أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

أسباب وتداعيات الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو

في صباح يوم الجمعة الموافق 30 سبتمبر 2022م شهدت دولة بوركينا فاسو انقلابًا عسكريًّا جديدًا، أطاح برئيس المجلس العسكري الحاكم للبلاد المقدّم بول هنري داميبا، والذي كان بدوره قد أطاح قبل ثمانية أشهر، وتحديدًا في 24 يناير الماضي، بالرئيس روش مارك كابوري، ويأتي هذا الانقلاب الجديد عقب تصاعد الخلافات بين المقدم داميبا وعدد من شباب الضباط والعسكريين، الذين أجبروه في النهاية على تقديم استقالته، ليخلفه في حكم البلاد زعيم الانقلاب الجديد النقيب إبراهيم تراوري.

ومن خلال هذه الدراسة سوف نتناول أسباب وتداعيات الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو، وذلك من خلال المحاور التالية:

أولاً: أسباب الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو

تتمثل أبرز الأسباب التي أدَّت إلى حدوث الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو إلى ما يلي:

1- عجز المقدم داميبا عن استعادة الأمن في البلاد:

فقد كان العامل الأمني هو أبرز الأسباب المُعلَنة مِن قِبَل الانقلابيين الجدد لتمرُّدهم على المقدم داميبا؛ وذلك بسبب تفشّي حالة انعدام الأمن المستمرة في البلاد، والتي كانت أحد الأسباب التي ساهمت في تنفيذ الانقلاب الأول الذي قام به المقدم داميبا البالغ من العمر 41 عامًا، ورفاقه على الرئيس كابوري، ولكنَّ حكومة داميبا لم تستطع التَّصدّي للحركات الإرهابية على مدار الأشهر الثمانية التي تولَّت فيها مقاليد السلطة في البلاد، واستمرت تلك الحركات في استهداف المدنيين وقوات الجيش، وقبل ثلاثة أيام من الانقلاب الجديد شنَّت الحركات الإرهابية هجومًا على قافلة مساعدات مُؤلَّفة من 150 مركبة تحمل إمدادات إلى مدينة جيبو الشمالية، كان برفقتها قوات عسكرية؛ حيث نصب الإرهابيون كمينًا للقافلة، وهاجموها من المقدمة والخلف وانهالوا عليها بالنيران، مما أسفر عن سقوط 11 جنديًّا من قوات الجيش، وفقدان أكثر من 50 مدنيًّا، كما أشير إلى أن حصيلة القتلى وصلت إلى 60 قتيلاً، بجانب احتراق شبه كامل لقافلة المساعدات، وهو ما أدَّى إلى تفاقم نقص الغذاء والوقود في تلك المنطقة التي تحاصرها الجماعات الإرهابية منذ شهور.

وفي ذات السياق؛ استهدف المسلحون في 6 سبتمبر الماضي قافلة إمدادات بعبوة ناسفة أسفرت عن مقتل 35 مدنيًّا، وإصابة نحو 37 آخرين، وهو ما يعني ارتفاع مستوى العمليات الإرهابية، وعجز المقدم داميبا عن وضع استراتيجيات صارمة للقضاء عليها، واستعادة الأمن في البلاد التي أصبحت الحركات الإرهابية تسيطر على نحو 40% من مساحتها. وقد ركّز بيان الانقلاب الجديد على الجانب الأمني؛ حيث أشار النقيب إبراهيم تراوري إلى أنهم حاولوا عدة مرات إقناع المقدم داميبا بتركيز المرحلة الانتقالية على مسألة استعادة الأمن في مواجهة الوضع المتدهور، لكنه لم يُحقّق تطلعاتهم.([1])

2- فشل المقدم داميبا في وضع استراتيجية للتصدي للجماعات المسلحة:

حيث سعى المقدم المعزول داميبا إلى تبنّي استراتيجية الحوار مع بعض الجماعات المسلحة، إلا أنها لم تُسفر عن وقف العمليات المسلحة، كما سعى إلى تكثيف العمليات الهجومية للجيش كاستراتيجية للقضاء على الإرهاب، لكنَّ محصلة ذلك كانت ضعيفة؛ بسبب ضعف المعدات والمواد العسكرية اللازمة للجنود. بالإضافة إلى ذلك؛ فقد قام المقدم داميبا بإقالة وزير الدفاع إيمي بارتليمي سيمبوريه، ومنح نفسه منصب وزير الدفاع؛ وذلك في 13 سبتمبر الماضي، ليكون لديه صلاحيات أكبر، لكن تلك الأمور لم تساعده في القضاء على الإرهاب، ومع استمرار العمليات الإرهابية، وخاصةً العمليات الأخيرة، تصاعد السخط داخل صفوف ضباط الجيش، وتم توجيه ضربات قاسية لمعنوياتهم، بل صرح بعضهم بأنهم يشعرون بالخيانة بعد سيطرة الجماعات المسلحة على المزيد من المناطق التي كانت آمنة قبل تولّي المقدم داميبا للسلطة.([2])

3- اتهام المقدم داميبا بعدم العدالة في منح المناصب العسكرية:

حيث أعلن العديد من الجنود عن استيائهم من قيام المقدم داميبا بتفضيل خريجي مدرسة (Prytanée militaire du Kadiogo)، وهي مدرسة عسكرية، وقد لُوحظ أن المقدم داميبا يمنح خريجيها مناصب رئيسية في الإدارات العسكرية، مميزًا لهم عن أقرانهم من باقي الخريجين العسكريين، بالإضافة إلى اتهامه بتعيين أقاربه وأصدقائه في مناصب كبيرة، بجانب الانقسام والتنافس الموجود بين الحرس الرئاسي، ووحدة القوات الخاصة الكوبرا، التي شعرت بالتهميش، والتي كانت تأمل في رفع الرُّتَب والرواتب بعد تولّي شخص عسكري قيادة البلاد.([3])

4- سخط قوات وحدة الكوبرا الخاصة على المقدم داميبا:

حيث تعد وحدة الكوبرا العسكرية التي تنتمي إلى القوات الخاصة هي الوحدة التي يُنسَب إليها رعاية هذا الانقلاب، وقد تشكلت هذه الوحدة في 2019م؛ للمساهمة في محاربة الجماعات الإرهابية، وقد قامت وحدة الكوبرا بالتمرد على المقدم داميبا بعد اعتراضها على ظروف العمل والمعيشة؛ حيث اعتبرت أنها غير مجهزة تجهيزًا كاملاً للتعامل مع الهجمات الإرهابية، بالإضافة إلى تأخُّر الرواتب والمكافآت المستحقة لها؛ حيث قادها النقيب إبراهيم تراوري في تنفيذ الانقلاب، لتصحيح الفترة الانتقالية التي وصفوها بأنها كانت تسير في المسار الخطأ، كما تمت الإشارة إلى أن الأزمة بين المقدم داميبا والضباط الشباب كانت مستمرة منذ عدة شهور دون حلّ.([4])

