أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

استراتيجيات التقاعس والهيمنة: الملء الثالث ومعضلة سد النهضة

يكاد الملء الثالث لخزان سد النهضة الإثيوبي يسير كما هو مُخطَّط له، كما حدث في الملء الأول والثاني عامي 2020م و2021م على الترتيب. وعلى الرغم من خطورة الأزمة وتأثيرها على الأمن الإقليمي لمنطقة تُشكِّل بطبيعتها مركبًا صراعيًّا بالغ التعقيد؛ فإن الحكومة الإثيوبية تنتهج استراتيجية التقاعس وعدم القيام بأيّ فعل في المسار التفاوضي.

وطبقًا لأدبيات التفاوض؛ فإن استراتيجية التقاعس وعدم الفعل تعني تضييع الوقت وتعطيل سير المفاوضات. وقد يؤدي ذلك يقينًا إلى تأخُّر التوصل إلى اتفاق أو إنهاء المفاوضات تمامًا إذا أصبح الطرف الآخر يائسًا أو منهارًا.

وكما هي العادة تقوم إثيوبيا بملء خزان السد بإرادتها المنفردة؛ على الرغم من مطالبة كلٍّ من السودان ومصر بضرورة التوصل لاتفاق ملزم. وقد بات واضحًا أن أديس أبابا تصمّ آذانها عن مطالبات دولتي المصبّ، وهو ما يعكس نزوعها لتغيير ميزان القوى الإقليميّ في منطقة حوض النيل لصالحها؛ لتصبح هي القوة المهيمنة في مجرى النيل الأزرق.

أنماط استراتيجية التقاعس التفاوضي:

يمكن أن نشير إلى أربعة أنماط من استراتيجيات عدم الفعل أو التقاعس في مجال التفاوض، والتي قد يعكسها بشكل أو آخر الموقف الإثيوبي من مفاوضات سدّ النهضة:

النوع الأول: يمكن أن يكون التقاعس المحسوب عن العمل متعمدًا واستراتيجيًّا وتكتيكيًّا. ربما يكون هناك خطر الاندفاع قبل أن تنضج المشكلة بشكلٍ كافٍ، وهو ما يدعو إلى التريُّث وعدم الحركة. في بعض الأحيان، قد يكون من الأفضل لصُنّاع القرار انتظار المزيد من الأدلة، مع شراء بعض الوقت لقياس مدى "سخونة" المشكلة وإلحاحها. كما قد يحاول صانعو القرار أيضًا حماية الأهداف الأساسية وتقليل المخاطر التي تتعرض لها هذه الأهداف. وتعتبر حسابات المخاطر وإدارتها حقيقة من حقائق الحياة المؤسسية في جميع مجالات صنع السياسة العامة.

النوع الثاني: التقاعس الأيديولوجي. يمكن للأيديولوجيا والقِيَم أن تدفع إلى التقاعس الهادف. إذ قد تساهم المواقف الأيديولوجية حول دور الدولة في تحقيق الوحدة الوطنية وحَشْد المواطنين وراء هدف أسمى واحد في تبنّي هذه الاستراتيجية التفاوضية. وينطبق الشيء نفسه على الأفكار المرتبطة بالنيل الأزرق (أباي) في الثقافة الإثيوبية التي تُضْفِي عليه مسحةً من القُدسية.

النوع الثالث: يمكن أن ينبع التقاعس عن العمل أيضًا من إدراك أنَّ السلطات السياسية والوقائع المؤسسية والضوابط والتوازنات تجعل "اتخاذ الإجراءات" غير ممكن.  قد تكون هناك حالة من الانقسام داخل الفرع التنفيذيّ يمكن أن تعرقل إجراءات الحكومة. وفي الحالة الإثيوبية تُعدّ الفيدرالية الهشَّة وحالة الانقسام السياسي من دوافع التقاعس الهادف.

