أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الاتحاد الإفريقي: كشف حساب عن أهم قضايا 2022م

 مضى العام الميلادي 2022م، وكانت الشعوب الإفريقية قد استهلته بطموحات كبيرة وآمال عريضة؛ يأتي في مقدمتها التصدي للعديد من الأزمات والمعضلات التي كادت أن تعصف بالقارة هذا العام. ومن أكثرها أهميةً وخطورةً: أزمة جائحة كوفيد-19 الطارئة التي أنهكت القارة على كافة الأصعدة، ومعضلة تسوية الصراعات المسلحة المزمنة التي تضرب بأطنابها في أرجاء القارة، بما في ذلك الصراع القَبَلي والسياسي، والصراع مع قوى الإرهاب والجريمة المُنظَّمة، ومعضلة التعثر المستدام على طريق التحول الديمقراطي والحكم الرشيد.

ولما كانت هذه القضايا الثلاث من الأهمية بمكان؛ بحيث تؤثر نتائج إدارتها على مصائر الشعوب الإفريقية، وعلى استقرار وجودة حياتهم، ولما كان الاتحاد الإفريقي هو المنظمة القارية الجامعة التي تنعقد عليها الآمال في تطوير وطرح وتنفيذ السياسات الكفيلة بالتغلب على التحديات التي تواجه القارة؛ فقد وجب الوقوف بين يدي عام جديد تقييمًا وتقويمًا للسياسات التي تبنَّاها، والأداء الذي أدَّاه الاتحاد الإفريقي، في ضوء الأهداف التي أُنشئ من أجلها، والصلاحيات الممنوحة له، فيما يمكن اعتباره كشف حساب عن أهم القضايا التي واجهته في العام المنصرم.

ويناقش هذا التحليل سياسات الاتحاد الإفريقي تجاه هذه القضايا، والنتائج التي توصَّل إليها، ومدى نجاحها أو إخفاقها في تحقيق الأهداف التي أُنشئ من أجلها، وصولًا إلى طرح تصورات تقويمية مستقبلية عبر المحاور التالية:

أولًا: أهداف الاتحاد الإفريقي

في 26 مايو من عام 2002م أُعلِنَ رسميًّا عن تدشين الاتحاد الإفريقي، كمنظمة إفريقية قارية، ليحل بذلك محل منظمة الوحدة الإفريقية التي تأسَّست 25 مايو عام 1963م؛ من أجل تعميق وتعزيز التضامن الإفريقي، وتسوية قضايا القارة السياسية والاقتصادية والأمنية، في إطار إفريقي بحت، وتدخل القضايا الثلاث المطروحة في صميم بعض الأهداف التي تأسَّس الاتحاد من أجلها؛ وبخاصة:([1])

ن- العمل مع الشركاء الدوليين ذوي الصلة للقضاء على الأوبئة التي يمكن الوقاية منها، وتعزيز الصحة الجيدة في القارة.

و- تعزيز السلام والأمن والاستقرار في القارة.

ز- تعزيز المبادئ والمؤسسات الديمقراطية والمشاركة الشعبية والحكم الرشيد.

ويعمل الاتحاد الإفريقي على تحقيق أهدافه وفقًا لعدة مبادئ؛ يَعنينا منها في هذا المقام:([2])

 د- وضع سياسة دفاعية مشتركة للقارة الإفريقية.

ح- حق الاتحاد في التدخل في دولة عضو بسبب ظروف خطيرة تتمثل في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.

ى- حقّ الدول الأعضاء في طلب تدخل الاتحاد لإعادة السلام والأمن.

م- احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد.

س- احترام قدسية الحياة البشرية، وإدانة ورفض الإفلات من العقوبة والاغتيالات السياسية والأعمال الإرهابية والأنشطة التخريبية.

ع- إدانة ورفض التغييرات غير الدستورية للحكومات.

ومن هنا تتضح أهمية تقويم سياسات وأداء الاتحاد الإفريقي أولاً بأول وبشكل دوري، من أجل العمل على تصحيح المسار وتحقيق الأهداف، في أقرب وقت ممكن وبأفضل طريقة وبأقل مجهود وتكلفة.

