أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

بوروندي... دولة بين السلم والتوتر بعد 60 عامًا من الاستقلال

بقلم: أندري جيشاوا*

ترجمة: سيدي.م.ويدراوغو

 على الرغم من أن دولة بورندي لم تَعُدْ في حالة حرب؛ إلا أنها تواجه تحديات خطيرة على المستويين السياسي والاقتصادي؛ وفقًا لما أورده البروفيسور أندريه غويشاوا في كتاباته.

وللتذكير، احتفلت بوروندي (التي تعتبر أفقر دولة على هذا الكوكب من حيث دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي) بمرور 60 عامًا على استقلالها في مطلع يوليو الجاري. لكنْ يتعين تناول هذه الملاحظة في سياق تاريخ تتخلله العديد من الأحداث الدرامية، علمًا بأن البلاد، حتى عام 1996م، شهدت الانقلابات والمجازر والاغتيالات السياسية قبل الانزلاق في حرب أهلية استمرت لفترات طويلة قبل الاستعادة التدريجية للسلام إلى المشهد في عام 2003م، ورغم ذلك عادت البلاد مجددًا إلى الحكم الاستبدادي في عام 2015م.

ومنذ ذلك الحين، لاحظت الأمم المتحدة إحراز تقدُّم بطيء، ولذا فإنها تواصل إدانة العنف السياسي في البلاد. لكن كيف وصلت بوروندي إلى هذه النقطة؟ ولماذا لم يتحسن وضعها؟

إيجاد سلطات قادرة على إحلال السلام.. انتخابات 2005م:

في عام 2005م، بعد 25 عامًا من الأنظمة العسكرية الموالية للتوتسي (وهي الفترة التي كانت الجماعتان العرقيتان الرئيسيتان في البلاد: الهوتو والتوتسي يمثلان 85٪ و14٪ من السكان تباعًا)، وبعد عشر سنوات من الحرب الأهلية، أراد الناخبون إحلال السلام، مما أدى إلى تصويتهم لصالح بيير نكورونزيزا في الانتخابات الرئيسية، وهو رئيس CNDD-FDD (المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية - قوات الدفاع عن الديمقراطية)؛ أقوى حركات تمرد الهوتو، والقادرة على فرض نفسها أمام الجيش النظامي FAB (القوات المسلحة البوروندية)، أو أمام المتمردين السابقين في معسكر الهوتو على حد سواء.

ولم يكن موقف قوات المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية (الفرع المسلح المنشق عن المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية الذي وافق على توقيع وقف إطلاق النار مع السلطة القائمة في عام 1998م) أقلّ يقينًا؛ حيث كانت سيادتها مرهونة بالإقرار عبر الانتخاب بأن عملية التفاوض بين الأحزاب السياسية وصياغة الإطار الدستوري جرت دون مشاركتها. وقد أعقب ذلك خمس سنوات من التدهور السياسي أكمل خلالها المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية- تأسيسه الوطني.

توطيد السلام المُحرَز واستقرار الإطار السياسي.. انتخابات 2010م:

في مقابل معارضة منقسمة، يحظى مرشحو المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية-قوات الدفاع عن الديمقراطية والشخصية الكاريزمية للرئيس المنتهية ولايته بدعم هائل من سكان الريف؛ حيث نشهد التطلع إلى الاستقرار أقوى من أيّ وقت مضى؛ لأنه للمرة الأولى في تاريخ البلاد، يُدْعَى فيه الناخبون إلى التصويت في انتخابات أعقبت أخرى بشكل طبيعي.

ولكن بعيدًا عن الواقعية؛ فإن المشاركة الانتخابية القوية والنتائج التي أحرزها المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية تُعبّر عن ارتياح حقيقي تجاه حزب تمكّن من احتواء الانقسامات العرقية، ونجح في دمج القوات المسلحة التي أصبحت الآن تحت سيطرة السلطة التنفيذية. كما أن "المصالحة الوطنية" لا سيما فيما يتعلق بالجيش الذي لم يَعُد "يثير قلق السكان" شكَّلت عاملاً حاسمًا في فوز المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية.

وسرعان ما انخرطت قيادات الحزب مع صلاحيات كاملة على مختلف مستويات التمثيل الوطني في الحملة الانتخابية لعام 2015م. وكانت الأولوية المطلقة تتمحور حول إدارة التحديات المحلية، وتعزيز حسن إدارة السكان إلى جانب هيكلة وتعبئة نشطاء الحزب والمديرين التنفيذيين في إطار هدف: الاحتفاظ بكل السلطات لفترات طويلة.