النوع الرابع: التقاعس غير المقصود. ويمكن أن ينشأ التقاعس عن العمل من العمليات المعرفية لصانعي السياسات في التعامل مع البيانات والمعلومات المتعددة والغامضة التي تُعرَض عليهم بشكل روتيني. هذه الظاهرة معترَف بها جيدًا في علم النفس المعرفي والاقتصاد السلوكي. تستمر المعالجة البشرية للمعلومات المعقَّدة أو الإشارات المتضاربة من خلال الاعتماد على "الاختصارات" البديهية التي قد تؤدّي إلى معالجة غير متناسبة للمعلومات.

إحدى النتائج المحتملة لهذا هو أن حدثًا أو حالة أو اتجاهًا قد لا يُعتَبر مُهمًّا بما يكفي لتبرير الاهتمام الجاد. يؤدي هذا إلى "عدم رؤية" ظواهر معينة؛ لأنها لم تحدث بشكل متكرّر بما يكفي لتكون مألوفة، أو لأن المعتقدات والافتراضات الموجودة مسبقًا لدى صانعي القرار حول هذه الظاهرة تعمل ضد أيّ إعادة تقييم جوهرية لهذه الظاهرة باعتبارها مشكلة.

إثيوبيا واستراتيجية الهيمنة المائية:

بعد أكثر من عقد من المحادثات الفاشلة بين الدول المشاطئة الثلاث الرئيسية -إثيوبيا والسودان ومصر– يمكن أن تُعطينا صورة واضحة تجسّد استراتيجية التقاعس الإثيوبية وتنبئنا عن مستقبل نهر النيل. اتَّسمت المفاوضات بين الدول الثلاث بشأن استخدام النيل الأزرق بعملية معقَّدة من المفاوضات الثلاثية والوساطة الدولية، والتي تُوِّجت باستمرار بانسحاب إثيوبيا قبل التوصل إلى اتفاق جوهري. والحجة الإثيوبية هي دومًا "السّد سدُّنا، والمياه مياهنا".

ورغم ذلك، يمكن أن يُغيّر بناء إثيوبيا لسد النهضة التدفق الحالي لنهر النيل، وهو مصدر حيوي للمياه العذبة في كل من مصر والسودان. وقد أدّت المخاوف من حدوث تغييرات في تدفق المياه في مجرى النيل إلى جلوس الدول المشاطئة الثلاث على طاولة المفاوضات مرارًا وتكرارًا. بالنسبة لإثيوبيا، فإن العائق الرئيسي هو التفاوض على تقاسم مياه النيل. وهي تطرح الحجة التالية: يُعد النيل الأزرق هو الرافد الرئيسي لنهر النيل، وينبع ما يصل إلى 85% من مياهه من إثيوبيا. وعلى الرغم من ذلك، تَستخدم إثيوبيا 1% فقط من النهر. كما شهدت سنوات العقدين الماضيين موجات جفاف شديدة عصفت بالبلاد، وتسبّبت في التصحر وندرة المياه. وعادة ما تطرح إثيوبيا قضية السد باعتبارها قضية تنموية؛ حيث إن 49% فقط من الإثيوبيين يحصلون بشكل دائم على المياه النظيفة. ومع ذلك، فإن الدولة تستخدم المياه الجوفية لـ 70-90% من استخداماتها المنزلية والصناعية.

وعلى الرغم من النظام القانوني الذي يمنع إثيوبيا من التأثير على تدفق المياه الواردة إلى كل من السودان ومصر؛ فإنها ترى أن القيود المفروضة على قدرتها على استهلاكها للمياه داخل حدودها تعد انتهاكًا لسيادتها. تم التخطيط وتنفيذ بناء السد نفسه دون التشاور مع السودان أو مصر، ولم يتم التوصل إلى مفاوضات بشأن عمليات الملء الثلاثة.

