أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الأبعاد الاقتصادية ودورها في أزمة تشاد الراهنة

الصراعات السياسية والحروب محكومة بمتغيرات كثيرة ومتعددة، كل واحد منها يلعب دورًا مختلفًا في تأجيج الصراعات والتحكم في اتجهاتها أو إنهائها تمامًا حسب طبيعته وقوته. وعند الفحص والتحليل، كل متغيّر يُقَدِّم تفسيرات عديدة، ويكشف عن حقيقة الأطراف المستفيدة من الأزمة والصراع. والأبعاد الاقتصادية أو المالية تحتوي على متغيرات وعوامل تُعتبر مُهمَّة في جميع الصراعات؛ ولكنَّ كثيرًا من المحللين والمتابعين يتغافلون عنها أحيانًا، أو يتجاهلونها عن قصد أو عن سهو أو عن عدم إلمام وخبرة ودراية.

في هذا التقرير، سنحاول التعرف على أهم الأبعاد الاقتصادية ودورها في أزمة تشاد الراهنة. العرض مجرد وصف أوّليّ يسعى ليضيف بُعدًا تحليليًّا يساعد على فَهْم خلفيات الأزمة الحالية، ويستشف ملامح المستقبل الذي بات مقلقًا ومخيفًا لكثير من المراقبين والمتابعين.

نبذة مختصرة عن تشاد:

تقع جمهورية تشاد في وسط القارة الإفريقية، وهي دولة غير ساحلية تحُدّها ليبيا من الشمال، والسودان من الشرق، وجمهورية إفريقيا الوسطى من الجنوب، والكاميرون ونيجيريا والنيجر من الغرب (التي تشترك معها في بحيرة تشاد). وهي عضو في الجماعة النقدية والاقتصادية لوسط إفريقيا (CEMAC) التي تتألف من الكاميرون وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وجمهورية الكونغو وغينيا الاستوائية والجابون.

تعتبر تشاد خامس أكبر الدول الإفريقية من حيث المساحة الجغرافية مع نموّ سريع لعدد سكان يبلغ 15.81 مليون نسمة (تقديرات عام 2019م). ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) 1،645 دولارًا أمريكيًّا عند تعادل القوة الشرائية (PPP) وفقًا للبنك الدولي (2019م)[1].

لدى جمهورية تشاد عاشر أكبر احتياطي نفطي في إفريقيا، وأكبر عدد من الإبل في العالم، وتحتل مرتبة تقترب من العشرة الأوائل من الماعز والأغنام والماشية. وتعدين الذهب هو قطاع اقتصادي ناشئ جدًّا.

القطاعات الاقتصادية الحيوية:

الاقتصاد التشادي متنوّع ومتعدِّد؛ قبل اكتشاف النفط كانت الزراعة وصيد الأسماك والرعي هي العمود الفقري للاقتصاد الوطني للبلاد؛ حيث قدّر كتاب حقائق العالم[2] في عام 1998م أنّ الزراعة وصيد الأسماك والرعي تُمثل ما يقرب من 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وتشغل 80 في المائة من القوة العاملة. ولا تزال الزراعة تهيمن على الاقتصاد التشادي حتى بعد اكتشاف النفط، رغم الإهمال الذي شهده القطاع. إذْ تمثل 44 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ لكن هذا الرقم وحده لا يفسّر أهمية الزراعة وتربية الحيوانات في المجتمع. ويعتمد نحو 85 في المائة من سكان تشاد بشكل أساسي على هذه الأنشطة لكسب قوتهم[3].

في القطاع الزراعي، يُمثل القطن نصف عائدات الصادرات وتوفر الماشية من إبل وأبقار وغنم وغيرها معظم النسبة المتبقية. فضلاً عن ذلك، ينتج التشاديون العديد من المحاصيل الزراعية والحيوانات لاستهلاكهم الخاص ويصدرونها لدول الجوار أيضًا[4].

من الناحية الصناعية، تُشكّل الصناعة 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 1998م يتمثل في إنتاج الكهرباء والمشروبات والصابون والزيت والطلاء ومواد البناء، معظمه يُستهلك محليًّا. ولكن ارتفاع تكاليف الإنتاج والضرائب على الشركات يشكلان أكبر عائق لنمو الصناعة في تشاد. أما قطاع النفط فهو القطاع الذي بدأت الحكومة التشادية تعتمد عليه أكثر منذ بدء تصدير النفط، ومن المتوقع أن ينمو بشكل كبير في السنوات القادمة؛ حيث تُستغل احتياطياته المؤكدة التي تزيد عن مليار برميل في جنوب البلاد حتى الآن[5].