ثانيًا: جائحة كوفيد-19

على الرغم من تأخر وصول جائحة كوفيد-19 وتفشّيها في إفريقيا نسبيًّا عن باقي أنحاء العالم، إلا أن الحالات المؤكدة مطلع عام 2022م كانت قد بلغت في عموم القارة أكثر من ستة ملايين حالة، تُوفي منها وقتئذ حوالي 230 ألف حالة، بخلاف ما لم يتم رصده آنذاك، وقد اجتاحت الإصابات عموم القارة، لكنها تركزت بعض دول الشمال الإفريقي مثل تونس والمغرب ومصر، وبعض دول الجنوب والشرق والغرب مثل جنوب إفريقيا وإثيوبيا ونيجيريا.([3])

ولقد كان للجائحة في إفريقيا تأثيرات سلبية على كافة مناحي الحياة، كان أكثرها فداحةً تلك الخسائر البشرية الكبيرة؛ نظرًا لما تعاني منه القارة من ضعف الإمكانيات التمويلية، وتردّي أحوال البنية والخدمات الصحية، وانعدام تكنولوجيا التصنيع الدوائي، فضلاً عن تدنّي مستوى الأبحاث الدوائية.

أما على الصعيد الاقتصادي فقد كانت الخسائر، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، كبيرة جدًّا، بحيث أنهكت الاقتصادات الإفريقية، وهي ضعيفة بطبيعتها، وسريعة التأثر بالأزمات الدولية؛ بسبب الارتباط وثيق الصلة (التبعية الاقتصادية) بين الاقتصاد الإفريقي الذى يسيطر عليه نُخَب كومبرادورية [هو مصطلح سياسي ويعني الطبقة التي تتحالف مع رأس المال الأجنبي تحقيقا لمصالحها وللاستيلاء على السوق الوطنية]، وبين الاقتصادات الدولية، وبخاصة اقتصادات الدول الغربية.([4])

وأما على الصعيد السياسي فقد فاقمت الجائحة من صعوبة وتعقيد معضلة التحول الديمقراطي والحكم الرشيد في القارة؛ حيث تم توظيفها ذريعةً لتأجيل الانتخابات أو التلاعب في نتائجها في بعض الدول، وذريعة لقمع المعارضة والتضييق عليها في دول أخرى.([5])

وقد أبدى الاتحاد الإفريقي استجابةً لا بأس بها، تُحْسَب له في ظل إمكاناته المحدودة؛ حيث بادَر بتفعيل المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية Africa Centers for Disease Control and Prevention "Africa CDC"، ومركز عمليات الطوارئ Emergency Operations Center، وقوة العمل الإفريقية لمواجهة فيروس كورونا Africa Task Force for Coronavirus "AFTCOR"، وعلى الرغم من حداثة نشأة هذه المراكز ومحدودية خبرتها؛ إلا أن دورها كان فعَّالاً بدرجة مقبولة في مجالات: إجراء اختبارات الكشف عن الفيروس، وتوفير اللقاحات، وتنسيق سياسات الدول لمواجهة الجائحة.([6])

وعلي الرغم من توطن بعض الأوبئة والأمراض الأخرى منذ زمن بعيد وبشكل مطَّرد في إفريقيا، واكتساب الأفارقة خبرة لا بأس بها، إلا أن الجائحة كشفت هذه المرة عن قصور إفريقي شديد في مجال الأبحاث الدوائية، وتكنولوجيا التصنيع الدوائي، ونقص الخبرات في مجال مواجهة الكوارث والأزمات الصحية، وهو ما يجعل تنمية وتطوير هذه القطاعات ضرورة مُلِحَّة، يجب أن يُوليها الاتحاد الإفريقي تنظيمًا أدق واهتمامًا أكبر وتمويلاً أكثر.