في الواقع، تم استخدام كل مرحلة تقريبًا من بناء السد والمفاوضات كوسيلة بيد إثيوبيا للتأكيد على مسألة السيادة وتقرير المصير في المنطقة، وتراهن على استبعاد الخيارات العسكرية من جانب كلّ من مصر والسودان. من منظور أديس أبابا، يُعدّ سد النهضة وسيلة لإعادة تأكيد نفوذ وهيمنة البلاد في المنطقة؛ حيث أصبح السد مصدر فَخْر ورمزًا لمستقبل إثيوبيا. ومن المتوقع أن يكون بناؤه وتشغيله حجر الزاوية في التحول الاقتصادي والسياسي لإثيوبيا.

تهديد وجودي لمصر:

تنظر مصر إلى سد النهضة على أنه تهديد ليس فقط لهيمنتها المائية في المنطقة، ولكن أيضًا لقدرتها على تلبية حاجات مواطنيها، الذين يعتمدون بشكل شبه كامل على النهر للحصول على المياه العذبة. يوفّر نهر النيل ما يصل إلى 97% من المياه العذبة لمصر، مما يعني أنه حساس للغاية لأيّ تقلبات في تدفق المياه في مجرى النهر. من إجمالي 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل المخصصة لمصر، يصل البحر الأبيض المتوسط ​​فقط 4 مليارات متر مكعب سنويًّا، ممَّا يعني أن البلاد تستهلك 93% من مخصَّصاتها السنوية.

ومع وجود خطط لتوسيع القطاع الزراعي، فإن مصر مقبلة لا محالة على أزمة مائية خانقة. وفقًا لتقرير اليونيسف لعام 2021م، تواجه مصر عجزًا سنويًّا في المياه بنحو سبعة مليارات متر مكعب منذ السنوات القليلة الماضية. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أزمة سد النهضة المثيرة للجدل في إثيوبيا، والطبيعة الصحراوية القاحلة لمصر، وقضايا تغيُّر المناخ؛ فإن هناك حاجة مُلحَّة لمناقشة هذه القضية من منظور المصلحة الوطنية. ترتبط العديد من العائلات في صعيد مصر والمحافظات الأشد فقرًا بشكل غير قانوني بشبكة المياه الوطنية. وهناك ما لا يقل عن 10% من هذه القرى لا تستطيع تحمُّل تكاليف دمج التقنيات الضرورية أو ربط نفسها بالبنية التحتية الأوسع على مستوى الدولة.

ومع ذلك فإن لمصر تاريخًا طويلاً في مواجهة أيّ تهديد لفرض أيّ هيمنة مائية أجنبية على النهر، واعتبار ذلك خطًّا أحمر، غالبًا ما يكون مصحوبًا بتهديدات بالتدخل العسكري. على سبيل المثال هدّد الرئيس السادات عام 1980م بأن "أيّ عمل يُعرّض مياه النيل الأزرق للخطر سيقابل برد مصريّ قويّ، حتى لو أدى ذلك إلى قيام حرب". 

وعلى الرغم من أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يُفضّل علنًا النهج التفاوضي، إلا أن الخيارات الأخرى ليست مستبعدة تمامًا. صحيح أن الحرب المفتوحة بين الدول أمر غير مرجّح، فإن هشاشة الدول في منطقة القرن الإفريقي قد تدفع إلى سيناريو حافة الهاوية. وعلى أية حال لا يختلف موقف السودان من سد النهضة عن موقف مصر. بحسب وزارة الري والموارد المائية السودانية؛ فإن ملء السد، بإرادة منفردة، قد يُشكّل تهديدًا مباشرًا لأمن السودان.  

مفاوضات الفرص الضائعة:

بعد أكثر من عقد من الإحباط وتكتيكات التمويه وتضييع الوقت في المفاوضات، لا يزال القرار بشأن تبادل المعلومات الخاصة بملء وتشغيل سد النهضة عَصِيّ المنال. انسحبت إثيوبيا من المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة مع مصر والسودان عام 2020م، على الرغم من قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ربط المساعدات الأمريكية لإثيوبيا مباشرة باستعداد أديس أبابا للتعاون خلال المحادثات الثلاثية. في سبتمبر 2020م، نفَّذ ترامب تهديده، مما أدَّى إلى خسارة إثيوبيا مساعدات تراكمية بنحو 100 مليون دولار. على الرغم من أن الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن قد أوقف العمل بهذا القرار منذ وصوله للبيت الأبيض.  