5- استمرار حبس ومحاكمة المقدم إيمانويل زونجرانا:

من بين الأسباب التي أدت إلى حدوث الانقلاب على داميبا هو استمرار حبس المقدم زونجرانا، وهو أحد الشخصيات العسكرية المشهود لها بالكفاءة في الجيش، ولكن تم اعتقاله منذ 10 يناير 2022م هو ومجموعة من المقربين منه بتهمة التحضير للانقلاب على الرئيس المعزول كريستيان كابوري، وبعد عزل الرئيس كابوري ونجاح الانقلاب عليه، وتولّي المقدم داميبا مقاليد السلطة في البلاد، أبقى على حبس المقدم زونجرانا، ولم يقم بالإفراج عنه، وذلك رغم شخصيته العسكرية التي تُوصَف بالواعدة، وقد تولَّى زونجرانا البالغ من العمر 40 عامًا العديد من المناصب العسكرية من بينها قائد القطاع الغربي لمجموعة قوات الأمن الشمالية، وقائد فوج المظلات 25 الكوماندوز، وقائد فيلق فوج المشاة الثاني عشر، بالإضافة إلى تأسيسه في 2021م وحدة من القوات الخاصة تسمى "مامبا"، وعُرِفَ عنه أيضًا أنه كان مُقرَّبًا من وزير الدفاع الأسبق شريف سي، والذي أُقِيلَ من منصبه في يونيو 2021م، وقد تمَّ اتهام المقدم زونجرانا بخمس تُهَم بعد اعتقاله؛ من بينها تهديد أمن الدولة، وفي فبراير 2022م بعد الإذن بالإفراج المؤقت عنه، أمر القضاء العسكري بتجديد حبسه بتهمة جديدة تتعلق بغسيل الأموال، وقد استمرت محاكمته حتى الآن، وفشل محاموه في إقناع المحكمة بالإفراج المؤقَّت عنه، وقد كان من المنتظر البتُّ في طلبه في 27 أكتوبر الجاري، ومن جانبه فقد أرسل المقدم زونجرانا طلبًا إلى وزير الدفاع الذي كان يتولاه داميبا نفسه يُخبره فيه أنه يريد الانضمام إلى القوات العسكرية الموجودة على الجبهة لمواجهة الإرهابيين، ولكنه لم يَستجب لطلبه، بالإضافة إلى حدوث تعاطف شعبي وعسكري مع المقدم زونجرانا، وخاصةً مِن قِبَل وحدة الكوبرا العسكرية التي قيل: إنه كان يتولَّى قيادتها سابقًا، وإن رجاله هم من قاموا بالانقلاب على المقدم داميبا، الذي تم اتهامه بأنه وراء محاكمة زونجرانا، وله دور فيها؛ حتى يتخلص منه. بل قال البعض: إن زونجرانا هو كان العامل الأساسي في عزل الرئيس الأسبق كابوري، لكنَّ داميبا هو الذي جلس على كرسي الرئاسة بدلاً من زونجرانا، ولهذا أبقى على حبسه، وقد ارتفعت مطالبات بالإفراج عن زونجرانا، حتى إن مناصري قادة الانقلاب الجدد رفعوا شعارات تنادي بالحرية لزونجرانا، كما وُجدت تصريحات عقب نجاح الانقلاب بأنه سيتم إلقاء الضوء على قضية المقدم زونجرانا قريبًا.([5])

 6- السماح بعودة الرئيس الأسبق بليز كومباوري للبلاد:

حيث قام العقيد داميبا في يوليو الماضي بدعوة الرئيس الأسبق لبوركينا بليز كومباوري، ورؤساء البلاد السابقين إلى حضور اجتماع من أجل عملية المصالحة الوطنية في البلاد، وقد حضر الرئيس بليز كومباوري بالفعل هذا الاجتماع، ووصل إلى البلاد دون اتخاذ أي إجراءات قضائية ضده بعد الحكم عليه في أبريل 2022م مِن قِبَل القضاء العسكري في بوركينا بالسجن مدى الحياة بتهمة اغتيال سلفه توماس سانكارا ورفاقه الاثني عشر في عام 1987م. وقد أدت دعوة المقدم داميبا للرئيس الأسبق بليز كومباوري إلى حالة من الاستياء في البلاد متهمين إياه بانتهاك أحكام القانون، ومحاولة تكريس الإفلات من العقاب، ومنع تحقيق العدالة، وقد صرح داميبا بأن هذا الاجتماع مهمّ لحياة الأمة، ودعا إلى تغليب المصلحة العليا للبلاد فوق أيّ اعتبارات سياسية، وأضاف أن ذلك الاجتماع لا يُعِيق الإجراءات القانونية التي بدأت ضد بعض الرؤساء السابقين، غير أن تلك التصريحات لم تمنع حالة الغضب في البلاد، كما طالبت مجموعة محامين عائلة سانكارا بالقبض على بليز كومباوري، وتحميل السلطات مسؤوليتها عن ذلك الأمر. وفي ذات السياق؛ أعرب العديد من الجنود والضباط العسكريين الشباب عن سخطهم بسبب عودة بليز كومباوري الذي أُطيح به بعد ثورة شعبية في 2014م، كما أشار ضباط آخرون إلى كون قرار عودة كومباوري يدل على التأثير والنفوذ القويّ والمستمر لأعوان رئيس الحرس الرئاسي السابق الجنرال جيلبرت دينديري، والمتهم أيضًا في نفس القضية السابقة، بجانب قضية بوكاري التي حُكِمَ عليه فيها يوم 22 سبتمبر المنصرم بالسجن 20 عامًا، وهو ما زاد من استيائهم من المقدم داميبا، ووصفه بالخيانة، خاصةً بعد إعادة كبار الشخصيات في نظام كومباوري إلى مناصبهم.([6])

7- اتهام المقدم داميبا بالولاء لفرنسا:

في ظل ازدياد مشاعر الغضب الشعبي من فرنسا في مستعمراتها السابقة، وخاصةً في دول غرب إفريقيا، وانتقاد رؤساء المنطقة الموالين لها، مع تأييد شعبي للنظم الجديدة التي تتصدى للوجود الفرنسي في المنطقة كالنظام العسكري في مالي، فقد اتُّهم المقدم داميبا بالتقارب مع فرنسا والنُّظُم المتحالفة معها في المنطقة، وخاصَّة بعد زيارته إلى كلٍّ من ساحل العاج، والنيجر في سبتمبر المنصرم؛ حيث التقى بالرئيس الإيفواري الحسن وتارا، ورئيس النيجر محمد بازوم، وهما من الرؤساء المقربين من فرنسا، ويُنْظَر لهما في المنطقة على المستوى الشعبي بكونهم حلفاء باريس في غرب إفريقيا، رغم أنه قد سبق الزيارة إليهم بزيارة النظام العسكري في مالي الذي يرفع راية العداء لباريس، غير أن تلك الزيارات لهما جعلت البعض يُسوّق لها بأنها بمثابة تحالف بين داميبا وفرنسا من خلال حلفائها الأفارقة.([7])

 كما أن لقاء داميبا مع الأدميرال جان فيليب رئيس الأركان العسكرية الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي تم في 8، 9 سبتمبر المنصرم بحضور رئيس الأركان العامة للجيش البوركينابي ديفيد كابري، زاد وتيرة الشكوك لدى العديد من العسكريين حول نوايا داميبا المتعلقة بالتعاون مع فرنسا، خاصةً بعد قيامه بعزل وزير الدفاع الذي قيل: إنه غير مُؤيّد على الإطلاق للعلاقات العسكرية مع فرنسا. كما أن العديد من الجنود يرغبون في التعاون العسكري مع روسيا، وخاصةً في مجال مكافحة الإرهاب والسير على منوال النظام العسكري في مالي، الذي يبثّ العديد من الدعاية في المنطقة، والتي تشير إلى تحسُّن عمليات مكافحة الإرهاب بعد تعاونه مع روسيا، بالإضافة إلى وجود رغبة شعبية في بوركينا تطالب بتنويع الشراكات العسكرية للبلاد، وخاصةً مع روسيا، وإنهاء الوجود الفرنسي في البلاد، بل طالبت العديد من منظمات المجتمع المدني بمغادرة السفير الفرنسي للبلاد.([8])

8- رغبة القادة الجدد في التعاون العسكري مع روسيا:

من بين الأسباب التي ذكرها قادة الانقلاب الجدد أن المقدم داميبا رفَض اللجوء إلى شركاء آخرين من أجل مكافحة الإرهاب في البلاد، دون ذِكْر صريح لهؤلاء الشركاء، وهو ما جعل البعض يفسّر أنهم يقصدون روسيا التي طالب المتظاهرين المؤيدين للانقلاب الجديد بالتعاون معها في مكافحة الإرهاب والاستفادة من تجربة مالي؛ حيث رفَع مؤيدو الانقلاب الأعلام الروسية، مصحوبة بشعارات معادية لفرنسا، متهمين إيَّاها بدعم الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، كما قيل: إنه قبل الانقلاب بأيام لُوحِظَ وجود رحلات جوية لطائرات روسية في واغادغو، يُشتبه في حملها لعناصر من قوات فاجنر العسكرية، غير أن هذا الأمر لا يوجد عليه دليل، وقد يكون من قبيل الدعاية المضادة مِن قِبَل فرنسا، ردًّا على الدعاية التي تقوم بها روسيا ضد فرنسا في حرب النفوذ الدائرة بينهما في المنطقة؛ حيث تسعى روسيا إلى ضم بوركينا إلى حظيرتها بعد نجاحها في تقليص نفوذ فرنسا في مالي وإفريقيا الوسطى.([9])

9- سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد:

حيث صرح الكابتن تراوري في حديث له مع الإعلام بأن معركته ليست من أجل السلطة، وإنما هو يسعى إلى إخراج الشعب من البؤس والفقر وانعدام الأمن الذي يعيش فيه، كما عبّر عن إدراكه للأحوال السيئة التي لحقت بالعديد من المواطنين في القرى والتي جعلتهم يأكلون ورق الأشجار والأعشاب، كما أضاف أنهم اقترحوا حلولاً من أجل تحسين أحوال الشعب، لكن لم يتم الاستماع إلى مقترحاتهم.

ويُذْكَر أنه بسبب العنف الإرهابي المندلع في البلاد فقد نزح حوالي مليون شخص، كما تخلى العديد من السكان عن حقولهم وماشيتهم، خاصةً بعد قيام الجماعات الإرهابية بمحاصرة مدينة جيبو الواقعة شمال البلاد منذ سبعة أشهر حتى الآن، وهي تضم أحد أكبر أسواق الماشية في المنطقة، وهو ما أسفرَ عن تضاعف معدلات انعدام الأمن الغذائي الحادّ في البلاد، بالإضافة إلى مقتل الآلاف من المدنيين والعسكريين، على يد الجماعات الإرهابية التي تحاصر المدن وتفجّر الجسور التي تؤدي إليها بالديناميت، وتقيم نقاط تفتيش لعزل البلدات والمدن، وتمنع قوافل المساعدات عن الوصول إلى أهدافها؛ من أجل تجويع السكان.([10])

ثانيًا: تداعيات الانقلاب العسكري في بوركينا فاسو

أسفر الانقلاب العسكري الجديد في بوركينا فاسو عن العديد من التداعيات على المستوى الداخلي، والمستوى الإقليمي، والمستوى الدولي، والتي يمكن عرض كل منها فيما يلي:

أ- التداعيات على المستوى الداخلي:

1- استقالة المقدم داميبا من السلطة ومغادرته البلاد:

بعد مرور يومين من المناوشات بين قادة الانقلاب الجدد، والمقدم داميبا وأنصاره، والتي بدأت يوم 30 سبتمبر عندما وصل النقيب إبراهيم تراوري ورجاله من وحدة الكوبرا إلى العاصمة واجادوجو، وطالبوا بمقابلة المقدم داميبا رئيس المجلس العسكري الحاكم للبلاد، غير أنه لم يُوافق على لقائهم ورفض استقبالهم، وأرسل مبعوثين من جانبه للقائهم، وهو ما أغضب النقيب تراوري ورجاله بسبب قدوم مبعوثين للقائهم بدلاً من الرئيس، وبعد فشل المفاوضات بين الطرفين تطوَّر الأمر إلى تبادل لإطلاق النار أسفر عن مقتل اثنين من الرُّتَب العسكرية التي أرسلها الرئيس داميبا بدلاً منه، بجانب إصابة تسعة آخرين، مع حدوث أضرار في المرافق والممتلكات، ومع تطوُّر الأحداث بين الطرفين سيطرت القوات العسكرية الموالية لتراوري على المواقع الاستراتيجية في البلاد، والتي من بينها محيط القصر الرئاسي، ومعسكر بابا سي مقر رئيس المرحلة الانتقالية، ومبنى الإذاعة والتلفزيون الرسمي، ومقر مجلس الوزراء، والذي أعقبه قيام الكابتن كيسويرا فاروق سورغو بإلقاء بيان الانقلاب وبرفقته نحو 15 جنديًّا آخرين في حوالي الساعة 8 مساء عبر قناة التلفزيون الرسمي (RTB)، والذي أعلنوا فيه عن عزل المقدم داميبا من منصبه، وحلّ الحكومة، وتعليق العمل بالميثاق الانتقالي، وحلّ المجلس التشريعي الانتقالي، بجانب إغلاق الحدود البرية والجوية، مع فرض حظر التجوال في البلاد من التاسعة مساءً حتى الخامسة صباحًا، مع تعليق كافة الأنشطة السياسية، وأنشطة المجتمع المدني بصورة مؤقتة، كما أعلنوا كذلك عن تولّي النقيب إبراهيم تراوري رئاسة الحركة الوطنية للحماية والإصلاح (MPSR) خلفًا لداميبا.([11])