ثالثًا: الصراعات المسلحة

يُعدّ انتشار الصراعات المسلحة في إفريقيا بمثابة الصخرة التي تتحطم عليها كافة جهود النهوض الإصلاح والتنمية، وتتعدد أسباب اندلاع وانتشار واستمرار مثل هذه الصراعات المسلحة باختلاف الزمان والمكان، غير أن سببًا رئيسيًّا لا تخطئه عين، يمكن إرجاع جُلّ الصراعات التي تنتشر في أرجاء القارة إليه، مع وضع الأسباب الثانوية الأخرى في الاعتبار، وهو الاستيلاء على الموارد والثروة والسلطة، فالصراع عليها لا ينتهي بين أطراف داخلية وخارجية لا تتردد في استخدام كافة الوسائل، مشروعةً كانت أو غير مشروعة، في سبيل تحقيق أهدافها على حساب الشعوب الإفريقية الأكثر غنًى وفقرًا  في آنٍ واحد على مستوى العالم.

ومن أبرز أسباب ظاهرة الصراعات المسلحة: الصراع على السلطة، والإرهاب، والجريمة المنظّمة، والإثنية، ووفرة بعض الموارد، وندرة بعض الموارد. ومن أمثلة الصراع على السلطة الذي تحوّل إلى صراع مسلح: ذلك الصراع الذي اندلع في ليبيا عام 2011م، ولا تزال رَحَاه تدور حتى الآن لأكثر من عقد من الزمان، بين لاعبين دوليين وإقليميين ومحليين، على الأراضي الليبية، عاصفًا باستقرار الدولة وأمن مواطنيها، والصراع الذي اندلع في نوفمبر عام 2020م بين الحكومة الاتحادية الإثيوبية و"الحركة الشعبية لتحرير تيجراي"، وشارك فيه أطراف خارجية منها إريتريا التي تدخلت إلى جانب الحكومة الاتحادية الإثيوبية عسكريًّا بقوات على الأرض، وقد استمر الصراع المسلح على أشُدّه حتى أواخر العام 2022م، إلى أن توصَّل الأطراف إلى اتفاق لوقف العمليات العسكرية، ووضع أسس التسوية والتي يجري تنفيذها حاليًا، وإن كان الوضع لا يزال متوترًا.

أما عن الإرهاب فقد ضرب عدة بؤر في غرب وشرق وجنوب القارة هذا العام، ومن ذلك: ما اشتد في إقليم الساحل في غرب إفريقيا من عمليات إرهابية ضد عسكريين ومدنيين، في بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا، وهو ما حدا بـ"المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا" (إيكواس) إلى إنشاء قوة إقليمية جديدة للتدخل في حالة الضرورة، سواء كان ذلك في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، أو استعادة النظام الدستوري والعودة إلى الحكم المدني في الدول الأعضاء، وما اشتد من عمليات إرهابية في إقليم شرق إفريقيا، وبالأخص في الصومال؛ حيث كثَّفت حركة "الشباب المجاهدين" عملياتها، في مواجهة الحملة العسكرية المكبرة التي تقودها حكومة الرئيس الصومالي الجديد حسن شيخ محمود ضد الحركة، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وبعثتي الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي، وما اندلع في الجنوب الإفريقي، وتحديدًا في إقليم "كابو دلجادو" شمال موزمبيق من هجمات إرهابية، تصدَّت لها القوات الحكومية بدعم من قوات رواندية وقوات تابعة لـ"مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية" (سادك)، وقوات أمريكية وأوروبية، وقد تمكَّنت هذه العمليات المشتركة من القضاء عليها خلال هذا العام.

وأما عن الصراعات المسلحة بسبب وفرة الموارد الطبيعية، فعلي سبيل المثال كانت وفرة الذهب والألماس النحاس والكوبالت والقصدير والتنتالوم والتنجستن، سببًا رئيسيًّا لنشأة وتفاقم واستمرار الصراع المسلح في إقليم "كيفو" شرقي الكونغو الديمقراطية، وهو ما حدا بـ"جماعة شرق إفريقيا" (إياك) التي انضمت إليها الكونغو الديمقراطية هذا العام، إلى تشكيل قوة عسكرية للتدخل لإنهاء هذا الصراع الذي طال أمده وخلَّف آلاف القتلى وملايين النازحين.

