أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

قراءة في مقاربة "إياك" لتسوية الصراع في الكونغو الديمقراطية

يُعدّ الصراع في الكونغو الديمقراطية من أشد الصراعات الإفريقية تعقيدًا وأكثرها دموية؛ إذ تسبّب في مقتل حوالى 5,4 ملون إنسان بشكل مباشر وغير مباشر، فضلاً عن لجوء ونزوح عدة ملايين أخرى، وقد مرَّ ذلك الصراع بثلاث مراحل رئيسية؛ بدأت بالحرب الكونغولية الأولى 1996-1997م، أعقبتها الحرب الكونغولية الثانية التي بدأت عام 1998م وانتهت رسميًّا عام 2003م، لكنها لم تنتهِ فعليًّا في الواقع، وتحولت إلى صراع مسلح لا يزال دائرًا حتى الآن، ويطلق البعض على الصراع في الكونغو الديمقراطية "الحرب العالمية الإفريقية"؛ حيث شارك فيه من بدايته وحتى الآن تسع دول إفريقية وأكثر من 120 مجموعة مسلحة محلية وخارجية.

في عام 1999م نشرت الأمم المتحدة بعثتها في الكونغو الديمقراطية المعروفة بـ "مونوسكو"، والتي أصبحت حاليًا من أكبر البعثات في إفريقيا، وعلى الرغم مما حقَّقته تلك البعثة من إيجابيات إلا أنها أخفقت إجمالاً في مهامها، ومُنِيَتْ بخسائر كبيرة سواء في الأرواح أو المُؤَن والعتاد والسلاح، فضلاً عن كُلفتها المادية الباهظة.

ولقد كانت كلفة هذا الصراع باهظة جدًّا على الكونغو الديمقراطية؛ فعلى الصعيد السياسي صارت من أكثر الدول الإفريقية افتقادًا للاستقرار والأمن، وعلى الصعيد الاقتصادي أصبحت من أفقر دول العالم، على الرغم من امتلاكها قدرًا هائلاً من الموارد الطبيعية، فهي صاحبة أكبر احتياطيات للمعادن في العالم، والتي تقدر بنحو 24 تريليون دولار، وعلى الصعيد الاجتماعيّ باتت من أكثر الدول الإفريقية معاناةً من اللجوء والنزوح الداخليّ، وهو ما دفَع القيادة السياسية إلى البحث عن شركاء فاعلين يتعاونون معها في تسوية الصراع، فاتجهت نحو "جماعة شرق إفريقيا" "إياك" EAC باعتبار أن أغلب دول الجماعة معنية بالصراع بل ومنخرطة فيه بصورة أو بأخرى.

انضمت الكونغو الديمقراطية إلى "إياك"مجموعة دول شرق إفريقيا ، وكان السبب الرئيسي لهذا الانضمام بحسب تصريحات الرئيس الكونغولي "فيلكس تشيسكيدي" Félix Tshisekedi هو تحقيق السلام والأمن؛ حيث قال: "التجارة تزدهر في بيئة يسودها السلام والأمن للجميع"، وقد بادر قادة الدول المعنية بالاجتماع والتشاور داخل وخارج إطار "إياك" لبلورة استراتيجية للتعامل مع المعضلة، وفي هذا الإطار قرَّر قادة الدول السبع أعضاء "إياك" تشكيل قوة عسكرية للتدخل في الكونغو الديمقراطية كأحد البدائل والخيارات، وأوضح الرئيس الكيني "أوهورو كنياتا" Uhuru Kenyatta أن مقاربة "إياك" تتمحور حول وسيلتين رئيسيتين هما: الترغيب والترهيب، وهو ما أكدته دعوته التي وجّهها إلى كافة الجماعات الكونغولية المسلحة في الكونغو الديمقراطية إلى وقف القتال وإلقاء السلاح والدخول في حوار وطني مع السلطات الكونغولية برعاية "إياك" وقيادة كينيا، وقد اقترنت هذه الدعوة بإبداء السلطات الكونغولية استعدادها التام لرفع المظالم، وإعادة تأهيل وإدماج العناصر المسلحة الكونغولية، أما الجماعات المسلحة من خارج الكونغو فالدعوة موجَّهة إليها لنزع سلاحها والعودة دون قيد أو شرط وعلى الفور إلى بلدانها الأصلية.