 من جانبه رفض المقدم داميبا في البداية قرار عزله مِن قِبَل قادة الانقلاب، ووصف الأمر بأنه تعكُّر في مزاج بعض القوات العسكرية، كما أعلن أنه لا ينوي التخلي عن منصبه، داعيًا قادة الانقلاب إلى العودة إلى رُشْدهم لتجنُّب حدوث حرب بين الأشقاء تؤدّي إلى انقسام في الجيش.

كما وصف رئيس الأركان العامة للجيش العقيد ديفيد كابري في بيان أن هذه الأحداث عبارة عن أزمة داخلية في الجيش، ودعا إلى التفاوض بين الطرفين حقنًا للدماء؛ حيث أُشيع أن أنصار المقدم داميبا يُخطّطون لهجوم مضادّ لإفشال الانقلاب، وخاصةً أنَّ قوات الحرس الرئاسي المسؤولة عن حماية رئيس الجمهورية (GSPR) كانت تدعم المقدم داميبا، وتبادلت إطلاق النار مع قوات الكابتن تراوري في بداية الأحداث، ومع سخونة الأحداث في البلاد والخوف من اندلاع حرب بين أنصار داميبا، وأنصار تراوري فقد تدخَّل وسطاء من الزعامات العرفية والدينية في البلاد لحلّ الأزمة، وهو ما أَسْفَر عن قبول داميبا تقديم استقالته، لكن بسبعة شروط؛ تتمثل فيما يلي:

1- استمرار الأنشطة والعمليات الجارية في الميدان لمكافحة الإرهاب.

2- ضمان سلامة وعدم مقاضاة أيّ من القوات العسكرية التي وقفت بجانبه.

3- الاستمرار في تعزيز التماسك والتلاحم داخل القوات المسلحة في البلاد.

4- السعي إلى تحقيق المصالحة الوطنية في البلاد.

5- امتثال السلطات الجديدة للالتزامات التي تم التعهُّد بها مع الإيكواس.

6- مواصلة السعي لإصلاح الدولة.

7- أن تضمن السلطات الجديدة سلامته، وسلامة عائلته، وضمان حقوقه، وحقوق المتعاونين معه.([12])

ومن جانبه فقد قبل الكابتن إبراهيم تراوري هذه الشروط السبعة، وهو ما أعقبه قيام المقدم داميبا يوم الأحد الموافق 2 أكتوبر 2022م في حوالي الساعة التاسعة صباحًا بالتوقيع على وثيقة الاستقالة، والتي قيل: إنه وقَّع عليها أثناء وجوده في قاعدة واجادوجو الجوية، كما قام كذلك ببثّ خطابٍ أعلن فيه عن استقالته من رئاسة البلاد، ورئاسة المرحلة الانتقالية؛ تحقيقًا للمصلحة العامة للأمة، وتجنبًا لحدوث فوضى في البلاد؛ وذلك تلبيةً لنتائج الحوار التي قامت بها الزعامات العرفية والدينية مع النقيب تراوري، والرئيس الحالي للإيكواس، كما أشار إلى أنه تخلى عن منصبه بعد موافقة السلطات الجديدة على شروطه السبعة المذكورة أعلاه، وتمنى في النهاية للقادة الجدد التوفيق في مَهمتهم، كما حثّهم على الاتحاد والبعد عن الانقسام والتشتُّت، والتحلّي بالوطنية، وتحمُّل المسؤولية. ثم أعقب ذلك خروجه من البلاد متوجهًا إلى دولة توجو لتكون بمثابة منفاه الاختياري؛ حيث تمَّ استقباله مِن قِبَل الحكومة التوجولية والتي أعلنت في 3 أكتوبر عن وصوله لأراضيها، مُرحِّبةً به، لدوره في اختيار روح السلام، وتجنُّب إدخال البلاد والمنطقة في دوّامة العنف.([13])

2- تولي النقيب إبراهيم تراوري مقاليد السلطة في البلاد:

حيث تولى النقيب إبراهيم تراوري رئاسة الحركة الوطنية للحماية والإصلاح (MPSR)، وكذلك رئاسة المرحلة الانتقالية في البلاد خلفًا للمقدم داميبا، ليصبح بذلك الرجل القوي الجديد في البلاد، ويبلغ الكابتن تراوري من العمر 34 عامًا، وهو يتولى قائد فوج المدفعية بالمنطقة العسكرية الأولى المتمركزة في مدينة كايا الواقعة على بعد نحو 100 كيلو متر من العاصمة، كما تشير مصادر أخرى إلى كونه رئيس وحدة القوات الخاصة "الكوبرا" المسؤولة عن مكافحة الإرهابيين التي تم إنشاؤها في عام 2019م، والتي قامت بالتمرد ونفَّذت هذا الانقلاب على المقدم داميبا. لكن تنفي مصادر أخرى حقيقة تولّيه رئاسة هذه الوحدة، وترى أنه تحالف معها فقط في تنفيذ الانقلاب. ومن المتفق عليه بين المصادر المختلفة أنه كان أحد الضباط الشباب الذين شاركوا في الانقلاب على الرئيس الأسبق كريستيان كابوري، لكنه منذ تولي داميبا للسلطة وهو ينتقده، ويصفه بأنه سار في المسار الخطأ، وانحرف عن أهداف الحركة.([14])

