interactive-geo-maps domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/qiraatafrican/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170issuem domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/qiraatafrican/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
يستعرض المقال اغتيال باتريس لومومبا بقراءة معاصرة، متتبعًا رحيل آخر المتهمين البلجيكيين، ومسيرة زعيم التحرر الكونغولي ونهايته المأساوية.
The post اغتيال باتريس لومومبا.. الحقيقة لم تُدفن بعد! ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>أعادت وفاة الدبلوماسي البلجيكي السابق إتيان دافينيون، فتح أحد أكثر الملفات قتامة في تاريخ الاستعمار البلجيكي لجمهورية الكونغو الديمقراطية، المتمثلة في اغتيال باتريس لومومبا، الزعيم الكونغولي وأول رئيس وزراء منتخب في بلاده.
وتوفي دافينيون، الإثنين 18 مايو 2026، عن عمر ناهز 93 عامًا، قبل مثوله للمحاكمة في قضية اغتيال باتريس لومومبا عام 1961، بعدما أصبح في مارس الماضي 2026 أول شخص يُوجَّه إليه اتهام رسمي في القضية التاريخية.
ورغم أن وفاة دافينيون تُسقط عمليًا آخر مسار جنائي مباشر في قضية اغتيال باتريس لومومبا، فإنها لا تبدو خاتمة لملف العدالة، بقدر ما قد تمثل بداية مرحلة جديدة من مساءلة الاستعمار الأوروبي لإفريقيا، سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.
ولم تكن أهمية الحدث مرتبطة فقط بكون دافينيون آخر المتهمين الأحياء الذين لاحقتهم عائلة لومومبا قضائيًا؛ بل لأن محاكمته المرتقبة كانت تمثل سابقة تاريخية؛ كأول محاكمة جنائية لمسؤول أوروبي متهم بالتورط في اغتيال سياسي ارتُكب في سياق استعماري، ومع موته، تبدو العدالة الجنائية وقد تعطلت، لكن معركة الحقيقة لم تنتهِ بعد.
وانطلاقًا من وفاة البلجيكي دافينيون، يتناول هذا المقال مسارات قضية اغتيال باتريس لومومبا، بدءًا من صعوده بوصفه أحد أبرز رموز التحرر الإفريقي ومشروعه السياسي الذي لم يُتح له الاكتمال، مرورًا بملابسات اغتياله وتشابك المسؤوليات الاستعمارية والدولية التي أحاطت بالجريمة، وصولا إلى الجهود القانونية المتأخرة لمحاسبة المتورطين، وما أثارته وفاة آخر المتهمين من أسئلة جديدة حول العدالة التاريخية.
كان القضاء البلجيكي قد قرر في مارس 2026 إحالة دافينيون إلى المحاكمة بتهم تتعلق بجرائم حرب، على خلفية اتهامه بالمشاركة في القتل خارج نطاق القانون للزعيم الكونغولي قبل 65 عامًا.
وجاءت الخطوة باعتبارها محاولة أخيرة لكشف ملابسات واحدة من أبرز الاغتيالات السياسية في القرن العشرين.
وقال الادعاء البلجيكي إن دافينيون، الذي كان يشغل -وقت اغتيال باترس لومومبا- منصب دبلوماسي مبتدئ، شارك في الاحتجاز غير القانوني للومومبا أو نقله، وحرمه من حقه في محاكمة عادلة ومحايدة.
كما وُجهت إليه اتهامات بالمشاركة في اغتيال اثنين من رفاق لومومبا الكونغوليين، هما موريس مبولو وجوزيف أوكيتو.

ونفى دافينيون جميع الاتهامات، وكان ينتظر البت في استئناف تقدم به ضد قرار إحالته إلى المحاكمة قبل وفاته.
وكانت عائلة لومومبا قد رحبت بقرار المحكمة البلجيكية حينها، معتبرة أن القضية لا تمثل نهاية معركة طويلة، بل “بداية مواجهة طالما طالب بها التاريخ”.
ومع وفاة دافينيون، تُغلق عمليًا القضية الجنائية، بعدما أكدت المحكمة أن الملفات المتعلقة ببقية المتهمين لن تبقى مفتوحة بسبب وفاتهم.
وبعد عمله في الكونغو الديمقراطية، أصبح دافينيون أحد أبرز الشخصيات النافذة داخل المؤسسة البلجيكية، حيث شغل منصب رئيس ديوان رئيس الوزراء البلجيكي بول-هنري سباك في أواخر الستينيات.
كما تولى منصب مفوض أوروبي بين عامي 1977 و1985، قبل أن يشغل مناصب إدارية في عدد من الشركات البلجيكية والأجنبية الكبرى.
لومومبا كان يتمتع بشعبية كبيرة وفصاحة وبطلاً للنضال المناهض للاستعمار، بلغ من العمر 36 عامًا فقط عندما أصبح أول رئيس وزراء للكونغو المستقلة في يونيو 1960.
لم تكن قضية لومومبا منفصلة عن الإرث الاستعماري البلجيكي الأوسع في الكونغو الديمقراطية، ذلك الإرث الذي بدأ منذ عهد الملك ليوبولد الثاني.
وخلال العقد الأخير، تصاعدت الضغوط داخل أوروبا وفي بلجيكا تحديدًا لإعادة تقييم الجرائم الاستعمارية، من تماثيل الملك ليوبولد الثاني إلى مطالب فتح الأرشيف وتقديم الاعتذارات والتعويضات.
فخلف أسوار متحف بليجكا الفخم المخصص للقارة الإفريقية انتصبت تماثيل الملك ليوبولد الثاني، حيث يلخص كل نصب تذكاري له ذكرى مقتل ما يقارب عشرة ملايين إفريقي خلال فترة حكمه.
وفي مؤتمر برلين (1884- 1885) ومؤتمر بروكسل 1889 تعهد مندوبو القوى الاستعمارية الأوروبية بالإضافة إلى الولايات المتحدة بالعمل على وقف الاتجار بالإفارقة المستعبدين، مع ذلك استخدم هذا التعهد كمبرر لتقسيم أفريقيا إلى مستعمرات أوروبية رسمية.
وبينما حصلت بريطانيا وفرنسا على أكبر عدد من المستعمرات، تم منح ملك بلجيكا ليوبولد وصاية على أكبر إقليم في أفريقيا (جمهورية الكونغو الديمقراطية) بمساحة تعادل كل غرب أوروبا.
وقد أشرفت بلاده بعد عقدين على أحد أشهر أنظمة العمل القسري في التاريخ البشري، مما أدى إلى وفاة نحو 10 ملايين شخص، يمثلون نصف سكان الكونغو وقتها.
وبعد عقود أصبحت قضية اغتيال باتريس لومومبا، بوصفها الجريمة السياسية الأكثر رمزية في هذا التاريخ، محورًا لهذا النقاش المتجدد.
كما أن إحياء الذكرى المئوية لميلاد لومومبا عام 2025، عبر معرض “لومومبا الخالد” في بروكسل، لم يكن مجرد حدث ثقافي، بل مؤشرًا على انتقال الرجل من خانة الضحية التاريخية إلى خانة الرمز السياسي العابر للحدود، الذي لا تزال أفكاره حول السيادة والوحدة الإفريقية والاستقلال تتردد بقوة في إفريقيا المعاصرة.
“إن الهدف الرئيسي الذي يجب السعي لتحقيقه، بما يخدم مصالح بلجيكا، هو القضاء النهائي على لومومبا.”
وثيقة رسمية بلجيكية أكتوبر 1960
وُلد باتريس إيمري لومومبا في 2 يوليو 1925 في قرية كاتانا كوركومبي الواقعة بإقليم كاساي في الكونغو الديمقراطية، ونشأ في بيئة خاضعة لسلطة الاستعمار البلجيكي المباشرة.
وتلقّى تعليمه الأولي في المدارس التبشيرية التي كانت تشرف عليها المؤسسات الدينية الأوروبية، قبل أن يلتحق لاحقًا بمدرسة متخصصة في تدريب موظفي البريد في ليوبولدفيل (الاسم الاستعماري السابق للعاصمة كينشاسا).
في سنوات شبابه، شهد لومومبا أقسى مظاهر التمييز العنصري التي فرضها النظام الاستعماري البلجيكي، حيث كان المجتمع الكونغولي مقسّمًا بصورة صارخة بين الأوروبيين البيض الذين يتمتعون بكامل الحقوق والامتيازات، وبين السكان الأصليين من الأفارقة الذين عانوا التهميش والإقصاء والاستغلال، وقد أسهم هذا الواقع القاسي في بلورة وعيه الوطني والسياسي في وقت مبكر.
وساعدته طبيعة عمله في قطاع البريد، التي تطلّبت منه التنقل المستمر بين مناطق مختلفة من البلاد، على بناء شبكة واسعة من العلاقات مع قبائل ومكونات اجتماعية متعددة، وهو ما مكّنه من فهم تعقيدات المجتمع الكونغولي وربط الخيوط بين القوى الوطنية الناشئة، تمهيدًا لتشكيل جبهة وطنية واسعة في مواجهة الهيمنة الاستعمارية.

وفي موازاة ذلك، سعى لومومبا إلى تطوير معارفه الذاتية، فدرس القانون والاقتصاد من خلال الممارسة العملية، واجتاز عددًا من الدورات التعليمية التي أهلته لفهم آليات الإدارة والحكم.
لكن صعوده المتزايد لم يغب عن أنظار السلطات الاستعمارية، التي رأت فيه شخصية قد تتحول إلى مصدر تهديد مباشر لمصالحها، فلفّقت له تهمة تتعلق بالسرقة بعد 11 عامًا من تعيينه في البريد، ليُودَع السجن في محاولة واضحة لكبح طموحه السياسي.
وخلال فترة اعتقاله، عاش لومومبا بنفسه صنوف الاضطهاد والإهانة التي كان يتعرض لها المواطنون الأفارقة تحت الحكم الاستعماري، الأمر الذي عمّق قناعته بضرورة النضال من أجل التحرر الوطني.
وبعد الإفراج عنه، اضطر إلى مزاولة أعمال متعددة لتأمين احتياجات أسرته، لكنه لم يتخلَّ عن نشاطه الفكري والسياسي.
في أغسطس 1958، قرر لومومبا التفرغ الكامل للعمل السياسي، في مرحلة كانت تشهد تصاعدًا لحركات التحرر في القارة الإفريقية.
وفي ديسمبر من العام نفسه، شارك في مؤتمر أكرا “مؤتمر الشعوب الإفريقية” بالعاصمة الغانية، الذي جمع عددًا من قادة الحركات الوطنية الإفريقية، وأسهم في ترسيخ الأفكار الوحدوية والتحررية التي مهدت لاحقًا لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963.
وشكّلت تلك المشاركة أول حضور فعلي للومومبا على الساحة الإفريقية، حيث نسج علاقات مع زعماء التحرر في القارة، وبدأ في ترسيخ صورته كأحد أبرز الأصوات المطالبة بالاستقلال الحقيقي.
مثّل لومومبا بالنسبة لكثير من الأفارقة نموذجًا مختلفًا للقيادة، زعيمًا وطنيًا يسعى لبناء دولة تتجاوز الانقسامات القبلية، ويرفض استمرار السيطرة الأجنبية على الموارد الوطنية، ويربط استقلال الكونغو الديمقراطية بمشروع أوسع للوحدة الإفريقية.
وقد عمّقت مشاركته في مؤتمر الوحدة الإفريقية في أكرا، ولقاؤه بقادة مثل زعيم غانا كوامي نكروما والمصري جمال عبد الناصر والغيني أحمد سيكو توري، اقتناعه بأن تحرر الكونغو جزء من تحرر القارة كلها.
لكن هذا المشروع اصطدم سريعًا بمصالح متعددة، بلجيكا التي لم تكن مستعدة للتخلي عن نفوذها الاقتصادي، والولايات المتحدة التي رأت في انفتاحه على الاتحاد السوفيتي خطرًا في ذروة الحرب الباردة، ونخب كونغولية محلية وجدت في إزاحته طريقًا للسلطة.