وأما عن الصراعات المسلحة المستندة إلى أسباب إثنية؛ فمن أشدها وأكثرها دموية الهجوم المسلح الذي وقع على مركز "بلين سافو" لإيواء النازحين، والذي يبعد ثلاثة كيلو مترات من بلدة "بولي" في إقليم "دجوجو" في مقاطعة "إيتوري" في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وراح ضحيته أكثر من 50 قتيلاً، فيما يُنْسَب هذا الهجوم إلى ميليشيا "تعاونية تنمية الكونغو" (كوديكو) التي تَزعُم أنها تدافع عن قبيلة "لندو" في مواجهة قبيلة "هيما".([7])

وأما الصراعات التي تنشأ بسبب ندرة الموارد فما أكثرها، ومن أحدث وأقسى حالاتها ما اندلع أواخر العام من اشتباكات مسلحة في ولايات "جونجلي"، و"غرب بحر الغزال"، و"أعالي النيل"، ومنطقة "أبيي" بجمهورية جنوب السودان؛ فقد حصدت هذه الاشتباكات أرواح مئات المدنيين وشردت عشرات الآلاف، وكانت بسبب الصراع -في الغالب- على مناطق الرعي والمياه والأراضي الزراعية والموارد الأخرى، ولا تزال أعمال العنف جارية حتى تاريخه، فيما يعجز الجيش الجنوب سوداني عن فرض الهدوء والاستقرار.([8])

أما عن الجريمة المنظمة فقد باتت من أخطر مُهدِّدات السلم والأمن في إفريقيا، بعدما تماهت مع الإرهاب ولبست مسوح الدين ورفعت لواءه، وقد تواترت الدراسات والتقارير عن الارتباط الذي نشأ بين مافيا الجريمة المنظمة وقوى الإرهاب، مؤكدة أن كلًّا منهما بات يتوارى وراء الآخر، ويتَّبع منهاجه وأساليبه وأدواته في تأمين التمويل وتحقيق المكاسب، وقد ازدادت هذه القوى الخارجة عن القانون خطورة، بعد حصولها على حماية مؤسسات الدولة الرسمية وغير الرسمية عبر ثلاثة عناصر رئيسية: أولها توفير الأشخاص المسلحين لتأمين حركة السلع المهربة، وغالبًا ما يكونون عناصر في قوات الأمن نفسها، أو الميليشيات والعصابات، أو شركات الأمن الخاصة، وثانيها رشوة كبار المسؤولين الحكوميين، وثالثها تمويل الكيانات غير الرسمية لضمان توفر الشرعية وسلاسة العمل، مثل دفع الأموال للزعماء المحليين والأحزاب السياسية، وهكذا تفاقمت معضلة الجريمة المنظمة، وأصبحت عبئًا ثقيلاً على اقتصادات الدول الإفريقية وأمن واستقرار مجتمعاتها.([9])

وقد كانت معضلة الصراعات المسلحة الشغل الشاغل للاتحاد الإفريقي، فكانت ضمن أهم أهدافه، وخصَّص لها نصوصًا في قانونه التأسيسي، وبادَر بإنشاء مجلس السلم والأمن الإفريقي، وشرَّع حق التدخل بضوابطه طلبًا للاستقرار وحفظًا للسلم والأمن في الدول الإفريقية، واتخذ في سبيل ذلك ذراعًا عسكريَّة تمثلت في القوة الإفريقية الجاهزة المرتقبة، والتي يجري الإعداد لها ببطء شديد منذ أطلقها بروتكول إنشاء مجلس السلم والأمن الإفريقي عام 2002م، وفي شأن الجريمة المنظمة منها عقد الاتحاد الإفريقي شراكات مع "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة" ([10])، و"منظمة الشرطة الجنائية الدولية" (الإنتربول)، عبر التعاون مع "منظمة الشرطة الجنائية الإفريقية" (الإفريبول) التي أنشأها الاتحاد الإفريقي حديثًا في عام 2015م([11])؛ كما أطلق الاتحاد الإفريقي بالتعاون مع المؤسسة الألمانية للتعاون الدولي "استراتيجية الاتحاد الإفريقي للإدارة المتكاملة للحدود" تطويرًا للنصوص والصكوك التي يقوم عليها برنامج الاتحاد الإفريقي بشأن الحدود، والعمل على تفعيلها وتنفيذها، بما في ذلك اتفاقية "نيامي".([12])