 وعقب نجاح الانقلاب أعلنت قيادات الجيش عن دعمها الكامل للنقيب تراوري؛ وذلك بعد اجتماعها الذي عُقِدَ في 2 أكتوبر؛ حيث أعلن رئيس الأركان العامة للجيش، ورؤساء الأفرع الرئيسية دعمهم الكامل للحركة التصحيحية في سعيها للدفاع عن البلاد، وحماية أبناء الشعب من مخاطر الإرهاب. ومن جانبه صرح النقيب تراوري بأنه لا يرغب في الاستمرار في السلطة لوقت طويل، وأن هدفه هو استعادة الأمن في البلاد، كما أعلن أنصاره من الجنود أنه يريد العودة لقتال الجماعات الإرهابية، ولا يستبعد تعيين رئيس مدني أو عسكري لإدارة الفترة الانتقالية في البلاد؛ حيث من المنتظر انطلاق عملية تشاور وطني من أجل وضع ميثاق انتقالي جديد، يتولَّى بموجبه رئيس جديد للفترة الانتقالية. وفي لقائه الأول بالأمناء العامين للوزارات المسؤولين عن تسيير الأعمال؛ أبلغهم أنه يريد تغيير أسلوب العمل في الحكومة؛ بحيث لا يكون هناك ملفات موضوعة في الأدراج؛ حيث يرى أن البلاد بحاجة إلى تغيير بشكل عاجل في كل الملفات، وعلى رأسها ملفات الأمن والدفاع، والصحة، والمساعدات الإنسانية، والعمل الاجتماعي، والبنية التحتية.([15])

3- خروج تأييد شعبي داعم للنقيب تراوري ورفاقه:

منذ انتشار خبر الانقلاب على المقدم داميبا؛ انتشر عشرات الأفراد في المحاور الرئيسية للبلاد، معلنين عن دعمهم للنقيب تراوري ورفاقه، رافعين لافتات مؤيدة لهم، ومرددين هتافات تطالب داميبا بالاستقالة، كما أن النقيب تراوري ورفاقه استغلوا حالة العداء والرفض المتصاعد مِن قِبَل الشعب ضد فرنسا في البلاد والمنطقة، وادَّعوا أن المقدم داميبا متحالف مع فرنسا، وهي التي ستحميه، ولوَّحوا إلى أنه منَعهم من تنويع الشراكات العسكرية مع شركاء دوليين آخرين في محاربة الإرهاب؛ في إشارة مبطنة إلى روسيا، وهو ما أدَّى إلى انحياز أغلب أبناء الشعب إليهم، كما أنهم قاموا برفع حظر التجوال، وطلبوا من الشعب وقفة احتجاجية وطنية في العاصمة، وهو ما حدث بالفعل؛ حيث تمت الاستجابة لطلب القادة الجدد؛ حيث أُقيمت التظاهرات المطالبة باستقالة داميبا، وتأييد تراوري، مع رفع الأعلام الروسية، ومطالبة فرنسا بمغادرة البلاد، معلنين التصدي لفرنسا في حماية داميبا. ويُعدّ الوقوف الشعبي بجوار تراوري ورفاقه من بين أهم العوامل التي ساهمت في نجاح الانقلاب؛ خاصةً بعد الاستياء الشعبي من داميبا بسبب فشله في مكافحة الإرهاب، وعجزه عن تحسين الأوضاع المعيشية في البلاد، والتي صارت من سيئ إلى أسوأ بعد تولي داميبا للسلطة؛ حيث سيطرت الحركات الإرهابية على مزيد من الأراضي التي كانت آمنة من قبل. ويُذْكَر أن هناك مجموعة من المؤيدين لتراوري احتجوا على الشروط التي فرضها داميبا من أجل استقالته؛ حيث طالبوا القادة الجدد بضرورة الاحتفاظ بالحق في طلب عودته للبلاد، ومحاكمته في حال اكتشاف تورُّطه في قضايا فساد، أو أن هناك أشخاصًا قد ماتوا في الجبهة بسبب أخطائه، أو حتى الكشف عن تورط معاونيه في اختلاس الأموال أو الممتلكات؛ فيجب إخضاعهم جميعًا للعدالة.([16])

4- استهداف المنشآت الفرنسية مِن قِبَل المتظاهرين:

تعرَّض مبنى السفارة الفرنسية في العاصمة واجادوجو، ومعهد بوبو ديولاسو الفرنسي، وقاعدة كامبوينسين العسكرية، والمركز الثقافي، وغيرها من المنشآت الفرنسية في البلاد إلى الهجوم مِن قِبَل المتظاهرين الغاضبين الذين حاولوا اقتحام تلك المباني، بل قاموا بالفعل بحرق بعض الأشياء المُلْحَقة بها، كما حاولوا قطع الأسلاك الشائكة المتَّصلة بالجدران لاقتحام السفارة، وهو ما دفَع الجنود الفرنسيين إلى الصعود لسطح المباني، وإطلاق قنابل مُسيّلة للدموع؛ من أجل إبعاد المتظاهرين عن اقتحام المنشآت الفرنسية. وقد جاء هذا الهجوم مِن قِبَل المتظاهرين على المنشآت الفرنسية، بعد ادعاء النقيب تراوري ورفاقه أن المقدم داميبا كان موجودًا في قاعدة كامبوينسين العسكرية الفرنسية، وأن القوات الخاصة الموجودة بها هي التي تحميه، وأنه يستعد لشن هجوم مضادّ مدعومًا مِن قِبَل هذه القوات الفرنسية، ورغم نفي فرنسا بشدة لتلك الادعاءات، وكذلك نفي المقدم داميبا أيضًا ذلك الأمر؛ إلا أن هذه اللعبة السياسية استطاع تراوري أن يصل من خلالها للدعم الشعبي، والذي لم يكفَّ يده عن تلك المنشآت إلا بعد صدور تصريح جديد من تراوري يطالبهم بعدم التعدّي عليها، والتوقف عن أعمال العنف والتخريب؛ حيث أشار إلى عدم تدخل فرنسا بشكل مباشر في الأزمة.([17])

5- احتفال أنصار النقيب تراوري باستقالة داميبا:

بعد إعلان داميبا استقالته من منصبه، قُوبِلَ هذا النبأ برضا العديد من المتظاهرين المدنيين الذين نزلوا إلى ساحة الاستقلال وشوارع العاصمة، مُعبّرين عن فرحتهم بهذا الخبر، مرددين اسم النقيب تراوري آملين فيه وفي رفاقه استعادة الأمن، وتحقيق ما عجز عنه المقدم داميبا من تصدّي للجماعات الإرهابية، كما سارع العديد من المدنيين بالتقاط الصور مع العسكريين المنتشرين في الشوارع، بل صعدوا على المدرعات العسكرية؛ تعبيرًا عن دعمهم للقيادات الجديدة، كما رفع آخرون الأعلام الروسية مطالبين بالتعاون مع روسيا في مكافحة الإرهاب والسير على منوال النظام العسكري الحاكم في مالي، بالإضافة إلى وجود العديد من التصريحات لمنظمات المجتمع المدني التي أعلنت عن سعادتها لانتهاء الأزمة بسلام وعدم دخول البلاد في معركة بين وحدات الجيش البوركينابي.([18])

