أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

توجُّه جديد في إفريقيا: الحكم الرشيد وليس السلاح!

سارا جاكوبس - فورين بوليسي([1])

من الواضح أن الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب في إفريقيا لا تسير بصورة جيدة، ومن المؤكَّد أنها ظلت كذلك لعقودٍ، فقد قامت الولايات المتحدة، ومعها المجتمع الدولي، بضخّ مليارات الدولارات في مكافحة الإرهاب في القارة السمراء، ولكنها جاءت بنتائج صادمة؛ فقد تصاعد العنف من المتطرفين بنسبة 300% في إفريقيا في العقد الماضي، في حين تضاعفت أحداث العنف منذ عام 2019م. بالإضافة إلى أن ذلك العنف، وهو ضارّ بحدّ ذاته، أثَّر في جهود معالجة المشكلات الأخرى، مثل الأزمة البيئية والأمن الغذائي واحتياجات التعليم والفقر.

ونظرًا لأن البيت الأبيض عقد أول قمة لقادة الولايات المتحدة وإفريقيا منذ عام 2014م، وينفّذ استراتيجيته التي تم الكشف عنها مؤخرًا بين الولايات المتحدة وإفريقيا، فلا يوجد وقت أفضل لإعادة التفكير في نهج واشنطن الفاشل لمكافحة الإرهاب في القارة، واستبداله بخطة تعالج المشكلة الأساسية وتركز عليها، وهي الاستثمار في الحكم الرشيد؛ فعندما كنت أعمل في الولايات المتحدة بمكتب عمليات مواجهة الصراعات وتحقيق الاستقرار في وزارة الخارجية، قمت بتجميع بحث تجريبي حول العوامل التي تساهم في التطرف العنيف، ووجدت أن انتهاكات قوات الأمن وانتهاكات حقوق الإنسان هي من أكبر الدوافع للتطرف العنيف.

ومع ذلك، فقد قام المجتمع الدولي، بما في ذلك الولايات المتحدة، بتدريب وتسليح وإقامة شراكة مع القوات الأمنية في جميع أنحاء إفريقيا، والتي ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان أثناء قيامها بعمليات مكافحة الإرهاب. والمفارقة هي أن هذه الشراكات لا تنعكس فقط بشكل سيئ على شخصية أمريكا وتضرّ بها وبمصداقيتها في القارة، لكنها تُغذّي أيضًا التطرف العنيف للغاية الذي تَهْدف واشنطن لمكافحته.

إن سوء الإدارة -فضلاً عن العزلة والمرارة نتيجةً لذلك- يُعَدّ عاملًا رئيسيًّا في تمكين التطرف العنيف في إفريقيا وحول العالم. فعندما يكون المواطنون مُهمَّشين، والخدمات الحكومية محدودة، والفساد مُتَفَشٍّ، يمكن للتطرُّف أن يتجذر بسهولة. لكن في كثير من الأحيان نجد أن استراتيجيات مكافحة الإرهاب تدعم القوات العسكرية التي تهاجم مواطنيها، ومِن ثَم تزيد من تفاقم المظالم التي أدَّت إلى العنف المتطرف في البداية. وكما جادل آخرون، فإنَّ "نهب الدولة" وانعدام الأمن الذي يولده هو ما يسمح "للجماعات المتطرفة العنيفة" بالتعامل مع المواطنين اليائسين وتجنيدهم، على حد تعبير كبير مستشاري وزارة الخارجية السابق لشؤون النزاعات مارك سومرز.

وهذا هو بالضبط ما رأيناه عبر القارة الإفريقية في العقد الماضي. في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، عندما قتلت قوات الأمن المدنيين، كان هناك القليل من التحقيق أو محاولة ترسيخ العدالة، أو انعدامها تمامًا، لعائلات الضحايا؛ فلقد رأيت هذا بنفسي عندما عملت على السياسة النيجيرية في وزارة الخارجية في عام 2015م. فقد أدت انتهاكات الجيش النيجيري إلى تغذية تمرد بوكو حرام، ومع ذلك دخلت الولايات المتحدة في شراكة مع الجيش باسم مكافحة الإرهاب على أيّ حال. هذا العام فقط، على الرغم من عدم وجود تحسن ملحوظ في احترام الحكومة النيجيرية لحقوق الإنسان، وافقت الولايات المتحدة على بيع أسلحة بقيمة مليار دولار تقريبًا للجيش النيجيري.