وعقب عودته مباشرة، أسّس حزب الحركة الوطنية الكونغولية، مستفيدًا من سماح السلطات البلجيكية آنذاك بهامش محدود من النشاط السياسي الوطني، في إطار سعيها إلى تمرير استقلال شكلي عبر نخب محلية موالية تحفظ مصالحها الاستراتيجية في البلاد.

لكن لومومبا خالف التوقعات الاستعمارية، إذ لم يقبل بفكرة الاستقلال الشكلي أو الحكم الموجَّه من الخارج، بل أعلن بوضوح أن هدف حزبه يتمثل في تحقيق الاستقلال الكامل للكونغو وبناء دولة موحدة تتجاوز الانقسامات العرقية والإقليمية التي غذّاها الاستعمار لعقود.
ومن خلال خطاباته الحماسية ومقالاته السياسية المنشورة في الصحف المحلية والدولية، فضح لومومبا جرائم الاستعمار البلجيكي، مستندًا إلى تقارير وإحصاءات رسمية كشفت حجم الثروات الهائلة التي نُهبت من الكونغو الديمقراطية وحُوّلت إلى بلجيكا، في وقت كانت فيه البلاد تعاني الفقر والتهميش رغم غناها الطبيعي الكبير.
اكتسب لومومبا شعبية متصاعدة في أوساط الشعب الكونغولي، وقاد عام 1959 موجة من المظاهرات والاحتجاجات الكبرى المناهضة للاستعمار البلجيكي، الأمر الذي دفع السلطات إلى اعتقاله مجددًا، حيث أمضى ستة أشهر في السجن.
غير أن اتساع نفوذه الشعبي، والحاجة إلى إنجاح مفاوضات الاستقلال، دفعا السلطات البلجيكية إلى الإفراج عنه للمشاركة في مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في العاصمة البلجيكية بروكسل، حيث نُقل مباشرة من السجن إلى قاعة المفاوضات.
وأسفرت تلك المفاوضات عن اتفاق تاريخي يقضي بمنح جمهورية الكونغو الديمقراطية استقلالها بعد نحو 80 عامًا من الاستعمار البلجيكي، مع الاتفاق على تنظيم أول انتخابات ديمقراطية في تاريخ البلاد.
في مايو 1960، شهدت الكونغو الديمقراطية أول انتخابات برلمانية تعددية، شارك فيها أكثر من مائة حزب سياسي، في مشهد يعكس حالة الحراك السياسي الكبير الذي رافق مرحلة الانتقال.
وحقق حزب الحركة الوطنية الكونغولية بقيادة لومومبا فوزًا كاسحًا، حاصدًا قرابة 90% من الأصوات، ما أكد حجم شعبيته وثقة الشارع الكونغولي في مشروعه الوطني.
وأمام الضغط الشعبي الكبير، وحرص بلجيكا على الحفاظ على صورتها أمام المجتمع الدولي، اضطرت بروكسل إلى تكليف لومومبا بتشكيل الحكومة، ليصبح في عمر 34 أول رئيس وزراء منتخب في تاريخ الكونغو المستقلة، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة حملت آمالاً واسعة بالتحرر والسيادة الوطنية.
وحين وقف باتريس لومومبا في 30 يونيو 1960 أمام الملك البلجيكي بودوان في مراسم استقلال الكونغو الديمقراطية، وألقى خطابه الشهير الذي فضح فيه “المعاناة التي لا توصف” تحت الحكم الاستعماري، لم يكن يدرك أن تلك الكلمات ستعجّل بنهايته السياسية والجسدية.
ففي مراسم إعلان الجمهورية الجديدة رسميًا اليوم داخل مبنى البرلمان، ألقى رئيس الوزراء باتريس لومومبا خطابًا هجوميًا حادًا ضد النظام الاستعماري البلجيكي، إلى درجة أن الملك بودوان كاد يقرر إنهاء مشاركته في احتفالات الاستقلال في تلك اللحظة، والعودة بطائرته إلى بلجيكا فورًا.
في هذا الخطاب قال لومومبا: “إن جراحنا ما تزال ومؤلمة أكثر من أن ننسى السخرية والإهانات والضربات التي اضطررنا لتحملها صباحًا ومساءً فقط لأننا سود.. لقد رأينا أراضينا تُنهب باسم قوانين لا تعترف إلا بحق الأقوى. وعرفنا قوانين تختلف بحسب ما إذا كانت تتعلق برجل أسود أو رجل أبيض.”
كما قال: “لقد عرفنا المعاناة المروعة لأولئك الذين سُجنوا بسبب آرائهم السياسية أو معتقداتهم الدينية، ولأولئك الذين نُفوا داخل وطنهم، وكان مصيرهم أسوأ من الموت نفسه (..) من ينسى السجون التي أُلقي فيها بعنف كل من رفض الخضوع لنظام من الظلم والقمع والاستغلال، كان هو الوسيلة التي استخدمها المستعمرون للسيطرة علينا؟”.

لكن في غضون شهر، اندلعت حرب أهلية، أشعل فتيلها محاولة انفصال مقاطعة كاتانغا الغنية بالنحاس، بقيادة مويس تشومبي، الذي جنَّد مرتزقة بلجيكيين وفرنسيين وجنوب إفريقيين لمحاربة حكومة لومومبا.
تدخلت قوات الأمم المتحدة في أكبر عملية لحفظ السلام نظمتها الأمم المتحدة منذ تأسيسها، لكنها لم تفعل سوى الحفاظ على الوضع الراهن.
في ذروة الصراع السياسي على السلطة بين الرئيس الكونغولي جوزيف كاسا فوبو ورئيس الوزراء باتريس لومومبا، تم عزل لومومبا في سبتمبر 1960، وتولى لاحقًا عقيد مجهول قاد انقلابًا عسكريًا، يدعى جوزيف ديزيريه موبوتو زمام الأمور في البلاد، التي أعاد تسميتها زائير، وغير اسمه إلى موبوتو سيسي سيكو، وحافظ لاحقًا على تحالف وثيق مع القوى الغربية طوال فترة حكمه حتى الإطاحة به في مايو 1997.
لاحقًا، أدرك لومومبا أنه عرضة للاغتيال في أيّة لحظة حتى أنه نُقل عنه قوله “إذا مت غدًا فسيكون السبب أن أبيض قد سلّح أسود.. مات لومومبا شابًا في سبيل الدفاع عن أمة عصرية”، فطلب الحماية والحراسة من قوات هيئة الأمم ولكنها تجاهلت طلبه، وبقي وحيداً في المعركة.
فاضطر لومومبا إلى اللجوء إلى معقل أنصاره في شمال البلاد قرب الغابة الممطرة ولكن العقيد موبوتو رئيس هيئة الأركان الذي كان حليفاً للومومبا سابقاً -وتحت التأثير القوي لسفير بلجيكا في الكونغو الديمقراطية آنذاك- قد انقلب ضده، واتهمه أمام كاميرات التلفزيون بأنه متعاطف بل مؤيد للشيوعية، كان موبوتو يريد بذلك التأييد والدعم من الولايات المتحدة.
“سيأتي يوم يقول فيه التاريخ كلمته، لكنه لن يكون التاريخ الذي يدرسونه في الأمم المتحدة، أو في واشنطن أو باريس أو بروكسل (..) ستكتب إفريقيا تاريخها الخاص، سيكون تاريخًا مليئًا بالمجد والكرامة.”
من وصية لومومبا التي كتبها في السجن قبل اغتياله
حاول لومومبا الهرب من معتقله لكن قُبض عليه في الطريق مع اثنين من أهم رفاقه هما نائب رئيس مجلس الشيوخ جوزيف أوكيتو، ووزير الإعلام موريس موبولو، بعد ذلك أمر موبوتو بسجن لومومبا ثم سلمه إلى عدوه تشومبي -الذي أعلن استقلال إقليم كاتانغا- بدل تسليمه إلى الحكومة الجديدة، وتشومبي سلمه فورًا إلى الجيش البلجيكي ونقلوا إلى سجن بلجيكي في سيارة جيب يقودها ضابط بلجيكي.
قام أنصار لومومبا بحرب ضد موبوتو فاحتلوا بسرعة ثلثي الكونغو الديمقراطية، لكن سيسي سيكو هزمهم بفضل الدعم الغربي واستولى على السلطة عام 1965 في انقلاب عسكري هو الأول من نوعه في إفريقيا في ذلك الوقت.
بعد اعتقاله، نُقل لومومبا إلى لوبومباشي عاصمة مقاطعة كاتانغا، حيث تعرض للتعذيب وأُعدم ورفيقاه موريس مبولو وجوزيف أوكيتو، رميًا بالرصاص في 17 يناير 1961.
وبعد اغتيال باتريس لومومبا، جرى إذابة جثمانه في الأسيد لإخفاء آثار الجريمة، بينما احتفظ شرطي بلجيكي بإحدى أسنانه كتذكار صادم.
لكن السؤال لم يكن يومًا: من ضغط على الزناد؟ بل من صنع الظروف السياسية والدبلوماسية التي جعلت اغتيال باتريس لومومبا ممكنًا؟
في مطلع الألفية الجديدة، خلص تحقيق برلماني بلجيكي إلى أن بعض المسؤولين البلجيكيين يتحملون “مسؤولية أخلاقية” عن الأحداث التي أدت إلى مقتله، فيما اعترفت الحكومة البلجيكية رسميًا بذلك لاحقًا، وقدمت اعتذارًا رمزيًا لعائلته وأعادت السن الذهبية للزعيم الكونغولي عام 2022.
كما سبق أن كشفت وثائق أمريكية عام 1975 أن وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) وضعت خططًا لاغتياله، تضمنت إرسال خبير سموم مع معجون أسنان سام، وإن لم تُنفذ الخطة فعليًا، بينما تولت قوات كونغولية مدعومة من بلجيكا تنفيذ عملية قتله.

وجاء في وثيقة وقعها وزير شؤون إفريقيا البلجيكي آنذاك، هارولد أسبرمونت ليندن، في أكتوبر 1960، بشكل صريح: “إن الهدف الرئيسي الذي يجب السعي لتحقيقه، بما يخدم مصالح الكونغو وكاتانغا وبلجيكا، هو القضاء النهائي على لومومبا”.
علاوة على ذلك، ظهرت لاحقًا شهادات تشير إلى احتمال تورط بريطاني غير مباشر، بعد أن نُقل عن ضابطة سابقة في جهاز الاستخبارات السرية البريطاني، قولها إنها “نظّمت الأمر”، رغم غياب دليل قاطع على المشاركة المباشرة.
هكذا، لم يكن اغتيال باتريس لومومبا مجرد تصفية شخصية، بل كان تقاطعًا بين مصالح استعمارية، وهواجس الحرب الباردة، وصراعات داخلية، أفضى إلى إجهاض أحد أكثر مشاريع الاستقلال الإفريقي طموحًا.
وبعد وفاته، أصبح لومومبا رمزًا للنضال ضد الاستعمار، وقد أُنشئت جامعة تحمل اسمه في موسكو، وأصبحت وجهةً للطلاب من العالم الثالث.
في وصيته السياسية، التي كتبها في السجن قبل وقت قصير من اغتياله، قال: “سيأتي يوم يقول فيه التاريخ كلمته، لكنه لن يكون التاريخ الذي يدرسونه في الأمم المتحدة، أو في واشنطن أو باريس أو بروكسل، بل التاريخ الذي يدرسونه في البلدان المتحررة من الاستعمار وعملائه (..) ستكتب إفريقيا تاريخها الخاص، سيكون تاريخًا مليئًا بالمجد والكرامة.”
لا تبكِ عليّ يا رفيقي؛ فأنا أعلم أن بلادي، التي تعاني الآن معاناةً شديدة، ستكون قادرة على الدفاع عن استقلالها وحريتها.. عاشت الكونغو! عاشت إفريقيا!
من رسالة لومومبا الأخيرة إلى زوجته بولين
تولى مهمة اغتيال باتريس لومومبا ضابط بلجيكي، وكان الحمض موجودًا في شاحنة مملوكة لشركة تعدين بلجيكية، التي كانت واحدة من الشركات الغربية التي ارتبط نشاطها باستغلال واسع للموارد الكونغولية خلال الحقبة الاستعمارية وما بعدها.
