أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

نات تيرنر: زعيم إحدى أكثر ثورات "العبيد" دمويَّة في أمريكا

يُعتبر "نات تيرنر" (1800-1831م) Nat Turner زعيم إحدى أكثر ثورات “العبيد” دموية في أمريكا ما قبل الحرب الأهلية. والتي أثارت الرُّعْب في قلوب البيض خلال أوائل ثلاثينيات القرن التاسع عشر.

ويُشكّك العديد من المؤرخين في التغييرات التي أحدثها ذلك التمرُّد. وما إذا كان تمرُّد "تيرنر" قد تسبَّب في سلسلة من الأحداث وردود الأفعال حول قضية العبوديَّة داخل أمريكا، والذي بدوره في نهاية المطاف أدَّى إلى زوال العبوديَّة. وللقيام بذلك، من المهم فَهْم سياق مجتمع ما قبل الحرب، وكيف فسَّر المؤرخون على مدار الوقت خصائص وسمات العبيد؟

أولًا: النشأة والسمات والخبرات الشخصية لـ"تيرنر":

1- من هو "نات تيرنر"؟

كان "نات تيرنر" شخصًا مستعبَدًا أصبح –فيما بعد- واعظًا، استطاع كتابة اسمه في التاريخ كزعيم لواحدة من أكثر ثورات “العبيد” دموية داخل أمريكا في الحادي والعشرين من أغسطس سنة 1831م. وبعد التمرد، اختبأ "تيرنر" لمدة ستة أسابيع، وفي النهاية تم القبض عليه، وشُنِقَ لاحقًا. لتتسبب هذه الواقعة في إنهاء حركة التحرر في تلك المنطقة، وأدَّت كذلك إلى سنّ قوانين أشد ضراوة ضد المستعبَدين. فبينما أصبح "تيرنر" رمزًا لحركة القوة السوداء في ستينيات القرن العشرين، انتقده آخرون لاستخدامه العنف كوسيلة للمطالبة بالتغيير.

2- حياته المبكرة

وُلِدَ "تيرنر" في الثاني من أكتوبر سنة 1800م في مقاطعة "ساوثهامبتون" Southampton بولاية "فيرجينيا" Virginia بمزرعة "بنيامين تيرنر" Benjamin Turner. كانت والدته تُدْعَى "نانسي" Nancy، لكن لا يُعْرَف الكثير عن والده. وقد سمح مالكه "بنيامين" بتعليمه القراءة والكتابة والكتاب المقدس.

وعندما كان طفلاً صغيرًا، كان يُعتقد أن "تيرنر" يتمتع ببعض المواهب الخاصة؛ حيث كان بإمكانه وصف الأشياء التي حدثت قبل ولادته. حتى إن البعض كان يظن أنه "سيكون نبيًّا". فوفقًا لاعترافه الأخير؛ أخبرته والدته وجدته أنَّه "كان مُعَدًّا لهدفٍ عظيمٍ". وهو ما جعله شديد التدين؛ حيث قضى معظم وقته في قراءة الكتاب المقدس والصلاة والصوم.

ومع مرور السنين، عمل "تيرنر" في عدد من المزارع المختلفة. كما هرب من "صامويل تيرنر" Samuel Turner، شقيق مالكه السابق في سنة 1821م. وبعد 30 يومًا من الاختباء في الغابة، عاد "تيرنر" إلى مزرعة "صامويل" بعد أن تلقَّى ما يعتقد أنه علامة من الله. وبعد وفاة "صامويل"، أصبح "تيرنر" عبدًا لـ"توماس مور" Thomas Moore، ومِن ثَمَّ عبدًا لأرملته. وعندما تزوجت من "جون ترافيس" John Travis، انتقل "تيرنر" للعمل في أملاك "ترافيس".

3- تمرد "تيرنر"

في الحادي والعشرين من أغسطس سنة 1831م، بدأ "تيرنر" وأنصاره ثورة ضد المُلَّاك البيض، فقام في البداية بقتل عائلة مالكه "ترافيس".

كان "تيرنر" يؤمن بالمعجزات؛ حيث ادَّعى "سماع الأصوات الإلهية"، وبأنه رأى في سنة 1825م "صراعًا دمويًّا بين الأرواح السوداء والبيضاء". وبعد ثلاث سنوات، كان لديه ما يعتقد أنه رسالة أخرى من الله. ففي اعترافه اللاحق، أوضح "تيرنر" أنه: "قد ظهر لي الروح على الفور، وأخبرني بأن الشيطان قد تحرَّر، وأن المسيح وضع النير الذي تحمَّلَه من أجل خطايا الرجال، فحملته عنه، وأُخبرت أن أقاتل الشيطان". وادعى كذلك أنه تلقَّى علامة أخرى تُخبره بموعد التمرد، ولكن هذه الرسالة الأخيرة كانت بمثابة إشارة تعني: أنه "يجب أن أتحرك وأعمل على تجهيز نفسي وأقتل أعدائي بأسلحتهم الخاصة".

التقط "تيرنر" كسوفًا شمسيًّا حدث في فبراير سنة 1831م، وهو ما اعتبره إشارة إلى أن وقت النهوض قد حان؛ حيث قام بتجنيد العديد من “العبيد” الآخرين للانضمام إليه في قضيته. فجمع "تيرنر" المزيد من المؤيدين -وصل إلى ما مجموعه 40 إلى 50 من العبيد– الذين واصلوا معه موجة العنف عبر المقاطعة. واستطاعوا تأمين الأسلحة والخيول من أولئك الذين قُتِلُوا. وسجَّلت معظم المصادر أن حوالي 55 من الرجال والنساء والأطفال البيض قد لقوا حتفهم جراء تمرد "تيرنر".

في بداية التمرد، خطط "تيرنر" للوصول إلى مقر مقاطعة "القدس"، والاستيلاء على مستودع الأسلحة هناك، وهو ما تم إحباطه؛ حيث واجهوا مجموعة من الرجال البيض المسلحين في مزرعة بالقرب من "القدس"، وسرعان ما تحوَّل الصراع إلى حالة من الفوضى؛ فَرَّ على إثرها إلى الغابة لينجو بحياته.

وبينما كان "تيرنر" يختبئ في الغابة، قام بعض الغوغاء البيض بعمليات انتقامية من السود في مقاطعة "ساوثهامبتون"؛ حيث تتراوح تقديرات الضحايا من مائة إلى مائتين أمريكي من أصل إفريقي تم ذبحهم أثناء وبعد التمرد.