ب- التداعيات على المستوى الإقليمي:

1- موقف الاتحاد الإفريقي:

أعلن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسي فقي يوم 30 سبتمبر عن إدانة الاتحاد الإفريقي بشكل قاطع الاستيلاء الثاني على السلطة بالقوة في بوركينا فاسو، كما أعرب عن قلقه العميق بشأن عودة ظهور التغيرات غير الدستورية للحكومات في بوركينا فاسو، وأكثر من دولة إفريقية، وهو ما يتنافى مع الميثاق الإفريقي للديمقراطية والحكم الرشيد، وإعلان أكرا بشأن التغييرات غير الدستورية للحكومات. كما وجّه موسي فقي الدعوة إلى الجيش في بوركينا فاسو بالامتناع الفوري والكامل عن أيّ أعمال عنف أو تهديد للسكان والمدنيين، مع ضرورة احترام الجيش للمواعيد المتفق عليها بشأن العودة للنظام الدستوري في موعد أقصاه 1 يوليو 2024م.([19])

2- موقف الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس):

أدانت منذ بداية الأحداث الاستيلاء على السلطة بالقوة، كما أضافت أن هذا الانقلاب الجديد جاء في وقتٍ غير مناسب؛ لأنه حدث بعد إحراز تقدم في المرحلة الانتقالية كان من المنتظر أن يُسفر عن عودة النظام الدستوري للبلاد، كما طالبت الإيكواس القادة الجدد بالالتزام بالجدول الزمني الذي تم التوافق عليه من قبل للعودة إلى النظام الدستوري على أن يكون بحلول 1 يوليو 2024م على أقصى تقدير.

وتدخلت الإيكواس في عملية الحوار بين أطراف النزاع بجانب الزعماء العرفيين، كما أشادت بقبولهم تسوية الأزمة بصورة سلمية، وأعلنت عن إرسالها وفدًا إلى بوركينا فاسو، من أجل تقييم الوضع في البلاد؛ حيث وصلت بالفعل بعثة الإيكواس إلى البلاد في صباح الثلاثاء الموافق 4 أكتوبر؛ حيث ترأَّس وفد البعثة وزير خارجية غينيا بيساو الذي تتولى بلاده حاليًا رئاسة الإيكواس، بالإضافة إلى رئيس النيجر السابق محمدو يوسفو بوصفه وسيط الإيكواس في بوركينا، وبصحبتهم عمر توراي رئيس مفوضية الإيكواس. وقد كان مقررًا وصول البعثة في اليوم السابق، لكن تم تأجيل الموعد لأسباب لوجستية، كما تجمَّع عشرات المتظاهرين الرافضين لقدوم بعثة الإيكواس، وقاموا بقطع الطرق المؤدية للقصر الرئاسي، لمنع وصول البعثة، كما رددوا هتافات معادية ضد الإيكواس، معتبرين إياها أحد أذرع فرنسا في المنطقة، ومن جانبه حذَّر النقيب تراوري المتظاهرين من أعمال العنف، محذرًا مِن أن مَن سيقوم بأعمالٍ تُعطِّل سير مهمة الإيكواس في البلاد سيخضع للعقوبات القانونية، كما أعرب عن أسفه لتلك الأعمال، ودعا للتهدئة وضبط النفس من أجل مصلحة البلاد. وعقب انتهاء مهام البعثة أعلن الرئيس الأسبق للنيجر محمد يوسفو عن رضاه الكامل عن نتائج اللقاء مع الزعيم الجديد للبلاد إبراهيم تراوري، والذي أكَّد على التزامه بتنفيذ اتفاق يوليو 2022م، وحل الأزمة الإنسانية، والعودة إلى النظام الديمقراطي في البلاد، واستعادة كافة الأراضي.([20])

3- موقف دول الجوار:

أعربت العديد من دول جوار بوركينا، ودول غرب إفريقيا عن قلقها من الأزمة التي أدَّت إلى حدوث انقسام داخل المؤسسة العسكرية، وأعربت عن ارتياحها بعد انتهاء الأزمة بسلامٍ، ومن أبرز مواقف دول الجوار هو موقف رئيس ساحل العاج الحسن واتارا، الذي ذهب في رحلة عاجلة إلى فرنسا يوم السبت 1 أكتوبر، لم يكن مخططًا لها، ولم تكن موضوعة على جدول الأعمال؛ حيث يرى البعض أنها كانت بسبب الأزمة التي اندلعت في بوركينا فاسو، وأن الرئيس الإيفواري ذهب إلى باريس لبحث الأمر مع حلفائه؛ بوصفه أبرز حلفاء فرنسا في غرب إفريقيا. بالإضافة إلى موقف رئيس غينيا بيساو عمر سيسكو؛ حيث قام هو الآخر بزيارة إلى باريس يوم 3 أكتوبر؛ حيث التقى بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، وناقشا تطورات الأوضاع في بوركينا فاسو، وذلك بوصف رئيس غينيا بيساو هو الرئيس الدوري للإيكواس.

ج- التداعيات على المستوى الدولي:

1- مواقف المنظمات الدولية:

- موقف الأمم المتحدة:

ندّد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش بشدة في بيان ألقاه يوم السبت 1 أكتوبر، بأي محاولة للاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، كما دعا جميع الأطراف إلى نبذ العنف، والسعي إلى الحوار، وأعرب عن دعمه للجهود الإقليمية الهادفة لعودة النظام الدستوري، مؤكدًا حاجة البلاد إلى الوحدة والاستقرار من أجل التغلب على الحركات الإرهابية.

- موقف الاتحاد الأوروبي:

 أعرب الاتحاد الأوروبي عن مخاوفه من الأحداث التي تمر بها بوركينا، كما أدان بشدة تلك الأحداث؛ حيث أكَّد الممثل السامي للشؤون الخارجية والسياسة والأمنية بالاتحاد الأوروبي أن هذا الانقلاب يُهدّد الجهود التي بُذِلَتْ لعدة أشهر من أجل دعم المرحلة الانتقالية، كما طالب بضرورة الامتثال للالتزامات التي تم التعهُّد بها مِن قِبَل الإيكواس، واستنكر الاتحاد الأوروبي كذلك تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية التي تمرّ بها البلاد معربًا عن دعمه لشعب بوركينا في تلك الأوقات الصعبة.