وفي الصومال، لا تزال استراتيجية الولايات المتحدة مركّزة على الجانب العسكري؛ على الرغم من قلة الأدلة على أنها تعكس اتجاه الحرب ضد تمرد حركة الشباب وفي ظل الخسائر المدنية، كما أن الضربات الجوية والعمليات العسكرية المشتركة مع الجيش الصومالي تُمثِّل وقودًا لدعاية حركة الشباب. كما تواصل الولايات المتحدة تقديم المساعدة الأمنية للجيش الكاميروني على الرغم من انتهاكاتها الصارخة لحقوق الإنسان. وفي كل هذه البلدان، ازداد العنف فقط منذ بداية قيام الولايات المتحدة بدعم مكافحة الإرهاب.

وفي ظلّ هذه الإخفاقات، من الواضح أنَّ الوقت قد حان لاستراتيجية جديدة تركّز على الحكم الرشيد، وليس على الأسلحة فقط. فقد وجدت دراسة لعام 2017م صادرة عن الأمم المتحدة لصالح برنامج التنمية أن معالجة أسباب الصراع وتقليل مخاطره ومخاطر حالات التطرف العنيف والإرهاب يتطلب التركيز على الحوكمة والاستثمار فيها.

وتحقيق الحوكمة الرشيدة يعني بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المهمَّشة، وإعطاء الأولوية لمساءلة الدولة، والتصدّي للفساد، وضمان العدالة في قطاع الأمن. فعندما يشعر المواطنون أن الدولة ليست منحازة ضدهم، وأن كل شخص لديه فرصة متساوية أمام القانون، ويتم التعامل معه على قدم المساواة بموجب الدستور؛ فمن غير المرجَّح أن ينظروا إلى الحكومة بشكل سلبي ومن ثم يتحولون إلى التطرف العنيف في محاولة لتغيير الوضع الراهن.

لكن على الرغم من هذه المعرفة، فإن جزءًا صغيرًا فقط من اهتمام الولايات المتحدة يركّز الاستثمار الحكومي في القارة على تنمية الحكم الرشيد. ففي عام 2020م، كانت استثمارات الولايات المتحدة في الديمقراطية والحقوق والحكم الرشيد حوالي 5 في المائة فقط من إجمالي الاستثمار الحكومي في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. ولا شك أن واشنطن بحاجة إلى زيادة التمويل لبرامج الديمقراطية والحقوق والحكم الرشيد، لكن هذا وحده لن يحل المشكلة.

فالحكم الرشيد هو أكثر من مجرد تمرين تقني يمكن إصلاحه بالبرمجة. إنه ممارسة سياسية بالأساس، مثل الإصلاحات التي تسعى إلى تعزيز نظام قضائي مستقل، وتوسيع الوصول إلى العدالة، وجعل الحكومة شفافة، ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمة المدنية التي تُضْعِف سيطرة النخبة، وهو ما يقابل عادةً بمقاومة شديدة من الطبقة الحاكمة. وعلى هذا النحو تحتاج الولايات المتحدة إلى إعطاء الأولوية لتحسين الحوكمة، باستخدام الدبلوماسية والحوافز لتحريك الجهود، والتأكُّد من أن الجهود والإجراءات والموارد تدعم ذلك الاتجاه.

وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تستثمر في المساعدة الأمنية، فجزء أساسي من الحكم الرشيد هو وجود قوة أمنية شرعية وخاضعة للمساءلة. لكنَّ الجيش الوظيفي هو أكثر من مجرد جيش يمكنه إطلاق النار مباشرة، ولكنه الجيش الذي يوفّر الأمن الفعَّال لكل من الدولة والشعب، ويحترم سيادة القانون وحقوق الإنسان. والعلاقة بين العنف وبين المؤسسات الأمنية الإفريقية لا يخفى على أحد، مما يعني أن واشنطن بحاجة إلى توفير تعاون أمني بشكل أكثر استراتيجية لتحفيز إجراء الإصلاحات اللازمة في إدارة قطاع الأمن بدلاً من مجرد تحسين الكفاءة التكتيكية.

يمكن للولايات المتحدة أن تخطو خطوة كبيرة نحو استثمارات جديدة ومستدامة في الحوكمة من خلال التنفيذ المدروس لقانون الهشاشة العالمية Global Fragility Act ، الذي أصبح قانونًا في الولايات المتحدة منذ عام 2019م. وبالرغم من أنه لا يزال في المراحل الأولى من التنفيذ، فإن قانون الهشاشة العالمية "يوجه الرئيس لوضع وتنفيذ خطة لمكافحة الهشاشة العالمية" على مدى 10 سنوات، ويضع التمويل لمثل هذه الجهود. ويهدف القانون إلى إصلاح كيفية تعامل الولايات المتحدة مع مناطق الصراعات، وضمان تدفق الموارد من الاستراتيجية، وليس العكس.

