أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ماهي أبرز تأثيرات الحرب في أوكرانيا على الاقتصاد الإفريقي ..؟

روضة علي عبد الغفار

صحفية مهتمة بالشأن الإفريقي

تقوم الحرب هناك فيتأثر رغيف الخبز هنا! معادلة لابد منها لشدة تشابك المصالح رغم البعد الجغرافي؛ حيث تُعدّ إفريقيا من أبرز المتأثرين بأعباء الحرب الروسية الأوكرانية، التي لا ناقة لها فيها ولا جَمل..

من زاوية أخرى؛ ورغم وقوف إفريقيا أمام أزمة اقتصادية مُحدقة جراء الحرب؛ تبرز تساؤلات عن دور هذه الأزمة في دَفْع إفريقيا للاعتماد على مواردها الغزيرة، وعن إمكانية الوصول لحلول إفريقية-إفريقية في ظل تناوش القوى العالمية..

نناقش في هذه التحقيق: إلى أيّ مدى ستتأثر إفريقيا بهذه الحرب؟ وهل سيتمكن القادة الأفارقة من تجنُّب الأزمة الاقتصادية القادمة؟ وكيف تستطيع إفريقيا التوحد والنهوض لمواجهة ما يتربص بها؟

إفريقيا.. الحليف المشترك!

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ما انفكت إفريقيا تسير بحذر؛ للحفاظ على العلاقات مع طرفي الصراع؛ بهدف التقليل -قدر الإمكان- من تأثيراتها؛ حيث تواجه القارة السمراء تحديًا صعبًا يُحتّم عليها احترام توازن القوى؛ حتى لا تتضرر مصالحها الوطنية.

كما كشفت أزمة الحرب الروسية على أوكرانيا عن حجم التباين في مواقف الدول الإفريقية، فقد صوتت 28 دولة إفريقية لصالح قرار إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، فيما تراوحت مواقف 26 أخرى ما بين امتناع وغياب ورفض، وهو ما يكشف عن معايير الحُكم والرؤى للدول الإفريقية، المتأثرة بالمصالح والروابط الأيديولوجية والعسكرية، سواء مع المعسكر الغربي أو مع روسيا.

وعندما ننظر نجد أن روسيا حاولت توسيع ومدّ نفوذها في إفريقيا ليشمل بعض الدول المتهالكة في القارة؛ حيث باتت الآن أكبر مُصدّر للأسلحة إلى إفريقيا، ولعبت دورًا مهمًّا في دعم العديد من الدول عبر المساعدات الأمنية والتزويد بالأسلحة والتقنيات العسكرية، كما زادت تجارتها مع دول القارة منذ عام 2014م، على الرغم من أنها لا تزال تمثل 2% فقط من حجم التجارة الإفريقية مع باقي العالم.

 

يعتقد أستاذ الاقتصاد بجامعة الساحل بمالي، د. عمر بولي، أنه ليس من السهل تقييم الوضع الحالي للحرب في أوكرانيا وقياس تأثيرها على اقتصاد إفريقيا، لكن بات واضحًا أن التداعيات ستكون متعددة الأبعاد، فكثير من دول إفريقيا تعتمد بشكل أساسي على استيراد الغذاء والطاقة من روسيا، مما يجعل هذه الدول عرضة للصدمات الاقتصادية.

وأضاف "بولي" في حواره مع "قراءات إفريقية"، أن جائحة كورونا لعبت دورًا كبيرًا في تقليل حركة الملاحة البحرية، وتسبَّبت لاحقًا في ارتفاع الأسعار، وأن الحرب الروسية الأوكرانية تأتي لتزيد الأعباء الاقتصادية؛ حيث تواجه اليوم دول مثل السودان ونيجيريا وتنزانيا وكينيا وجنوب إفريقيا، التي تعتمد بشكل خاص على القمح الروسي، مخاطر التوترات الاقتصادية.

وتصديًا للأزمة التي تلوح في الأفق؛ توجَّه الرئيس السنغالي ماكي سال -الذي يتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي حاليًا- إلى روسيا للقاء الرئيس بوتن في سوتشي في الأول من يونيو الحالي، ليناقش فتح الطريق أمام مخزونات الحبوب والأسمدة، التي تؤثر عرقلة مرورها على الدول الإفريقية، وكان قد طلب الرئيس السنغالي، في رسالة إلى قادة الدول الأوروبية، القيام بكل شيء للإفراج عن مخزون الحبوب العالق في أوكرانيا بسبب الهجوم الروسي.