النفط التشادي وأهم الشركات المُنقِّبة:

تشاد أكبر دولة منتجة للنفط الخام في منطقة وسط إفريقيا؛ فهي أول دولة تُدرج نقل النفط (خط أنابيب تشاد-الكاميرون) والتكرير (مصفاة جرمايا) في نطاق تقارير المبادرة الخاصة بها. وقد أدَّى ذلك إلى فهم عام وأفضل لقطاع الهيدروكربونات. وتحتل تشاد المرتبة العاشرة بين الدول الإفريقية التي تمتلك احتياطيات نفطية مؤكدة، مع 1.5 مليار برميل من الاحتياطيات التي بدأ تصديرها منذ عام 2018م، وإنتاج أكثر من 140 ألف برميل يوميًّا في عام 2020م[6].

النفط هو المصدر الرئيس للإيرادات العامة لتشاد؛ حيث حوالي 90 في المائة منه يُصَدّر كإنتاج أولي. تُهيمن شركة النفط الوطنية الصينية في تشاد (CNPCIC) على إنتاج النفط بشكل كبير، بالإضافة إلى تحالف شركة Esso Exploration & Production Chad Inc. (EEPCI) التي تقودها شركة ExxonMobil  الأمريكية، وشركة Glencore، وشركة البترول الصينية التايوانية (التي تعمل تحت اسم (OPIC) وشركات النفط الأخرى تشكل تكتلات جديدة. بدأت شركة EEPCI إنتاج النفط التشادي في عام 2003م، وتسيطر على خط أنابيب تشاد والكاميرون بطول 1100 كيلومتر، وهو الخط الذي تصل من خلاله جميع صادرات النفط التشادي إلى ميناء دوالا بالكاميرون[7].

هناك مشروع مشترك بين شركة CNPCIC وشركة النفط المملوكة للدولة Societé des Hydrocarbures du Tchad (SHT)، لتكرير النفط للتصدير والاستهلاك المحلي يُقدر بـ 20,000 برميل يوميًّا على بُعد 40كم خارج انجامينا. أما قطاع الغاز الطبيعي في تشاد فما يزال يُعتبر ناشئًا ولم يُذْكَر له إنتاج واضح.

شركاء التصدير  لتشاد:

وفقًا لمركز التجارة الدولي في عام عام 2018م[8]، قدمت الصين أكبر حصة من واردات تشاد بنسبة 23 في المائة، تليها الإمارات العربية المتحدة بنسبة 14 في المائة، وفرنسا بنسبة 11 في المائة، والولايات المتحدة بنسبة 7 في المائة، وقطر وتركيا والهند وهولندا بنسبة 4. في المئة. وشمل شركاء التصدير الأساسيين لتشاد في عام 2018م الهند بنسبة 30 في المائة، والولايات المتحدة بنسبة 29 في المائة، وهولندا بنسبة 23 في المائة، والإمارات العربية المتحدة بنسبة 8 في المائة، والصين بنسبة 5 في المائة. أما في العام 2019م فكانت الصين هي أهم شريك تصدير لتشاد بنسبة 42 في المائة، والصادرات نفطية بالكامل تقريبًا.

التجارة الخارجية:

وفقًا لمكتب الإحصاء الأمريكي[9]، في عام 2019م احتلت تشاد المرتبة 146 في إجمالي قيمة التجارة الأمريكية بإجمالي 217.5 مليون دولار. وبلغ إجمالي الصادرات الأمريكية 84.6 مليون دولار وبلغ إجمالي الواردات 132.8 مليون دولار، بعجز قدره 48.2 مليون دولار.

شكّلت أكبر خمس صادرات أمريكية إلى تشاد من حيث القيمة -الآلات الكهربائية، ومستخلصات الدباغة أو الصباغة، والمركبات، والمستحضرات الصالحة للأكل، والمنتجات الكيماوية- 76.6 في المائة من إجمالي الصادرات إلى تشاد. شكلت أكبر مستوردات أمريكية من تشاد من حيث القيمة -النفط والصمغ العربي- 99.0 في المائة من جميع الشحنات الواردة إلى أمريكا.