غير أن هذه الأجهزة وتلك الآليات وقفت في عام 2022م عاجزة أمام تفاقم الصراعات المسلحة على اختلاف أسبابها سالفة البيان، ولم تستطع القضاء على أيٍّ منها، لدرجة أن إخماد الهجمات الإرهابية التي وقعت في شمال موزمبيق تم خارج إطار الاتحاد الإفريقي بتدخل قوات من "سادك"، وقوات أمريكية وأوروبية ورواندية، وحتى الجهود الدبلوماسية التي قام بها الاتحاد الإفريقي على استحياء في كل الحالات لم تحقق شيئًا يُذْكَر، باستثناء رعاية مفاوضات التسوية بين الحكومة الاتحادية الإثيوبية وقوات "الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي"، والتي لا تزال تحت الاختبار.

وتدعونا هذه النتائج الهزيلة إلى التنبيه على أن ظواهر العنف المسلح، باتت أكثر تشابكًا وتعقيدًا وتركيبًا، بدرجة لم تَعُدْ معها الحلول التقليدية مُجدية؛ الأمر الذي يتطلب العمل على إحداث نقلة نوعية في طرق وأدوات المواجهة انتقالاً من مواجهة ديناميات الظاهرة ومعالجة تأثيراتها، إلى مواجهة أسباب الظاهرة بتجفيف المنابع وقطع الطريق وسدّ الذرائع، فعلى سبيل المثال بالنسبة لظاهرة انتشار الإرهاب يمكننا العمل على نشر الوعي الثقافي المضادّ للمداخل العقائدية التي تُسهّل تجنيد العناصر الأقل وعيًا، وفي العمل على توفير فُرَص العمل والكسب للقضاء على بيئة التهميش والعوز والفقر الحاضنة الأمثل للأفكار المتطرفة، كما لا يفوتنا التنبيه على أن وتيرة تطوُّر هذه الظواهر بات أسرع بكثير من وتيرة تطوير وسائل وأدوات المؤسسات والدول، ومِن ثَمَّ يتوجب على الاتحاد الإفريقي اتّخاذ خطوات جادة نحو سرعة إنجاز المهام، فعلى سبيل المثال انقضى عشرون عامًا، ولم تَتخطَّ القوة الإفريقية الجاهزة مراحل إعدادها الأولى.

رابعًا: الديمقراطية والحكم الرشيد

بادئ ذي بدء نؤكد على أن الحكم الرشيد في إفريقيا لا يعني بالضرورة تطبيق الديمقراطية على النموذج الغربي في المجتمعات الإفريقية، غير أن هذا لا يعني إهدار كل القِيَم والمعايير والعناصر الديمقراطية، وإنما يعني تطبيق المعايير والقِيَم التي لا تختلف عليها المجتمعات الإنسانية، مع وضع الاختلافات الثقافية والسياقية لكل مجتمع عن الآخر موضع اعتبار، وهو ما يقودنا إلى القول بأنه لا يمكن وَضْع نموذج موحَّد للحكم الرشيد ينطبق على كل الدول الإفريقية. ومن هنا يتوجّب على مفكري ونُخَب وساسة كلّ مجتمع تحديد المعايير والقيم والعناصر الخاصة التي تلائم مجتمعاتهم جنبًا إلى جنب مع المعايير والقِيَم والعناصر الإنسانية الأساسية.