4- موت "تيرنر"

تم القبض على "تيرنر" في نهاية المطاف في الثلاثين من أكتوبر سنة 1831م. وقام المحامي "توماس جراي" Thomas R. Gray بتمثيله أمام المحكمة، وهو نفسه الذي كتب "اعتراف تيرنر". وقد أقر "تيرنر" أثناء محاكمته بأنه غير مذنب، لكنه في الوقت نفسه كان مؤمنًا بأن تمرُّده من تصريف الله وقدَره. وتم إصدار الحكم بإعدامه شنقًا، وتنفيذه في الحادي عشر من نوفمبر سنة 1831م. وواجه العديد من المتآمرين معه المصير نفسه.

جلبت هذه الحادثة الخوف والرعب إلى قلوب الجنوبيين، منهيةً حركة التحرُّر المنظمة في تلك المنطقة. وبدلًا من ذلك قامت الولايات الجنوبية بسَنّ العديد من القوانين الأكثر صرامة ضد المستعبدين. كما أشعلت ثورة "تيرنر" الحماسة في قلوب ممثلي حركة إلغاء العبودية في الشمال؛ حيث قام "ويليام لويد جاريسون" William Lloyd Garrison، أحد أبرز المناهضين للعبودية، بنشر افتتاحية جريدته "المحرر" The Liberator بدعم "تيرنر" إلى حد ما.

وعلى مر السنين بعد إعدامه، برز "تيرنر" كبطل ديني متشدد وراديكالي. كما أصبح رمزًا مهمًّا لحركة "القوة السوداء" في ستينيات القرن العشرين، ومثالًا لأمريكي من أصل إفريقي وقف في مواجهة اضطهاد البيض.

وقدم آخرون وجهة نظر معارضة بسبب ذبح "تيرنر" العشوائي للرجال والنساء والأطفال أثناء محاولته تحقيق غايته. وهو ما عبَّر عنه المؤرخ "سكوت فرينش" Scot French لصحيفة "نيويورك تايمز" The New York Times، بأن: "قبول [نات تيرنر] ووضعه في مصاف الأبطال الثوريين الأمريكيين هو بمثابة إقرار بالعنف كوسيلة للتغيير الاجتماعي". ومع ذلك لا زالت تعيش قصته، وتحيا رمزيتها، فهي ذات صلة بأسئلة لا زالت مطروحة إلى اليوم، حول كيفية التنظيم والبحث عن الوسائل الممكنة من أجل التغيير.

ثانيًا: السياق الفكري والسياسي والتاريخي المعاصر لـ"نات تيرنر"

خاض المستعمرون البيض الحرب الثورية (1775-1783م) للحصول على حريتهم الوطنية. وأعلنوا استقلالهم وحصلوا على الحرية من بريطانيا العظمى. لكن هل كان الأمريكيون الأوائل على استعداد لمنح نفس الحريات لعبيدهم؟

عند صياغة قوانين أمتهم الجديدة، ناقش "توماس جيفرسون" Thomas Jefferson، و"جورج واشنطن" George Washington، والآباء المؤسسون الآخرون مسألة العبودية. وذلك نتيجة استشعارهم للقلق من فكرة امتلاك الأمريكيين للعبيد. فمع نموّ الولايات المتحدة، لم يرغب العديد من مؤسّسي الدولة في امتداد العبودية إلى مناطق جديدة. ومع ذلك، لم يسعوا لاتخاذ قرار بإنهائها بشكل مُطلق؛ حيث كانوا يخشون من أن يؤدِّي إنهاء العبودية إلى الإضرار بالاقتصاد الجنوبي. وهو ما جعلهم عاجزين عن إيجاد طريقة للتعامل مع “العبيد” المحرَّرين. فقد كانت فكرة المساواة بين الأبيض والأسود مستبعَدة وغير متخيَّلة. حتى "جيفرسون" و"واشنطن" أنفسهم كانوا يمتلكون المزيد من العبيد.

اعترف الآباء المؤسِّسون سرًّا بأن العبودية تتعارض مع المُثُل العليا لإعلان الاستقلال ووثيقة الحقوق. ووعدوا أن هذه الوثائق بالحقوق الأساسية والمساواة تم إعدادها لتشمل الجميع. كما صاغ الآباء المؤسسون تسوية تشريعية تقضي بتأجيل العمل على مصير مؤسسة العبودية ككل لمدة 20 عامًا على الأقل. واتفقوا فيما بينهم على أن من الأفضل ترك هذه المشكلة للأجيال القادمة لمعالجتها، كما تقرّر حظر استيراد “العبيد” من الخارج ليس في لحظة كتابة الدستور وتأسيس الأمة، ولكن في سنة 1808م.

لذلك كان القرن التاسع عشر هو القرن الأكثر زخمًا في طرح المطالبات التي دعت إلى إنهاء العبودية؛ حيث انتشرت أفكار مناهضة العبودية في الولايات الشمالية. وبحلول ثلاثينيات القرن التاسع عشر كان المناصرون لإلغاء الرق يعملون بجدّ لإنهاء العبودية في جميع أنحاء البلاد. واستمرت هذه الآراء الشمالية والجنوبية حول العبودية في التباعد حتى جمعت الحرب الأهلية كلمة الشمال والجنوب على رأي واحد.

كان “العبيد” في الجنوب يعيشون حياة أقل ما تُوصَف بأنها كانت سيئة للغاية، فقد أصبحت فُرص الحرية محفوفة بالمخاطر. وثار بعض “العبيد” على أسيادهم، واستخدموا السلاح والقوة أحيانًا للمطالبة بحريتهم. كان أهم هذه التحركات في عام 1822م؛ حيث خطط أمريكي من أصل إفريقي حُر يُدعى "دنمارك فيسي" Denmark Vesey لتمرد في "تشارلستون" بولاية "ساوث كارولينا". لكن سرعان ما تم اكتشاف الخطة قبل اندلاع الثورة. ومحاكمة "فيسي" وشنقه ومعه 35 شخصًا يُشتبه في مشاركتهم له في التمرد. وبعد تسع سنوات فقط قاد الواعظ المستعبد "نات تيرنر" انتفاضة في مقاطعة "ساوثهامبتون" بولاية "فيرجينيا". واستمر التمرد لمدة يومين قُتِلَ فيه عددٌ من البيض. وبعد حوالي شهرين تم القبض على "تيرنر" وإعدامه.