وقال "كنياتا": إن البديل حال عدم الاستجابة هو المواجهة العسكرية في إطار القوة التي تنشئها "إياك" لهذا الغرض، وقد عُقِدَتْ بالفعل اجتماعات ومشاورات بين أطراف الصراع، بينما يجري العمل على قدم وساق في الوقت نفسه لتدشين القوة العسكرية لجماعة "إياك"، والتي من المحتمل أن تتحول إلى آلية دائمة في إطار "إياك" المؤسسي.

وفى هذا الإطار وفي ضوء ديناميات العملية السياسية الجارية، وما هو معلن من الإجراءات التي تتم استعدادًا للعملية العسكرية المحتملة، وما أبدته دول الجوار ودول "إياك" من استجابة وتعاون لدعم هذه الجهود، تثور عدة تساؤلات حول تقييم تلك المقاربة التي تبنَّتها "إياك" لتسوية الصراع، وهو ما تناقشه هذه الورقة من خلال المحاور التالية:

أولاً: موقف السلطات الكونغولية:

لا يمثل الصراع شرقي الكونغو عقبة كبيرة على مسار الإصلاح والتنمية فحسب، وإنما يمثل تحديًا كبيرًا للرئيس "تشيسكيدي"؛ حيث كانت تسوية ذلك الصراع من أهم وعوده الانتخابية، وهو الملف الذي أخفق حتى الآن في إحراز تقدُّم ملموس فيه، بما يهدّد بقاءه في المنصب، وخاصةً أن فوزه في انتخابات عام 2018م كان مثار جدل واسع بعد أن أعلنت الكنيسة الكاثوليكية في حينه أن نتائج الانتخابات المعلنة لا تتطابق مع البيانات التي جمعها مراقبو الانتخابات، وبعد أن شكَّك مُنافسه الرئيسي الحاصل على المركز الثاني بفارق حوالى (750) صوتًا تعادل أقل من 4% من الأصوات الصحيحة "مارتن فايولو" Martin Fayulu في نتائج الانتخابات، مؤكدًا أن صفقة ما تمت بين "تشيسكيدي" و"كابيلا"([1]).

في ظل ذلك الإخفاق يواجه "تشيشيكيدي" الذي تنتهى ولايته الأولى في نهاية عام 2023م استحقاقًا انتخابيًّا لن يكون سهلاً.

وعلى المستوى السياسي يواجه "تشيسكيدي" ضغوطًا سياسية بالغة؛ حيث يفتقر حزبه "الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي" Union for Democracy and Social Progress إلى الأغلبية في الجمعية الوطنية؛ إذ يمتلكها حزب الرئيس السابق "جوزيف كابيلا" "حزب الشعب للإعمار والديمقراطية" People's Party for Reconstruction and Democracy، أما على مستوى ديناميات الصراع والمواجهة فيواجه "تشيسكيدي" عقبات كبيرة تتمثل في وجود مسؤولين عسكريين نافذين منتفعين من استمرار الصراع وأغلبهم ممن يتولون قيادة العمليات في مناطق الصراع([2]).

وقد دفع هذا الوضع الداخلي المعقَّد وغير المستقر بـ "تشيسيكدي" إلى التوجُّه نحو تكتل "إياك" ومن بين أعضائه دول الجوار التي تُعدّ أطرافًا مباشرة في الصراع، طالبًا التعاون في تسوية المعضلة الكونغولية، قابلاً للجلوس مع كافَّة الخصوم على طاولة المفاوضات.