وخلال العام 2022م لم يحدث أي تغيير في حالة التعثر الديمقراطي المزمنة التي تعيشها إفريقيا منذ الاستقلال؛ فلا يزال التغيير غير الدستوري للسلطة يتفشى في الأروقة السياسية الإفريقية، ولا تزال عمليات الانتخابات التنافسية والحرة والنزيهة محدودة، ولا تزال عمليات الانتخابات غير التنافسية أو الشكلية موجودة، وتحت كل هذه الحالات لا يزال الأداء الحكومي بعيدً كل البعد عن معايير الرشادة، ولا تزال الشعوب الإفريقية تئنَّ تحت نَيْر الصراع النخبوي على السلطة والثروة دون مُخلِّص.

فقد شهد العام 2021م امتدادًا لجائحة الانقلابات العسكرية التي عمَّت منطقة غرب إفريقيا في الأعوام الأخيرة، حيث استيقظت "واجادوجو" عاصمة بوركينا فاسو صبيحة يوم 23 يناير على انقلاب عسكري على السلطة المنتخبة، بعدها بأيام في الأول من فبراير تسبَّبت محاولة انقلاب في حالة ضبابية من اللايقين، في "بيساو" عاصمة غينيا، قبل أن تعلن السلطات إحباط المحاولة، بعدها وفي 25 سبتمبر أعلنت ساوتومي وبرنسيب عن إحباط محاولة انقلاب مشكوك في روايتها، بعدها بأيام في 30 سبتمبر استيقظت "واجادوجو" مرة أخرى على انقلاب عسكري ثانِ على انقلابها العسكري الأول، وقبل نهاية العام وفي 20 ديسمبر أعلنت "بنجول" عاصمة جامبيا عن إحباط محاولة انقلاب عسكري.([13])

أما عن العمليات الانتخابية الأكثر ديمقراطية فقد كانت قليلة في هذا العام، وأبرزها: الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي جرت في كينيا في أغسطس 2022م، وعلى الرغم من التخوُّفات المسبقة من اندلاع عنف انتخابي، إلا أن العملية جرت في هدوء، وأشاد بها المراقبون الدوليون واعتبروها من أكثر العمليات الانتخابية التي جرت في إفريقيا شفافية وحرية ونزاهة، وكذلك الانتخابات التشريعية التي جرت في ليسوتو في أكتوبر 2022م ووصفها المراقبون بالسلمية والديمقراطية، وأيضًا الانتخابات التشريعية التي جرت في السنغال في  يوليو 2022م، وعلى الرغم من وقوع احتجاجات وعنف قبلها؛ إلا أنها مرت بلا عنفٍ يُذْكَر ولا مطاعن قوية، وتعد بحسب مراقبيها تنافسية وعادلة.([14])

وأما عن الانتخابات التي تجري بصورة شكلية لا تؤثر في إسناد السلطة ولا في جودتها، فضلاً عن افتقارها لكل المقومات الديمقراطية فتأتي في مقدمتها الانتخابات الرئاسية التي جرت في غينيا الاستوائية في نوفمبر 2022م والتي وصفتها كل التقارير بغير الديمقراطية، وقالت عنها الخارجية الأمريكية: "بالنظر إلى حجم المخالفات التي لُوحظت والنتائج المُعلَنة التي حصل عليها الحزب الديموقراطي لغينيا الاستوائية "حزب الرئيس الحاكم"، لدينا شكوك جدية حول مدى مصداقيتها"، ويليها الانتخابات التشريعية التي جرت في الكونغو برازافيل في يوليو 2022م، وافتقرت للشفافية والتنافسية؛ حيث قاطعها عدد من أحزاب المعارضة، وتزامن معها اعتقال واسع النطاق لقادة وعناصر من المعارضة.([15])

