المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء .. حضوراً وتأثيراً

الناشر: مجلة قراءات إفريقية
العدد:
52, إبريل 2022
الترقيم الدولي: 2634-131X
السنة:
18
الصفحات:
80-93
المؤلف
: د. عربي بومدين و د. سمية رمدوم ـ الجزائر
تنزيل pdf

ملخص:
عرفت المجتمعات الإفريقية وجود منظمات المجتمع المدني منذ حقب موغلة في القدم؛ إذ اضطلعت بدور بارز في تقويض الأنظمة الاستعمارية إبان عهد الاستعمار، وكان بمقدورها أن تؤدي دورًا فاعلًا في مرحلة ما بعد الاستقلال. غير أن ارتباطها بأزمة "الدولانية" (بناء الدولة) وتداعيات الإرث الاستعماري أضفى سمات جوهرية على مفهوم المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء، جعلته يتمايز عن المفهوم الغربي السائد. ويُعزى ذلك إلى البنى الداخلية المحملة بممارسات ناجمة عن وشائج الماضي بالحاضر؛ حيث ورثت البلدان الإفريقية ممارسات تسلطية تغذيها الزبائنية وتشخيص السلطة (شخصنتها)، وهيمنة الحاكم على مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية عبر النظام التضامني (النقابوي/الكوربوراتي) في إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث يُوظَّف المجتمع المدني سياسيًا لخدمة الولاء للسلطة، وفي المقابل تحظى هذه المنظمات بامتيازات خاصة، فضلًا عن احتكار الدولة لوسائل الإعلام، لا سيما في ظل نظام الحزب الواحد، وتعاظم العقبات البيروقراطية؛ الأمر الذي أفضى إلى إضعاف الحس المدني وتعطيله، لا سيما حينما تغذيه النعرات القبلية والإثنية. وقد انتشرت منظمات المجتمع المدني في المنطقة في صورة نقابات، ومنظمات دينية، واتحادات مهنية أسهمت في موجات الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي في إفريقيا جنوب الصحراء، بما في ذلك جمعيات المحامين والصحفيين والمنظمات الفلاحية؛ في حين تعتمد فئات أخرى على الدعم الخارجي، مثل بعض المنظمات الدينية، مما يجعلها خاضعة لأجندات جهات خارجية. وقد واكبت الدول الإفريقية الإصلاحات الديمقراطية عبر توسيع نطاق انتشار مؤسسات المجتمع المدني في مجالات شتى، بما فيها حقوق الإنسان، علاوة على تطوير معاهد المجتمع المدني إقليميًا، بهدف تشجيع المجتمع على التعبير عن مصالحه. ومع ذلك، فإن غياب الفصل القاطع بين الدولة والمجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء يجعل الأخير طرفًا تابعًا في هذه المعادلة، ومن ثم يحمل المفهوم تعقيدات بالغة عند توظيفه في السياق الإفريقي. وفي المقابل، قد يُسهم المجتمع المدني في ترسيخ الديمقراطية عبر صعود الطبقة الوسطى التي تضطلع بدور محوري في بناء الجمعيات والمنظمات، بيد أنه لا يزال يصطدم بالمعضلات المالية، فضلًا عن عدم الاستقرار الأمني والسياسي في إفريقيا جنوب الصحراء. ومن هنا، لا يمكن تفعيل دور المجتمع المدني إلا عبر تحقيق استقلاليته وتعزيزها، من خلال مناقشة القضايا المجتمعية لرفع مستوى الوعي السياسي، والتربية المدنية، وتهيئة بيئة مواتية للعمل السياسي، ومواءمة الآليات الغربية مع خصوصيات المجتمعات الإفريقية، ونشر ثقافة الحوار والمساءلة واحترام الآخر.
Scroll to Top