2- مواقف القوى الدولية:

- موقف الولايات المتحدة الأمريكية:

أعربت الولايات المتحدة عن قلقها من الوضع في بوركينا، كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس: "نحثّ المسؤولين على تهدئة الموقف، ومنع إيذاء المواطنين والجنود، والعودة إلى النظام الدستوري"، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة "تتابع الموقف عن كثب، بالإضافة إلى تحذيرها لرعاياها الموجودين في البلاد، ونُصْحهم بعدم الخروج من المنازل إلا للضرورة".

- موقف فرنسا:

كانت فرنسا تتابع الموقف منذ بدايته عن كثب؛ بوصفها المستعمر السابق لبوركينا، بالإضافة إلى وجود قوات عسكرية تابعة لها في البلاد؛ حيث مع بداية الأحداث قامت وزارة الخارجية الفرنسية بتحذير رعاياها الموجودين في البلاد، والبالغ عددهم ما بين أربعة إلى خمسة آلاف فرنسي من عدم الخروج من منازلهم، وتوخّي الحذر، بالإضافة إلى قيام وزارة الخارجية الفرنسية بإنشاء وحدة أزمة لمتابعة تطورات الموقف في بوركينا، كما نفت السفارة الفرنسية قيامها بدعم المقدم داميبا أو وجوده في القاعدة العسكرية الخاصة بفرنسا في بوركينا.

كما أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن بلادها ليس لها أي دور في الأحداث التي تشهدها بوركينا فاسو على مدار الأيام الماضية، كما أدانت فرنسا أعمال العنف التي تعرّضت لها المنشآت الفرنسية في بوركينا، وخاصةً السفارة الفرنسية التي تعرّضت للحريق، والمعهد الفرنسي الذي تم تخريبه، كما وصفت هذه الأعمال بأنها كانت نتاج حملات تضليل إعلامي تقوم بها جهات معادية لفرنسا في بوركينا وغرب إفريقيا؛ في إشارةً منها إلى روسيا التي يُقال إنها تقوم بشنّ حملات تضليل إعلامية عبر شبكات التواصل الاجتماعي من أجل تشويه سمعة فرنسا في المنطقة لكي تحلّ محلّها، وتنتصر عليها في حرب النفوذ الدائرة بينهم.([21])

موقف روسيا:

تشير العديد من الكتابات إلى أن روسيا هي المستفيد من ذلك الانقلاب، إن لم يكن لها دور في التخطيط له ودعمه؛ حيث يمكن أن يسفر عن فتح الأبواب أمامها للوجود في بوركينا، وخاصةً عبر قوات فاجنر العسكرية، التي تنتشر بالفعل في أكثر من دولة إفريقية، وأقربها مالي المجاورة لبوركينا. وقد أعرب المتحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن موقف بلاده من الانقلاب، وتطلع روسيا إلى عودة الأوضاع في البلاد إلى طبيعتها، وأن تعود كل المؤسسات إلى إطارها الشرعي. كما دعت وزارة الخارجية الروسية جميع الأطراف في بوركينا إلى ضبط النفس من أجل الحفاظ على الأمن.

ويُذْكَر أنه عند وقوع انقلاب يناير على الرئيس كابوري؛ صرح ألكسندر إيفانوف، أحد المقربين من الكرملين -وهو ناشط في جمهورية إفريقيا الوسطى- بأنه مستعدّ لتقديم خبرات المدربين الروس لتدريب جيش بوركينا فاسو، وهو ما لم يتحقق في ظل تولي داميبا مقاليد السلطة، وهو ما جعل أحد الخبراء الغربيين يقول: إن العمل مع روسيا كان عبارة عن مشروع مخطَّط له منذ البداية، أو أن القادة الجدد ينتهزون فرصة صراع النفوذ الروسي الفرنسي من أجل الحصول على دعم روسي لهم خلال المرحلة المقبلة، ومن نافلة القول أنه وردت أقاويل عن قيام  يفغيني بريغوزين مُؤسِّس مجموعة فاجنر العسكرية بتهنئة مُنفّذي الانقلاب في بوركينا، واصفًا تراوري بأنه ابن شجاع للوطن الأم، وأن ما فعله الضباط الشباب كان ضروري لمصلحة الشعب.([22])

الخاتمة:

إن ما شهدته بوركينا فاسو من انقلاب عسكري جديد، ليصبح الانقلاب التاسع في تاريخ البلاد، هو نتيجة لحالة الصراع العسكري المتواصل على السلطة في إفريقيا بصورة عامة، والذي أصبح مترسخًا كطريقة فعَّالة لتولّي كرسي الرئاسة، وما يتبعه من مغانم سياسية واقتصادية، بل وكثيرًا ما يتم تأييد هذه الطريقة في التغيير شعبيًّا، خاصةً إذا كانت النُّظُم المنقلب عليها نُظمًا استبدادية، تنقلب على الدساتير الوطنية، وتتلاعب بها من أجل مصالحها الشخصية، فانتشار ثقافة النفعية، والبحث عن المصالح الشخصية هو أكبر آفة منتشرة في أوساط النخب السياسية والعسكرية، وهو ما يتجلَّى بوضوح في هذا الانقلاب الجديد؛ حيث كانت وحدة الكوبرا التي قامت بالانقلاب تبحث عن مصالحها الشخصية في البداية، وعندما لم تستطع التوصل إلى ما تريد قامت بتنفيذ الانقلاب، غير أن صعود هؤلاء الرتب العسكرية الصغرى للمناصب القيادية دون وجود خبرات واستراتيجيات ودعم قويّ لهم، قد يؤدي إلى نتائج كارثية، بل لا يُستبعَد حدوث تنافس جديد بين قادة الانقلاب الجدد على المغانم والمناصب، يُسْفِر عن حدوث انقلابات جديدة.

أما فيما يتعلق بعملية استبدال الديك الفرنسي، بالدب الروسي، فبلا شك أن أيّ تدخُّل من جانب روسيا أو مجموعة فاجنر العسكرية التابعة لها، لن يتم مجانًا أو مجاملةً، بل ستدفع الشعوب الإفريقية من مُقدّراتها وثرواتها أضعافًا مضاعفة مقابل النذر اليسير، وهو ما أثبتته التجارب السابقة التي كُشِفَ عنها مؤخرًا، في كل من الدول التي حلت بها قوات فاجنر كالسودان؛ حيث تقوم قوات فاجنر بالاستيلاء على الذهب الإفريقي وتهريبه إلى روسيا، وهو ما ساعدها في الصمود اقتصاديًّا في غزوها لجارتها الأوكرانية حتى الآن.