ثانيًا: موقف الدول الأخرى المعنية

لاقى الطلب الكونغولي بالانضمام إلى "إياك" ترحيبًا واسعًا في أروقة المنظمة الإقليمية على المستوى المؤسسي وعلى المستوى الثنائي، فمن جانبها تشارك كينيا بقوة عسكرية قوامها حوالى 250 فردًا ضمن "مونوسكو"، وفي الوقت نفسه بادرت إلى تقديم كل الدعم في مجال رعاية مفاوضات الحوار الوطني الكونغولية؛ حيث أبدى الرئيس الكيني "كينياتا" وهو أيضًا الرئيس الحالي لـ "إياك" اهتمامًا خاصًّا بهذه المفاوضات، فنظم آخر أبريل 2022م اجتماعًا افتراضيًّا بين السلطات الكونغولية وأكثر من (30) جماعة مسلحة؛ حيث وافقت الأغلبية على طلب الرئيسين "كنياتا" و"تشيسكيدي" الداعي إلى إلقاء السلاح، فيما طلب عدد قليل من هذه الجماعات منحهم مزيدًا من الوقت لتقييم الموقف وفقًا للشروط المطروحة مع إبداء استعدادهم للتعاون في بناء بلدهم([3])، وبالتوازي مع ذلك احتضنت نيروبي في أبريل 2022م اجتماعين لرؤساء دول الجوار الكونغولي الأعضاء في "إياك" خارج إطار "إياك" المؤسسي، حضرهما رؤساء كينيا، والكونغو الديمقراطية، وبوروندي، وأوغندا، ورواندا التي غاب رئيسها "بول كاجامي" Paul Kagame عن الاجتماع الثاني موفدًا وزير خارجيته، كما غابت تنزانيا وجنوب السودان، وتمحور التشاور في الاجتماعين حول إجراءات إنشاء القوة الإقليمية العسكرية المشتركة والمزمع نشرها في أقرب وقت ممكن بقيادة الكونغو الديمقراطية، وتم الاتفاق على أن هذه القوة لن تتدخل إلا بعد منح الفرصة للجماعات المسلحة للانخراط في مفاوضات الحوار الوطني([4]).

ومن جانبه قال رئيس بوروندي "إيفاريست نداييشيمي" Evariste Ndayishimiye إنه مستعدّ "للحوار" مع المتمردين البورونديين العاملين في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة، وأشار على وجه الخصوص إلى جماعة "ريد تابارا" Red Tabara، وهي أنشط الجماعات المتمردة، والتي تصنّفها بوروندي بأنها جماعة "إرهابية"، وكذلك جماعة "قوات التحرير الوطنية" National Forces of Liberation، وقال "نداييشيمي": "إن دور الحكومة هو الاستماع إلى مظالم جميع أبنائها وتقديم الإجابات"، وهو ما يعد نقطة انطلاق إيجابية يمكن البناء عليها سعيًا لتسوية المعضلة البوروندية، ومن ثَمَّ الكونغولية ([5]).

أما بالنسبة لأوغندا فإنها تشارك بأكبر قوة عسكرية أجنبية بعد بعثة "مونوسكو" وتقدر بحوالي 1700 فرد منضمين للجيش الكونغولي في محاربة جماعة "القوات الديمقراطية المتحالفة" ADF والتي بدأت على شكل انتفاضة في أوغندا، لكنها استقرت في الكونغو منذ أواخر التسعينيات، ثم بايعت تنظيم الدولة (داعش) منتصف عام 2019م على الرغم من أن غالبية أفرادها ليسوا مسلمين، ومنذ أن انتشرت في شرقي الكونغو الديمقراطية ارتكبت كثيرًا مما يمكن أن يُصنّف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، غير أن أوغندا أعلنت مؤخرًا أنها ستسحب هذه القوات، لكنها لم تعلن السبب ولا البدائل حتى الآن، ويرجح أن ذلك يدخل ضمن ترتيبات إنشاء قوة "إياك" الإقليمية([6]).

بينما تشارك تنزانيا في بعثة الأمم المتحدة "مونوسكو" العاملة في الكونغو الديمقراطية بقوة عسكرية قوامها حوالي 855 فردًا([7]).

أما عن رواندا فلم يحضر رئيسها "كاجامي" الاجتماع التشاوري الثاني حول تسوية الصراع الكونغولي، وأوفد وزير خارجيته؛ نظرًا لما يسود علاقة رواندا مع الكونغو الديمقراطية من توتر؛ حيث تتبادل الدولتان الاتهامات بدعم المتمردين على الجانبين، فيما ينكر كلّ منهما اتهامات الآخر، غير أن التقارير بما فيها تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن دعم رواندا لحركة "الجيش الثوري الكونغولي"، والمعروفة باسم "حركة 23 مارس"، وهي جماعة مسلحة معارضة للحكومة الكونغولية تتكون أصلاً من إثنية "التوتسي" الكونغوليتين والمرتبطون "بالتوتسي" في رواندا ويتلقون الدعم من الرئيس الرواندي "كاجامي" الذي ينتمي إلى إثنية "التوتسي" ويدعمهم لمحاربة المتمردين "الهوتو" الفارين من رواندا إلى الكونغو الديمقراطية والمعارضين لحكم "كاجامي"، كما تتحدث تقارير عن أن رواندا تستفيد اقتصاديًّا بشكل كبير من استمرار الصراع في شرق الكونغو؛ حيث تعتمد الكونغو الديمقراطية وبخاصة المنطقة الشرقية المضطربة على الاقتصاد غير الرسمي القائم على واردات السلع الرواندية المهربة([8]).