القروض المرتبطة بالنفط التشادي:

كانت الحكومة سابقًا تأخذ قروضًا من مؤسسات وشركات دولية من غير أن تُعلن عن ذلك. فلما رفضت بعض الشركات التعامل معها اضطرت إلى إنشاء مبادرة تسعى إلى الكشف العلني عن معلومات حول شروط القروض المدعومة بالنفط الممنوحة من شركة جلينكور خاصة. فاتضح أنّ معظم عائدات تشاد من قطاع النفط كانت موجهة في المقام الأول لسداد القرض وليس التنمية.

وتشارك تشاد أيضًا في الجهود المستهدفة لمبادرة [10]EITI بشأن تجارة السلع، وتحقيق تقدم في الكشف عن معلومات حول بيع أسهم الحكومة من النفط. هذه الإجراءات كلها ألزمت الحكومة التشادية أن تفتح أنظمتها الخاصة، مع تقديم تقارير وملاحطات ربع سنوية مفصلة حول قطاع النفط على موقع وزارة المالية والوصول إلى البيانات المالية المدققة.

قطاع التعدين في تشاد:

قطاع التعدين المتمثل في الذهب والفضة اكتشف مؤخرًا على نطاق واسع في البلاد، ولا سيما مناجم الذهب التي أصبحت مصدرًا مهمًّا للدخل لفئات كثيرة من الشعب، وقد اعتمدت عليه بعض الحركات المسلحة في فترة من الفترات؛ فضلاً عن التعدين الصناعي للحجر الجيري. لكنه مؤخرًا سيطرت عليه الحكومة ومنعت التعدين في أكثر المناجم شمال البلاد.

مؤشرات التنمية:

مع وجود كلّ ما سبق من الموارد الطبيعية الغنية، وقطاعات الزراعة والرعي، وتزايد عدد السكان بسرعة؛ فإنّ تشاد تحتل المرتبة 187 من بين 189 دولة في مؤشر التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2019م. نشأت الصراعات الاجتماعية والنقاش العام حول إدارة عائدات النفط -بما في ذلك القروض المدعومة بالنفط التي منحتها شركة جلينكور في عامي 2013م و2014م- والأثر البيئي للصناعات الاستخراجية والتخفيف من حدَّة الفقر؛ لكنها لم تخلص إلى نتائج ملموسة[11].

بعد أن التزمت الحكومة التشادية بالإفصاح عن جميع عقود النفط والغاز في أبريل 2018م، قامت مبادرة تشاد بنشرها على الإنترنت. في ديسمبر 2020م، نشرت مبادرة EITI في تشاد تقرير مبادرة EITI في إطار إعداد تقارير مرنة للسنة المالية 2018م في محاولة لإرضاء المقرضين الذين يبحثون بدورهم عن وسائل لإرضاء المستثمريين في شركاتهم.[12]

فرص التنقيب للنفط:

نشرت جهات غربية تقارير حول الفرص للتنقيب عن البترول وإنتاجه وتكريره، فضلاً عن التنقيب عن الغاز الطبيعي. , حيث يجب على الشركات المهتمة بالتنقيب عن النفط في تشاد الاتصال مباشرة بوزير النفط والمناجم لتقديم عرض مفصل ودليل على الخبرة السابقة. هناك فرص للتعاقد على مراحل مختلفة من الإنتاج.[13]

خلاصة واستنتاجات:

هذه المعلومات تقدّم مؤشرات قوية بأن الشركات التي ضخّت أموالاً هائلة في قطاع النفط، والتي باشرت عملها منذ فترات طويلة؛ فضلاً عن شركاء التصدير والتجارة الخارجية لا تراهن على استقرار تشاد، ولن تسمح بأيّ فوضى تؤدّي إلى تفكك البلاد، ومن ثم خسارة استثماراتها؛ لأنها مسؤولة أمام مستثمريها إن كانت شركات، وأمام شعوبها إن كانت دولاً.

الجيش التشادي النظامي يقع على عاتقه مسؤولية استتباب الأمن والاستقرار، وهو جُهِّزَ لهذه المهمة التي من المفترض أن تكون أحد مقدساته وعقيدته التي يفديها بروحه ودمه. ولكنه -مع الأسف- سُخِّرَ لحماية مصالح الشركات الأجنبية قبل مصالح البلد والمواطن في الدرجة الأولى، ومن ثم البحث عن مصالحه الشخصية كقيادة وجنود.