ثالثًا: منطلقات "نات تيرنر" الفكرية

ظلت رواية تمرد "نات تيرنر" منذ أغسطس سنة 1831م، وحتى الآن تُروى بأكثر من صيغة، وبتحليلات عديدة؛ حيث اختلف العلماء والمؤرخين حول نطاق الحدث وأهميته، لكنهم في النهاية اتفقوا إلى حد كبير على عدة حقائق أساسية: وهي أن "نات تيرنر" قائد لشعبه وصاحب قضية، وواعظٌ أسود مُلهم من مقاطعة "ساوثهامبتون" بولاية "فيرجينيا"، قاد مجموعة من “العبيد” السود في ثورة استمرت لمدة يومين فقط، لكنها خلّفت العشرات من البيض قتلى، وأصابت السياسيين والسكان البيض بالذعر. فتجمعت قوة ضخمة من رجال الميليشيات والمتطوعين المسلحين في المنطقة، ومن ثَمَّ قاموا بسحق التمرد. كما قام الحراس البيض المحليون، في تحدٍّ لأوامر السلطات المدنية والعسكرية، بقتل العشرات من العبيد، ودفع المئات من الأشخاص الأحرار الملونين إلى المنفى. واستعصى "تيرنر" في البداية على الأَسْر لأكثر من شهرين، لكنه استسلم أخيرًا لمزارع محلِّي وجد "تيرنر" مختبئًا في كهف. وبعد أسره أجرى المحامي "توماس جراي" مقابلة شخصية مع "تيرنر" في زنزانته بالسجن، ومِن ثَمَّ سجَّل "اعترافاته"، والتي قام بنشرها في شكل كتيب بعد وقت قصير من إعدام "تيرنر". وقد ناقشت "الجمعية العامة لفيرجينيا" في أعقاب التمرد مباشرة، خططًا للإلغاء التدريجي للعبودية، وإزالة جميع الأشخاص الأحرار الملونين من الكومنولث. وفي النهاية، قرر المشرعون في الولاية بأغلبية ضئيلة إرجاء اتخاذ أي إجراءات بشأن مثل هذه الإصلاحات الشاملة، وبدلاً من ذلك أقروا إجراءات تهدف إلى إحكام السيطرة على العبيد، وكذلك السكان السود الأحرار. كما ظلت ذكريات تحرك "تيرنر" محفوظة في كتب التوثيق والتاريخ المعتمدة رسميًّا، وكذلك التقاليد الشفهية المغمورة، وهو ما يجدد إثارة المشاعر، ويساعد على تحفيز النقاش لأجيال قادمة.

ولعل "تمرد تيرنر" يطرح ثلاثة أسئلة مترابطة: حول كيفية اتفاق الأمريكيين من مختلف الأطياف الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية على الخطوط العريضة العامة للحدث المعروف باسم "تمرد نات تيرنر"، بينما يختلفون بشدة حول فهم وتفسير معناه؟ وكيف كانت رؤية هذا الحدث التاريخي وتفسيره لمجموعات مختلفة داخل المجتمع الأمريكي وعلاقاته التاريخية بالأمة ككل؟ وإلى أي مدى أدت التغييرات الكبيرة في العلاقات الاجتماعية والمفاهيم المتطورة للعرق والجنسية إلى تغيير التصورات عن العبودية الأمريكية، وتمرّد “العبيد” الأمريكيين على مدى المائة وتسعين عامًا الماضية؟ هذه الأسئلة وغيرها قد تجعل من تحليل توجهات "تيرنر" الفكرية أهمية مُلِحَّة، وذلك في محاولة لفهم طبيعة الحوادث العنصرية التي لا زالت تدفع السود داخل أمريكا إلى التحرُّك، ولعل أهم فكرة مثَّلت أساسًا لتمرد "تيرنر" هي "نقد نظرية العبد الطّيِّعُ". والتي يمكن تناولها ومناقشتها بالتفصيل.

نقد نظرية العبد الطّيِّع

كان التفسير السائد لخصائص مجتمع “العبيد” في سياق المجتمع الأمريكي قبل الحرب الأهلية؛ هي صورة العبد الخاضع المُطِيع لأسياده، وتتحدَّى بعض الدراسات السابقة، مثل تلك التي أجراها "فيليبس" U.B. Phillips و"وليام ستيرون" William Styron، اللذان ابتكرا أيديولوجيةً صورت “العبيد” بأنهم خاضعون، ومطيعون، وسعداء بمصيرهم. متجاهلين بعض التفسيرات التاريخية التي قدَّمت الكثير من الدلائل على أن هذه الأساطير أو الاستنتاجات السابقة غير دقيقة. لذلك فمن المهم فهم سياق مجتمع ما قبل الحرب وكيف فَسَّر المؤرخون على مدار الوقت خصائص العبيد.

تم إنشاء نظرية العبد الطّيِّع نتيجة الأساطير التي نُقلت عن مالكي العبيد، الذين أرادوا تصوير “العبيد” على أنهم سعداء طالما توفرت الراحة لأسيادهم. كما يعتقد مالكو “العبيد” أن عبيدهم غير قادرين على معرفة أي شيء أفضل من اتباع أوامر مالكيهم والمشرفين عليهم. وهو ما جعل بعض المؤرخين المعاصرين يحاولون تحدّي هذه المعتقدات ورفضها، والتي ظلت لفترات طويلة. فعلى سبيل المثال، صرح "هربرت أبتكر" Herbert Aptheker بأن هناك "أدلة تشير على عكس ذلك، وإلى الاستنتاج بأن السخط والتمرد لم يكونا شائعين للغاية فحسب، بل هما في الواقع كانا سمة مميزة للعبيد الزنوج الأمريكيين".

وهو ما أدَّى إلى ظهور اضطرابات بين العبيد، وظهور أشكال مختلفة من المقاومة لوضع حدّ لمؤسسة العبودية وممارستها. لقد ثبت خطأ الفكرة المضللة التي سادت في التاريخ المعاصر والحديث عن الرق، الذي يحدّد كيفية وجود اضطرابات “العبيد” في المزرعة. وهو ما أكَّده المؤرخ المعاصر "جون بلاسينجيم" John Blassingame، والذي أصرَّ على رأيه بأن: "الغالبية العظمى من السود إما متورطين بنشاط في المؤامرات والثورات أو متعاطفين معها، وهو ما يُعَدّ مؤشرًا واضحًا على استعداد “العبيد” الأمريكيين للقتال من أجل حريتهم. في مواجهة حالة اليأس من إنهاء العبودية". لذلك استخدم “العبيد” العديد من التكتيكات المختلفة لمقاومة العبودية. كما أن الأدلة الدامغة التي تم العثور عليها في روايات تمردات “العبيد” تشوّه فكرة العبد السعيد. ومن المهم كذلك تحديد أن بعض هذه الثورات والتمردات حظيت بمساعدة وأحيانًا قيادة السود الأحرار، كما استغل مناهضو العبودية من السود الأحرار والناشطين البيض هذه التمردات والثورات للمطالبة بضرورة إلغاء العبودية لخطورة استمرارها على الجميع.

