما تناول المقال الثالث أجواء وأجندة القمة الاقتصادية الجنوب إفريقية الصينية (6- 7 فبراير الجاري) كمثال على سعي دولة إفريقية للفكاك من “الاستقطاب الأمريكي” الراهن وفق سياسات الرئيس دونالد ترامب “الصفرية” في واقع الأمر في أغلب ملفات أزمات القارة.
ما الذي ستعنيه قمة المعادن الهامة الأمريكية لإفريقيا؟([1])
اجتمع مسؤولون من دول إفريقية، بما فيها أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجابون وغينيا ونيجيريا، في قمة المعادن الهامة في واشنطن (4 فبراير الجاري). وقد مُثِّلت حوالي 50 دولة من أرجاء العالم في الاجتماع الذي استضافه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، واقترح نائب الرئيس الأمريكي تكوين كتلة تجارية لمواجهة هيمنة الصين على سلسلة الإمداد وضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة.
وجاء انعقاد القمة عقب إعلان الحكومة الأمريكية مباشرة ما أطلقت عليه “مشروع فولت” Project Vault لمعالجة معادن هامة بقيمة قرابة 12 بليون دولار، على أن تكون مدعومة بـ1.67 بليون دولار من رأس المال الخاص مع قرض بقيمة 10 بلايين دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي U.S. Export-Import Bank (EXIM) (وهو وكالة ائتمان تصدير رسمية تابعة للحكومة الفيدرالية الأمريكية، تأسس في العام 1934م).
ورغم وصف المسؤولين الأمريكيين لإفريقيا على أنها على “أطراف” مصالح واشنطن، فإن الانخراط الأمريكي (الراهن) ضروري لجهودها في تفكيك قبضة بكين على مجموعة من المعادن الهامة التي تستوردها واشنطن بكميات كبيرة. وتشمل تلك القائمة معادن مثل التانتالوم، المستخدم بقوة في قطاعي الدفاع والفضاء، والمنجنيز، بالغ الأهمية في صنع الصلب. إن أكثر من نصف إنتاج العالم من التانتالوم من دول إفريقية، ومنها الكونغو، ونيجيريا ورواندا. وفي الوقت نفسه تحتوي جنوب إفريقيا على نحو 80% من احتياطات العالم المعروفة من المنجنيز، بينما تستأثر الجابون بنسبة 63% من إمدادات ورادات الولايات المتحدة من المنجنيز.
وتأتي هذه القمة في وقتٍ تلتهب فيه العلاقات الأمريكية-الإفريقية؛ إذ تركز مُقاربة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إفريقيا على “الدبلوماسية التجارية”. ووفقًا “لإستراتيجيته للأمن القومي” التي أعلنت في نوفمبر الفائت، فإن مصالح الولايات المتحدة في القارة تتركز بالأساس حول “مواردها المعدنية الوفيرة”، والسعي لتفادي “أي وجود أو التزامات أمريكية بعيدة المدى” (في القارة). ورغم أن الدول الإفريقية مُتحمِّسة لصك اتفاقات تجارية مع واشنطن، فإنها تُواجه قيود التأشيرة الأمريكية؛ وخفض المساعدات الصحية؛ والهجمات اللفظية، وخاصة ضد نيجيريا وجنوب إفريقيا. وحتى الآن فإن تعامل واشنطن مع الدول الإفريقية لم يُحقّق اختراقات كبيرة في مسألة المعادن الهامة.
وفي العام الماضي، وفي ظل اتفاق توسطت فيه الولايات المتحدة مع الكونغو ورواندا لإنهاء القتال في شرقي الكونغو، وافقت الحكومة الكونغولية على منح الشركات الأمريكية وصولًا تفضيليًّا للاحتياطيات المعدنية في مقابل الدعم الأمني الأمريكي. لكنّ الاتفاق لا يزال متأرجحًا حتى مع استعداد شركة جيكاماينز Gecamines التعدينية المملوكة للدولة لإرسال النحاس والكوبالت للولايات المتحدة. لكن ليست هناك عجلة في توجه الشركات الأمريكية للتحرك مباشرة للصين، التي تملك شركاتها أكثر من 80% من مناجم النحاس في الكونغو.