واعترافاً بالحاجة إلى تدخل خارجي نيابة عنهما للتوصل إلى اتفاق؛ طلبت القاهرة والخرطوم في مارس 2021م تدخلاً مشتركًا من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي للمساعدة في التوسط في هذه القضية؛ ولكن ذلك لم يُجْدِ نفعًا؛ إذ استمرت إثيوبيا في انتهاج استراتيجية المماطلة والتسويف وعدم الفعل. عارضت مصر علنًا هذه الخطة الإثيوبية حيث إن الملء المنفرد للسد يتعارض مع الالتزامات والاتفاقيات الدولية. كما أنه يُهدِّد بإلحاق ضرر جسيم بمصالح مصر والسودان. ونتيجة لذلك، لم يتبقَّ لدى البلدين سوى القليل من الخيارات الدبلوماسية لإجبار إثيوبيا على الخضوع.

على مدى العقد الماضي، أجَّلت إثيوبيا أو انسحبت أو طالبت بمراجعة جميع المحاولات الرئيسية للتوصل إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة. وتتخوف إثيوبيا من أن التوصل إلى اتفاق ملزم، سوف يَحُدّ بشكل كبير من تنفيذها الأحادي الجانب لمشاريع البنية التحتية المستقبلية ويَحُدّ من قدرتها على استهلاك المياه التي تنبع من داخل حدودها. وفي الوقت نفسه، فإنها تنظر إلى المفاوضات بشكل متزايد ليس فقط على أنها حيلة لتحقيق موقف تفاوضي أفضل أو التوصل إلى اتفاق تعتبره أكثر إنصافًا، ولكن أيضًا كتكتيك تَستخدمه إثيوبيا لإعادة توزيع المياه وتقاسم موارد المياه في منطقة كانت تخضع تاريخيًّا بحكم التاريخ والقانون والاعتبارات الجيوستراتيجية للهيمنة المصرية.

في ظل هذه الأجواء يكون من غير المحتمل التوصل إلى توافق في الآراء بشأن السد قبل ملئه هذا الصيف. وإذا ما نجحت عمليات الملء الثلاثة سيكون لدى إثيوبيا دافع محدود لتقديم تنازلات ذات مغزى في المفاوضات، بل على العكس سوف تكسب الكثير –وفق رؤية صانع القرار في أديس أبابا- من خلال الاستمرار في تأخير الصفقة وتبنّي استراتيجية التقاعس عن الفعل.

وعلى أيّ حالٍ فإن بدء التشغيل التجريبي لأول توربينين من توربينات السد وخطط إزالة 17 ألف هكتار من الغابات حول السد يشير إلى أن إثيوبيا عازمة بالفعل على المُضِيّ قدمًا في نهجها الأُحادي وفرض سياسة الأمر الواقع.

وفي سياق تفاقم أزمة الأمن الغذائي على الصعيد الدولي بفعل الحرب الأوكرانية؛ فإن أزمة سد النهضة تحتاج إلى مبادرة دبلوماسية جديدة ومنسَّقة لتجنُّب المزيد من التصعيد وتحقيق السلم والاستقرار في البيئة الإقليمية. وإذا كانت مصر ستستضيف مؤتمر المناخ COP27 القادم في نوفمبر 2022م، فإن تسوية أزمة سد النهضة سوف تُعزّز روح الحوار والتعاون، وهو ما يمهّد الطريق من أجل الاستعداد لمواجهة التهديدات الوجودية الناجمة عن حالة الطوارئ المناخية العالمية، والتي تؤثر بشكل كبير على دول القرن الإفريقي وحوض النيل.

كتاب الموقع