بخلاف ما قام من ثورات وتمردات قبل القرن التاسع عشر، ظهر مع جيل السود المتعلمين وانتشار الكتابة قبل "تمرد تيرنر" أعنف خطيب لإلغاء الرق، وهو "ديفيد ووكر" David Walker. أحد المطالبين البارزين بإلغاء العبودية، والذي أجبر عمله الراديكالي المتشدد العديد من مالكي “العبيد” الجنوبيين إلى حظر عمله، وإصدار أوامر بتوقيفه، وحتى نشر مكافآت للتخلص منه. فقد كان لندائه الشهير: "نداء ديفيد ووكر"، والذي أدان من خلاله مخاطر العنصرية والعبودية على الولايات المتحدة، ودعوته المتشددة والواسعة النطاق لحمل السلاح، وحثّه على ضرورة التحرّر الفوري للعبيد، تداعيات كبيرة في التاريخ الأمريكي. وهو ما أثار السخط بين “العبيد” ودفعهم للتمرد، والأهم أن نداء "ووكر" كان أحد الأسباب الرئيسية لثورة "تيرنر".

حدث تمردان آخران مثيران للجدل، داخل جيل "تيرنر". قاد هذه التمردات "دنمارك فيسي" Denmark Vesey و"جابريل بروسر" Gabriel Prosser. حيث قاد "بروسر" الثورة الأولى في مطلع القرن التاسع عشر في عام 1800م. و"بروسر" كان عبدًا من مقاطعة "هنريكو" Henrico  بولاية "فيرجينيا". في سن الخامسة والعشرين، انتفض ضد وحشية العبودية؛ حيث قام بوضع خطة مفصلة اعتمد فيها على تجنيد حوالي ألف عبد لمساعدته في تولّي أمر "ريتشموند" Richmond بولاية "فيرجينيا".

كما أشارت بعض التقارير إلى أن "بروسر" خطَّط لتجنيد عشرة آلاف عبدٍ لمساندته في نُصرة قضيته. وقبل تحقيق ما كان يصبو إليه؛ خانه أحد “العبيد” ممَّا أدَّى إلى اعتقاله. ونتيجة لذلك قام حاكم ولاية "فرجينيا" والرئيس المستقبلي للولايات المتحدة "جيمس مونرو" James Monroe، بالتصرُّف على الفور، من خلال إعدام "بروسر" والمتآمرين معه.

إن مجرد التفكير في أن العبد كان قادرًا على التخطيط وتنظيم تمرد من شأنه تجنيد عدة آلاف من العبيد، أدَّى إلى موجة صادمة من الخوف والذعر بين أفراد مجتمع البيض. وامتد هذا الخوف إلى مناطق أخرى بسرعة كبيرة؛ حيث قال "مونرو": "لقد لُوحِظ بوضوح أن معظم “العبيد” في هذه المدينة [ريتشموند] وأحيائها كانوا مؤيدين للتمرد، وأن التأييد امتد إلى العديد من المقاطعات المجاورة؛ [هانوفر] Hanover؛ [كارولين] Caroline، [لويزا] Louisa، [تشيسترفيلد] Chesterfield، وإلى حي [بوينت أوف ذا فورك] Point of the Fork؛ وكان هناك سبب وجيه للاعتقاد بأن المعرفة بمثل هذا المشروع عمت أجزاء أخرى، إن لم تكن الدولة بأكملها".

قاد "دنمارك فيسي" الثورة الرئيسية التالية في الشرق سنة 1822م. وفي ظل الخوف من تمرد "بروسر" الفاشل الذي لا يزال في ذاكرتهم، كان الجنوبيون البيض أكثر يقظة لمنع حدوث ثورات في المستقبل خاصة في "ساوث كارولينا"؛ حيث فاق عدد الأمريكيين الأفارقة عدد البيض في أجزاء كثيرة من الولاية. وفي بعض الأماكن، فاق عددهم عدد البيض بنسبة ثلاثة إلى واحد. ومن بين جميع الناس، لم يشك البيض في ظهور "فيسي" الحُرّ كقائد لثورة العبيد؛ حيث حصل على حريته في سنة 1800م، ليصبح مواطنًا محترمًا في "تشارلستون"، وامتلك عملًا حرفيًّا مثَّل إضافة كبيرة لوضعه. في ذلك الوقت، كانت "ساوث كارولينا" تعاني من مشاكل اقتصادية أدَّت إلى انتقادات متزايدة تجاه السياسيين الذين فشلوا في حلّ الأزمة. وفي هذا المناخ المشحون، أصبح البيض أكثر تشككًا في العبيد، معتقدين أنهم كانوا يخططون للتمرُّد. ومع هذا التصوّر الذي يلوح في الأفق، نما الاضطهاد الأبيض ضد “العبيد” إلى مستويات لا تُطاق.

ويجادل William F. Cheek بقوله: "لقد حفَّزت الظروف المحلية وحالة الشك المتزايدة على الثورة"، كما أشار الكاتب "الزنجي" "ويليام ويلز براون" William Wells Brown: "بأن جميع الإجراءات في [ساوث كارولينا] كانت الأكثر قمعًا للسُّود من بين جميع الولايات الجنوبية".

في هذا الجو القمعي، نظَّم "فيسي" مجموعة من المتآمرين للتخطيط إلى تمرُّد بالولاية يستهدف تحرير “العبيد” والهجرة عبر البحر إلى "هايتي". لكن سرعان ما سمع البيض بالمؤامرة، ممَّا أدَّى إلى اعتقال المتآمرين بمن فيهم "فيسى". وتلا ذلك محاكمة تم الكشف فيها عن تفاصيل المؤامرة؛ حيث أقر الشهود بأن "فيسي" خطَّط لانتفاضة شملت 9000 أمريكي من أصل إفريقي من الأحرار والمستعبدين. لتُسْفِر المحاكمة في نهاية الأمر عن إدانة "فيسي"، وإصدار حُكم الإعدام بحقه في الثاني من يوليو سنة 1822م.

وعلى عكس المؤامرات السابقة غير الناجحة لـ"فيسي" و "بروسر"، نفَّذ "نات تيرنر" بالفعل خططه بهدف نشر الخوف والذعر في جميع أنحاء الجنوب؛ نظرًا لكون تمرُّده بمثابة الضربة القاصمة التي استهدفت سويداء قلب العبودية. وفي ضوء التخطيط للثورات السابقة، لم يكن "تيرنر" انحرافًا عنها. بل كان الأحدث والأكثر زخمًا في سلسلة أكبر لمؤامرات “العبيد” وتمردهم.

