المسيحية ودورها في التحول الاجتماعي في إفريقيا

الناشر: مجلة قراءات إفريقية
العدد:
51, يناير 2022
الترقيم الدولي: 2634-131X
السنة:
18
الصفحات:
6-17
المؤلف
: أحمد محمد أحمد إسماعيل
تنزيل pdf

ملخص:
تقدم الكنيسة المسيحية باعتبارها الديانة الكبرى في إفريقيا والعالم بأسره، وذلك وفقاً لإحصاءات صادرة عن مراكز أبحاث متخصصة في علم الاجتماع الديني. وقد دخلت المسيحية إلى إفريقيا عبر مرحلتين؛ كانت أولاهما مبكرة للغاية منذ القرن الأول الميلادي على أيدي بعض حواريي المسيح - عليه السلام - وأوائل المسيحيين، غير أنها انحصرت في مصر وشمال إفريقيا وإثيوبيا، ولاحقاً في ممالك النوبة، ثم تراجعت تلك المسيحية الأولى بعد ظهور الإسلام في ظاهرة لافتة، ولم يعد لها وجود يُذكر سوى في مصر وإثيوبيا. أما المرحلة الثانية فكانت متأخرة نسبياً، حيث بدأت مع قدوم البعثات التبشيرية الأوروبية إلى إفريقيا جنوب الصحراء تحت غطاء ما عُرف بـ "حملات الاستكشاف الجغرافي" في القرن الخامس عشر الميلادي، وتواصل تدفق المبشرين على القارة ليتصاعد بصورة لافتة خلال القرن التاسع عشر، ولا يزال مستمراً حتى يومنا هذا بأشكال متعددة. وقد استفادت المسيحية في تمددها داخل إفريقيا بشكل كبير من القوة العسكرية والسياسية المتمثلة في الحملات الاستعمارية والسلطات التي أقامتها، كما اقترن ظهورها بممارسات شائنة؛ كحملات صيد واسترقاق البشر ونقلهم إلى العالم الجديد (الأمريكتين)، فضلاً عن استغلال حاجة الناس لإقناعهم باعتناق المسيحية فيما عُرف بـ (التبشير). وتتسم علاقة المسيحية بالمجتمعات الإفريقية بالتعقيد الشديد، نظراً لوجود تباينات جوهرية بين طبيعة التعاليم والمعتقدات المسيحية من جهة، وطبيعة وفطرة الإنسان الإفريقي من جهة أخرى، غير أن المسيحية اعتمدت في انتشارها الواسع - إن جاز التعبير - على تحالفها الاستراتيجي مع السلطة الاستعمارية، كما وظفت التعليم لتنشئة نخب وطنية أصبحت لاحقاً خليفة المستعمر في تولي مقاليد الحكم بالدول الإفريقية. ويمكن تصنيف التحولات الاجتماعية التي أحدثتها المسيحية في إفريقيا، في معظمها، ضمن خانة الاختلالات؛ كترسيخ مفهوم التبعية للغرب، وازدواجية الهوية الدينية، وتصدع التماسك الاجتماعي، وتقويض الأنماط الاقتصادية الإفريقية البسيطة القائمة على الإنتاج والاكتفاء الذاتي لصالح اقتصاد السوق والأنماط الاستهلاكية الغربية، إلى جانب بث الأحقاد والضغائن الطائفية، في حين يُعد جزء من هذه التحولات تحولات إيجابية وإن لم تخلُ من المآخذ، مثل نشر التعليم وتوفير الرعاية الصحية والمساهمة في مكافحة الأوبئة والأمراض. وقد أدى إصرار الكنائس التقليدية (البعثات التبشيرية) على فرض النموذج الثقافي الغربي وأنماط الحياة الأوروبية على الأفارقة، مقترناً بازدراء الثقافة والطقوس الإفريقية ووسمها بالشر والوثنية دون تقديم نموذج ديني متكامل يُقنع الإفريقي بأفضلية ما جاءت به المسيحية مقارنة بما لديه، إلى تفاقم الصراع الداخلي لدى الإنسان الإفريقي بين تعاليم هذا الدين الجديد ونزوعه الفطري نحو موروثاته التي تشكل بيئته الثقافية والاجتماعية واحترامه لها، وانتهى الأمر بثورة إفريقية على المسيحية في صورتها الغربية تمثلت في تيار ما يُسمى بـ (الكنائس الجديدة) أو (الكنائس المستقلة)، والتي رفضت خط المبشرين وفرضت تفسيراتها الخاصة للمسيحية بما يتواءم مع المعتقدات الإفريقية التقليدية، متجاهلة انتقادات المبشرين والكنيسة العالمية والفاتيكان رغم تصنيفهم لها كحركات منشقة أو مرتدة. وهكذا، وجدت الكنيسة العالمية نفسها مجبرة بصورة جلية على التخلي عن كثير من أصولها العقائدية لصالح المعتقدات الإفريقية المحلية بغية الحفاظ على وجودها من التلاشي، لا سيما مع تحول كثير من أتباعها إلى الإسلام أو ارتدادهم إلى جذورهم الإفريقية، الأمر الذي أفضى إلى تشكل (مسيحية إفريقية) ذات طابع خاص ضمن ما يُعرف بـ اللاهوت السياقي.
Scroll to Top