الولاية الثالثة لبيير نكورونزيزا.. انتخابات 2015م:

وبعد نجاحه، خلال عشر سنوات من ممارسة السلطة، في تكريس آليات وموارد السلطة بين يديه، وتأسيس حزب واحد بحكم الأمر الواقع مع ميليشيا شبابية مسؤولة عن الإشراف الدقيق على السكان وتحييد أيّ معارضة منظمة، أصبح التخلي عن الصلاحيات أمرًا لا يُطاق بالنسبة للرئيس.

لكن سرعان ما اندلعت الاحتجاجات الشعبية بعد تأكيد الحزب على ترشيح الرئيس المنتهية ولايته، في 25 أبريل 2015م، وتفاقمت الأمور؛ على الرغم من حشد قوات الشرطة، ثم جاء الانقلاب العسكري الفاشل في 13 مايو، وما نتج عنه من قمع عنيف؛ ليُسلّط الضوء على التصدعات الكامنة داخل القوات المسلحة، بالإضافة إلى حرمان جيل كامل من حرية التعبير والإعلام المستقل ممن يتطلعون إلى الديمقراطية دون تجربتها.

في يوليو، في أعقاب الانتخابات التي وصفتها الأمم المتحدة بـ"غير الحرة ولا ذات المصداقية"؛ أحرز المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية- أغلبية يفوق الثلثين في الجمعية الوطنية، وهي النسبة اللازمة للتحرُّر من القيود الدستورية واتفاقات أروشا لإعادة تنصيب الرئيس كرئيس للدولة.

انتخابات عام 2020م للإنقاذ:

تم حرمان البلاد من المساعدات الدولية؛ بسبب قمع المعارضة، وتفاقم التوترات الاقتصادية نتيجة تباطؤ النمو وهروب رؤوس الأموال، والافتقار إلى صيانة البنية التحتية، ونهب الموارد العامة، والانخفاضات الحادة في الخدمات الاجتماعية.

 فيما دفع قادة المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية- "المرشد الأعلى الدائم" الذي أصبح "غير قابل للتمثيل" إلى الانسحاب في نهاية ولايته الثالثة، ثم انتخاب الجنرال إيفاريست نداييشيمي، وهو رجل داهية متقاعد، عقب انتخابات متنازع عليها في مايو 2020م، وأعقب ذلك رحيل نكورونزيزا بعد فترة وجيزة إثر إصابته بـكوفيد-19، وهو المرض الذي طالما قلل من خطره!!

وعلى الرغم من استحواذ حزب الدولة على جميع السلطات والموارد عطفًا على تنظيمه الحياة اليومية للمواطنين، وعدم وجود أي "عدو" داخلي خارج سيطرته؛ إلا أن حصيلة المأموريات الثلاث للمجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية- كارثية؛ حيث وصل العجز الإداري والانحدار الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الإفلاس الاقتصادي والقيود الهيكلية والتطلعات الديمقراطية:

هذه ليست ظاهرة عارضة باعتبار أن معدل الناتج المحلي الإجمالي، الذي شهد انخفاضًا كبيرًا منذ أوائل التسعينيات، استمر في الانخفاض بعد 1993-1994م، ثم الهبوط إلى أدنى مستوياته في عام 2005م قبل الارتفاع مرة أخرى من عام 2005م إلى عام 2014م. وقد احتلت بوروندي المرتبة الثانية بين أفقر دول العالم في عامي 2013 و2014 ثم ارتفعت إلى المرتبة الأولى في عام 2015م، ولاتزال تتبوأ المرتبة المعنية منذ ذلك الحين فيما يتزايد الدين العام ويتسع عجز الحساب العام بالتوازي. ورغم ذلك كان هناك ثمة توقعات عن انتعاش خجول في النمو في عام 2021م.

ويؤكد UNDP (مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي)، والذي يشمل معايير متوسط العمر المتوقع، والتعليم، والمساواة، أيضًا على التدهور المثير للدهشة في البلد الذي احتل المرتبة 138 في العالم من بين 189 دولة في عام 1995م، والمرتبة 169 في عام 2000م، والمرتبة 182 في العالم 2005م، و180 في 2010م، و2015م، ثم المرتبة 185 في 2019م و2020م.