ويتضح من الاختلافات الواسعة في التمردات الثلاث السابقة، أن “العبيد” قاوموا بنشاط استعبادهم من خلال أساليب متنوعة، واستخدموا تكتيكات مختلفة، بما في ذلك المقاومة اليومية، والمكر، والخداع، والهروب، والتسمم، والتمرُّد الذي كان أكثر أشكال المقاومة ضراوة. وبنجاح "تيرنر" في بثّ الرعب، كان أشدهم وحشية وتأثيرًا كذلك.

فبعد عدة محاولات فاشلة ممن سبقوه، نفَّذ "تيرنر" وشركاؤه المرحلة الأولى من خطتهم مساء الواحد والعشرين من أغسطس لعام 1831م. من خلال مهاجمة عائلة سيده "ترافيس". وفي اعترافاته أكد "تيرنر" على أنه: "تم الاتفاق على أنه يجب أن نبدأ سريعًا من منزل [السيد ترافيس] Mr. J Travis في تلك الليلة، حتى نضمن التسليح والتجهيز الجيد، وجمع القوة الكافية، لاستغلال الوقت الذي لم يكن في صالحنا".

وفي ذلك المساء، هاجم "تيرنر" وأتباعه عائلة "ترافيس". بالطبع لم يكن ضمن مخططهم "الذبح العشوائي"، لكنهم أرادوا توجيه ضربة أولية مروّعة من شأنها أن تشل أيّ مقاومة لفترة معينة من الوقت. وهو ما أكَّده "أبتكر": بأن "الذبح العشوائي لم يكن نيتهم ​​بعد أن حصلوا على موطئ قدم، لكنه كان ضرورة في البداية لإعطاء إنذار شديد اللهجة لمن يفكّر باعتراض طريق الثوار". كما يعتقد "تيرنر" أن الهجوم والقتل كانت ضمن حلول تهدف إلى بثّ الرعب في قلوب مالكي “العبيد” داخل الولاية. وهو ما يعني أن "تيرنر" أراد الإدلاء ببيان عملي يُسْمَع صداه في جميع أنحاء الجنوب.

أدى النجاح المبكر للثورة إلى تمكُّن "تيرنر" من جذب مجموعة أكبر من الأتباع، الذين بدورهم استلهموا من الشجاعة التي بدأ بها "تيرنر" تمرُّده؛ حيث عمليات القتل والفزع التي حرص عليها "تيرنر" في بداية تحركه. وهو ما أكده "جون داف" John Duff: بأن "في كل مزرعة وجدوا مجندين، كانوا خاضعين بشكل كبير لأسيادهم في اليوم السابق، وربما دفَعهم سيدهم للغناء والرقص أمام زواره الشماليين، لكنهم وبعد تحرك [تيرنر] تحولوا جميعًا إلى شياطين مشاركين للانتقام الفوري؛ حاملين في أيديهم سيفًا أو بندقية".

وبعد أن ساعده عدد من “العبيد” في انتفاضته، قرر "تيرنر" تقسيم قوته إلى مجموعتين، وبالتالي توسيع مساره المدمر في جميع أنحاء مقاطعة "ساوثهامبتون". ويشير المؤرخ "مايكل مولينز" Michael Mullins إلى أن تكتيكات "تيرنر" كانت سليمة من حيث فهمه لطبيعة التضاريس، وذلك وفقًا لـ"هنري تراجل" Henry Tragle، الضابط العسكري السابق الذي درس التمرد عن كثب أكثر من أيّ شخص آخر، واستطاع أن يقدّم أفضل توثيق تاريخي للحدث.

ونتيجة لانقسام قواته، أصبح "تيرنر" يفتقر إلى القوة الكافية لصدّ ميليشيات مدرَّبة بشكل جيّد. فبينما ذهبت مجموعة من رجال "تيرنر" إلى منزل "جيمس باركر" James Parker، واجه "تيرنر" والأعضاء المتبقون ميليشيا محلية أرسلها الحاكم لقمع التمرد. وحتى هذه اللحظة، لم يواجه "تيرنر" وقواته المكونة من خمسين عبدًا مقاومة مسلحة ومنظمة. كما لم يكن مستعدًّا كذلك لمواجهة جيش منظَّم، ولكنه كان مصمِّمًا أكثر من أي وقت مضى على الاستمرار، ولم يقرر التوقف عن القتال للحظة واحدة.

وبعد أن اكتسبت خبرة أكبر في القتال، فتحت الميليشيا المحلية النار على “العبيد” المتمردين، مما أوقع المتمردين في حيرة شديدة، والاختيار بين المواجهة والموت أو الهروب من المعركة. وغير قادر على استعادة النظام، قرر "تيرنر" مواصلة المواجهة. وبعد بضع مناوشات، تراجعت القوات المرسلة، وقوبلت بميليشيات إضافية للمساعدة في قمع التمرد؛ حيث تمركزت المليشيا المحلية وتعزيزاتها على جسر يؤدي إلى مدينة "القدس"، والذي "كان ينوي "تيرنر" عبوره. لذلك انتقل "تيرنر" إلى مزرعة "باركر".

وبينما كان "تيرنر" وقواته يستريحون في منزل "باركر"، تحرك "باركر" والعبيد الموالون له في مزرعته لمواجهة "تيرنر" ومن معه؛ حيث قامت عائلة "باركر" بمساعدة “العبيد” الموالين بنصب كمين لـ"تيرنر" وقواته. مما أدَّى إلى فرار "تيرنر" واثنين آخرين من المتمردين من ساحة المعركة، على أمل تجنيد المزيد من “العبيد” ومواصلة التمرد.

وفي غضون ساعات قليلة، تم القبض على اثنين من الذين هربا برفقة "تيرنر". ونتيجة للضغط الذي تم ممارسته عليهم، قاموا بإخبار آسريهم بمكان وجود "تيرنر". مستشعرًا بهذه الخيانة، تراجع "تيرنر" إلى موقع آخر؛ حيث اختبأ لمدة ستة أسابيع تالية، ولم يغادر إلا بشكل دوري لاستعادة الطعام والماء، ومعرفة آخر الأخبار في "ساوثهامبتون". إلى أن وقع في الأَسْر أخيرًا. وعلى الرغم من إعلان "تيرنر" أنه بريء، وجدت هيئة المحلفين أنه مذنب، وحكمت عليه بالإعدام، حيث تم شنقه.