ثالثًا: موقف الجماعات المسلحة

هناك أكثر من (120) جماعة مسلحة نشطة في شرقي الكونغو، وعلى الرغم من استجابة عدد كبير منها لمبادرة الحوار الوطني؛ إلا أن أكبرها وأعنفها لا تزال تشن هجماتها وتنفذ عملياتها ضد المدنيين وضد "مونوسكو" وضد الجيش الحكومي الكونغولي والقوات الأوغندية العاملة جنبًا إلى جنب معه، وقد وثَّق مكتب الأمم المتحدة المشترك لحقوق الإنسان في جمهورية الكونغو الديمقراطية مقتل 2024م مدنيًّا على الأقل خلال عام 2021م على أيدي الجماعات المسلحة في مقاطعات كيفو الشمالية وكيفو الجنوبية وإيتوري، وتُعدّ "القوات الديمقراطية المتحالفة" من أكثر هذه الجماعات الوافدة دموية؛ حيث أفاد مكتب الأمم المتحدة المشترك لحقوق الإنسان أن الهجمات التي شنَّتها "القوات الديمقراطية المتحالفة" كانت "منهجية ووحشية"، وترقى إلى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية؛ حيث أعدمت الجماعة خارج القانون ما لا يقل عن 1311 مدنيًّا، واختطفت 1206 في مناطق "بيني" و"مامباسا" و"إيرومو"([9]).

وتعد "حركة 23 مارس" من أكثر الجماعات المسلحة الكونغولية عنفًا ودموية، ومؤخرًا في إقليمي "روتشورو" و"نييراغونغو" شمال كيفو، تجدَّدت الاشتباكات العنيفة بين الحركة وبين القوات المسلحة لجمهورية الكونغو الديمقراطية، ولا تزال الحركة ترفض إلقاء السلاح والانخراط في العملية السياسية الجارية التي ترعاها "إياك" وتقودها "كينيا".([10])

وفي إيتوري لا تزال فصائل "تعاونية التنمية في الكونغو" CODECO وهي تجمع من فصائل مسلحة يغلب عليها الطابع الإثني والمنتمية إلى إثنية "ليندو" تقوم بهجمات وعمليات واسعة النطاق من القتل والخطف ونهب الماشية والطعام وإحراق المنازل على قرى ومواقع النازحين داخليًّا في إقليم "دجوغو" وبخاصة إثنية "الهيما"، ما أسفر عن مقتل المئات ونزوح عشرات الآلاف.

كما أن الجماعات المسلحة والميليشيات المتنافسة على السيطرة على مناطق التعدين لا تزال تقوم بأعمال عنف ردًّا على العمليات الحكومية الأخيرة ضدها وبخاصة في مناطق التعدين غير القانونية في جنوب "كيفو".

رابعًا: جذور الصراع

لا يمكن عزو الصراع في الكونغو الديمقراطية إلى سبب واحد أو حتى إلى عدة أسباب محددة واضحة، فتعدُّد الأسباب وتداخلها وتعدُّد الأطراف الداخلية والخارجية يزيد المسألة تعقيدًا وصعوبة، ولا بد من الوقوف على الأسباب الجذرية للصراع قبل تقييم المقاربة المطروحة من "إياك" للتسوية، وفي صراع الكونغو الديمقراطية يمكن تحديد أربعة أسباب رئيسية تقف وراء نشأة واستمرار وحدة الصراع:

1- الصِّراع على السلطة:

لم يكن انتقال السلطة منذ استقلال الكونغو الديمقراطية ديمقراطيًّا، واتسم الصراع على السلطة بالدموية في كثير من الأوقات بدءًا من "باتريس لومومبا" أول رئيس وزراء و"جوزيف كازافوبو" أول رئيس، مرورًا بـ "موبوتو سيسي سيكو" و"لوران كابيلا"، ثم ابنه "جوزيف كابيلا"، وصولاً إلى "فليكس تشيسكيدي" الرئيس الحالي، ويرتبط الصراع الدائر والمستمر شرقي البلاد بشكل وثيق بالصراع على السلطة، وتتحدث الدراسات والتقارير عن أن السلطة لم تستقر بعدُ خالصة للرئيس "تشيسكيدي"، فلا يزال الصراع بينه وبين مجموعة المسؤولين الفاسدين "الكلبتوقراط" Kleptocrats الموالين لـ"كابيلا" الذين يسيطرون على مفاصل الدولة سياسيًّا واقتصاديًّا دائرًا على أشده([11]).