ولم يقدم الاتفاق حافزًا كبيرًا لرواندا للانسحاب من شرقي الكونغو والتنازل عن العائدات الضخمة المتحصلة من وصولها لمعادن الكونغو الهامة عبر جماعة 23 مارس M23 المسلحة، حسبما تؤكد فاندا فلباب-براون خبيرة الأمن بمعهد بروكنجز. والتي أضافت في تعليقاتها “لفورين بوليسي” الأخيرة: “إن الحقيقة هي أن الأمن على الأرض بائس للغاية، وستحتاجون إلى شركات تبالغ في اتخاذ المخاطرة للبدء في عمليات التعدين المباشرة”، وهو الأمر الذي لا يتوفر للشركات الأمريكية بالفعل.
ولا تزال الكثير من الدول الإفريقية ملتزمة بالتوصل لاتفاقات إجرائية وقصيرة الأجل مع الولايات المتحدة فيما تقوم بتقليل مخاطرها عبر اتفاقات تجارية مع قوى عالمية أخرى.
وكان لافتًا أن الرئيس النيجيري قد أرسل زوجته –أولوريمي تينوبو Oluremi Tinubu، وهي مسيحية- لقيادة وفد نيجيريا لواشنطن في لحظة كانت فيها أبوجا تَعرض التعاون الأمني مع واشنطن من أجل تهدئة التهديدات التي أطلقها ترامب بشنّ ضربات في شمالي نيجيريا بزعم حمايته للمسيحيين هناك. ولم يسافر الرئيس تينوبو منذ انتخاب ترامب إلى واشنطن، وزار بدلًا منها تركيا ودولًا خليجية للتوصل لاتفاقات تجارية في الأسابيع الأخيرة.
“وبالنسبة لنيجيريا فإن الحسابات برغماتية وليست أيديولوجية. ففي مواجهة حركات التمرد والعصابات والتهديدات البحرية تسعى أبوجا للمرونة وليس التحالف”؛ حسبما كتب سولومون إكانيم S. Ekanem هذا الأسبوع في Business Insider Africa. وفي الوقت نفسه فإن غينيا، أكبر مُصدّر في العالم للبوكسيت، تعقد صفقات مع ترامب فيما توسّع مشروعاتها التعدينية مع بكين.
المعادن الهامة: الشركات الأمريكية تستهدف جمهورية الكونغو الديمقراطية([2])
هيمنت موارد إفريقيا المعدنية الهائلة على المناقشات هذا الأسبوع في قمة المعادن الهامة في واشنطن؛ حيث اجتمع ممثلون من نحو 50 دولة بناء على دعوة وزير الخارجية الأمريكي ماركو بوبيو. وهدف الاجتماع إلى التهيئة لتكوين “كتلة تجارية معنية بالمعادن الأرضية النادرة” والمعادن الأخرى لمواجهة هيمنة الصين وتأمين سلاسل إمداد- كاستجابة مباشرة لقيود الصادرات التي تضعها بكين. وقد حضرت سبع دول إفريقية في القمة وهي أنجولا وزامبيا وسيراليون والمغرب وكينيا وغينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد وقَّعت الولايات المتحدة 11 إطار عمل ثنائي أو مذكرات تفاهم جديدة حول المعادن الهامة، بما فيها اتفاقات مع غينيا والمغرب.
وحلَّت جمهورية الكونغو الديمقراطية في قلب العديد من المبادلات الكبرى المحتملة. وبدعم من إدارة ترامب، تستهدف الشركات الأمريكية على نحو متزايد أصولًا تعدينية. وعلى سبيل المثال فإن كونسرتيوم أوريون سي.ام.سي Orion CMC يسعى، بدعم من هيئة تمويل التنمية الدولية الأمريكية US International Development Finance Corporation، لحصة يبلغ إجمالها 40% في مشروعات النحاس والكوبالت التي تديرها شركة جلينكور Glencore في جمهورية الكونغو الديمقراطية. ووفقًا لبلومبرج، فإن العملية قد تكون رافعة للاستحواذ على أصول إضافية في حزام النحاس الكونغولي والزامبي. وثمة احتمال آخر أن تكون الصفقة متعلقة بمنجم موتوشي Mutoshi للنحاس، الذي ترد تقارير باقتراب استحواذ شركة فيرتوس مينرالز Virtus Minerals الأمريكية من الاستحواذ عليه بالفعل.