أما المعارضة المسلحة -وإن توحدت في هذه الفترة تحت لواء جبهة التغيير والوفاق- فهي فصائل ومجموعات مختلف ومتنوعة قد تتناحر فيما بينها في أيّ لحظة؛ لأن أهدافها مختلفة تمامًا، وولاءاتها مبنية على أسس إثنية وقبلية في المقام الأول، ومرتبطة بجهات تمويلها ارتباطًا يحدد مصيرها.

وقيادات هذه الحركات المسلحة بعضهم كانت أهدافه الانتقام من الرئيس الراحل إدريس ديبي فقط، ولا يتمنى زوال حكومته؛ لأنه جزء منها. ومنهم من كان هدفه أن يحصل على منصب رفيع في الدولة. وهناك مخلصون للوطن ويبحثون عن تغيير حقيقي لكنهم قلة وتنقصهم الخبرة والحنكة القتالية؛ فضلاً عن التمويل بالمال والعتاد.

أما في الوقت الحالي؛ فقد أصبحت مهمة المجلس العسكري الذي يقود المرحلة الانتقالية أكثر صعوبة وتعقيدًا؛ حيث تحاول قوى عظمى أخرى أن تدخل المشهد السياسي مثل روسيا وحلفائها في المنطقة. وما حدث يوم الأحد 30 مايو 2021م في المنطقة الحدودية بين جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد من هجوم على الأخيرة مِن قِبَل قوات أفرووسطية مدعومة بمقاتلي فاجنر (Wagner) الروسية الذي نتج عنه قتل ستة جنود تشاديين وجرح مثلهم؛ ما هو إلا دليل على نقل الصراع الأفرووسطي إلى تشاد ومحاولة فرض نفوذ روسي في جنوب البلاد.

أو أنها محاولة روسية لفتح جبهة قتال في جنوب تشاد وفي الوقت نفسه تدعم الثورة في الشمال التي تنطلق من ليبيا والنيجر من أجل إرباك الجيش وتشتيته. ولربما قد يكون مؤشرًا يُنذِر بتغيير موازين القوى الإقليمية المتنافسة على المنطقة وإعادة توزيع نصابها، ولكنَّ القادة الأفارقة مغيبون -مع الأسف الشديد- أو غائبون.

فيا تُرى، هل يستطيع المجلس العسكري الانتقالي استيعاب الغضب التشادي الداخلي المتمثل في مطالبات المعارضة المدنية والشعب من جهة، ومطالبات المعارضة المسلحة من جهة أخرى، وفي الوقت نفسه يُرضي فرنسا التي تسيطر عليه بشكل كبير؟

هل يستطيع المجلس الانتقالي حفظ مصالح الدول والشركات المستثمرة في البلاد، ويحمي حدود بلاده ويستمر في رفع راية محاربة الإرهاب في المنطقة؟، أم أنَّ عِقْدَ الأمور سينفلت من يديه وينشغل بالدفاع عن نفسه ومصالحه؟

هل سيضطر الجيش التشادي إلى التعامل مع روسيا كحليف بديل للتخفيف من ضغط فرنسا وحلفائها؛ تأسيًا بحكومة بانجي والحراك السياسي في دولة مالي؟

قد تكون الإجابات مختلفة ومتباينة في الوقت الراهن؛ لكنَّ الزمن كفيل في كشف المستور وتوضيح الغموض.

 


[1]- بيانات البنك الدولي: https://data.worldbank.org/country/chad

[2]- تشاد- كتاب حقائق العالم: https://www.cia.gov/the-world-factbook/countries/chad/

[4]- تشاد- كتاب حقائق العالم، مرجع سابق.

[5]- المرجع السابق.

[7]- المرجع السابق.

 [8] -Chad-Country Commercial Guide, the International Trade Administration (مرجع سابق)

[11]- Chad-Country Commercial Guide, the International Trade Administration (مرجع سابق)

[12] - Chad EITI Report (in French) 2015: https://extractiveshub.org/resource/view/id/9635

[13]  -Chad-Country Commercial Guide, the International Trade Administration (مرجع سابق) 

 

كتاب الموقع