وهكذا يتضح أن العام 2022م كسابقَيْهِ، لم يشهد أيّ تقدُّم على مسار الديمقراطية والحكم الرشيد، فلا يزال إسناد السلطة في إفريقيا يجري إما خارج الدستور والقانون، أو مع كثير من الخروقات الجسيمة، ونادرًا ما يمكن وصفه بالشرعية والمشروعية، وعلى الرغم من ذلك لا يقدم الاتحاد الإفريقي شيئًا يُذْكَر باتجاه تقويم هذا المسار المتعثر، ولا يملك شيئًا ليقدّمه، سوى بعثات مراقبة الانتخابات التي إما أن ترفضها الدول، أو يتم تحييدها وتأتي تقاريرها شكلية، ولو افترضنا وأتت تقاريرها بإدانة العمليات الانتخابية، فلا يُقدّم ولا يؤخر، ولا يملك الاتحاد في هذه الأحوال شيئًا، حتى أنه وفي أسوأ حالات التغيير غير الدستوري للسلطة، كما في أحوال الانقلابات العسكرية أو ما يعادلها وفقًا لإعلان "لومي"، والنظام الداخلي لمؤتمر الاتحاد، والميثاق الإفريقي للديمقراطية والانتخابات والحكم، لا يملك الاتحاد الإفريقي سوى توقيع عقوبات، يكون المتضرر الأول والأخير منها الشعوب، لا القائمين على التغيير غير الدستوري للسلطة([16]).

 وعلى الرغم من حق الاتحاد في التدخل لاستعادة السلام والأمن متى طلب الحكومات الشرعية ذلك، طبقًا للفقرة (ي) من المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد، في ضوء الفقرة (م) من ذات المادة والتي تنص على مبدأ احترام المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون والحكم الرشيد، والفقرة (ع) من نفس المادة، والتي تنص على مبدأ إدانة ورفض التغييرات غير الدستورية للحكومات، وبند التكوين من المادة الثالثة عشرة من بروتوكول إنشاء مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي، إلا أن الاتحاد لم يُفَعِّل هذا الحق في هذه الحالة من قبل.

وتمثل قضايا الديمقراطية والحكم الرشيد أكثر قضايا الاتحاد الإفريقي حساسية في تعامله مع أعضائه من الدول، وبخاصة في ظل محدودية وعدم إحكام النصوص التي تُنظّم استجابة الاتحاد الإفريقي لمثل هذه القضايا؛ من حيث حالات وآليات وسرعة وصور ومراحل وصلاحيات هذه الاستجابة، وهو ما يتطلب تطويرًا فعَّالًا لمنظومة الاستجابة كاملة، بدءًا من توافر الإرادة السياسية لدى الدول الأعضاء في الاتحاد، مرورًا بفعالية الاستجابة، ودقة وإحكام النصوص، وتوفير التمويل، وصولاً إلى جدية التفعيل والتنفيذ.  

وفي الختام: يمكننا القول بأن أداء الاتحاد الإفريقي يُلْقِي بظلال كثيفة حول جدوى وجوده بحالته الراهنة، في ظل الفشل المستمر والإخفاقات المتكررة، والتي أكَّدتها استجابته الضعيفة لثلاثة من أهم القضايا التي واجهته على مدار عام 2022م، وهو ما يتوجب معه ضرورة إجراء عملية إعادة نظر وتدقيق شاملة، تشمل مراجعة وتقويم مواقف الدول الأطراف وإراداتها السياسية من القضايا المهمة، بالإضافة إلى التنظيم المؤسسي، والأطر القانونية، والتنفيذ الفعلي، والتمويل الذاتي الكافي، فضلاً عن إعادة صياغة علاقات وشراكات الاتحاد الخارجية. 


([1]) الاتحاد الإفريقي، القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، مادة 3.

([2]) الاتحاد الإفريقي، القانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي، مادة 4.

([3]) WHO Website, Last Visit at 11 Jan. 2023, at 12:05 pm, at link:

https://www.afro.who.int

([4]) Patrick J. McGowan , "Economic Dependence and Economic Performance in Black Africa" in The Journal of Modern African Studies (Cambridge: Cambridge University Press, Volume 14, Issue 1, March 1976), Pp. 25-40.

([5]) د. سعيد ندا، "كوفيد-19: التوظيف السياسي للجائحة في الانتخابات الإفريقية" (لندن: المنتدى الإسلامي، تقدير موقف، أغسطس 2021) ، منشور على موقع قراءات إفريقية، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:10 م على الرابط:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/كوفيد-19-التوظيف-السياسي-للجائحة-في-الانتخابات-الإفريقية

([6]) د. أحمد أمل محمد إمام، "الاتحاد الإفريقي وجائحة کورونا: أبعاد الاستجابة، ومعوقات الفاعلية"، في المجلة العلمية للدراسات التجارية والبيئية ( القاهرة: كلية التجارة، جامعة قناة السويس فرع الاسماعيلية، المجلد 12، العدد 3، مقال 73، أكتوبر 2021) ص ص 41-60.