لم تحقق أيّ ثورة عبيد أخرى في التاريخ الأمريكي ما حققته ثورة "تيرنر". فقد تسبب هذا التمرد في نقاش هائل حول العبودية، تجلَّى من خلال سلسلة من الاستجابات والأحداث التي أدَّت لاحقًا إلى الحرب الأهلية. فإن جيل ما قبل الحرب الأهلية الذي أخرج "بروسر" و"فيسي" و"نات تيرنر"، استطاع أن يُغيّر الفكر السائد منذ مجيء “العبيد” من إفريقيا إلى أمريكا؛ حيث قدَّم صورة مغايرة للصورة التي كانت سائدة بأن العبد قانع وراضٍ ومتسامح مع العبودية ومستعبديه، وأنه غير قادر على التفكير والتخطيط والقيادة والمقاومة، وأن قرون الاستعباد التي مرَّ بها “العبيد” قد بدَّدت ما تبقى من إيمان الإفريقي بنفسه وبقدراته.

وعلى العكس من ذلك أظهرت هذه الثورات أن الحرية قيمة مطلقة لا قيود عليها ولا يمكن تجزأتها، ولا يحق للبعض ملكيتها ومصادرتها بدواعي المصالح، بل يجب أن يتمتع بها جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو العرقية أو الأيديولوجية.

هذه الحرية التي جعلت الأسود يأبَى بأن يُنْعَت بالدونية والكسل، وبأنه خُلق للعبودية، وبأن الأبيض جاء ليُعلِّمه الحضارة، التي ينعم بها الكتاب المقدس. وبأن الأسود غير قادر على الاختيار، وعاجز على اتخاذ القرار، ويحتاج مَن يقوده إلى الطريق الصحيح، ويرشده إلى ما فيه مصلحته.

حتى بعد ثورة "تيرنر" ظهرت عدة أصوات وآراء تقول بأن ثورته كانت ضمن مؤامرة أكبر، قام عليها رجال من البيض مناهضين للعبودية، وهو ما يبرز عوار الفكر عند البيض؛ حيث كانوا يرفضون التصديق بأن رجل أسود مثل "تيرنر" فكر وخطط ونفذ، واستطاع قيادة مجموعة قليلة وإحداث ذُعْرٍ قضَّ مضاجع سكان الجنوب بالكامل حتى قيام الحرب الأهلية.

كان أكثر ما دحض هذه المزاعم، كتاب صدر بعنوان "اعترافات نات تيرنر" The Confessions of Nat Turner، لكاتبه "توماس جراي" Thomas R. Gray في العاشر من نوفمبر سنة 1831م، هذه الاعترافات التي أصبحت السجل التاريخي الوحيد، والوثيقة التاريخية الأهم، والتي لعبت دورًا محوريًّا في تشكيل تصورات الحدث المعروف باسم "تمرد نات تيرنر". كما أن هذه الاعترافات قد رسَّخت "تيرنر" بقوة باعتباره العقل المُدَبِّر للانتفاضة، واستبعدت احتمال وجود مؤامرة أكبر. لتُصْبِحَ "الاعترافات" المصدر الأكثر موثوقية من قبل المسؤولين المحليين، وقيل: إنها مخوّلة مِن قبل زعيم المتمردين نفسه، وهي المصدر النهائي لجميع الروايات اللاحقة تقريبًا عن الحدث.

واعتمد المؤرخون المحترفون، بشكل عام، الإطار السردي لـلتمردات كإطار خاص بهم. قام "ويليام دريوري" William S. Drewry، الذي كتب أول دراسة في شكل كتاب عن "تمرد ساوثهامبتون" The Southampton insurrection في عام 1900م، حيث قام بتفصيل الجهود الدقيقة التي بذلها "جراي" للتأكد من أن "تيرنر" كان يقول الحقيقة بشأن دوره في الانتفاضة. وفي النهاية خلُص إلى أن المعلومات التي أدلى بها "تيرنر" ثبت دقتها؛ حيث لم يكن بها ثمة خطأ. وأن التمرد الذي قاده كان محليًّا، وبأن أنشطته اقتصرت على المقاطعة وداخل الولاية.

كما أدرك محررو صحف "فيرجينيا" الرائدة أن الدروس التي يمكن استخلاصها من أحداث مقاطعة "ساوثهامبتون" سيكون لها عواقب اجتماعية وسياسية دائمة. على الرغم من كل اختلافاتهم الحزبية بشأن التعريفة الجمركية والقضايا الوطنية الأخرى، فقد أظهروا اتساقًا ملحوظًا في تغطيتهم لتمرد "ساوثهامبتون". لقد تجنَّبوا عن كَثَب أيّ مناقشة مباشرة لمزايا أو عيوب العبودية، وركَّزوا بدلاً من ذلك على قضايا المسؤولية المدنية والسلامة العامة التي تتخطَّى الخطوط العِرْقية والإقليمية والطبقية. لقد أشادوا بالعبيد والأشخاص الأحرار الملونين والقوات العسكرية ومحرِّري الصحف الشمالية الذين أظهروا ضبط النفس أثناء الأزمة. وانتقدوا بشدة الثوار السود، والحراس البيض، وأنصار إلغاء العبودية في الشمال الذين أدَّى غضبهم الأعمى أو تعصبهم إلى مقتل أشخاص "أبرياء" وهددوا بشَنّ حرب عرقية.

وفي جو من الثورة والقمع العنيف، طالبوا بالاعتدال والمصالحة. وأن التغيير الاجتماعي، إذا كان سيحدث على الإطلاق، لن يأتي على أيدي “العبيد” السود أو انتفاضة الغوغاء البيض. بل سيأتي على أيدي أشخاص مثلهم، رجال أذكياء ومسؤولين، يتداولون بهدوء مستقبل الكومنولث.

هذا ويبرز الحدث أن البيض لم يدركوا أن امتهان كرامة إنسانٍ بعد خطفه ونقله واستعباده بل وقتله لمجرد أنه تجرأ، وقرر أن يفك أغلال العبودية من يده، ويثور على مستعبديه، هو حقّ كفله له القانون الإنساني قبل وثيقة الدستور والحقوق الأمريكية، لذلك كانت النتيجة الطبيعية والحتمية هو قيام الحرب الأهلية الأمريكية لإنهاء أسوأ جريمة في تاريخ البشرية، وهي العبودية في بلدٍ تدّعي أنها حاملة مشعل الحرية إلى العالم أجمع.

ولا يزال الجدل حول كيفية تحقيق المساواة بأمريكا مستمرًّا، ويبدو أن أعمال الشغب التي تحدث من آن إلى آخر، بالإضافة إلى المظالم المتزايدة بين السود في المدن بجميع أنحاء البلاد، والتي تؤدّي في بعض الأحيان إلى العنف، تُظْهِر تأثير "تيرنر" الدائم. وسوف يستمر ظل "نات تيرنر" في خلفية الجدل العنصري الأمريكي. وسيبقى "تيرنر" معنا، طالما ظل مشعل الحرية في هذا العالم يضع التصنيفات العرقية والدينية والأيديولوجية أساسًا عند مناقشة قضية الحرية.