وعلاوةً على ذلك، يُعتبر الأداء البوروندي، في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية تقريبًا، من بين أدنى المستويات على مستوى العالم، دون وجود ذريعة قيود غير اعتيادية. على العكس من ذلك، فإن الأسبقية منذ عام 2012م على الصادرات التقليدية للبُنّ والشاي والذهب والمعادن النادرة مؤخرًا (2019 – 2022م) هي من بين سلع التصدير الرائدة في البلاد، ومع ذلك فمن الصعب إن لم يكن من المستحيل إجراء تقييم دقيق للعائدات المستمدة من قطاع التعدين؛ بسبب افتقار الشفافية بشكل عام وتعقيد الترتيبات بين الشركاء المتعددين المحليين والدوليين بشكل خاص.

 شعوب التلال يواجهون نُخَبهم:

بعد انقلاب أبريل 2015م وبعد خروجهم منتصرين من الانقلاب لم يَعُد الضباط الجدد يفرضون أيّ قيود على أنفسهم في خصوص اللحاق بزملائهم الأكبر سنًّا من التوتسي وخريجي المعاهد العسكرية على المستوى المادي أو "تأخير الترقية الوظيفية"؛ كلٌّ حسب سقف صلاحياته.

واستنادًا على ما سبق، وبالإضافة إلى التوترات الأمنية الناجمة عن الرقابة المحلية على المواطنين من قِبل حزب المجلس الوطني للدفاع عن الديمقراطية -قوات الدفاع عن الديمقراطية-؛ يمكننا القول: إن "الديمقراطية الشاملة الجديدة" للنخب العسكرية من رجال المقاومة لا تختلف جوهريًّا عن ممارسات الأنظمة السابقة.

لكنهم يؤكدون بذلك رأي البورونديين القائل بأحقيَّة الفلاحين في تولّي السلطة "من خلال أبنائهم" عبر المدارس والجامعات والتدريب العسكري، عطفًا على المناضلين بوصفهم كمحررين لـ"الشعب البوروندي". لكن في الواقع، بعد إخضاعهم للعمل بشكل تعسفي منذ الاستقلال من قبل الأنظمة العسكرية المتعاقبة في الاستيلاء على الدولة لا يزال أبناء "شعب التلال" الذين تحمَّلوا بشكل أساسي ثقل الحرب الأهلية هم من يعيشون الآن من كدحهم.

ونظرًا للفشل الإداري والاجتماعي الواضحين؛ فمن المتوقع أن تكون القطيعة أعمق من الانقسامات العرقية والإقليمية التي تبدو عويصة الاحتواء. وقد أدركت شريحة المزارعين خلفية إحضارها قادة من صفوفها للمشاركة في السلطة، وأن ما وراء التفتيت والفوضى السائدة في أوساط عمال الأرض التي يتحملون مسؤوليتها، أن الغياب السياسي لفئة صغار المنتجين ناجم عن بعض أشكال الاندماج والمشاركة في سلطة الدولة.

الدور الأساسي للفلاحين ومكانتهم في الدولة:

إن الفلاحين هم في الواقع الذين يوفرون جميع موارد الدولة تقريبًا، لكن يتم اتخاذ معظم قرارات السياسة الزراعية دون استشارتهم، حيث يمارس مندوبو الحزب، وهم في الغالب من الفلاحين، وظائف تنفيذية فقط، في مواجهة دولة فرضت نفسها، بموجب مرشحيها العامين أو الخاصين، على أنها المشغل الاقتصادي الحصري، فإن موظفيها المدنيين، وخاصة كوادر الحزب هم الذين يبرمجون الاستثمارات ويوجهونها، ثم يديرون العملية الإنتاجية وتداعياتها.

وفي بوروندي، فإن الوعي الحاد بنمط أسلوب حياة الفلاحين وسلبهم ممتلكاتهم يقوم على تكوين أيديولوجي معين لأنه، على عكس العديد من البلدان الأفريقية حيث الزراعة تحتضر، فإن الممارسة اليومية للسيطرة  تتزايد من قبل هذه الكوادر الحزبية الممثلة للدولة.

وفي بلد لا تستطيع الدولة العيش فيه بدون العمالة التي يقدمها منتجو الأرض (أي 30٪ من الناتج المحلي الإجمالي لـ 90٪ من القوة العاملة الوطنية) على شكل منتجات وعائدات التصدير، فإن هذا التعدي على أراضيهم يحافظ على الشعور العام المناهض للدولة. فهو مشترك على نطاق واسع، ويوحد الفلاحين ويعيد تنشيط القيم الريفية بشكل دائم، في مواجهة البؤس.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش:

 *أندري جيشاوا، أستاذ جامعي بجامعة باريس 1 بانتيون سوربون.

https://lejournaldelafrique.com/burundi-soixante-ans-apres-lindependance-un-pays-en-paix-et-en-crise/

كتاب الموقع