وفي الأخير نأمل أن تسفر الأيام القادمة عن حدوث نقلة حقيقية في بوركينا فاسو تبدأ بعلاج مشكلة عدم الاستقرار المؤسسي الذي تشهده البلاد منذ فترات طويلة، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وتأهيلها بصورة تجعلها قادرةً بمفردها وبسواعد أبنائها على استعادة أراضيها، والقضاء على الإرهاب، بجانب قيامها بدور وطنيّ حقيقيّ من خلال تسريع إنهاء المرحلة الانتقالية، وتنظيم انتخابات شفَّافة، تُسْفِر عن ميلاد نظام دستوريّ يحمل برنامجًا تنمويًّا متكاملاً يلبّي تطلُّعات الشعب البوركينابي الشقيق.  

___________________

الإحالات والهوامش:

 


([1]( -Henry Wilkins ; Burkina Faso: 11 Dead, Dozens Missing After Militants Attack Convoy , at , https://www.voanews.com/a/burkina-faso-11-dead-dozens-missing-after-militants-attack-convoy , 28/9/2022.

([2]( -Burkina Faso : cinq questions sur le deuxième coup d'Etat de l'année , at , https://www.lexpress.fr/actualite/monde/burkina-faso-cinq-questions-sur-le-deuxieme-coup-d-etat-de-l-annee_2181192.html , 1/10/2022.

([3]( -Coup d'État au Burkina Faso: les raisons de la colère des militaires , at , https://www.rfi.fr/fr/afrique/20221001-coup-d-%C3%A9tat-au-burkina-faso-les-raisons-de-la-col%C3%A8re-des-militaires , 1/10/2022 .

([4]( - Benjamin Roger ; Burkina Faso : la crainte d’un nouveau coup d’État , at , https://www.jeuneafrique.com/1381323/politique/burkina-faso-la-crainte-dun-nouveau-coup-detat , 30/9/2022.

([5]-(Liberté provisoire du Lieutenant-colonel Emmanuel Zoungrana : La Cour de cassation va délibérer le 27 octobre 2022 , at , https://lefaso.net/spip.php?article116176 , 22/9/2022.

([6](-Armand Mouko ; Le retour controversé de Blaise Compaoré au Burkina Faso , at , https://www.bbc.com/afrique/articles/cy69w99egz7o , 8/7/2022 .

([7]( -Niger: la lutte antiterroriste au cœur de la visite du président de transition burkinabè , at , https://www.rfi.fr/fr/afrique/20220911-niger-la-lutte-antiterroriste-au-c%C5%93ur-de-la-visite-du-pr%C3%A9sident-de-transition-burkinab%C3%A8 , 11/9/2022.

([8]( -Burkina Faso : le chef d’État major particulier du Président Macron attendu à Ouagadougou , at , https://libreinfo.net/burkina-faso-le-chef-detat-major-particulier-du-president-macron-attendu , 2/9/2022. 

([9]( - "Coup d'État au Burkina Faso: la question de l'influence russe ou française entretient la confusion" , at , https://www.rfi.fr/fr/afrique/20221002-burkina-la-question-de-l-influence-russe-ou-fran%C3%A7aise-entretient-la-confusion , 2/10/2022.

([10]( -Burkina Faso’s Traore: ‘The Fight We Are Engaged in Is Not About Power’ , at , https://www.voanews.com/a/bukina-faso-s-traore-the-fight-we-are-engaged-in-is-not-about-power , 2/10/2022.

([11]-(Burkina Faso Army Announces Overthrow of Military Government , at , https://www.voanews.com/a/burkina-faso-army-announces-overthrow-of-military-government/6771329.html , 30/9/2022.

([12]( -Le Lt-col Damiba « a proposé lui-même sa démission, puis a posé sept conditions et le Capitaine Ibrahim Traoré les a acceptées » , at , https://burkina24.com/2022/10/02/le-lt-col-damiba-a-propose-lui-meme-sa-demission-puis-a-pose-sept-conditions-et-le-capitaine-ibrahim-traore-les-a-acceptees/ , 4/10/2022.

([13]( -Mamadou Faye ; Les souhaits de Damiba aux nouvelles autorités de Ouagadougou , at , https://www.bbc.com/afrique/articles/ce90990dzkxo , 3/10/2022.

([14]( -"Ibrahim Traoré: Burkina Faso’s young coup leader at 34" , at , https://www.africanews.com/2022/10/03/ibrahim-traore-burkina-fasos-young-coup-leader , 3/10/2022.

([15]( -Burkina Faso's new leader meets with government officials , at , https://www.africanews.com/2022/10/03/burkina-fasos-new-leader-meets-with-government-officials , 3/10/2022.

([16]( -Bernard Kaboré ; Burkina Faso : « Le peuple va veiller » , at , https://www.lepoint.fr/afrique/burkina-faso-le-peuple-va-veiller-03-10-2022-2492210_3826.php , 3/10/2022.

([17]( -Au Burkina Faso, la confusion règne après un putsch militaire, des tirs de gaz lacrymogène près de l’ambassade de France , at , https://www.lemonde.fr/international/article/2022/10/01/au-burkina-faso-l-armee-ne-reconnait-pas-le-coup-d-etat-militaire_6144020_3210.html , 1/10/2022 .

([18]-( " Coup d'État au Burkina: retour sur une journée tendue marquée par la démission de Damiba"  ,at ,  https://www.rfi.fr/fr/afrique/20221002-coup-d-%C3%A9tat-au-burkina-faso-calme-pr%C3%A9caire-dans-les-rues-de-ouagadougou , 2/10/2022 .

([19]( -Le Président de la Commission de l'Union Africaine condamne sans équivoque, la deuxieme prise de pouvoir par la force au Burkina Faso. , at , https://au.int/fr/pressreleases/20220930/chairperson-african-union-commission-unequivocally-condemns-second-takeover , 30/9/2022.

([20]( -"Burkina Faso : manifestation à Ouagadougou contre la délégation de la Cedeao" , at , https://www.jeuneafrique.com/1382314/politique/burkina-faso-manifestation-a-ouagadougou-contre-la-delegation-de-la-cedeao/ , 4/10/2022 .

([21]( -Damien Glez ; "Burkina Faso : qu’y a-t-il d’« anti-français » ou de « pro-russe » dans le putsch ?" , at , https://www.jeuneafrique.com/1381961/politique/burkina-faso-quy-a-t-il-d-anti-francais-ou-de-pro-russe-dans-le-putsch/ , 3/10/2022.

([22]( - Edward Mcallister ; " Who is Ibrahim Traore, the soldier behind Burkina Faso's latest coup?" , at , htt , at , ps://www.reuters.com/world/africa/who-is-ibrahim-traore-soldier-behind-burkina-fasos-latest-coup , 4/10/2022.

 

كتاب الموقع