2- الصراع لأسباب إثنية

يعد الصراع الإثني أحد أسوأ الموروثات الاستعمارية في الكونغو الديمقراطية، والذي استمر بعد الاستقلال، ورسَّخه الصراع على الأراضي التي تُعد بمثابة الهوية في المجتمعات التقليدية، وعمَّقه انتشار التعدين شرقي الكونغو واستجلاب العمالة الرخيصة، وزاده اللجوء الوافد نتيجة الأزمات والصراعات في دول الجوار وبخاصة رواندا وبوروندي وأوغندا في ظل التداخلات والروابط الإثنية العابرة للحدود بين شعوب هذه البلاد([12]).

3-الصراع بتدخلات خارجية

كان العامل الخارجي من أقوى أسباب نشأة وتأجيج وديمومة الصراع في الكونغو الديمقراطية، وترجع التدخلات الخارجية إلى أسباب سياسية واقتصادية في آنٍ واحد، وبخاصة مِن قِبَل رواندا وأوغندا وبوروندي؛ حيث تلاحق الأنظمة الحاكمة في هذه الدول معارضيها الفارين إلى الكونغو الديمقراطية عبر الحدود المشتركة الطويلة المليئة بالثغرات مستغلين هشاشة الدولة ورخاوة يدها على المناطق الحدودية([13]).

4-الصراع من أجل المنافع الاقتصادية

كانت وفرة الموارد الطبيعية من المعادن كالذهب والألماس النحاس والكوبالت والقصدير والتنتالوم والتنجستن، وغيرها من المعادن الثمينة والاستراتيجية السبب الرئيسي لنشأة وتفاقم واستمرار الصراع في الكونغو الديمقراطية فيما يُعرَف اقتصاديًّا بـ"لعنة الموارد"، فكما مرَّ معنا كان العامل الاقتصادي قاسمًا مشتركًا وعنصرًا أساسيًّا في الصراع على السلطة والصراع الإثني والتدخلات الخارجية، فكل الأطراف بلا استثناء "أمراء حرب" يجنون المنافع الاقتصادية لهذه الحرب بدءًا من المسؤولين الحكوميين وبخاصة العسكريين مرورًا بقادة المجموعات المسلحة وزعماء الجماعات الإثنية وصولاً إلى شبكات الجريمة المنظمة المحلية والدولية، والشركات متعددة الجنسيات وحكومات دول الجوار المباشر بل وغير المباشر([14]).

خامسًا: تقييم مقاربة التسوية المعلنة من قبل "إياك"

أفصح الرئيس الكيني "كنياتا" عن الركيزتين الأساسيتين التي تقوم عليهما المقاربة التي تبنتها "إياك" وهما:

أولا: الترغيب:

-بالنسبة للكونغوليين: عليهم الانخراط في العملية السياسية المشروطة بإلقاء السلاح والاندماج الوطني من جانب المعارضة المسلحة، وإعادة التأهيل والإدماج للعناصر المسلحة ورفع المظالم عن الجميع من جانب الحكومة.

-بالنسبة لأجانب: عليهم إلقاء السلاح والعودة إلى بلدانهم دون قيد أو شرط.

ثانيا: الترهيب:

-بالنسبة للكونغوليين والأجانب على حد سواء ممن يرفضون التسوية السلمية سيواجهون إجراءات عسكرية رادعة تتكفل بها القوة الإقليمية العسكرية الجاري إعدادها من دول "إياك" تحت قيادة القوات المساحة الكونغولية.

وعلى الرغم من عدم الإعلان عن كثير من التفصيلات إلا أن القراءة المتأنية لما تم الإفصاح عنه حتى الآن تنبئ عن وجود إيجابيات يمكن البناء عليها والمضي قدمًا في التسوية، وسلبيات يجب وضع الحلول والبدائل لمواجهتها حتى تحقق الجهود المبذولة أهدافها، ومن أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا الصدد:

إيجابيات:

-الجهود الكبيرة التي يبذلها الرئيس الكينى "كنياتا" سواء ممثلاً لكينيا أو بصفته رئيسًا لـ "إياك"، وقد كشف الاجتماع الافتراضي الأول الذي رعته كينيا وافتتحه الرئيس "كنياتا" وحضر افتتاحه الرئيس "تشيسكيدي" بين الحكومة الكونغولية وبين المعارضة المسلحة عن حجم تلك الجهود.