رابعًا: دلالات انتفاضة "نات تيرنر" الفكرية

لم يكن "تيرنر" أول ولا آخر عبدٍ أمريكي ينهض ويقتل مالكيه. ومع ذلك، فهو يقف وحيدًا في الفكر الأمريكي باعتباره مثالًا للتمرد والثورة في تاريخ العبيد. رجلٌ أسود تحدّى بأقواله وأفعاله الجنوب الذي كان مُصِرًّا على إبقاء مؤسسة العبودية؛ فعمل على ايقاظ شعبه وأُمّته النائمة.

كان صانعًا للتاريخ في عصره؛ حيث جاء في اعترافه: "نحن مجبرون على مواجهة -أو التهرب ببراعة-الموروثات المتشابكة للعرق والعبودية في أمة تقوم على المُثُل الثورية للحرية والمساواة وحقوق الإنسان". هذه المواجهة خلَّدت اسمه في التاريخ الأمريكي بشكل عام، والإفريقي الأمريكي على وجه الخصوص. فنظرًا لتشابك خيوط مختلفة لهذا التمرد جمعت بين الفكر القومي الأسود والقومي الجنوبي الأبيض والقومي الأمريكي، وهو ما يجعل البحث والدراسة طويلة الأمد لما يسميه المؤرخ "ألون كونفينو" Alon Confino بـ"بناء الانتماء القومي".

وكحدثٍ تاريخيّ، لم تحظَ انتفاضة "نات تيرنر" بالتعميم الأخلاقي السهل؛ نظرًا لعمليات القتل التي اعتبرها البعض جريمة. وعلى الناحية الأخرى خاضَ البعض في تفسيرات مختلفة لطبيعة أفعال "تيرنر". مما اضطر القادة السود على وجه الخصوص إلى تحديد الإرث الدقيق الذي خلَّفه "تيرنر" فيما يتعلق بمكافحة الظلم العنصري. وهو ما جعل هذه المهمة صعبة للغاية. ويكمن جزءٌ من المشكلة في أن معنى ورسالة "تيرنر" تتحدى أيّ محاولة لتصنيفها على أنها "جيدة" أو "سيئة".

فإذا نظرنا إلى الحدث نفسه، نجد إحساسًا عميقًا بالتناقض؛ من حيث إنها كانت انتفاضة شجاعة ومتهورة في آنٍ واحدٍ. كما كان سلوك "تيرنر" وسلوك جنوده مفهومًا، ولكنه في الوقت نفسه أصبح مُتَّهمًا بالقتل. ولا يمكن كذلك إنكار دراما حربه الشخصية على العبودية، وفي الوقت نفسه التنكر للمأساة التي حلت في نهاية التمرد بأتباعه وضحاياه والمارة على حد سواء.

كما يمكن رؤية "تيرنر" نفسه من خلال عدد من العدسات والزوايا، اعتمادًا على منظور المراقب والمحلل للحدث. فبالتناوب؛ يعتبر "تيرنر" قديسًا أو خاطئًا؛ متمردًا أو قاتلًا؛ بطلًا أسطوريًا أو شريرًا سيئ السمعة. تستطيع أن ترى هذا في رأي المؤرخ  في "جامعة ييل" Yale University، "ديفيد بلايت" David W. Blight: من "أن [نات تيرنر] مثال كلاسيكي لشخصية شهيرة بطولية للغاية من جهة، وشريرة للغاية من جهة أخرى". كما يؤكد "بلايت" أن الناس يرون "تيرنر" الذي يريدون أن يرونه؛ "فبالنسبة لأولئك الذين يحتاجون إلى عبدٍ متمرد، فهو نموذج يخدم هذا الغرض. أما الذين يريدون رؤيته باعتباره ثوريًا مشوشًا قام بذبح الأبرياء، يمكنهم رؤية ذلك أيضًا".

ترك "نات تيرنر" وراءه إرثًا حلوًا ومُرًّا كذلك. فمن ناحية، ألهمت جهوده أولئك الذين دافعوا عن المقاومة النشطة والقوية ضد العنصرية المؤسسية في الولايات المتحدة. فمن الناحية الأخرى كانت مبرّرًا لأيّ شخص شعر بأنه مُجبَر على مواجهة العنف بالعنف في سعيه للحصول على حقوقه المدنية، مُعتبرًا "تيرنر" أحد أبطاله ونموذجه في ذلك. وهو التيار الذي زعم بأن الكراهية لا تُفْهَم إلا الكراهية، وأن القوة لا تستجيب إلا للقوة فقط. وأن الانحناء أمام الظالم يُشجّع على المزيد من الاضطهاد. وبأن "انتفاضة تيرنر" مثّلت ضربة جريئة وأخلاقية وعادلة من أجل الحرية.

وفي سياق متصل، كانت "انتفاضة تيرنر" بمثابة قصة تحذيرية لأولئك الذين طالبوا بالمقاومة السلبية والتحريض اللاعنفي؛ حيث زعم هذا المعسكر أن "تمرد تيرنر" لم يُحقّق شيئًا ذا بالٍ. بل على العكس من ذلك، فقد أدَّى الغضب الشعبي من إراقة دماء الأبرياء إلى موجة من الخوف والانتقام اجتاحت “العبيد” في الجنوب، وعززت بالفعل النظام الذي سعى "تيرنر" إلى تقويضه. وخلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر، وفي أعقاب صعود "ساوثهامبتون"، تمَّ سَنّ قوانين جديدة رسَّخت العبودية وقللت من احتمالية التحرر. مما جعل ظروف السود الجنوبيين أسوأ بكثير، الأحرار والعبيد على حدٍّ سواء. فوفقًا لمنتقديه؛ أثبت "تمرد تيرنر" أن العنف زاد الطين بلة بالنسبة للأمريكيين الأفارقة الذين كافحوا لتحرير أنفسهم من طغيان الكراهية العنصرية والتمييز العنصري.

وهكذا بدا أن السيف المشهر لـ"تيرنر" ذو حدين حقًّا من حيث الرسالة التي أرسلها إلى القادة السود في المستقبل. يبدو أن طريقين فقط يمتدان أمام أولئك الذين يسعون إلى الحرية والمساواة بين السود والبيض داخل أمريكا: "إما محاربة الكراهية والظلم بالعنف، أو معارضة العنصرية بالحجج الأخلاقية واللاعنف الحازم". بطريقة أو بأخرى، كان على السود في النهاية اتخاذ قرار.