وهو يعترف بالعديد من الدروس المستفادة من عقود من التدخلات العسكرية الفاشلة والاستجابات للنزاع من خلال إعادة توازن الاستثمار بعيدًا عن الجيش ونحو الدبلوماسية، ومعالجة المظالم الأساسية، وتطبيق نهج حساس لحل النزاعات والمساعدات الأمنية.

في الساحل الغربي لإفريقيا وموزمبيق، على سبيل المثال، لدى الولايات المتحدة فرصة للابتعاد عن النهج العسكري المفرط المتَّبع في منطقة الساحل وتركيز جهود السياسة بدلاً من ذلك على مواجهة تحديات الحوكمة، مع تولّي المجتمعات المحلية زمام المبادرة.

كما تحتاج واشنطن أيضًا إلى التفكير بشكل استراتيجي حول كيفية الرَّدّ على الاستثمارات الصينية المتزايدة والعمليات الروسية شبه العسكرية الأخيرة في إفريقيا. كلاهما بالتأكيد يُشكِّل تحديات للأهداف طويلة الأمد للولايات المتَّحدة، ومِن ثَمَّ فإن محاولة مواجهة تلك الأهداف واحدًا تلو الآخر سيمثل إهدارًا للمصادر، ولذا يجب أن نحدد أين ومتى يجب أن نُواجه المخاطر حول العالم، وأن يمثل ذلك تحقيقًا للمصالح الاستراتيجية الأمريكية. فلا يجب أن يمثل أيّ استثمار صيني أو روسي في إفريقيا ضرورة للرد الأمريكي الفوري. فعلى سبيل المثال بعض مشاريع "الحزام والطريق" الصيني يمكن أن تمثل نواحي إيجابية لبعض المجتمعات المحلية، ومِن ثَم تؤكد على حاجة الولايات المتحدة إلى مزيد من الاستثمار في البنية التحتية بدلاً من إهدار الموارد في برامج مكافحة إرهاب فاشلة في الدول مستقبلة المعونات الأمريكية، وفشلت معظمها في التفوق على الاستثمارات الصينية في تلك البلدان.

إن القوة الحقيقية للولايات المتحدة تنبع بالأساس من قدرتها على بناء تحالفات دولية تعزز أهدافها، ومفتاح هذا النفوذ هو الحفاظ على سمعة أمريكا كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تُعدّ واحدةً من المزايا النسبية الرئيسية للولايات المتحدة على الصين. ومِن ثَمَّ فإن دعم الحكومات التي تنتهك حقوق الإنسان يُقوّض من تلك المصداقية الأمريكية ويَضُرّ بالأمن القومي؛ لأنها تضعف قدرة واشنطن على الحفاظ على الشراكة مع تلك الدول بما يؤدي إلى انتكاسات.

ويشهد السكان الأفارقة في بعض البلدان بالفعل العواقب السلبية التي تأتي من الشراكة مع مجموعة فاغنر الروسية: فبالإضافة إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في جميع أنحاء القارة، فشلت مجموعة فاغنر في تحقيق الاستقرار في النزاعات في موزمبيق ومالي.

ومن ثَمَّ فلا ينبغي على واشنطن أن تفترض أن أيّ توقُّف مؤقت في مبيعات الأسلحة الأمريكية إلى الدول الإفريقية سيؤدي تلقائيًّا إلى قيام روسيا أو الصين بملء الفراغ، أو إن هذين البلدين يمكنهما توفير بديل فعَّال للولايات المتحدة، فخبرات التاريخ مرارًا وتكرارًا تُفيد بأنهم يُفضّلون الشراكة مع الولايات المتحدة، والتي تقدّم التزامًا أكبر من مجرد تصدير السلاح، فهي تقدم التدريب والصيانة، كما يجب فرض شروط مسبقة على الدول المتلقية للسلاح واستخدامها كوسيلة للضغط من أجل تحقيق أولوياتها.