كابوس الجوع:

تسبب الغزو الروسي لأوكرانيا في تدهور الأمن الغذائي في عدة دول إفريقية؛ لكونها تستورد كميات معتبرة من القمح من كلتا الدولتين، كما أربكت الحرب سوق السلع العالمية وتدفقها إلى إفريقيا؛ مما زاد من ارتفاع أسعار الغذاء، وتهديد ملايين الناس بالفقر، بحسب منظمة هيومن رايتس ووتش.

من جهته يرى د. عمر بولي، أن الأزمة إذا استمرت لوقت أطول فإن القارة ستقع بالتأكيد في براثن الجوع؛ لأنها في الأصل تعاني من المجاعات والحروب الطاحنة، ولا تمتلك مخزونًا استراتيجيًّا من الغذاء.

وأضاف "بولي" أن أزمة الغذاء الوشيكة يمكن أن تُسبّب اضطرابات اجتماعية في إفريقيا جنوب الصحراء، فضلًا عن قلق المنظمات الإنسانية من أن الأزمة في أوكرانيا قد تدفع المانحين إلى قطع التمويل لحالات الطوارئ الأخرى.

وقد صرح البنك الإفريقي للتنمية في بيان له في شهر مايو الماضي بأن "إفريقيا تواجه حاليًا -مع تعطل الإمدادات الغذائية جراء الحرب الروسية الأوكرانية- نقصًا لا يقل عن 30 مليون طن من الغذاء، خاصةً القمح والذرة وفول الصويا المستوردة من كلا البلدين".

وتُعد إفريقيا المستهلك الأسرع نموًّا للقمح، رغم أنه يتم زراعته في بلدان قليلة في القارة بما في ذلك كينيا وجنوب إفريقيا، وبالنظر إلى البدائل المحلية للقمح؛ نجد "التيف" وهي حبوب إثيوبية قديمة، تُستخدم في القرن الإفريقي وتعتبر مثالًا جيدًا، أيضًا "الكاسافا" من المحاصيل التي يتم تناولها على نطاق واسع في غرب ووسط إفريقيا، ويمكن تحويلها إلى خبز.

لكن تحتاج المحاصيل التي يتم إنتاجها محليًّا إلى مزيد من العناية، كما تحتاج الحكومات إلى مكافحة انجراف التربة، وإعادة النظر في المحاصيل المعدَّلة وراثيًّا، ويتوجب على البلدان التي لديها احتياطيات ضخمة من الغاز، بما في ذلك موزمبيق وتنزانيا وساحل العاج والسنغال وموريتانيا، تطوير صناعة الأسمدة المحلية.

وتأتي أيضًا المنافسة الدولية على موارد القارة الإفريقية؛ التي يمكن أن تؤدي إلى صراعات طويلة وشائكة، وقد تجد إفريقيا نفسها هذه المرة مسرحًا لصراع المشهد الأكبر، خاصة أنها قد تكون محور التنافس على الموارد في الفترة القادمة.

 

تحديات ماثلة:

ومما لا شك فيه أن أزمة الحرب في أوكرانيا ستطال كافة المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، لكن يظل الجانب الاقتصادي أكثر المجالات تأثرًا.

ترى مديرة البرنامج الإفريقي بمعهد الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، د. أماني الطويل، أن الحرب في أوكرانيا تعني مزيدًا من الضغوط على القارة الإفريقية، وتعني جوعًا، وأن مظاهر هذا الجوع واضحة، ليس فقط بسبب الحرب على أوكرانيا، ولكن بسبب الحروب الداخلية في إفريقيا وتعنُّت السلطات السياسية، وأن هناك تقارير أشارت إلى دول تعاني الجوع مثل الصومال وجنوب السودان، ودول أخرى على حافة الجوع.