وقد اعترف الضابط بذلك في لقاء تلفزيوني أجري معه بعد سنوات من اغتيال الزعيم الأفريقي، وقال إنه احتفظ باثنين من أسنان لومومبا “كتذكار” لسنوات عدة، قبل أن يتخلص منهما بإلقائهما في بحر الشمال.
ظلّت اللحظات الأخيرة في حياة لومومبا محفورة في ذاكرة كل من عاصر تلك المرحلة، وفي هذا السياق، استعاد وزير الإعلام المصري الأسبق محمد فايق تلك المشاهد في كتابه “عبد الناصر والثورة الإفريقية“، واصفًا ما جرى بقوله:
“ما زلت أذكر منظر لومومبا وهو يساق إلى حفته، وكانت شاشات التلفزيون قد عرضت فيلمًا استطاع أحد المصورين التقاطه للومومبا بعد القبض عليه، كان مقيد اليدين يدفعه حراسه ويضربونه (..) كانت نظراته وملامحه تعكس كل معاني التحدي والشموخ والكبرياء”.
هكذا انتهت حياة باتريس لومومبا، لكن صورته لم تنطفئ، فقد تحوّل إلى رمز خالد للنضال الإفريقي ضد الاستعمار، وإلى أحد أبرز الشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للسعي نحو استقلال حقيقي وسيادة وطنية كاملة.
ولا يزال اسمه حتى اليوم حاضرًا في ذاكرة الشعوب الإفريقية بوصفه تجسيدًا لمعنى الكرامة الوطنية والمقاومة.
في رسالته الأخيرة 1960 كتب لومومبا إلى زوجته بولين: “لا تبكِ عليّ يا رفيقي؛ فأنا أعلم أن بلادي، التي تعاني الآن معاناةً شديدة، ستكون قادرة على الدفاع عن استقلالها وحريتها.. عاشت الكونغو عاشت إفريقيا”.
قبيل اعتقال باتريس لومومبا، ومع تصاعد المؤشرات على أنه أصبح هدفًا مباشرًا لقوى داخلية وخارجية تسعى إلى تصفيته، تحركت القاهرة سريعًا لتأمين أسرته، في واحدة من أبرز عمليات الدعم المصري لحركات التحرر الإفريقية خلال القرن العشرين.
ووفقًا لما أورده محمد فايق في كتابه “عبد الناصر والثورة الإفريقية“، صدر القرار بتوجيه مباشر من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، الذي نظر إلى حماية عائلة لومومبا باعتبارها جزءًا من التزام مصر السياسي والأخلاقي تجاه معارك التحرر في القارة.

لعب الصاغ (الرائد) سعد الدين الشاذلي، الذي كان يشغل آنذاك موقعًا قياديًا ضمن القوات المصرية المشاركة في بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في الكونغو الديمقراطية، دورًا محوريًا في تنفيذ العملية.
أشرف الجنرال الشاذلي على خطة ميدانية دقيقة لتأمين إخراج الأسرة، ودفع بعناصر من قوات الصاعقة المصرية إلى محيط المطار، مستفيدًا من الغطاء الأممي لتجاوز الرقابة المشددة التي فرضتها قوات الأمم المتحدة وقوات جوزيف موبوتو، مع تعليمات واضحة بإنجاح المهمة مهما كانت المخاطر.

وبالتوازي، تولّى الدبلوماسي والأكاديمي المصري عبد العزيز إسحق، مستشار السفارة المصرية في ليوبولدفيل (كينشاسا حاليًا)، الجانب اللوجستي من العملية.
وكان إسحق، الذي تربطه علاقة شخصية بلومومبا، قد أعدّ خطة سرية لتهريب أبنائه الثلاثة عبر سيارة تابعة للأمم المتحدة، مستخدمًا جواز سفر مصريًا تضمّن بيانات مزورة تفيد بأن الأطفال أبناؤه، بعد منحهم أسماء عربية مستعارة وإخفاء هوياتهم بعناية لتفادي اكتشافهم.
نجحت العملية في إيصال أبناء لومومبا إلى القاهرة سالمين، حيث وفّرت لهم الدولة المصرية الحماية والإقامة، قبل أن تلتحق بهم والدتهم لاحقًا.
التحق أبناء لومومبا بمدارس فرنسية في القاهرة، وعاشوا بعيدًا عن أي محاولات للملاحقة أو الاستغلال السياسي من قبل القوى التي شاركت في تصفية والدهم، بينما وفّرت لهم مصر بيئة آمنة ومستقرة، تعكس التزامها الأخلاقي والسياسي تجاه رموز النضال الإفريقي.
لم تقتصر رمزية لومومبا على المجال السياسي ، بل امتدت أيضًا إلى الثقافة الشعبية والفضاء الرياضي؛ فبطولة كأس الأمم الإفريقية “كان 2025” شهدت حضورًا لافتًا لرمزية الزعيم الإفريقي خارج إطار المنافسات الرياضية، بعدما لفت مشجع منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، ميشيل كاكو أومانجيلا، الأنظار بتجسيده هيئة الزعيم الكونغولي الراحل في مدرجات البطولة.
وأعاد أومانجيلا، البالغ من العمر 26 عامًا، تقديم صورة لومومبا بوصفه أحد أبرز رموز الاستقلال الوطني في الكونغو، من خلال وقوفه طوال مباراة منتخب بلاده أمام الجزائر دون حركة، رافعًا ذراعه في وضعية ثابتة، محافظًا على ملامح وجه جامدة طوال الوقت الأصلي للمباراة والوقت الإضافي.
ولم يقتصر هذا الحضور الرمزي على مباراة واحدة، إذ كرر المشجع الكونغولي هذا الأداء خلال المباريات الأربع التي خاضها منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية في البطولة، ليصبح أحد أبرز الوجوه المرتبطة بذاكرة “كان 2025″، في مشهد عكس استمرار حضور لومومبا في الوعي الشعبي الكونغولي بوصفه رمزًا سياسيًا وتاريخيًا يتجاوز الأجيال.

لأكثر من أربعة عقود، بقي ملف اغتيال باتريس لومومبا في دائرة الاعتراف الأخلاقي دون مساءلة قانونية، لكن الشكوى التي تقدم بها فرانسوا نجل لومومبا، عام 2011، ضد عشرة مسؤولين بلجيكيين غيّرت مسار القضية.
في شكواه اتهم فرانسوا، الدولة البلجيكية بارتكاب جرائم حرب وتعذيب، وبأنها كانت جزءًا من مؤامرة تهدف إلى القضاء السياسي والجسدي على والده.
وبعد سنوات من التحقيق، قررت محكمة بروكسل في مارس 2026 إحالة إتيان دافينيون إلى المحاكمة بتهم تتعلق بجرائم حرب، تشمل الاحتجاز غير القانوني، والنقل القسري، والحرمان من محاكمة عادلة، والمعاملة المهينة.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها نقلت النقاش من سؤال “هل تتحمل بلجيكا مسؤولية أخلاقية؟” إلى “هل يمكن محاسبة أفراد خدموا الدولة الاستعمارية جنائيًا؟”.
من الناحية القانونية، نعم؛ فقد أكدت المحكمة البلجيكية أن وفاة دافينيون تُنهي الإجراءات الجنائية، ولن تبقى الملفات مفتوحة ضد متهمين متوفين.
لكن عائلة لومومبا وفريقها القانوني يرفضون اعتبار ذلك نهاية المعركة، فقد أعلنوا نيتهم رفع دعوى مدنية ضد الدولة البلجيكية نفسها، مؤكدين أن المسؤولية لا تتعلق بالأفراد فقط، بل بالبنية السياسية التي أنتجت الجريمة.

وهنا تكمن المفارقة، قد يؤدي موت آخر المتهمين إلى تحويل القضية من ملف جنائي محدود إلى قضية دولة كاملة، بما يحمله ذلك من آثار قانونية ورمزية أكبر.
قد لا يحصل الكونغوليون على الحكم الجنائي الذي انتظروه أكثر من ستة عقود، وقد لا تُعرف كل تفاصيل المؤامرة التي أودت بحياة لومومبا، لكن مجرد وصول القضية إلى عتبة المحاكمة، حتى وإن تعطلت بوفاة المتهم، يمثل تحولاً مهمًا في علاقة أوروبا بماضيها الاستعماري.
ولقد انتقلت قضية اغتيال باتريس لومومبا من ذاكرة جريحة إلى ملف سياسي وقانوني مفتوح، ومن قصة اغتيال فرد إلى سؤال أوسع عن العدالة التاريخية.
وربما تكون المفارقة الأهم أن الرجل الذي أُريد له أن يُمحى من التاريخ، عبر القتل ثم إذابة الجثمان، عاد اليوم ليصبح أكثر حضورًا من كثير من خصومه: ليس فقط بوصفه شهيدًا كونغوليًا، بل كرمز إفريقي خالد لمعركة لم تنتهِ بعد: معركة السيادة، والكرامة، والحقيقة.
يبقى اغتيال باتريس لومومبا، رغم مرور الزمن، حقيقة لم تدفن بعد، ويبقى الزعيم الكونغولي شاهدًا دائمًا على أن التحرر السياسي لا يكتمل دون استقلال فعلي في القرار الوطني، وأن ذاكرة الشعوب قد تتأخر، لكنها لا تنسى.
The post اغتيال باتريس لومومبا.. الحقيقة لم تُدفن بعد! ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
حلَّ اسم رجل الأعمال النيجيري أليكو دانجوتي Aliko Dangote، مُؤسِّس مجموعة أليكو Aliko Group، في قائمة مجلة التايم الشهيرة لأهم 100 شخصية في العالم عن العام 2026، وجاء ذلك للمرة الثانية بعد ظهوره فيها في العام 2014. وحل اسم دانجوتي وسط اللائحة التي ضمَّت سوندر بيشاي (جوجل)، والرئيس الصيني شي جينبنج، والأمريكي دونالد ترامب.
The post أليكو دانجوتي: تجربة نجاح فردية في اقتصاد هشّ ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>حلَّ اسم رجل الأعمال النيجيري أليكو دانجوتي Aliko Dangote، مُؤسِّس مجموعة أليكو Aliko Group، في قائمة مجلة التايم الشهيرة لأهم 100 شخصية في العالم عن العام 2026، وجاء ذلك للمرة الثانية بعد ظهوره فيها في العام 2014. وحل اسم دانجوتي وسط اللائحة التي ضمَّت سوندر بيشاي (جوجل)، والرئيس الصيني شي جينبنج، والأمريكي دونالد ترامب.
وتتمثل أعمال دانجوتي الرئيسة في مصفاة بترول ضخمة بسعة يومية 650 ألف برميل (وبقيمة سوقية في منتصف أبريل 2026 تبلغ نحو 20 بليون دولار). وتمثل قصة صعود دانجوتي تجربة استثنائية لرجل أعمال يُصنَّف الأغنى في إفريقيا وليس في نيجيريا فقط، فيما يعاني اقتصاد الأخيرة من اختلالات هيكلية مزمنة تعوق تقدُّمه ونجاحه بمستويات مقاربة لتجربة دانجوتي الفردية، وذلك على سبيل المقارنة المجردة فحسب.
وبينما يتصاعد نمو مجموعة دانجوتي بخطوات عملية ومتسارعة للغاية وفق خطة المجموعة الإستراتيجية حتى العام 2030 (وبلمسة دعائية واضحة لا تخلو منها مثل هذه الخطط)، بادرت الرئاسة النيجيرية في منتصف أبريل الجاري (15 أبريل Nigerian Tribune) إلى توظيف سياسي تقليدي بإعلان أن “نيجيريا في مسار النمو بمستوى أسرع من العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى في العام 2026″؛ في إشارة منها لتوقعات صندوق النقد الدولي.
ولفتت الرئاسة إلى تلك التوقعات ( IMF’s April 2026 World Economic Outlook) التي أشارت لتوقع نمو اقتصاد نيجيريا بنسبة 4.1% في العام 2026، وهو ما يتجاوز معدلات نمو الولايات المتحدة (2.3%)، والمملكة المتحدة (0.8%)، وجنوب إفريقيا (1.0%)، على أن يتجاوز النمو في نيجيريا في العام 2027 الرقم السابق ليصل إلى 4.3%، وأن نيجيريا بين “أقوى الاقتصادات من جهة الأداء في إفريقيا جنوب الصحراء”.