([7]) جريدة إيلاف، "الكونغو الديموقراطية: 40 قتيلًا في هجوم على مركز لإيواء النازحين"، علي الموقع الإلكتروني، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:15 م على الرابط:                                                                                                                                                                                                                                                                    

https://elaph.com/Web/News/2022/02/1463710.html

([8]) هيئة الإذاعة والتلفزيون السويسرية "سويس إنفو"، "الأمم المتحدة: العنف في جنوب السودان يقتل 166 مدنيًّا ويشرد أكثر من 20 ألفًا"، علي موقع "سويس إنفو" الإلكتروني، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:20 م على الرابط:

https://2u.pw/ZaqGD0

([9]) إدريس عطية، "الجريمة المنظمة والإرهاب: مصادر جديدة لتهديد الأمن في إفريقيا"، في مجلة الأستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية (المسيلة، الجزائر: جامعة محمد بوضياف، كلية الحقوق والعلوم السياسية، المجلد الأول، العدد الثامن، ديسمبر ٢٠١٧) ص ص 54-68.

([10]) بوسراج زهرة ، " حق الاتحاد الإفريقي في التدخل"، في التواصل في العلوم الإنسانية والاجتماعية (عنابة، الجزائر: جامعة باجي مختار، المجلد ١٩، العدد 2، يناير ٢٠١٣) ص ص 167-189.

- د. محمود زكريا محمود إبراهيم، "عمليات الاتحاد الإفريقي لدعم السلم: الآليات والواقع والتحديات"، القاهرة: مركز فاروس للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، دراسة منشورة علي الموقع الإلكتروني، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:25 م على الرابط:

https://pharostudies.com/?p=7144                                                                      

([11]) أحلام بوكربوعة، "آلية الاتحاد الإفريقي للتعاون الشرطي أفريبول و دورها في مكافحة ظاهرة الإرهاب"، في حولیات جامعة الجزائر ١ (الجزائر: جامعة الجزائر ١، المجلد ٣٤، العدد ٤، سبتمبر ٢٠٢٠) ص ص 603-620.

([12]) الاتحاد الإفريقي، مفوضية الاتحاد، إدارة السلام والأمن، قسم منع النزاعات والإنذار المبكر، برنامج الحدود، استراتيجية الاتحاد الإفريقي للإدارة المتكاملة للحدود.

([13]) العين الإخبارية، "الانقلابات بإفريقيا.. آفة القارة السمراء تتواصل في 2022"، علي الموقع الإلكتروني، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:30 م على الرابط:

https://al-ain.com/article/coups-africa-continent-continue

([14]) د. سعيد ندا، "انقلابات واضطرابات: هل تستقر "ليسوتو" بعد انتخابات 2022م؟" (لندن: المنتدى الإسلامي، ورقة تحليلية، أكتوبر 2022)، منشورة على موقع قراءات إفريقية، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:35م على الرابط:

https://www.qiraatafrican.com/home/new/انقلابات-واضطرابات-هل-تستقر-ليسوتو-بعد-انتخابات-2022م

([15]) فرانس 24، "واشنطن تشكك بمدى شرعية إعادة انتخاب رئيس غينيا الاستوائية"، عل الموقع الإلكتروني، تحققت آخر زيارة في 8 يناير 2023 الساعة 12:40 م على الرابط:

https://2u.pw/ioelUu

([16]) نصيرة مهيرة، "الاتحاد الإفريقي والتغييرات غير الدستورية للحكومات: من الإدانة إلى التدخل"، في التواصل في الاقتصاد والإدارة والقانون (عنابة، الجزائر: جامعة باجي مختار، العدد 35، سبتمبر ٢٠١٣) ص ص 231-242.

 

كتاب الموقع