دخلت إفريقيا العام 2026م فيما تتداعى الخطوط التي كانت تبدو واضحة في علاقات القوى الدولية وصلاتها بالقضايا الإفريقية المختلفة، مثل التحولات السياسية، والانقلابات، والإرهاب، واستغلال الموارد الاقتصادية للقارة وفق معادلة الهيمنة مقابل “الاستقرار” (والتي لم يقتصر ترسيخها على الولايات المتحدة الأمريكية بل شملت قوى أخرى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وعدد من القوى “المتوسطة”).
وعزز حالة الالتباس تلك اضطراب سياسات منظمات العمل الجماعي في القارة، بل وخصخصة بعضها لخدمة أجندات قوى إقليمية ودولية والدعاية لها على حساب جوهر مهام عمل هذه المنظمات، مثلما اتضح في بيان أخير للاتحاد الإفريقي مشترك مع دولة الإمارات (6 يناير) بخصوص الأزمة في السودان، وخارج أيّ مظلة رسمية محددة مُعبّرة عن موقف دول الاتحاد (باستثناء ما أكَّده البيان من أنه استئناف لمذكرة تفاهم مُوقَّعة بين الاتحاد والإمارات في العام 2019م).
جاء هذا البيان في توقيت ذُروة التوتر السعودي الإماراتي، والذي طال الملف السوداني؛ مما أرجعه مراقبون لجزء من حملة “تبييض السُّمعة” التي تنتهجها الدولة الخليجية في إفريقيا؛ لتبرئة ساحتها من اتهامات بالتورط في تعميق تلك الأزمة، وهو ما يتناقض مع مقاربة الاتحاد “المفترضة” للأزمة في السودان، ورفضه تدخلات “قوى خارجية” فيها تدخلًا ينتهك سيادة السودان ووحدته ومبادئ الاتحاد الإفريقي نفسه.
كما تعززت هذه الضبابية في تأثير الاتحاد الإفريقي وعمله في الأزمة في شرقي الكونغو، وعجزه عن وضع الأطراف الإفريقية المختلفة عند مسؤولياتها والتزاماتها المفترضة.
قمة الاتحاد الإفريقي 39: الوقوف في المكان
تبدو من الخطوط العامة التي ظهرت حتى الآن عن ترتيبات قمة الاتحاد الإفريقي التاسعة والثلاثين (14- 15 فبراير المقبل) أنها قمة “الوقوف في المكان”، وربما التراجع لخطوات للوراء، لا سيما مع تراجع فعالية العمل الجماعي الإفريقي في جميع المسارات تقريبًا، ووقوفه عند حاجز “تمرير المواقف”، والتعبير عن توازنات القوى الدولية. فقد أكَّد الاتحاد أن أجندة عمل القمة تشمل تنسيق المواقف حول أجندة مُوحدة، ومراجعة أُطُر العمل الاجتماعية والاقتصادية، والإصلاح المؤسساتي (للاتحاد الإفريقي)، وأن هذه القمة ستُوفّر منصة “للدول الأعضاء في الاتحاد لتبنّي قرارات رئيسة حول السلم والأمن، والحوكمة، والتكامل الاجتماعي-الاقتصادي، وأُطُر التنمية القارية (بما فيها أولويات أجندة 2063م)، والإصلاح المؤسسي والشراكات الاستراتيجية للاتحاد الإفريقي”.
ورغم أن أجندة القمة لم تُعلن بشكل رسمي فإن محاورها الرئيسة ستدور حول ما يلي: السياسة القارية وتطبيق أجندة 2063م، وتعهُّد قادة دول القارة بإسراع العمل في مشروعات هذه الأجندة وتعزيز التجارة البينية تحت مظلة اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية AfCFTA.