وُلِدَ أليكو دانجوتي في أبريل 1957 في مدينة كانو في شمالي نيجيريا في عائلة تجار أثرياء، واهتم بالأعمال والتجارة منذ نعومة أظفاره، وعلى سبيل المثال فقد اتَّجر في صناديق السكر وهو في المدرسة الابتدائية، وتمكَّن من تحقيق ربح معقول منها. وعزَّز دانجوتي توجُّهاته تلك بالالتحاق بجامعة الأزهر بالقاهرة التي تخرج منها حاملًا درجة البكالوريوس في الأعمال في العام 1977.
وأصقلته تجربته تلك في القاهرة ليعود إلى بلاده حاملًا خبرة تعليمية مهمة؛ وفي العام التالي (1978) استخدم قرضًا من أحد أخواله (سنوسي عبد القادر دانتاتا) بقيمة تعادل 3000 دولار لبدء عمل شركة تجارية في المواد الغذائية مثل الأرز والزيوت النباتية. وفي مايو 1981 أسَّس مجموعة دانجوتي، ووسَّع من خلالها أنشطته لتشمل شراء الشاحنات، واستيراد الإسمنت، والنقل. ثم دخل في أعمال تتعلق بالأسماك والدقيق والملح وتوزيع السكر في أرجاء شمالي نيجيريا.
وعلى خلاف هذه السلاسة المضطردة في تحقيق توسُّع كبير في أعماله؛ عانى أليكو دانجوتي في الثمانينيات والتسعينيات من مصاعب في العمل بسبب تعاقب الحكام المستبدين وتكرار الانقلابات العسكرية التي أثَّرت سلبًا على تطور اقتصاد نيجيريا في هذين العقدين.
وتغيرت هذه البيئة نسبيًّا بعد وصول الرئيس أولوسيجن أوباسانجو Olusegun Obasanjo لرئاسة البلاد (1999)، وهي الفرصة التي انتهزها أليكو دانجوتي لتطوير أعماله لتشمل القطاع الصناعي وعدم الاكتفاء باستيراد السلع.
كما دخلت مجموعة دانجوتي في قطاع التشييد، وقامت بتشييد مجموعة من مطاحن الدقيق ومصنع لإنتاج السكر وآخر للباستا. وسرعان ما استحوذت المجموعة في العام 2000 على شركة بينو للإسمنت Benue Cement Company التي كانت مملوكة للحكومة النيجيرية. وبالتدريج بات مصنع أوباجانا للإسمنت Obajana Cement Plant المملوك للمجموعة أكبر مصنع من نوعه في إفريقيا جنوب الصحراء (ويعمل الآن أكثر من 26 ألف شخص في هذه المجموعة في نيجيريا وحدها، وتُعدّ أكبر مجموعة صناعية في غرب إفريقيا ككل).
وللمفارقة فإن صلات أليكو دانجوتي بالقاهرة لم تنقطع بعد تخرُّجه في واحدة من أعرق جامعاتها، والتي لها مكانة خاصة لدى نُخَب إفريقية متنوعة، فقد وُصِفَ دانجوتي بالزائر المنتظم للقاهرة إما لفاعليات اقتصادية قارية مهمة (مثل زيارته لها في نهاية العام 2025 لحضور مناقشات تتعلق بسبل تطوير قطاعات مواد البناء والتشييد والأدوية وتكرير البترول في إفريقيا)، أو بغرض توسيع نطاق عمل مجموعته؛ لا سيما في إطار مبادراتها للتوسع في قطاع الأدوية في مصر.
أما بالنسبة لمسيرته العملية في بلاده فقد كان أليكو دانجوتي، طوال أغلب فترات حياته، على علاقة وثيقة بزعماء نيجيريا السياسيين والاقتصاديين، الذين دعموا مصانعه، والتي تعمل بدورها على تعزيز الاقتصاد. لكن الأمر لم يكن كذلك مع الرئيس الحالي بولا أحمد تينوبو الذي تولَّى منصبه العام 2023. ففي يناير 2024، داهمت لجنة مكافحة الفساد مكاتب مجموعة دانجوتي كجزء من تحقيق في تعاملات الصرف الأجنبي التي أجراها مسؤول سابق فيما وصفت مجموعة دانجوتي الزيارة بأنها “إحراج غير مبرر”، وقالت: إنها لم تُتَّهم بارتكاب مخالفات.
أما الروابط التي تربط أليكو دانجوتي بوطنه فهي عميقة؛ إذ يعيش في نفس المنزل، وهو قصر في لاجوس، منذ 34 عامًا، لكن استثماراته -مثل أغلب الأثرياء-، لا تحمل جنسية واحدة، وإنما تُدار من خلال كيان مقره جزر كايمان يسمى جرينفيو، ومِن ثَم فإنها محمية بصورة أو بأخرى في دولة عُرِفَتْ باحتلال مواقع بارزة في قوائم أكثر الدول فسادًا في العالم لسنوات متواصلة.

تقدّم مجموعة دانجوتي نفسها على أنها عملاق اقتصادي متنوّع ومتكامل بشكل تام مع تجاوز عائداتها منذ العام 2016 حاجز 4 بلايين دولار بفضل عمليات مشروعات هامة في نيجيريا وإفريقيا في قطاعات متنوعة للغاية تتراوح بين الإسمنت والسكر والملح والتعبئة والطاقة، وتشغيل الموانئ والأسمدة والبتروكيماويات.
كما تُركّز المجموعة على تقديم منتجات وخدمات محلية وذات قيمة مضافة وتُلبّي الحاجات الأساسية للسكان عبر تشييد وتشغيل مرافق تصنيع ضخمة في المناطق التي تعمل بها، ولا سيما في نيجيريا. كما تُركّز المجموعة على بناء قدرة تصنيع محلي لخَلْق فرص عمل وخفض هروب رأس المال (من نيجيريا) وزيادة إضافة القيمة المحلية.
وقد صنّفت جهات دولية عدة أليكو دانجوتي باعتباره أغنى رجل في إفريقيا بحجم ثروة يبلغ 29 بليون دولار (بتقديرات 17 أبريل 2026، بحسب فوربس)، وأن مصنعه “دانجوتي للإسمنت” “هو أكبر مُنتِج للإسمنت في إفريقيا” حاليًّا؛ كما يملك دانجوتي 85% من الأسهم المتداولة لدانجوتي للإسمنت من خلال إحدى الشركات القابضة بالمجموعة.
وتنتج دانجوتي للإسمنت 48.6 مليون طن متري من الإسمنت سنويًّا، وتعمل عبر شركات تابعة في 10 دول إفريقية أخرى. ووسعت المجموعة أنشطته في قطاع الأسمدة في العام 2022؛ حيث بدأ مصنع المجموعة العمل في مارس من هذا العام بقدرة إنتاجية كبيرة.
ومن الواضح أن المجموعة كانت تتبنَّى مشروعات الاستثمار بعيدة المدى؛ ويتضح ذلك في بدء تشييد مصفاة دانجوتي لتكرير البترول في العام 2016 فيما بدأت عمليات التكرير فعلًا في مطلع العام 2024.
وإجمالًا، فإن المجموعة تعمل على تعميق الاستثمارات طويلة الأجل بشكل جوهري، وعلى سبيل المثال فإن المشروع الأكثر طموحًا في مسيرته بدأ قبل عقد تقريبًا، حين أطلق مجمع دانجوتي للتكرير والتبروكيماويات Dangote Refinery & Petrochemical Complex في ليكي، وهو اليوم أكبر مصفاة أحادية الخط في العالم بطاقة معالجة 650 ألف برميل يوميًّا بتكلفة تتجاوز 19– 20 مليار دولار.
وافتُتِحَت رسميًّا في مايو 2023، وتوقّع عند بدء العمل بها أن يُغطّي إنتاجها كامل احتياجات نيجيريا من الوقود، وأن يُحوّلها إلى مصدر مصدر للطاقة المكررة والصادرات، مُحدثًا تغييرات مالية كبرى في ميزان المدفوعات الوطني، بالنظر إلى حصة الواردات البترولية المكررة الكبيرة من موازنة نيجيريا.
وإدراكًا من أليكو دانجوتي لأهمية العمل الاجتماعي؛ أسَّس مؤسسة دانجوتي Dangote Foundation في العام 1994؛ لتكون ذراع المسؤولية الاجتماعية بمجموعة أليكو دانجوتي، وتشارك هذه المؤسسة في دعم التمكين التعليمي والاجتماعي والسياسي والصحة. وقدَّمت المؤسسة منذ تأسيسها أكثر من 100 مليون دولار مساعدات إنسانية داخل نيجيريا وخارجها (في إفريقيا جنوب الصحراء تحديدًا).
وبحسب الموقع الرسمي للمجموعة؛ فإن “مؤسسة دانجوتي” تهدف إلى “تعزيز فرص التغيير الاجتماعي عبر استثمارات إستراتيجية تُحسِّن الصحة ومستوى المعيشة، وتُعزّز التعليم الجيد، وفرص التمكين الاقتصادي. وقد أصبحت المؤسسة بعد أكثر من 20 عامًا من تكوينها أكبر مؤسسة خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء وأكبر مُقدّم إفريقي فردي للمساعدات الإنسانية في تلك المنطقة.
وتسهم المؤسسة في تعزيز التنمية البشرية في قطاعات الصحة؛ (حيث تصل مساعداتها مباشرة إلى نحو مليون أسرة، مع التركيز على حالات سوء التغذية بين الأطفال)، كما تعمل المؤسسة في قطاع الصحة في شراكات قارية “من أجل إفريقيا أفضل”.
وكذلك في قطاع التعليم ودعم الجامعات النيجيرية بمِنَح متنوعة تتجاوز بليون نيرا (ما يقرب من 750 ألف دولار)، وبناء مبنى سكني لطلاب جامعة أحمد بيلو ABU في زاريا يتسع لاستضافة 2160 طالبًا؛ كما تركز المؤسسة على تقديم مساعدات الإغاثة الإنسانية.
بحسب تقارير إعلامية ظهرت مؤخرًا (15 أبريل)؛ فإن لدانجوتي خططًا طموحة للغاية بحلول العام 2030؛ وتشمل هذه الخطط، والتي عرضها في زيارته الأخيرة للقاهرة في 31 مارس 2026 ضمن إستراتيجية النمو لشركته أمام بنك التصدير والاستيراد الإفريقي، وصول مجموعة دانجوتي المحدودة للصناعات إلى عائدات سنوية بقيمة 100 بليون دولار بحلول العام 2030، وهو ما يفوق الرقم الحالي بنحو ثلاثة أضعاف.
وتضع هذه الخطة، التي جاءت تحت عنوان “رؤية 2030: إعادة الشحن الفائق لمجموعة أليكو دانجوتي من أجل نجاح بعيد المدى” Vision 2030: Supercharging Dangote Group for Long Term Success، الأساس لتوسع على مرحلتين من 2025 إلى 2028، ثم من 2028 إلى 2030، وأنها تتطلب –حسب دانجوتي- ما لا يقل عن 40 بليون دولار من الاستثمارات الجديدة التي يجب ضخها.
وإلى جانب القطاعات الرئيسة التي تعمل فيها المجموعة حاليًّا (الإسمنت والسكر والملح والأسمدة وتكرير البترول)؛ فإنها تعتزم مدّ نشاطها بقوة إلى الغاز والتعدين والموانئ وخطوط الأنابيب وتوليد الطاقة ومراكز البيانات.
إضافة إلى ذلك، فإن مجموعة أليكو دانجوتي تستهدف رفع القدرة الإنتاجية لمصفاة تكرير دانجوتي من 650 ألف برميل في اليوم إلى 1.4 مليون برميل في اليوم، ومضاعفة إنتاج الأسمدة أربعة أضعاف (من 3 ملايين طن إلى 12 مليون طن سنويًّا)، الأمر الذي سيجعل المجموعة عند تحققه أكبر مُنتِج في العالم لسماد اليوريا، الأمر الذي قد يُسهم في إعادة تشكيل إمدادات الطاقة العالمية بحسب هذه التقارير.