وبحسب "الطويل"؛ فإن ما قام به رئيس الاتحاد الإفريقي "ماكي سال" بتوجيه رسالة لقادة الدول الأوروبية، يؤشر إلى طبيعة التحدي الغذائي الموجود في القارة، وكذلك ما قاله الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يؤشر إلى التحديات التي تواجه الأمن الغذائي في إفريقيا.

وفضلًا عن التحدي الماثل أمام إفريقيا بإمكانية أن تكون بديلًا في زراعة الحبوب، هناك تحدٍّ آخر هو تحدٍّ مائي؛ لأن القارة الإفريقية لديها شُحّ مائيّ، بالإضافة إلى عدد من التحديات المرتبطة بحالة مؤسسات الدولة في الدول الإفريقية.

وذكرت "الطويل" التحديات التي تواجهها دولة مثل السودان، وهي دولة مُرشّحة للزراعة، لكن الأزمة السياسية الممتدة منذ عام 1956م حتى اليوم؛ أدت إلى عدم قدرة الدولة على القيام بوظائفها الأساسية، من توصيل الأسمدة للمزارعين، وتنظيم إمدادات المياه في بعض المناطق. وأضافت: أن السودان كانت مرشحة لئن تكون سلة غذاء العالم قبل أن تُقسَّم، ومازالت مرشحة أن تَسُدّ جزءًا كبيرًا من الأمن الغذائي شرط الاستقرار السياسي، وهو أمر غير متحقق.

واعتبرت أن الحالة السودانية نموذج قابل للتكرار في عدد من الدول الإفريقية جنوب الصحراء، مثل دولة زمبابوي؛ فهي دولة واعدة بالزراعة، ولكن قدراتها ضعيفة.

وأكدت "الطويل" في حوارها مع "قراءات إفريقية"، أن هذه الأزمة تجعل الدول الإفريقية أمام تحدٍّ كبير، وتطرح إمكانية أن تكون بديلًا وأن تعتمد على قدراتها الداخلية، وأن هناك بعض الدول مؤهلة للاستجابة لمثل هذا التحدي، منها مصر والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقيا، أما الدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي فلن يكون لديها القدرة للاستجابة لهذا التحدي.

علاوة على ذلك؛ قد تتطلب الحرب في أوكرانيا اهتمامًا غربيًّا متزايدًا، وبالتالي من المرجح تحويل الاهتمام السياسي والموارد المالية بعيدًا عن إفريقيا، ويعزز هذه الهواجس أن أكثر من نصف ميزانية الاتحاد الإفريقي تموّل من شركاء خارجيين، كالاتحاد الأوروبي، ودول غربية بشكل فردي.

من جهتها ترى "الطويل" أن المانحين لديهم مشكلات كبرى ومعقَّدة في أوروبا، قد تستمر لمدة عام أو أكثر، وأن معالجة آثار الحرب في أوكرانيا سوف تكون مُكلّفة للدول الإفريقية.

وأضافت أن اتجاه بعض الدول الأوروبية الكبرى نحو التسلح سوف يَحُدّ من قدراتها على تقديم المساعدات للقاره الإفريقية، مثل دولة ألمانيا التي تضع ميزانية دفاعية ضخمه تتجاوز 700 مليار دولار، كذلك فرنسا على نفس الطريق، ودول أوروبية أخرى، وبالتالي فهذه الميزانيات والموازنات سوف تَحُدّ من قدرة هذه الدول على تقديم المساعدات والمنح للقارة الإفريقية، التي كانت تُقدّم لتحسين ظروف وبيئة الحياة في إفريقيا والحدّ من الهجرة غير الشرعية.

ورغم التحديات الماثلة تعتقد خبيرة الشؤون الإفريقية أن العالم سوف يستثمر في إفريقيا زراعيًّا، قائلة: نحن لا نتكلم عن مانحين، ولكن نتكلم عن صناديق استثمار، سوف تتجه إلى الاستثمار الزراعي في إفريقيا.

هل آن أوان النهوض الإفريقي؟

تبرز ضرورة أن تبدأ إفريقيا في بحث أفضل السُّبل للرد والتعامل مع هذه الأزمة وتداعياتها والخروج بموقف واضح؛ حيث يرى الخبراء أن تعامل كل دولة بشكل فردي مع الأزمة سيجعلها عُرضة للضرر، وبالتالي لابد من استجابة منسَّقة ومشتركة وجماعية من كافة الدول الإفريقية، لاتخاذ موقف إفريقي ينبع من احتياجات القارة، والانخراط في مباحثات إفريقية-إفريقية حول استجابة القارة لمعالم هذه الأزمة.