كما يُتوقع أن تُراجع القمة تقارير حول آليات منع الصراع وتحقيق السلام في المناطق الساخنة، وعمل مجلس السلم والأمن الإفريقي، وقرارات حول مسائل تتعلق بالحوكمة؛ كما يتوقع أن تركّز القمة على التنمية الاجتماعية- الاقتصادية، وتقوية النظم الصحية، وتنمية البنية الأساسية، وتمكين الشباب والتحول الرقمي ومجالات رئيسة متعلقة بأجندة 2063م، والأولويات القارية الراهنة وعدالة الفرص المتاحة أمام الشباب الإفريقي؛ إضافة إلى اهتمام القمة بتحقيق تقدُّم في الإصلاحات المؤسسية والمالية.
ويتضح من هذه الخطوط الأولية أن القمة لن تحقق اختراقًا يُذْكَر في وتيرة العمل الجماعي الحالي والذي يسير بخطوات بطيئة للغاية لا يمكن تبريرها بضرورة التدرج والدراسة المتأنية، بل ربطها بشكلٍ لا لَبْس فيه بضوابط الشراكات الخارجية ومشروطياتها.
إفريقيا وتغيرات “النظام العالمي”: تقدُّم أمريكي وتراجُع صيني
يأتي تراجع الخارجية الصينية عن إتمام زيارة وزيرها “وانج يي” للصومال قبل موعدها المقرر بساعات (9 يناير الجاري)، والتي كانت ستصبح أول زيارة لوزير خارجية صيني للصومال في غضون نحو أربعة عقود، لتؤشر إلى حجم التراجع الصيني في قضايا القرن الإفريقي، وفي مستوى تحليل آخر وجود تفاهمات أمريكية-صينية لتنسيق التأثير في مناطق النفوذ؛ إذ كانت مقديشو تتطلع بقوة للدعم الدبلوماسي والسياسي الصيني لها بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال “دولة مستقلة”.
ويعني التأجيل -الذي لم تُقدّم أسبابه مِن قِبَل مقديشو وبكين على حدّ سواء-، مؤشرات على قبول الصين تبني مواقف “مرنة” تجاه اعتبار الولايات المتحدة وحلفاءها أصحاب اليد العليا في الإقليم عسكريًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا، مع تكريس النفوذ السياسي الأمريكي التقليدي في الإقليم منذ سبعينيات القرن الماضي على أقل تقدير. وربما تكشف زيارة “وانج” لأديس أبابا ودار السلام (في شرق إفريقيا)، وفي ليسوتو (12 يناير) عن جنوح الصين للاكتفاء بحصص اقتصادية مربحة، وعدم خوض معارك استقلال الدولة الإفريقية عند تعارضها مع التوجهات الأمريكية كما في حالة الصومال والكونغو الديمقراطية، وغيرهما.
وبعيدًا عن تبنّي مستويات من خطاب الاستعمار، وما بعد الكولونيالية، أو حتى فكرة “الاستعمار الجديد” التي عوَّل عليها الأفارقة لعقود في تفسير تخلُّف قارتهم، تأتي تفاعلات ما يُعْرَف “بالجنوب العالمي” الراهنة، والتي تقودها الصين ثم روسيا والبرازيل بالأساس (تحت مظلة البريكس، ودون تبنّي أيديولوجية واضحة مناهضة لمقولات النظام العالمي الذي تقوده واشنطن)، ثم جنوب إفريقيا باسم بقية دول القارة، لتعمق، خلافًا للصورة الرائجة إعلاميًّا، أزمة القارة الإفريقية وهامشيتها وتبعيتها في عملية تطور النظام العالمي World Order الجارية في العام 2026م. فإفريقيا، باستثناء بارز لجمهورية جنوب إفريقيا ولأسباب تاريخية واقتصادية مفهومة من بينها الطبيعة الرأسمالية/ الغربية الجوهرية لهذه الدولة وتحولاتها الاستيطانية منذ منتصف القرن السابع عشر، تظل عالقة في حديقة هذه التفاعلات الخلفية بشكل لا تُخطئه العين. وبدا ذلك واضحًا في حدود التنافس، وليس الصراع، الصيني-الأمريكي في القارة منذ إطلاق عملية شنغهاي 1974م، والتي توصل البلدان بمقتضاها لتفاهمات في سياساتهما الخارجية وملفاتها المختلفة من بينها إفريقيا. والذي ستتبدى قسماته أشدّ وضوحًا في حالة الأزمة في الصومال، ورهانات الصين على فرصها الاقتصادية في المقام الأول في دول أخرى مثل السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإقليم الساحل، وغيرها.