وبغضّ النظر عن سقف طموحات مجموعة أليكو دانجوتي وواقعيتها، أو ارتباطها بأغراض دعائية (لا سيما أن دانجوتي حصل على قروض من بنك التصدير والاستيراد الإفريقي خلال الفعالية الأخيرة بالقاهرة مارس 2026 دون هذه التوقعات بكثير مع قرب نهاية الفترة المحددة للرؤية 2030). فإن نجاح المجموعة في تشبيك علاقات العمل في نيجيريا وإفريقيا والتأكيد على أهمية الاستثمارات الإفريقية المتنوعة (ومنها مشروع أسمدة في إثيوبيا بقيمة 2.5 بليون دولار على سبيل المثال)، في تعزيز هذا التشبيك أو الترابط المتزايد يُضيف ميزة نسبية للقطاع الخاص/ الفردي بعيدًا عن تعقيدات العلاقات “الحكومية” وضوابطها، وكذلك صعوبات التمويل المزمنة في القارة الإفريقية؛ مما يُقدّم مثالًا على إمكانية الحركة بشكل أسرع في مشروعات التكامل الإقليمي الإفريقي من بوابة نماذج مجموعة دانجوتي وغيرها.
The post أليكو دانجوتي: تجربة نجاح فردية في اقتصاد هشّ ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
تأتي مسألة مؤسسة الرق في إفريقيا، واضطلاع فئات وعناصر "إفريقية" موزعة جغرافيًّا في أرجاء القارة، وفي سياقات تاريخية متغيرة، سواء قبل قدوم الاستعمار الأوروبي أم بعده، بدور في هذه التجارة، في قلب الجدل الدائرة حاليًّا حول مطالب إفريقيا بالتعويضات عن هذه الحقبة، لصالح الشعوب الإفريقية بطبيعة الحال.
The post أحمد بابا التنبكتي: آراء في مؤسسة الرق في إفريقيا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>تأتي مسألة مؤسسة الرق في إفريقيا، واضطلاع فئات وعناصر “إفريقية” موزعة جغرافيًّا في أرجاء القارة، وفي سياقات تاريخية متغيرة، سواء قبل قدوم الاستعمار الأوروبي أم بعده، بدور في هذه التجارة، في قلب الجدل الدائرة حاليًّا حول مطالب إفريقيا بالتعويضات عن هذه الحقبة، لصالح الشعوب الإفريقية بطبيعة الحال.
وقد يفيد فَهْم هذه السياقات في تحقيق رؤية أعمق وأكثر موضوعية لمؤسسة الرق، وربما لفهم التطور الحاد في تجارة الرق من سواحل غرب إفريقيا إلى الأمريكيتين بعد ترسيخ الأوروبيين أقدامهم في القارة.
ويهدف المقال إلى تبيُّن آراء وفتاوى المؤرخ والفقيه أحمد بابا التنبكتي (1556- 1627م) في الرق، ووضعها في السياق التاريخي الهام الذي جاءت فيه (مع توغُّل الشركات الأوروبية المختلفة في غرب إفريقيا وإطلاقها حركة نقل العبيد الأفارقة من الإقليم إلى الأمريكيتين)؛ الأمر الذي قد يضع أمامنا حقائق مهمة ليس أقلها أن “مؤسسة الرق” كانت في جانب منها إفريقية، وهو الجانب الذي عوَّلت عليه الإمبريالية ثم الاستعمار الأوروبي في تطوير مؤسسة الرق وصولًا إلى عملية نهب منتظمة.
ويُفكّك في المحصلة، بحسب الرؤية القائمة هنا، بعض أُسس هذه المؤسسة أملًا في تحقيق فهم أكبر لمسائل مثل اضطلاع العرب والمسلمين (حصرًا) بتجارة العبيد في إفريقيا قبل الاستعمار الأوروبي، وإغفال دور قبائل إفريقية كبيرة في هذه التجارة، وحدود الانتقال مما يمكن وصفه بتجارة العبيد “التقليدية” إلى تجارة حديثة وواسعة وبمستويات استنزاف بشري مرتفعة قادت إلى اختلالات مجتمعية وسكانية واضحة في مراكز استقدام العبيد.
ولا تُعدّ المسألة منقطعة الصلة عن تطورات راهنة؛ إذ يُعزّز فهم “مؤسسة الرق” تاريخيًّا الإحاطة الأوسع بالإشكالية الحالية في جهود دول القارة لتدويل القضية والمطالبة بتعويضات، كان من آخرها استصدار قرار أممي (25 مارس 2026م) يُعلن أن “الاتجار بالأفارقة المستعبدين واسترقاق الأفارقة واتخاذهم متاعًا بمُبرّر عِرْقي هو أفظع جريمة ارتُكِبَت ضد الإنسانية”([1])، وقد قدَّمت “غانا” القرار بدعم من 60 دولة من بينها تسع دول عربية-إفريقية (السودان، جيبوتي، الصومال، مصر، المغرب، موريتانيا، الجزائر، تونس، جزر القمر، وباستثناء لافت لليبيا)، بينما عارضت القرار، على نحو غير مباغت لمتابعي السياسات الأمريكية-الصهيونية في إفريقيا، كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين، وامتنعت 52 دولة عن التصويت من بينها جميع الدول الأوروبية واليابان وعدد من الدول الصغيرة إضافة إلى دولة عربية واحدة، وهي سلطنة عمان التي كان لها حضور تاريخي ممتد في اقتصاد عالم المحيط الهندي، وهو المقابل الجغرافي والتاريخي لعالم المحيط الأطلنطي وتجارة الرقيق به.
أحمد بابا التنبكتي: المؤرخ ابن عصره؟
إجابة بديهية أن يكون المؤرخ ابن عصره، بوعي أو بدونه، وكذا بمحصلة نتاج واعٍ وناقد أم ناقل أسير لما قال به سابقون. وقد نشأ أحمد بابا التنبكتي (أو أحمد باب حسبما ينطقه المغاربة والموريتانيون كما أورد الأستاذ محمد مطيع في مقدمة تحقيقه لكتاب “كفاية المحتاج لمعرفة من ليس له في الديباج”) في مدينة تمبكتو في ظل حكم أسكي داود (1459- 1537 تقريبًا) وسط أسرة آل أقيت التي اشتهرت بالعلم والصلاح وتولّي أمور القضاء والإمامة. وكانت تمبكتو([2]) حينذاك من أهم مدن مملكة سُنغي منذ عقود قبل ميلاده، وأرجع مؤرخون إسلام أهلها إلى القرن الحادي عشر الميلادي، ووصفها المؤرخ عبد الرحمن السعدي في كتابه “تاريخ السودان” بأنها لم تأتها الحضارة إلا من المغرب “لا في الديانة ولا في المعاملات”([3]).
وتلقّى التنبكتي تعليمه في البيئة السودانية التكرورية على يد والده الذي أخذ عنه الحديث سماعًا، وكان مما درس عليه: الصحيحان وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وغيرهما، كما أجازه من مكة الشيخ يحيي بن محمد الحطاب، وكان أبرز أساتذته، بحسب تتبُّع الدكتور عبد الحميد الهرامة مُحقّق كتابه “نيل الابتهاج بتطريز الديباج” (طرابلس، 2000)، محمد بغيغ (وهو محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري التنبكتي المعروف ببغيغ، وُلِدَ 930هـ، وتوفي سنة 1002هـ) “الذي لازمه سنتين قرأ عليه فيهما علوم التفسير والحديث والفقه والأصول العربية والبيان والتصوف والتنجيم والمنطق والعروض وغيره من كُتب تُعدّ أمهات في بابها يزيد عددها عن أربعة وعشرين كتابًا ذكَرها مُفصّلة ضمن ترجمته الواردة في كتابه “كفاية المحتاج”([4]).
وأجمع مَن ترجَم له على وصفه بالعلامة الحافظ، والمُحدّث المؤرخ، الذي يصل نسبه إلى أبي بكر بن عمر الصنهاجي الذي يرجح بعض المؤرخين أن يكون هو مُؤسِّس الدولة المرابطية. وقد وُلِدَ بـ”أروان” الواقعة على الطريق التجاري الرابطة بين تنبكت وتوات. وبعد سقوط إمبراطورية السنغاي عام 1591م واستيلاء الجيش المغربي على مدينة تنبكت وقع هو وأهله في الأسر على يد القائد المغربي محمد زرقون، وجيء بهم في الأغلال إلى مراكش التي دخلوها سنة 1594م، وظلوا في السجن لمدة عامين قبل إطلاق سراحهم واستقرارهم في مراكش في حكم الإقامة الجبرية لمدة اثنتي عشرة عامًا أخرى، ولم يُسمح له وآله بمغادرة المغرب إلا بعد وفاة السلطان أحمد المنصور وتولي ابنه –وتلميذ أحمد بابا- المولى زيدان الحكم سنة 1607م، وكانت عودة أحمد بابا إلى تنبكت في العام 1608م ليستقر بها حتى وفاته في أبريل 1627م([5]). ولفت هانويك Hunwick (2003م) إلى تمكين السلطان زيدان بابا أحمد من التدريس في “جامع الشرفاء”، وسُمِحَ له بإعطاء الفتوى([6]).
ويُلاحِظ بروفيسور شوقي الجمل، في بحثه عن “التمبكتي” في ضوء بعض مخطوطاته بدار الوثائق بالرباط([7])، أن الأخير قد نشأ في بيت علم وصلاح “توارث العلم فيه نحو خمسمائة سنة، وأنه “قد ذكر في نيل الابتهاج بالذيل على الديباج” جماعة من أقاربه الذين تقدَّموا في العلم وعرفوا به، وتولوا خطة القضاء في بلدهم، وهم يتعدون الحصر.
آراء التنبكتي في أحكام “الرق”:
حقَّقت فاطمة الحراق وجون هانويك نصًّا مهمًّا جمَعا فيه أجوبة أحمد بابا التنبكتي حول الاسترقاق([8])، وتضمن النص مقدمة مهمة حول مؤسسة الرق في “الغرب الإسلامي” من جهة تناولها القواعد الشرعية التي كانت تحكم ممارسة الاسترقاق هناك كما وردت في عدد من المُسائل والمناقشات التي تبادلها علماء هذه المنطقة فيما بينهم أو مع أولي الأمر.
وتأتي أهمية النص من وعيه بأنه استكمال لعدد من النصوص المُؤسّسة في هذا الباب، مثل أجوبة محمد بن عبد الكريم المغيلي (ت: 1503م)، وجلال الدين السيوطي (ت: 1505م) على أسئلة الأمين الحاج محمد أسكيا السنغي، وأن هذه النصوص مجتمعة تُشكّل مصدرًا أساسيًّا من مصادر تاريخ بلاد السودان في العصر الحديث (إضافة إلى أهميتها الفقهية المالكية)؛ إذ تتضمن أجوبة أحمد بابا التنبكتي معلومات مُفصَّلة عن بلاد السودان وتاريخ انتشار الإسلام بها والشعوب القاطنة فيها، وما يمكن استنتاجه منها عن الخصائص الدينية لهذه الشعوب([9]).
وقد أوجز مُحقِّقا أجوبة أحمد بابا المواضيع التي تناولتها تلك الأجوبة في سبع نقاط هي موقف الفقه المالكي من الرقيق المجلوب من البلاد السودانية المعروفة بإسلامها؛ وحُكم الشرع في الرقيق مجهول الهوية، والسيرة النبوية وتعامل الصحابة مع الرقيق المجلوب من الحبشة، وتفنيد أسطورة دعاء نوح على ابنه حام ونسله([10])، والضوابط الأخلاقية للاسترقاق عند المسلمين، و(حكم) استرقاق العرب، ووضعية المولدين. وعلى سبيل المثال: رأى كل من آلان فيشر وهمفري فيشر (1971م) أن مراجعة أحمد بابا التنبكتي الواضحة لفكرة “لعنة حام” كانت ذات أهمية فائقة في عصرها، إضافةً إلى أن رؤيته أن “سبب الاسترقاق هو عدم الإيمان (بالإسلام)” أفادت أن الزنجي الذي يعتنق الإسلام طواعية لا يجوز أَسْره، وأن لعنة حام لا يمكن أن تكون مُبرِّرًا لاسترقاق الزنوج المسلمين([11]).