-الاستعداد الحكومي لرفع المظالم وقبول المشاركة السياسية دون تمييز، وهو ما أعلنه الرئيس "تشيسكيدي" غير مرة، وأكده ما تم عقده من اجتماعات حتى الآن بين الحكومة والمعارضة المسلحة.

-الاستجابة الواسعة من جانب المعارضة المسلحة لدعوة الحكومة إلى إلقاء السلاح في أول اجتماع موسَّع يجمع الأطراف، أخذًا في الاعتبار أن مَن لَم يُلْقِ السلاح طلب مهلة من الوقت لتقدير الموقف مع إبداء موافقته من حيث المبدأ على الاستجابة للتسوية البناءة.

-الاستجابة التي أبدتها بعض الأطراف الخارجية للتفاوض مع معارضيهم الموجودين في الداخل الكونغولي مثل بوروندي، وهو ما أعلنه صراحة رئيسها "نداييشيمي".

-استجابة دول "إياك" لقرار وإجراءات تشكيل القوة العسكرية الإقليمية لجماعة شرق إفريقيا دون معارضة.

-الدعم المعنوي الأممي والإفريقي لهذه الجهود، والذي يمكن أن يعززه دعمًا ماديًّا أيضًا.

سلبيات:

-تجاهل البُعد الاقتصادي للصراع؛ حيث خلت المقاربة المعلنة من ثمة أطروحات تعالج الأسباب الجذرية الاقتصادية للصراع، مثل تعويض المتضررين من خلال طرح بدائل اقتصادية جذابة في إطار القانون.

-عدم وضوح البُعد الخارجي للصراع، ففيما عدا ما أعلنته بوروندي من استعدادها للحوار والتفاوض مع المعارضة الموجودة في الداخل الكونغولي، لم تعلن أيّ من أوغندا أو رواندا موقفًا مماثلاً بالنسبة لمعارضيهما الموجودين في الداخل الكونغولي، وهو ما سوف يؤثر سلبًا يقينًا على أي جهود للتسوية.

-خلو المقاربة من توظيف البُعد الدولي الأممي للصراع؛ حيث يمكن طلب تدخل مجلس الأمن بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على الفاعلين المتسببين في تأجيج الصراع وعدم تسويته من الدول والشركات والكيانات والأفراد؛ وذلك لتحفيز الاستجابة السياسية، ومنع الاستغلال غير القانوني للموارد والثروات الكونغولية.

-عدم وضوح مدى وطبيعة التنسيق مع الأمم المتحدة بشأن التعاون المفترض بين القوة المزمع إنشاؤها من قبل "إياك" وقوات "مونوسكو"، فهل من تعاون مقترح؟ أم أن القوة الإقليمية ستكون بديلاً عن "مونوسكو"؟

-إحجام الاتحاد الإفريقي بالصفة المؤسسية عن الإسهام في تلك الجهود حتى الآن فيما عدا ما أعلنه من دعم معنوي.


([1]) BBC Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:05 am, at link:

https://www.bbc.com/news/world-africa-46819303

([2]) Tom Collins, "DRC: Is Felix Tshisekedi delivering on his election pledges?", on new african magazine Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:10 am, at link:

https://newafricanmagazine.com/19500/                            

([3]) The official website of the Kenyan Presidency, Last Visit at 16 June 2022, at 11:15 am, at link:             

https://www.president.go.ke/2022/04/28/president-kenyatta-urges-stakeholders-to-nurture-peace-in-dr-congo/

([4]) Musinguzi Blanshe, "EAC is Getting Ready for a Military Intervention in DRC", at The Africa Report Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:20 am, at link:

https://www.theafricareport.com/196855/eac-is-getting-ready-for-a-military-intervention-in-drc/

([5]) News Yahoo Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:25 am, at link:

https://news.yahoo.com/burundi-says-ready-dialogue-rebels-153547151.html

([6]) Romain Gras, "Joining forces: DRC allows Uganda’s army to enter Congolese territory to fight the ADF", at The Africa Report Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:30 am, at link:

https://www.theafricareport.com/151989/drc-allows-ugandas-army-to-enter-congolese-territory-to-fight-the-adf/