وبشكل مُحدّد، تبرز حقيقة تجاور المصالح الصينية والأمريكية في العديد من النقاط الساخنة (سياسيًّا واقتصاديًّا وجيوسياسيًّا) في إفريقيا، استمرار وجود مستويين من التنافس الصيني-الأمريكي في إفريقيا:
ظاهري وهو جدية هذا التنافس، وربما وصفه بالصراع في أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تميل لطروحات صدامية وشعارات شعبوية تزيد من قوته التفاوضية لاحقًا. وضمني أو باطني، وهو وجود تفاهمات عملية بين البلدين في تقاسم المصالح والنفوذ والنهب في القارة، بل وتوطئة كل منهما لمصالح الآخر في بعض الحالات؛ مثلما يجري حاليًّا فيما يُعرَف بممر لوبيتو الذي يربط الكونغو بزامبيا وأنجولا؛ ففي الوقت الذي يواجه فيه التمويل الأمريكي والأوروبي مشكلات في المشروع، ولا سيما في زامبيا، تلقَّت الأخيرة دفعة قوية من الصين عقب زيارة وزير خارجيتها (نهاية نوفمبر 2025م) للوساكا للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود تقريبًا حاملًا معه تأكيدات بزيادة القروض التنموية الصينية لزامبيا (التي وصلت حتى نهاية العام الفائت 2025م إلى 5.7 بليون دولار)، ومساعدة بكين للوساكا في تجاوز أزمتها المالية، ويتوقع أن تكون تلك المساعدات من أهم أدوات مساعدة زامبيا في تمويل التزاماتها في ممر لوبيتو بشكل أو بآخر، أو حتى في تمويل عملية سداد زامبيا (الغنية بموارد النحاس) لديونها المستحقة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ مما دفَع البنك الدولي لتوقُّع أن تُسجّل زامبيا نموًّا في الاقتصاد بنسبة 6.5% في العام المقبل 2026م، وهو ما يفوق متوسط النمو في العقدين الأخيرين (وقف عند 5%).
ويبدو أن العام 2026م سيشهد الانتكاسة الأكبر في فرضية -متهالكة بالأساس، وإن تبنّاها عدد من أبرز المعنيين بالشأن الإفريقي في العقود الأخيرة- قوامها أن الصين هي التي ستُوازن “النفوذ والهيمنة الأمريكية في إفريقيا”، وتقود نظامًا ثنائي القطبية (اقتصاديًّا على الأقل) في الأخيرة، لصالح تصوُّرات أكثر واقعية (أعلن عنها عدد من رواد “نظرية التبعية في سبعينيات القرن الماضي، ومنهم المصري سمير أمين) بأن الصين جزء من نظام الهيمنة العالمية على إفريقيا بالفعل، والذي تقوده بلا منازع الولايات المتحدة حتى في فترات تراجع اهتمام واشنطن بالقارة “رسميًّا”.
مواجهة الإرهاب والعنف و”تسليع الوساطات”:
توقع تقرير مهم (5 يناير الجاري) بعنوان Global Terrorism Forecast 2026 (صادر عن جامعة نانيانج التكنولوجية بسنغافورة)، أن يشهد العام 2026م منافسة جيوسياسية حادة، وأن تؤثر المنافسات الدولية على التناغم الحكومي والاجتماعي في كثير من دول العالم؛ وأنه رغم انتشار أعمال العنف والإرهاب المتوقع في مختلف أنحاء العالم؛ فإن أكثر من 95% من الأعمال الإرهابية والعنيفة يتوقع أن تقع في مناطق الأزمات في السودان ومالي وليبيا ونيجيريا (من إفريقيا) وأفغانستان وباكستان وهجمات منعزلة في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا ونيوزيلندا.