ويُستخلص من مجموع فتاوى أحمد بابا التنبكتي أنه لا يجوز، وفق المذهب المالكي، استرقاق الذمي أو المعاهد، أو الرقيق المجلوب من البلاد المعروفة بالإسلام، وأن “سبب الرق الظَّفر، ولا فرق في ذلك بين الكافر من العرب (باستثناء من قريش) أو العجم، وأن الأصل في الإنسان الحرية، والرق حالة طارئة عليه وامتحان له؛ “لذلك أوصى الإسلام بمعاملة المماليك معاملة إنسانية، وجعل الاجتهاد في تحريرهم (عمليًّا عبر سلوك السبل المؤدية إلى ذلك بحسب تعاليم الإسلام) من باب العبادة.
وفي صياغته لموقف “ثوري” من الرق لا يكتفي أحمد بابا بمنطوق الشرع، الذي يُحرّم استعباد المسلم والذمي والمعاهد، بل يذهب أبعد من ذلك فيحتكم إلى روح هذا الشرع الذي يُقِرّ بأن “الجميع من ولد آدم”، وأن مجرد الملكية يكسر القلوب لما فيه من القهر والاستيلاء والتغرب عن الوطن. ودعا أحمد بابا التنبكتي، استنادًا إلى بعض أصول الفقه المالكي مثل “سد الذرائع”، إلى الإحجام عن الاسترقاق، وإلى “الاحتياط والورع” في هذه المسألة([12]).
خلاصة:
تحتاج إفريقيا في مسعاها الحثيث راهنًا لكشف مدى الظلم الذي عاد على شعوب القارة جراء العبودية واستعباد ملايين الأفارقة منذ القرن السادس عشر حتى نهايات القرن التاسع عشر، ونقلهم إلى العالم الجديد كآلات بشرية تُسهم في تطور اقتصاد “العالم الجديد”؛ تحتاج إلى فَهْم أعمق للقضية أو ما تصفه كتابات مهمة “بمؤسسة الرق” في القارة، بمعنى فَهْم مدخلات هذه القضية ومظاهرها، وكذلك مدى ارتباطها بالأوضاع الاجتماعية السائدة في أرجاء القارة في الفترات المختلفة لتمدُّد هذه الظاهرة وتصاعد وتيرتها بقوة غير مسبوقة توطئةً لحركة الاستعمار الأوروبي التي دارت بكامل قوتها بعد مؤتمر برلين 1884- 1885م.
……………………..
[1]– إحياء ذكرى ضحايا تجارة الرقيق – اعتماد قرار يصفها بـ”أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية”: الأمم المتحدة، نيويورك، 25 مارس 2026 https://news.un.org/ar/story/2026/03/1144399
[2]– راجع الورقة الموجزة حول أهمية مدينة تمبكتو في احتضان العلماء وتوفير بيئة علمية ملائمة لهم في بلاد السودان الغربي:
[3]– أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج (دراسة وتحقيق محمد مطيع)، الجزء الأول، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (المغرب)، الرباط، 2000، ص 19.
[4]– أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (عناية وتقديم عبد الحميد عبد الله الهرامة)، منشورات دار الكاتب، طرابلس، 2000م، ص14.
-[5] معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق (تحقيق وترجمة فاطمة الحراق وجون هانويك)، معهد الدراسات الإفريقية، الرباط، 2000م، ص ص 14-15.
[6] -Hunwick, John, Timbuktu: A Refuge of Scholarly and Righteous Folk, Op. Cit. p. 17.
[7]– شوقي عطا الله الجمل: أحمد بابا التمبكتي السوداني في ضوء بعض مخطوطاته بدار الوثائق بالرباط، المناهل، العدد رقم (6)، يوليو 1976، ص ص 146-147.
[8]– معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق، مرجع سابق.
ويتشابه النص السابق بشكل ملفت مع دراسة سابقة:
[9]– المرجع السابق، ص ص 13-14.
[10]– راجع في تفصيل هذه المسألة تحديدًا (تفنيد أسطورة دعاء نوح)، وموقف عدد من المؤرخين والعلماء المسلمين ومنهم أحمد بابا:
[11]– Fisher, Allan G. B. and Fisher, Humphrey J. Slavery and Muslim Society in Africa: Institution in Saharan and Sudanic Africa and the Trans-Saharan Trade, Doubleday & Company, INC. New York, 1971, p. 34.
[12]– معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق، مرجع سابق، ص ص 22-24.
The post أحمد بابا التنبكتي: آراء في مؤسسة الرق في إفريقيا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
حرص الرائد الأفريقاني البارز ماركوس غارفي (1887- 1940م)، منذ وصوله إلى الولايات المتحدة من موطنه الأصلي في جامايكا (1914م)؛ على الترويج لأفكار إقامة "إمبراطورية زنجية" Negro Empire، أو ما أُطلق عليها في الفترة المعاصرة له "جمهورية إفريقيا" Republic of Africa (لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1919م).
The post جورج بادمور ونقد “الإمبراطورية الزنجية” لدى غارفي: في تفكيك الشعبوية الأفريقانية ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>حرص الرائد الأفريقاني البارز ماركوس غارفي (1887- 1940م)، منذ وصوله إلى الولايات المتحدة من موطنه الأصلي في جامايكا (1914م)؛ على الترويج لأفكار إقامة “إمبراطورية زنجية” Negro Empire، أو ما أُطلق عليها في الفترة المعاصرة له “جمهورية إفريقيا” Republic of Africa (لا سيما بعد نهاية الحرب العالمية الأولى 1919م).
وقد طرح “غارفي” تلك الفكرة بصُوَر كثيرة، وطبَّقها خلال قيادته لأنشطة مكثَّفة في الولايات المتحدة وخارجها؛ لما اعتبره دفاعًا عن حقوق الزنوج في أرجاء العالم. وعلى سبيل المثال: ناقش “غارفي” ذلك في مقال شهير له بعنوان “عدو الزنوج الأكبر” (سبتمبر 1923م) بتساؤله الشعبوي الطابع في حقيقة الأمر: لقد وُجِّهت لي أسئلة كثيرة، أين هي حكومة الإنسان الأسود؟ وأين مُلكه ومملكته؟ وأين رئيسه، وبلده، والرجال الذين يُديرون شؤونه الكبرى؟”،
وأجبتُ: أنني لا أراهم، لكنني أعلنت “سأساعد في صنع كل ذلك”([1])؛ وسرعان ما تطوَّرت فكرة المملكة إلى إمبراطورية زنجية. كانت هذه الفكرة قائمة بالأساس على ما جَمَعه “غارفي” من أموال من أعداد هائلة من بني عرقه الذين آمنوا بفكرته ومشروعيتها على الأرض، وفي مقدمتها خط ملاحة بلاك ستار الذي أعلن أنه سيتولى نقل ملايين الأفارقة في الولايات المتحدة والكاريبي إلى قارتهم الأم لتمدينها وتحضيرها، بل وقيادتها سياسيًّا واجتماعيًّا.
الإمبراطورية الزنجية: لمحة عامة
قدَّم جورج بادمور (1903- 1959م)، المؤرخ والسياسي التريندادي البارز ورفيق الزعيم الغاني كوامي نكروما، نقدًا مهمًّا لفكرة الإمبراطورية الزنجية لدى “غارفي” تضمَّنه كتابه “الوحدة الإفريقية أم الشيوعية؟”([2]) (1956م)، والذي سنعتمد عليه أساسًا في التحليل الراهن، وحمل العمل انتقادات رصينة لأفكار “غارفي”، ودفاعًا عن بعضها الآخر، وكذلك وضعها في سياقاتها التاريخية على نحو منضبط عُرف به “بادمور” في مؤلفاته المتنوعة والكثيرة([3]).
ويتضح جانبًا من تصوُّر أفكار “غارفي” العنصرية وبالغة الراديكالية حتى قياسًا إلى سياقاتها التاريخية، عند استقراء جورج “بادمور” المُوجَز لمشروع “الإمبراطورية الزنجية” الذي تبنَّته الرابطة العالمية لتحسين أحوال الزنوج والمجتمعات الإفريقية The Universal Negro Improvement and African Communities League بقيادة “غارفي”، والتي كانت تصف نفسها بأنها “جمعية اجتماعية وإنسانية وخيرية وتعليمية ومؤسساتية وبناءة وتوسعية”، قد أسَّسها أشخاص “يرغبون في بذل قصارى جهدهم في العمل من أجل الرفعة الاجتماعية للشعوب الزنجية في العالم”. وألقت فكرة تكوين إمبراطورية زنجية، -مع تعهُّد أعضاء الرابطة “ببذل كلّ طاقتهم للحفاظ على حقوق عرقهم (الزنجي) النبيل واحترام حقوق جميع البشر، وإيمانهم الدائم بأخوة البشر وأبوة الرب-؛ الضوء على مشروع “غارفي” التوسُّعي والمصطبغ بلمحة دينية؛ إذ كان شعار الرابطة: ربّ واحد! هدف واحد! مصير واحد([4]).
وتبدو البرغماتية الدينية واضحة لدى “غارفي”، الذي وُلِدَ كاثوليكيًّا، في تأسيسه كنيسة أرثوذكسية إفريقية بقيادة بطريرك أسود، وهو الأسقف ألكسندر ماكجوير Alexander McGuire، وهو رجل دين من جزر الهند الغربية، فيما أكَّد “غارفي” أكثر من مرة إعجابه بالكنيسة الرومانية التي عاد إليها قبل وفاته في العام 1940م([5])، فيما دعت “يونيا” بالفعل إلى الحاجة لاستقلال السود في جميع الأمور بما في ذلك الدين([6]).
وكان من بين أهداف الرابطة: ما تم النص عليه في وثائقها بالعمل على “المساعدة في تمدين قبائل إفريقيا المتخلفة، والمساعدة في تطوير الأمم والمجتمعات الزنجية المستقلة، وإقامة دولة مركزية central nation للعرق الزنجي.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، وغيره من أهداف الحركة، عقد “الإمبراطور غارفي” (حسبما أطلقت عليه وسائل الإعلام الموالية له حينذاك)، عدة مؤتمرات في ماديسون سكوير جاردنز Madison Square Gardens، وهو إستاد ضخم في نيويورك للعبة الملاكمة، وفي ليبرتي هول Liberty Hall، وهي مقر يونيا U.N.I.A.، وهي مؤتمرات شهدت حضورًا غفيرًا وطوابير عرض كبيرة في شوارع مدينة نيويورك حمل خلالها المحتفلون لافتات عليها شعارات راديكالية مِن قبيل “إفريقيا يجب أن تتحرَّر”؛ و”إن الزنجي الذي حارب في أوروبا يجب أن يحارب في إفريقيا”؛ و”الحرية للجميع”.
وفي الاجتماع الأول (1918م)، عندما كان “غارفي” في عمر 31 عامًا فقط، تم انتخابه رئيسًا مؤقتًا لإفريقيا، ورئيسًا عامًّا ومديرًا للجمعية الوطنية للنهوض بالزنوج. وباعتباره إمبراطور إفريقيا مستقبلًا كان لقبه الرسمي “صاحب السمو، والعاهل” بمكافأة شرفية قدرها 22 ألف دولار، بينما يتلقّى الأعضاء الثمانية عشر، بـ”المجلس التنفيذي الأعلى” High Executive Council أو وزارة الظل ما بين 3 إلى 10 آلاف دولار سنويًّا.
وتلقَّى هؤلاء الأعضاء ألقابًا ذات وقع بالغ مثل دوق النيل Duke of the Nile، وإيرل الكونغو Earl of the Congo، وفيسكونت النيجر Viscount of the Niger، وبارون الزمبييزي Baron Zambesi. وحصل الآخرون على ألقاب فرسان نظام الخدمة الممتازة بإثيوبيا والأشانتي وموزمبيق([7]).
كما أكد “غارفي” على استكمال دواعي الأبهة والمظاهر في نظامه “الإمبراطوري” في إفريقيا مثل تكوين فيلق إفريقي وفرق للممرضات الحربيات Black Cross Nurses وفِرَق كشافة إفريقيا للفتيان والفتيات، كما بادر بالتواصل مع عدد من القادة الأفارقة مثل عبد الكريم الخطابي “الذي أرسل له رسالة تحية وحسن نوايا”، ونادَى بالوحدة بين جميع الشعوب غير البيضاء في الكاريبي وإفريقيا والهند والصين واليابان، وأسَّس دورية العالم الزنجي Negro World التي حرَّرها بنفسه من أجل نقل توجيهاته “للملايين من أتباعه في جميع أرجاء العالم الأسود”([8]).