- Aljazeera Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:35 am, at link:

https://www.aljazeera.com/news/2022/5/17/uganda-to-withdraw-soldiers-fighting-adf-in-dr-congo-this-month

([7]) The United Nations, MONUSCO Fact sheet, peacekeeping Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:40 am, at link:

https://peacekeeping.un.org/en/mission/monusco

([8]) Kristof Titeca, Célestin Kimanuka, "Walking in the Dark: Informal Cross-border Trade in the Great Lakes Region" (London: International Alert, Published Paper, Sep. 2012), Pp. 14-24.

- Howard W. French "The Case Against Rwanda's President Paul Kagame", News Week Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:45 am, at link:

https://www.newsweek.com/case-against-rwandas-president-paul-kagame-63167

([9]) Global Centre for the Responsibility to Protect Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:50 am, at link:

https://www.globalr2p.org/countries/democratic-republic-of-the-congo/           

([10]) The Conversation Website, "What M23’s on-and-off insurgency tells us about DRC’s precarious search for peace", at The Conversation Website, Last Visit at 16 June 2022, at 11:55 am, at link:

https://theconversation.com/what-m23s-on-and-off-insurgency-tells-us-about-drcs-precarious-search-for-peace-182520

- Tofe Ayeni, "DRC: Heavy fighting between national army and M23 rebels", at The Africa Report Website, Last Visit at 16 June 2022, at 12:00 pm, at link:

https://www.theafricareport.com/208464/drc-heavy-fighting-between-national-army-and-m23-rebels/

([11]) Alex Ntung, "Dynamics of Local Conflict in the Democratic Republic of Congo: Challenges Ahead for President Félix Tshisekedi Tshilombo" in The Fletcher Forum of World Affairs (Massachusetts, USA: The Fletcher School of Law and Diplomacy, Tufts University, Vol. 43, No. 2, 2019), Pp. 135–136.

- Crisis Group Website, Last Visit at 16 June 2022, at 12:05 pm, at link:       

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/democratic-republic-congo/stabilising-democratic-republic-congo-after-apex-power-struggle

([12]) Tony Karbo, Martha Mutisi, "Ethnic Conflict in the Democratic Republic of Congo (DRC)" in Dan Landis, Rosita D. Albert (eds.), Handbook of Ethnic Conflict: International Perspectives (New York: Springer Science+Business Media, 2012), Pp. 381-401.

- Chris Huggins, "Land, Power and Identity: Roots of violent conflict in Eastern DRC" (London: International Alert, Published Paper, Nov. 201), Pp. 9-48.

- VOA News Website, Last Visit at 16 June 2022, at 12:10 pm, at link:

https://www.voanews.com/a/africa_ethnic-violence-dr-congo-triggers-possible-crimes-against-humanity/6182413.html

([13]) Jesutimilehin O. Akamo, "The Democratic Republic of Congo (DRC): Conflict Insights" (Addis Ababa: Institute for Peace and Security Studies "IPSS", Addis Ababa University, Peace and Security Report, APRIL 2021), Pp. 4-6.

- Alex Ntung, Op. Cit., Pp. 143-146.

([14]) Economic Commission for Africa, "Conflicts in the Democratic Republic of Congo: Causes, impact and implications for the Great Lakes region" (Addis Ababa: Economic Commission for Africa, United Nations, Report, Sep. 2015), Pp. 21-26.

- Giacomo De Luca, et. al. , "Mineral Resources and Conflicts in the Democratic Republic of the Congo: A Case of Ecological Fallacy" (Washington DC: Development Strategy and Governance Division, International Food Policy Research Institute "IFPRI", IFPRI Discussion Paper 01193, June 2012), Pp. 3-24.

- Mary McCartin, "Complex conflict in the Democratic Republic of the Congo: Good governance a prerequisite of CSR (Corporate Social Responsibility) peacebuilding" (Durban, South Africa: African Centre for the Constructive Resolution of Disputes "ACCORD", AJCR 2013/1), Published at "ACCORD" Website, Last Visit at 16 June 2022, at 12:15 pm, at link:

https://www.accord.org.za/ajcr-issues/complex-conflict-in-the-democratic-republic-of-the-congo/

 

كتاب الموقع