وبهذه الطريقة، وبعد فترة طويلة من وفاته، طارد شبح "تيرنر" الخلافات التي نشبت بين النخبة السوداء. فعلى سبيل المثال "بوكر واشنطن" Booker T. Washington و"وليم دوبوا" W.E.B Du Bois كأمثلة رئيسية، دار جدالٌ بينهم حول أفضل طريقة لتحقيق تقدم السود. ومثل جميع قادة الحقوق المدنية في ذلك الوقت، أو منذ ذلك الحين، كان لدى "واشنطن" و"دوبوا" وسائل متناقضة بشكل حادّ لتحقيق نفس الغاية؛ حيث روَّج "واشنطن"، على سبيل المثال، لشكل من أشكال الإنجاز الأسود الذي تجنّب عن قصد خلق الخوف والشك بين البيض داخل أمريكا؛ حيث كانت دعوات "واشنطن" للتكيف قد أدَّت إلى عزاء البيض بسبب تركيزهم على التعايش العرقي الهادئ والسلمي والمنتج. ولم تحمل مقترحاته أدنى تلميح للعدوان.

وعلى العكس من ذلك، طالب "دوبوا" بحصة كاملة ومتساوية من الوعد الأمريكي للمواطنين السود في البلاد. وتحدَّى علنًا وبقوة التمييز العنصري المؤسسي، وكذلك الكراهية العنصرية، ورحَّب بالمواجهة. فالنسبة لـ"دوبوا" لم يكن القلق الأبيض يشكل له الكثير. وفي مرحلة ما، ذهب "دوبوا" إلى حثّ الأمريكيين السود على تسليح أنفسهم إذا تعرضوا للتهديد. وبعبارات صارخة، شبيهة بعبارات "تيرنر"، سأل "دوبوا" بشكلٍ خطابيّ: "ماذا يمكن أن تفعله أمريكا ضد جمهور من الناس إذا قرروا الوقوف كمجموعة واحدة وبأقدامٍ راسخة في المعركة؟ لا شيء".

في وقتٍ لاحقٍ، في منتصف القرن العشرين، انطلق "مالكوم إكس" Malcolm X و"مارتن لوثر كينج" Martin Luther King من حيث توقف "دوبوا" و"واشنطن"، مجادلين حول مزايا وعيوب المواجهة -إن لم يكن العنف الصريح- في قضية حرية السود. ليُحلّق "نات تيرنر" أيضًا فوق حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي؛ حيث شكَّلت قرارات ليس فقط لمالكولم إكس والدكتور كينج، ولكن لجيل كامل من المتحدثين السود البارزين، من "ستوكلي كارمايكل" Stokely Carmichael و"هيوي نيوتن" Huey Newton إلى "جيسي جاكسون" Jesse Jackson و"أندرو يونج"Andrew Young . حيث كان النقاش دائمًا هو نفسه: انتقاد العنف أحيانًا، ومواجهة العنف بالعنف كما فعل "تيرنر". ومواجهة أي عواقب، أو التخلي عن القوة الجسدية لصالح عمل سياسي واجتماعي سلمي، ولكنه حازم.

ختامًا:

إن الأسئلة التي أثارها تمرُّد "نات تيرنر" ما زالت تتردّد حتى الآن. فالجدل حول كيفية تحقيق المساواة لا يزال مستمرًّا. كما يبدو أن أعمال الشغب التي تَحْدُث من آنٍ لآخر نتيجة العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى المظالم المتزايدة بين السود داخل المدن في جميع أنحاء البلاد -والتي تؤدي في بعض الأحيان إلى العنف- تُظهر تأثير "تيرنر" الدائم. ومع ذلك، فإنَّ مكاسب السود في السياسة والأعمال، ناهيك عن العديد من المجالات الأخرى للمجتمع والثقافة الأمريكية، تجادل بقوة ضد الانتفاضات الحضرية، وتؤيد التقدم التدريجي والدائم من خلال التعليم والعمل القانوني والنشاط السياسي. وسيستمر ظل "نات تيرنر" موجودًا بقوة خلف الجدل العنصري الأمريكي. وسيبقى "تيرنر" معنا، إذا لم يكن لأيّ غرض آخر سوى أن يكون مثالاً لما يحدث عندما يلجأ اليائسون إلى تدابير يائسة من أجل قضية الحرية.

فمن الواضح أن تمرُّد "ساوثهامبتون" ساعد في قضية الحرية؛ نظرًا لكونه علامة واضحة على أن الانتفاضات ستستمر وتزداد إذا لم يتم القضاء على العبودية والعنصرية بأشكالها المختلفة، والتي لا زالت حاضرة حتى يومنا هذا. وأن الرغبة والغاية التي سعى إليها "تيرنر" هي الحرية والمساواة، التي أقرها الآباء المؤسِّسون في إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية على النحو التالي: "كل الرجال خُلِقُوا متساوين"، وأكَّدت على حقوقهم التي لا يمكن أن تَتجزَّأ أو تُسْلَب.

__________________________________

أهم المراجع المستخدمة في البحث:

Boggus, Michael. Nat Turner's revolt and the demise of slavery. Southern Illinois University at Carbondale, 2006

Breen, Patrick H. The Land Shall Be Deluged in Blood: A New History of the Nat Turner Revolt. Oxford University Press, 2015

Cruse, Harold. Rebellion or revolution?. Vol. 218. U of Minnesota Press, 1968

Davis, Taiyo. "Early 19th Century Marginalization of David Walker and Nat Turner." (2010)

French, Scot Andrew. "Remembering Nat Turner: The rebellious slave in American thought, 1831 to the present." (2001)

Gray, Thomas R., and Nat Turner. "The Confessions of Nat Turner." (1831)

Greenberg, Kenneth S., ed. Nat Turner: A Slave Rebellion in History and Memory. Oxford University Press, 2003

Kupiainen, Hannele. Slave Religion and the Bible in The Confessions of Nat Turner by William Styron. Aspects of Historical Representation & Biblical Intertextuality. MS thesis. 2006

Lampley, Karl. A Theological Account of Nat Turner: Christianity, Violence, and Theology. Springer, 2013

O'Connell, Shaun. "Unhealed Cultural Memories: Styron’s Nat Turner." New England Journal of Public Policy 28.2 (2016)

Poole, Chamere Ranyail. "(Re) Making Insurrection: Genre, Historicity, and the Narrative Legacy of Nat Turner." (2018)

Werner, Randolph Dennis. "An inquiry into some aspects of Nat Turner's rebellion." (1971)

Aptheker, Herbert. "American Negro slave revolts." Science & Society (1937): pp. 512-538

كتاب الموقع