“غارفي” في رؤية “جورج بادمور”:
ارتكز نقد “بادمور” لرؤية “غارفي” لتكوين “إمبراطورية زنجية” على نَقْد متماسك في حقيقة الأمر لشخصية “غارفي” نفسه؛ فقد ارتكز هذا النقد على حقيقتين هامتين في بداية هذا الطرح: أولهما نظرة “غارفي” ومشروعه لإفريقيا باعتبارها أرضًا مشاعًا لقيام هذه الإمبراطورية الزنجية (بقيادة أفارقة الشتات). والأخرى: التأكيد على قيادته الشخصية لجهد تنوير شعوب القارة وتثويرها ضد القوى الاستعمارية، دون تقديم رؤية واضحة لكيفية مُعالَجة مشكلات القارة ومواجهة التحديات الاستعمارية بشكلٍ جادّ وتغليب الطابع “الرسولي” على أفكار “غارفي” لصالح تصورات شخصية للغاية تُرضي نظرته لنفسه ودوره القيادي وشخصنة النضال الإفريقاني في ذاته.
كما كان لصلة “بادمور” الشخصية بآمي جاك جارفي Amy Jacques Garvey (1895- 1973م)، زوجة “غارفي” الثانية والأرملة عند تعرفها على “بادمور” عن كثب أثر في رؤيته لـ”غارفي”؛ فقد قامت “آمي غارفي” بدور هام في مسيرة الزعيم الذي يمكن وصفه بالناشط الإفريقي الأبرز في النصف الأول من القرن العشرين في الولايات المتحدة عبر الجمعية الوطنية للنهوض بالزنوج ومجموعة أعماله التجارية الواسعة التي موَّلت أنشطة حركة الوحدة الإفريقية، وارتاد وضع أُسُسها عمليًّا، كما امتد دورها بعد وفاة “غارفي” لدعم أفكاره وحركة الوحدة الإفريقية التي شهدت زخمًا كبيرًا في الأربعينيات والخمسينيات([9]).
وهكذا فقد اقترب “بادمور” من فكر “غارفي” نظريًّا (بحكم موقع “غارفي” في مجمل تجربة حركة الوحدة الإفريقية حتى العام 1940م)، وعمليًّا إذ كان ممن تعاونت معهم أرملة “غارفي” في مساعيها لحِفْظ فكر “غارفي” وسيرته وعمله الأفريقاني. ويمكن فَهْم تعاون “آمي غارفي” مع “بادمور” ضمن جهودها تلك، والتي شملت أيضًا كلاً من المفكر البارز وليام دوبويس، والزعيم الشاب وقتها كوامي نكروما، والذين كان ثلاثتهم من أهم المتفاعلين مع “آمي غارفي” وجهودها في تطوير أفكار “غارفي” عبر مؤتمرات الوحدة الإفريقية المختلفة وأبرزها في بريطانيا.
نقد مشروع “الإمبراطورية الزنجية”:
قدَّم “بادمور” نقدًا مكثفًا لفكرة الإمبراطورية الزنجية؛ إذ أشار إلى أنه في غضون سنوات قليلة بعد إطلاق “غارفي” حملته الأهم التي حملت شعار “العودة إلى إفريقيا” Back to Africa في العام 1920م فإنه نجح بذلك بالفعل في تنظيم أكبر حركة جماهيرية احتجاجية شهدتها الولايات المتحدة. وبحلول العام 1923م ادعت يونيا U.N.I.A. أن عدد أعضائها تجاوز ستة ملايين نسمة، رغم تشكيك مناوئين لـ”غارفي” في هذا الرقم، وأن الرقم الحقيقي لا يمكن أن يتجاوز 3 ملايين نسمة. لكن الحركة بدأت في العام 1925م في التفكك على سنوات عديدة حتى وفاة “غارفي” بائسًا في منفاه في مدينة لندن في العام 1940م، وهو ما يُحيلنا إلى تفهُّم إشارة “بادمور” لهشاشة “يونيا” التنظيمية أو على الأقل عدم تماسكها خارج شخصية “غارفي”.
وامتلك “غارفي” ثقافة وخبرة سياسية مهمة منذ نقله لأنشطته السياسية من جامايكا إلى الولايات المتحدة في العام 1916م، وكذلك ما سبقت الإشارة إليه من وجوده في لندن، وما وصفه “بادمور” من عمله الوثيق والهام مع دوسي محمد علي، المفكر المصري من أصول سودانية ومحرر مجلة African Times and Orient Review المعروفة بتوجهاتها المناهضة للإمبريالية حينذاك، ونقل دوسي لـ”غارفي”، بحسب تحليل “بادمور”، حماسته الوطنية؛ إذ كان من أبرز المؤيدين للزعيم المصري سعد زغلول وحزب الوفد، وليس مستبعدًا أن يكون محمد علي قد نقل لـ”غارفي” تفاعلات الثورة الشعبية المصرية في العام 1919م المعاصرة لهذه الصلة، وأنه كان لذلك أثره في تشكيل وعي الأخير بضرورة القيام بحركة شعبية زنجية، إلى جانب ارتياده مكتبة المتحف البريطاني بانتظام وقراءاته المتنوعة، والتي من كان أشهرها: الكتاب المقدس وشكسبير والمؤرخ بلوتارخ([10]).
لكنّ النزعة العرقية المتطرفة لدى “غارفي”، بحسب تفصيل “بادمور”، دَفَعته إلى صراع مع زعماء سياسيين ودينيين واجتماعيين من الزنوج الأمريكيين لا سيما وليام دوبويس. وتوصَّل “بادمور”، عبر قراءة دؤوبة لمواقف “غارفي”، إلى أن الأخير كان يُكِنّ كراهية بالغة للخلاسيين أو المخلطين (عرقيًّا وفكريًّا ربما بحسب رؤية “غارفي” لفكرة السوداء blackness)، تفوق كثيرًا كراهيته للبيض، وأرجع “بادمور” ذلك إلى تجربة “غارفي” في بلده جامايكا قبل استقراره في الولايات المتحدة، فقد شاهد كيف أن الرجال مختلطي الدماء المعروفين وقتها بذوي البشرة البنية brown men قد شكلوا الطبقة الوسطى، والتي كانت طبقة حاجزة بين الفقراء السود في أسفل سُلّم المجتمع، والطبقة العليا البيضاء، وعملوا (الأوائل) في الجهاز الإداري البريطاني وتجارًا، وفي قمة فئة رجال الدين، وقد مارس البيض والخلاسيون حتى وقت قريب قوة سياسية واقتصادية مطلقة، وتخوّفوا من أيّ صعود للسود. لكنّ الوضع في الولايات المتحدة كان مغايرًا تمامًا، فهناك الأغلبية البيضاء التي لا تحتاج إلى خدمات “الزنوج ذوي الدم المختلط”، للحفاظ على الجماهير السوداء “في مكانها” (المُحدَّد لها)؛ فكل الزنوج –من السود أو ذوي البشرة الفاتحة- سواء. فجميعهم مجرد زنوج niggers بالنسبة للرجل الأبيض الأمريكي. وبناء على ذلك فإن الزنوج الأمريكيين، باختلاف درجات لون بشرتهم، يعملون معًا من أجل رفعة عرقهم، لكن “غارفي” نقل تجربته في جامايكا على نحو كامل للولايات المتحدة([11]).
وتحت عنوان فرعي يتعلق مباشرة بفكرة العنصرية “التوسعية” الإفريقية أو السوداء (على حساب شعوب القارة الإفريقية أنفسهم)؛ يطرح “بادمور” فكرة “مهمة (غارفي) لأرض الميعاد”؛ ويلاحظ أنه مع إثارة “غارفي” للعداء بين القوى الأوروبية والمستعمرات في إفريقيا، اكتشف “غارفي” أن “يونيا” لن تكون لها أيّ شرعية في هذه الأقاليم. ومِن ثَم وَجَّه اهتمامه صوب ليبيريا، والتي كان يأمل تقليديًّا أن يكون له موطئ قدم بها كنقطة بداية في القارة الإفريقية أو جزء منها (أو ما سمتها آمي غارفي لاحقًا بليبيريا الكبرى Greater Liberia)، ويضيف أنه نظرًا لأن “الولايات المتحدة لم تكن قوة استعمارية في إفريقيا، فقد طلب “غارفي” من أصدقائه البيض الجنوبيين دعم مشروعه لاستعمار ليبيريا، الموسومة في أدبيات حركة الزنجي الجديد “بأرض الميعاد”. وطمأنهم أن خطة العودة إلى إفريقيا هي “الحل الوحيد لمأزق أمريكا، ألا وهو كيف يمكن التخلص من الزنوج”. وأوضح لهم أن إفريقيا توفّر فرصة رائعة في الوقت الحالي لأن يقوم زنوج العالم الغربي باستعمارها. وهناك ليبيريا التي أقامت بالفعل حكومة زنجية مستقلة قبل أن يدعو “لندع أمريكا البيضاء تساعد الأفروأمريكيين على الذهاب إلى هناك والمساعدة في تطوير البلاد”. وهناك المستعمرات الألمانية السابقة، لندع رأي البيض (في أمريكا) يجبر إنجلترا وفرنسا على إعادة هذه المستعمرات إلى الزنوج الأمريكيين، وفي جزر الهند الغربية الذين حاربوا من أجل الحلفاء في الحرب العالمية. كما أن فرنسا وإنجلترا وبلجيكا مدينة لهم ببلايين الدولارات التي يقولون: إنه ليس بمقدورهم دفعها عاجلًا. ولندعهم يقومون بتسوية ديونهم بتسليم سيراليون وساحل العاج على ساحل غرب إفريقيا، وإضافتهما إلى ليبيريا والمساعدة في جعل ليبيريا دولة تستحق اسمها. إن زنوج إفريقيا وأمريكا يشتركون في دم واحد، وقد جاءوا من نفس النسل، ويمكنهم أن يعملوا ويعيشوا معًا، ومِن ثَم تقديم إسهامهم العرقي للعالم([12]).
خلاصة:
رأى “بادمور” في المجمل أن الغارفية، مع هدفها المستحيل ببناء إمبراطورية إفريقية أو زنجية (على يد قوى من خارج القارة بالأساس)، في عالم الإمبريالية الضارية، أخذت تفقد قبولها اللامع والسحري في يقظة جموع الزنوج. كما أن مشروع تشييد الزنوج إمبراطورية إفريقية كان يُجافي الواقع؛ لأن الحالات الثلاث السابقة التي اعتبرها “غارفي” نموذجًا ومثالًا (فلسطين وإيرلندا والهند)، تهيمن فيها قوة أجنبية واحدة وهي بريطانيا، بينما إفريقيا مقسمة بين بريطانيا العظمى وفرنسا وبلجيكا والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا “التي تسيطر جميعها على كل بوصة مربعة من الأرض في إفريقيا باستثناء 390 ألف ميل مربع من الأراضي في الحبشة وليبيريا”، ومِن ثَم فإن تكوين إمبراطورية (سوداء) في إفريقيا يعني غزو وهزيمة جيوش وبحريات الدول المذكورة سابقًا؛ ونظرًا لأنه من مصلحة جميع القوى الاستعمارية مَنْع أيّ مساعي وطنية لمواجهة أيّ قوة استعمارية على حدة؛ فإن مصلحة الاستعمار ودوله في مَنْع إقامة مثل هذه الإمبراطورية مُوحَّدة تمامًا، لذا فإن تخيل (يونيا) تحرير القارة الإفريقية بمختلفة مكوناتها على يد مجموعة من الزنوج (الأفرأمريكيين) غير المتعلمين وغير المنظمين يظل حلمًا ساذجًا لا يمكن أن يُولَد إلا في رأس مُتحمِّس غير مسؤول.