فمَيْل واشنطن الحالي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني في إفريقيا، بغضّ النظر عن تداعياته؛ يذكّرنا بسياسة واشنطن في حقبة الحرب الباردة وأخطائها الجسيمة بدعم الأنظمة الاستبدادية في مقابل تحقيق تحالف جيوستراتيجي مؤقت؛ فبالرغم من أن الولايات المتحدة حققت بالفعل الشراكات العسكرية التي أرادتها، إلا أنه عند رحيل الحكام المستبدين تصبح الولايات المتحدة بلا شركاء، وفي الوقت ذاته تترك وراءَها تراثًا يجعل السكان المحليين يُشكِّكون في النوايا الأمريكية لدعم الديموقراطية أو حقوق الإنسان، وقد شاهدنا ذلك في تشاد وأنغولا وزائير (الكونغو الديموقراطية حاليًا)؛ حيث أدَّت جهود الولايات المتحدة لمواجهة الاتحاد السوفييتي ووكلائه إلى زيادة العنف وتمكين الديكتاتورية، ما خلَّف إرثًا سيئ السمعة من التدخل في شؤون الدول ودعم الدكتاتورية.

فقد وجدت دراسة نشرتها مؤسسة راند الأمريكية عام 2018م أن زيادة المساعدة الأمريكية لإفريقيا في حقبة الحرب الباردة خلَّفت وراءها حروبًا أهلية وحركات تمرد؛ لأن واشنطن دخلت في شراكة مع حلفاء فاسدين وسلطويين؛ فقط لأنهم لم يكونوا حلفاء للاتحاد السوفييتي. وعلى المدى الطويل، غذَّت هذه الأنواع من المبادرات عدم الاستقرار، وأثارت الاستياء ضد الولايات المتحدة والأنظمة التي تدعمها، وغالبًا ما قوَّضت الأهداف الجيوستراتيجية التي كانت واشنطن تحاول تحقيقها، في حين لم يُقدّر جهود الولايات المتحدة إلا قليلون، فقد قدَّم الرئيس رونالد ريغان دعمه غير المحدود لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ولسنوات دعمت الولايات المتحدة موبوتو سيسي سيكو في زائير، والذي لم يكن فقط أحد أكثر الأنظمة فسادًا في العالم، بل ساعد أيضًا على إرساء الأساس لعقود من الصراع، الذي ما زالت الولايات المتحدة إلى اليوم تحاول معالجة تداعياته.

مثلما يتذكر سكان إفريقيا اليوم أخطاء الحرب الباردة؛ فإن الولايات المتحدة الحالية يجب أن تتذكرها، فسياساتها في إفريقيا سيكون لها عواقب طويلة الأمد، كما أن معظم الأفارقة من الشباب تحت 30 عامًا، ويشعرون بخيبة أمل من الولايات المتحدة وسياساتها، وأسوأ شيء يمكن أن تقوم به واشنطن اليوم هو دَعْمها للأنظمة الدكتاتورية ولتُجّار السلاح، وتمكينها للأنظمة الفاسدة فقط لأنها تحتكر السلطة اليوم، لكنها لن تظل فيها إلى الأبد، فلماذا إذن تخاطر الولايات المتحدة بتدمير العلاقات مع الشباب الأفارقة ومنظمات المجتمع المدني ودعاة الديمقراطية الذين سيصبحون أكثر قوة في السنوات المقبلة؟

إن اتباع المسار الحالي سوف يستمر في هذه الحلقة المؤلمة من سوء الإدارة، وما يتبعها من انعدام الثقة والعداء والعنف، والإضرار بالأمن القومي الأمريكي، ومزيد من الضرر للأفارقة على حد سواء. فلقد رأينا هذا النمط يتكرر في السابق، ومِن ثَمَّ نحن بحاجة إلى تغيير المسار والاستفادة من هذه اللحظة -في أول قمة لقادة الولايات المتحدة وإفريقيا منذ ما يقرب من عقد من الزمان- لتغيير مسار إرث أمريكا وعلاقتها مع الدول الإفريقية؛ من خلال الاستثمار في الحكم الرشيد. إذا كانت الولايات المتحدة تقول: إن الحكم الديمقراطي القوي والمزدهر والنابض بالحياة هو مهمتها الرئيسية؛ فعليها أن تقف إلى جانب تلك المهمة في إفريقيا وحول العالم.


[1]- سارة جاكوبس نائبة ولاية كاليفورنيا في الكونجرس الأمريكي، نشر في 12 ديسمبر على الرابط التالي:

https://foreignpolicy.com/2022/12/12/us-counterterrorism-strategy-africa-security-assistance-governance-extremism/

 

كتاب الموقع