كما لفت رائد الأعمال في التعدين روبرت فريدلاند الانتباه. إذ تعد شركته إيفانو ماينز Ivanhoe Mines واحدة من مجموعات التعدين الغربية القليلة التي تعمل بالفعل في الكونغو. ودخلت إيفانو الآن في محادثات لتوفير الزنك الكونغولي للولايات المتحدة كجزء من “مشروع فولت” Project Vault، وهو مبادرة بقيمة 12 بليون دولار أعلنتها واشنطن هذا الأسبوع. كما التقى فريدلاند بدونالد ترامب في المكتب البيضاوي يوم الاثنين (2 فبراير الفائت). ويسعى فريدلاند للحصول على الدعم الأمريكي “لبذل ضغوط على كوناكري والحصول على الضوء الأخضر لممر الحرية Liberty Corridor، بحسب تأكيد جيرود نيما Geraud Neema من China- Global South Project. وهو ممر إستراتيجي للبنية الأساسية للحديد الخام، والذي يسعى فريدلاند لتحقيقه على يد شركته إيفانو أتلانتيك في ليبيريا وغينيا. على أيّ حال فإن موافقة السلطات الغينية لا تزال معلقة.
كما شاركت ألمانيا في القمة. وقبيل الاجتماع، كتبت فلورين هان Florian Hahn، وزيرة الدولة لوزارة الخارجية الألمانية، أن الحكومة الألمانية ترحب “بشكل واضح” بالتزام الولايات المتحدة بحوار أوثق مع أوروبا والشركاء الآخرين. وأكدت الوزارة (6 فبراير) في حديث للموقع أن “القارة الإفريقية توفر مقدرات كبيرة لتأمين إمدادات المواد الخام العالمية وتنويعها؛ وهو الأمر نفسه بالنسبة للاقتصاد الألماني”. وتعقد “هان” محادثات في واشنطن مع ممثلي الحكومات الإفريقية وكذلك مع الشركات الألمانية، بما فيها شركات عاملة في قطاع المواد الخام. كما مثّلت الاتحاد الأوروبي ستيفاني سيجورني S. Sejourne مُفوّضة الصناعة بالاتحاد والتي حضرت القمة باعتبارها كبير ممثلي الاتحاد الأوروبي.
وفد جنوب إفريقي في الصين لمحادثات تجارية رئيسة([3]):
يقود وزير التجارة والصناعة والمنافسة الجنوب إفريقي باركس تاو وفدًا رفيع المستوى للعاصمة الصينية بكين للمشاركة في المفوضية التجارية الاقتصادية المشتركة Joint Economic Trade Commission (JETC)؛ حيث يلتقي خلالها بنظيره الصيني وانج وينتاو Wang Wentao وزير التجارة. وتبرز الزيارة أهمية العلاقة الاقتصادية الإستراتيجية بين البلدين.
وقد وقَّع الوزيران اتفاق الشراكة الاقتصادية الصينية الإفريقية China-Africa Economic Partnership Agreement (CAEPA)، وهو اتفاق تقرر بمقتضاه منح الصادرات الجنوب إفريقية إعفاءً من الرسوم الجمركية عند دخولها السوق الصينية مع تعزيز الاستثمارات (الصينية) في الاقتصاد الجنوب إفريقي. وتأتي المقاربة في وقتٍ تسعى فيه جنوب إفريقيا لتعميق شراكتها التجارية، وتوسيع الأسواق الخارجية أمام منتجاتها المحلية، وجذب استثمارات لدعم النمو الاقتصاد والتنمية الصناعية. وتظل الصين أكبر شريك تجاري لجنوب إفريقيا، ويوفر اتفاق الشراكة الاقتصادية (JETC) منصة هامة لكلا البلدين لمراجعة التقدم في علاقاتهما الثنائية، ومعالجة التحديات، وتحديد الفرص الجديدة للتعاون بينهما.
كما تؤكد هذه الزيارة على تجدّد تركيز بريتوريا وبكين على تقوية الصلات التجارية الثنائية، ولا سيما في قطاعات رئيسة للتعافي الاقتصادي الجنوب إفريقي وأجندة التنمية على المدى البعيد. وتمحورت المناقشات بين الوزيرين على تحقيق تقدم في تعاون اقتصادي أعمق، وتحسين التدفقات التجارية، ودعم صادرات القيمة المضافة من جنوب إفريقيا.