كما سيشهد العام، بحسب التقرير، استمرار تمركز الأعمال الإرهابية في إفريقيا، وما أشارت له المعلومات التي تم جمعها من قواعد بيانات مواجهة الإرهاب من أن 60- 70% من الهجمات الإرهابية ستقع في الدول الإفريقية، ممّا يُعزّز فرضيات أن تظل داعش والمنظمات التابعة للقاعدة في إفريقيا هي أخطر الجماعات الإرهابية في العالم في العام 2026م.
كما قدَّمت International Crisis Group في ديسمبر 2025م قائمة بأهم وأخطر عشرة صراعات مرتقبة في العالم في العام 2026م ضمّت بالترتيب: فنزويلا، والسودان، وإثيوبيا- إريتريا، ومالي وبوركينا فاسو، وأوكرانيا، وسوريا، وإسرائيل- فلسطين، وإسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران والحوثيين، وميانمار، وأفغانستان- باكستان.
وهكذا يتوقع أن تحتل ثلاث مناطق نزاعات في إفريقيا صدارة القائمة بعد فنزويلا مباشرة؛ وإلى جانب السودان تظل الأزمة في إثيوبيا- إريتريا مُرشّحة بقوة للتصعيد؛ إذ لا تزال الاتهامات المتبادلة بين البلدين ساخنة، ويواصل مسؤولون إثيوبيون أبرزهم رئيس الوزراء آبي أحمد اتهام إريتريا بإثارة المشكلات في بلادهم “عبر تدريب وتسليح ميليشيات مناوئة للحكومة”، وفي المقابل تصف إريتريا إثيوبيا بالدولة المعتدية.
مع مواصلة إثيوبيا مساعيها للحصول على منفذ بحري “بشروط سيادية” في إريتريا حتى تُنْهِي وضعها كأكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، بحسب ملاحظة “مجموعة الأزمات الدولية” في تقريرها نفسه، وهو ما تراه أسمرا سياسة عدوانية تستهدف “احتلال ميناء عصب” الإريتري، وهي خلاصة تُوحي بها تصريحات أديس أبابا المتكررة.
ويتوقع التقرير أن تتحرَّك كينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا في العام الجاري لتأمين صمود “اتفاق بريتوريا”، والقيام بجولات مكوكية بين البلدين للتأكيد على مخاطر تداعي الاتفاق. ودعا التقرير الولايات المتحدة ودولًا مثل تركيا والصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج العربي للعب أدوار إيجابية للحيلولة دون تدهور الأزمة، واختتم التقرير ملاحظاته بخصوص هذا الملف بالتأكيد على أن أيّ “مواجهة جديدة بين البلدين هذه المرة وجيوشهما القوية ستكون كارثية لإقليمٍ خرَّبته بالفعل حرب التيجراي والحرب الراهنة في السودان”.
ويؤشر أسلوب الوساطة الأمريكية في أزمة شرق الكونغو في العام الماضي (وربط التدخل الأمريكي لصالح التسوية بنيل واشنطن امتيازات اقتصادية وحصص من معادن الكونغو الهامة)، إلى استدامة هذا الأسلوب؛ أو ما يمكن تسميته بتسعير الوساطة pricing of mediation، بشكل مباشر في العام الجاري، وليس من قبل الولايات المتحدة وحدها بل من قائمة شركاء إفريقيا الدوليين والإقليميين، على النحو الذي يتفق مع “تغيُّر” النظام العالمي بصورته الراهنة وتعمُّق تهميش القارة سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.











