بالإضافة إلى تعزيز الاستقلال المالي للمنظمة الإفريقية، لا سيما أن الاعتماد على الشركاء الخارجيين يقوّض من قدرة المنظمة الإفريقية على الاستجابة الفعّالة، فضلاً عن الضغط لاتخاذ قرار قد ينحاز إلى طرفٍ بعينه لاستمرار الدعم والتمويل.

 

يذهب الأكاديمي الأفرووسطي المتخصص بالشأن الإفريقي، د. محمد زكريا فضل، إلى أن الحرب الروسية-الأوكرانية أحدثت أزمات اقتصادية وإنسانية تأثرت بها إفريقيا كجزء من المنظومة العالمية، وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة وخاصة الوقود بسبب توقف بعض خطوط الإمدادات العالمية وتدهور سير سلسلة التوريد؛ أدّى إلى تضخم غير مسبوق في كثير من السلع الضرورية والاستراتيجية في الدول غير المنتجة للنفط والغاز.

وأردف "فضل" في حواره مع "قراءات إفريقية" أن نقص الإمدادات في قطاع الحبوب خاصة القمح؛ أثرت بشكل كبير على دول إفريقيا؛ لاعتمادها شبه التام على استيراده من روسيا وأوكرانيا، وبالتالي ارتفعت أسعار الخبز ومشتقاته في تلك الدول.

ويعتقد الباحث الأفرووسطي أن هذه الأزمات الاقتصادية وغيرها يمكن للقادة الأفارقة تفاديها بانتهاج سياسة الحياد، أي النأي بأنفسهم بعيدًا عما يحدث في أوكرانيا، وألا يصطفوا مع فريق ضدّ آخر.

وبالحديث عن حلول إفريقية-إفريقية للأزمة الاقتصادية الراهنة، يرى "فضل" أن الحلول تكمن أولاً في تحرير القرار السيادي للدول الإفريقية؛ الذي بمقتضاه يمكن تنفيذ كل السياسات والخطط الاقتصادية والتنموية بشكل سريع وفعَّال، قائلًا: "يجب على القادة الأفارقة وضع سياسات اقتصادية من شأنها أن تعزّز الإنتاج المحلي في السلع والخدمات الضرورية والاستراتيجية، وتعزز التكامل الإفريقي وتحرير التجارة البينية ورفع مستويات الوعي بين الشعوب الإفريقية".

كما أضاف "فضل" أن الحكومات الإفريقية ينبغي أن تسعى إلى خلق وظائف محلية لكي تتماشى مع معدلات النمو السكاني السريع الذي تشهده القارة، وخاصة فئة الشباب التي تتميز بها القارة الإفريقية من حيث العدد والزيادة المتسارعة.

ويؤكد "فضل" على أن هذه الأزمة يمكن أن تدفع القادة الأفارقة إلى اعتماد حلول مبتكرة للأزمة الاقتصادية المتمثلة في: الأمن الغذائي والصحة وزيادة معدلات البطالة، وذلك بالاعتماد على موارد القارة ومقدراتها، بدءًا من الموارد الطبيعية والموارد البشرية، وانتهاءً بتعزيز التكنولوجيا والرقمنة ودمجها في عناصر الإنتاج؛ من أجل تحقيق التحول الرقمي الذي بدوره سيعزز الإنتاجية، ويوفر فرص عمل لشريحة كبيرة في المجتمع الإفريقي.

وختامًا.. فإن إفريقيا تقف أمام أزمة مُحدقة قد تدفعها لاستغلال مواردها الضخمة وابتكار حلول إفريقية لأزمة مصيرية، وهذا يتطلب اصطفاف القادة الأفارقة، ومن ورائهم الشعوب الإفريقية؛ لاجتياز هذه العقبة بأقل الخسائر وبخطوات رصينة نحو نهضة كبيرة.. فهل تدرك القارة البِكر قيمة مواردها؟!

كتاب الموقع