ويضم الوفد الجنوب إفريقي عددًا من كبار المسؤولين الحكوميين وكبار مدراء مؤسسة التنمية الصناعية Industrial Development Corporation ومكتب المعايير الجنوب إفريقي South African Bureau of Standards مما يعكس أهمية المفوضية واتساع نطاق المسائل التي تنظر فيها. كما غطت المحادثات مجالات مثل التصنيع وتنمية البنية الأساسية، والتجارة الزراعية، والطاقة الخضراء، والتبادل التكنولوجي. وفي السنوات الأخيرة نمت التجارة بين جنوب إفريقيا والصين بانتظام؛ حيث باتت الصين الوجهة الرئيسة للمعادن والمنتجات الزراعية والسلع المصنّعة الجنوب إفريقية. وفي الوقت نفسه تستورد جنوب إفريقيا مجموعة كبيرة من الآلات والأجهزة الإلكترونية والسلع الاستهلاكية من الصين. وبينما حققت العلاقة مكاسب اقتصادية كبيرة فإن جنوب إفريقيا لا تزال تعمل على معالجة الخلل في الميزان التجاري ودعم تنويع أكبر للصادرات. ومِن ثَم فقد ركّزت زيارة الوزير باركس تاو على ضمان دعم هذه الشراكة لأهداف سياسات جنوب إفريقيا الصناعية.
كما يعكس الاجتماع العلاقة الإستراتيجية الأوسع بين جنوب إفريقيا والصين، والتي تمتد فيما وراء التجارة لتشمل المبادلات السياسية والثقافية والتعليمية. وباعتبار عضويتهما في البريكس فإن البلدين يتشاركان في الاهتمام في تعزيز التعاون بين الاقتصادات النامية وتقوية شراكات الجنوب-الجنوب. وقد رحّب الوزير وانج وينتاو بالوفد الجنوب إفريقي، ملاحظًا أن الصلات الراسخة بين البلدين وأهمية الحفاظ على حوار مفتوح وبنّاء. كما أكد على التزام الصين بتوسيع تعاونها التجاري والاستثماري مع جنوب إفريقيا، لا سيما في مجالات دعم التحول الاقتصادي والتنمية.
وتمثل الزيارة، بالنسبة لجنوب إفريقيا، فرصة لتعزيز موقعها كشريك تجاري هام للصين في إفريقيا. ومع استمرار تغيُّر الظروف الاقتصادية العالمية يبدو أن تقوية الشراكات الإستراتيجية قد أصبحت بالغة الأهمية. وتظهر الاجتماعات في بكين التزام جنوب إفريقيا بدبلوماسية اقتصادية استباقية وتصميمها على تأمين فرص جديدة للنمو عبر التعاون الدولي.
على أيّ حال فإنه من المتوقع أن تكون مخرجات المفوضية التجارية الاقتصادية المشتركة أساسًا لتعاون مستقبلي، وتعميق الثقة بين البلدين، ودعم رؤية جنوب إفريقية أوسع لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة في البلاد. ويمكن للبلدين، عبر مقاربة وتعاون مستدامين، الاستفادة من شراكة ثنائية تستمر في التطور والتوسع من جهة حجمها وتأثيرها.
…………………………..
[1] Nosmot Gbadamosi, What Will the U.S. Critical Minerals Summit Mean for Africa?, Foreign Policy, February 4, 2026 https://foreignpolicy.com/2026/02/04/us-critical-minerals-summit-africa-mining-china/
[2] Arne Schutte, Critical minerals: US companies targeting the DR Congo, Table Briefings, February 6, 2026 https://table.media/en/africa/news-en/critical-minerals-us-companies-targeting-the-dr-congo
[3] Themba Thobela, South Africa’s Minister Tau Leads Delegation To China For Key Trade Talks, Eurasia Review, February 7, 2026 https://www.eurasiareview.com/07022026-south-africas-minister-tau-leads-delegation-to-for-key-trade-talks/











