لكن يُلاحظ أن حركة عودة السود إلى إفريقيا، التي كانت تَرتكز في ليبيريا وسيراليون بحسب أدبيات أفريقانية سابقة، استمرت قائمة بعد وفاة “غارفي” (1940م) لدى عدد كبير من السياسيين المتأثرين بأفكاره، ومن بينهم “آمي غارفي” التي دعت إلى قيام ليبيريا الكبرى لنشر مشروع التوسع الزنجي في بقية أرجاء القارة الإفريقية بداية من غربها([13])، ودراسة شعوب غرب إفريقيا وعاداتهم([14])، وهو ما اتسق مع نظر “غارفي” لكل إفريقيا “أرضًا للميعاد” لبني وطنه: أفارقة الشتات.
……………………………………………
[1] Garvey, Marcus, The Negro’s Greatest Enemy, Current History (1916-1940), September, 1923, Vol. 18, No. 6 (September, 1923), p. 953.
[2] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 87-105.
[3] – لمعرفة تأثير بادمور في السياسة الإفريقية بشكل عام وبإيجاز شديد؛ راجع المقال الهام:
[4] Padmore, George, Pan Africanism or Communism, Op. Cit.
[5] Ibid, p. 96.
[6] Gaffin, Greta, Black Nationalist Anglicanism: George Alexander McGuire and the African Orthodox Church,, Anglican and Episcopal History, June 2025, Vol. 94, No. 2, Papers from The Apostolic Ministry Conference, Berkeley Divinity School, Yale University (June 2025), p. 309.
[7] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 93-4.
[8] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 94-5.
[9]– اتضح ذلك في سلسلة الكتب التي أشرفت عليها “آمي غارفي”، وقدمت جمعًا لكتابات الأخير وتعليقات على فلسفته ومواقفه، ومن بينها كتاب “غارفي والغارفية”، والذي قدم له المؤرخ الأفروامريكي البارز جون هنري كلارك John Henry Clarke :
وتناول الفصل 43 بالكتاب (267- 272) موقف غارفي من الحركات القومية التوسعية والعنصرية وما اعتبرته “آمي” عقب نهاية الحرب العالمية الثانية بترادف بين حركة الزنجي الجديد والصهيونية على نحو غير قابل للتشكيك.
[10] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 88-9.
[11] Padmore, George, Pan Africanism or Communism: The Coming Struggle for Africa, Roy Publishers, New York, 1956, pp. 90-91.
[12]– أوردت “آمي غارفي” نصوصًا مسهبة لأفكار غارفي، ومن بينها مسائل العودة لإفريقيا، انظر:
Aims and Objects of Movement for Solution of Negro Problem, in Garvey, Amy Jacques, editor, Philosophy & Opinions of Marcus Garvey, Volume II, Atheneum, New York, 1925, pp. 37-42.
[13] – راجع في تاريخ هذا التوجه لا سيما في الفترة 1919-1924م رؤية كل من ماركوس غارفي (التي أخلصت لها آمي غارفي حتى وفاتها)، ووليام دوبيوس لاستعمار ليبيريا الدراسة التاريخية الهامة:
[14] Tibebu, Teshale, Edward Wilmot Blyden and the Racial Nationalist Imagination, University of Rochester Press, New York, 2012, pp. 6-9.
The post جورج بادمور ونقد “الإمبراطورية الزنجية” لدى غارفي: في تفكيك الشعبوية الأفريقانية ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
كانت سنوات حياة المفكّر والمؤرخ الأفروأمريكي البارز وليام دوبويس W.E.B. Du Bois المُبكّرة (1868- 1964م)، هي نفسها السنوات الأولى لتطوُّر الرأسمالية الصناعية كقوة ثقافية مهيمنة في الولايات المتحدة، وفي أغلب أوروبا. كما كانت تلك السنوات هي فترة صعود التوسُّع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا وآسيا، وشهدت التجربة الأمريكية لحلّ "المشكلة الزنجية".
The post مجلة “ذا كريسيس” وتجاوز “الحاجز اللوني” لدى وليام دوبويس ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>كانت سنوات حياة المفكّر والمؤرخ الأفروأمريكي البارز وليام دوبويس W.E.B. Du Bois المُبكّرة (1868- 1964م)، هي نفسها السنوات الأولى لتطوُّر الرأسمالية الصناعية كقوة ثقافية مهيمنة في الولايات المتحدة، وفي أغلب أوروبا. كما كانت تلك السنوات هي فترة صعود التوسُّع الاستعماري الأوروبي في إفريقيا وآسيا، وشهدت التجربة الأمريكية لحلّ “المشكلة الزنجية”.
وُلِدَ دوبويس في العام 1868م، وهو العام الذي شهد التصديق على التعديل الرابع عشر، وبدأ دراسته في جامعة فيسك Fisk في العام 1885م، مع انعقاد مؤتمر برلين الذي قسَّم القارة الإفريقية إلى نطاقات نفوذ للقوى الاستعمارية الأوروبية.
وتزوّج واستكمل دراساته في فيلادلفيا في العام 1896م، وهو العام الذي صدر فيه قرار بليسي Plessy Decision، وانضم لهيئة التدريس في جامعة أتلانتا في ذروة شعبية أيديولوجية “الجنوب الجديد”، والتي كانت أتلانتا تعتبر عاصمته، وخاض سجالًا مع بوكر ت. واشنطن Booker T.Washington حول التعليم الصناعي. وربما كان الأكثر أهمية في تطوُّر فكر دوبويس هو قبوله في امتحان الالتحاق بالكلية في وقتٍ كان فيه الدور الاجتماعي واهتمام الجامعة آخِذًا في التغيُّر. ونضج دوبويس في بيئة فكرية محكومة بثلاث استجابات أيديولوجية لتحقق تماسك التحول الصناعي؛ وهي: الجماعية، والكومنولث التعاوني، ومعاداة الحداثة antimodernism([1]).
ظهور مجلة “ذا كريسيس”:
مثَّلت مجلة ذا كريسيس The Crisis نافذة مهمة لنقل دوبويس لأفكاره بشكل مستدام طيلة ربع قرن، تولّى خلالها تحرير المجلة (1910- 1934م)، وزامنت تلك الفترة الصعود التدريجي لحركة نهضة هارلم الثقافية، وذروتها في منتصف عشرينيات القرن الماضي؛ وصدرت المجلة في العام 1910م، مع تكوين الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين National Association for the Advancement of Colored People (NAACP)، وكانت “ذا كريسيس” هي الأداة الإعلامية الرئيسة للجمعية. وقد خرجت الجمعية نفسها للوجود عقب أعمال شغب عرقية في سبرنجفيلد Springfield بولاية إلينوي في أغسطس 1908م، وأسفرت عن مقتل رجلين من السود وأربعة من البيض، وإصابة أكثر من سبعين فردًا، وهو الحادث الذي أثار صدمة بين الإصلاحيين السود والبيض، ليس لأنه حادث وقع في الشمال فحسب، لكن لأنه وقع في موطن الرئيس الأسبق أبراهام لينكولن.
ودعا صحفي شاب وهو وليام إنجليش وولينج W.English Walling (كان يقوم بتقصّي الحادث) مع مجموعة من رفاقه ممن يعملون في العمل الاجتماعي مثل هنري موسكوفيتز H.Moskowitz وماري هوايت أوفينجتون Mary White Ovington وأوزوالد جاريسون فيلار Oswald Garrison Villard (وهو مُحرِّر إحدى الصحف وحفيد وليام لويد جاريسون الذي كان من دعاة إلغاء تجارة العبيد)، إلى اجتماع قومي لمناقشة “الشرور الراهنة، وإعلاء الصوت بالاحتجاج، وتجديد النضال من أجل الحرية المدنية والسياسية”.
وانعقد المؤتمر الزنجي القومي National Negro Conference في مدينة نيويورك في 31 مايو و1 يونيو 1909م، وانعقدت خلاله الجمعية الوطنية للنهوض بالملوّنين، وكان أغلب الحضور من المصلحين الاجتماعيين البيض، وشمل الحضور من شخصيات السود عددًا من الشخصيات البارزة، ومن بينهم وليام دوبويس ممن قاموا بأدوار في الدعوة لنيل بني جنسهم حقوقهم المدنية كاملة، وتبنَّت الجمعية برنامجًا يقوم على المعارضة القوية للكراهية والتحامل العرقيين، ووعدت بالكشف الكامل عن كيفية معاملة الأفروامريكيين في الولايات المتحدة. وطلب وولينج من الدكتور دوبويس، الأستاذ بجامعة أتلانتا حينذاك ومؤلف كتاب the Souls of Black Folk (1903) التفرغ تمامًا لصالح المنظمة الجديدة، ووافق دوبويس على ذلك بعد تلبية بعض طلباته المادية والمهنية لضمان سير العمل، ومِن ثَمَّ تولَّى دوبويس تحرير مجلة ذا كريسيس منذ أول أعدادها([2]).
ووفق الوثائق التي اعتمد عليها جيرالد هورن G.Horne في مؤلفه حول سيرة دوبويس الذاتية([3])؛ فإن وولينج تعهَّد بدفع 2500 دولار لدوبويس، إضافةً إلى تغطية الجمعية لجميع نفقاته خلال العام الأول من التعاقد، “مع وعد بالتعاقد معه في الأعوام التالية بقيمة مرتب متزايدة”؛ لكنّ موافقة دوبويس كانت تعني تضحيته بأمور أخرى؛ إذ كان عليه مغادرة أتلانتا، والانتقال إلى مانهاتن المكتظة بسكانها، وكذلك التخلي عن وظيفته الأكاديمية وخوض النضال وسياسة الدفاع عن السود في مناخ مُعادٍ. كما أظهرت الأدبيات التي تناولت تكوين الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين مساهمة رجال أعمال يهود كثر ورجال دين وعلمانيين أيضًا من دوائر يهودية مختلفة بتبرعات كبيرة في دعم حركة الحقوق المدنية للسود منذ نهاية القرن التاسع عشر، وتراكم ذلك في فيلادلفيا قبيل تكوين الجمعية بوقت قصير، ثم توجهت هذه التبرعات في أغلبها للجمعية([4])؛ لمواجهة تطرُّف الحركات العنصرية البيضاء التي وجَّهت ضرباتها أحيانًا ضد اليهود في الولايات المتحدة.
وقد صدر العدد الأول من المجلة في نوفمبر 1910م، وكان دوبويس هو المحرّر (ومدير الدعاية والبحوث بالجمعية)، يعاونه أوزوالد جاريسون فيلار وعدد من رفاقه؛ وبحسب افتتاحية أول عدد، والتي كتبها دوبويس، فإن هدف المجلة هو طرح الوقائع والحجج التي تُظْهِر خطر التحامل العرقي، ولا سيما كما بدا متجسدًا اليوم نحو الملونين. وأخذت المجلة اسمها من حقيقة إيمان محرريها بأن هذا الوقت هام في تاريخ تقدُّم الإنسان. إن الشمول والتسامح والمنطق والتحمل يمكن أن يساهموا في تحقيق حلم البشرية القديم بالأخوة؛ فيما يدفع التعصب والتحامل والتأكيد على الوعي العرقي والقوة لتكرار التاريخ القبيح لتواصل الأمم والجماعات في الماضي([5]).
دوبويس والقراءة الانتقائية للتاريخ:
وفي العدد رقم مائة (مجلد 17، رقم 4، فبراير 1919م) قدم دوبويس قراءة مُعمَّمة لتاريخ إفريقيا، وجاء في قلبها مقارنة الحركة القومية الإفريقية بالصهيونية اليهودية، في إشارة على عمق هذه الرؤية لدى قطاعات النخبة الأفروأمريكية، بغض النظر عن الشواهد التاريخية المُفنّدة لمثل هذه الفرضيات.
ويذكر بداية أن أوروبا بدأت تنظر بعين الجشع لإفريقيا منذ العام 1415م، عندما حقَّق البرتغاليون في معركة سبتة موطئ قدم لهم في المغرب؛ وبعدها قام المير هنري الملاح بسلسلة من الكشوف، والتي لم تُسْفِر فحسب عن كشف كيب فيرد، وساحل غينيا ورأس الرجاء الصالح، لكنّها أتاحت للبرتغال بحلول العام 1487م امتلاك جزء كبير من سواحل شرق إفريقيا. وكان ذلك بداية للاستعمار البرتغالي لغينيا وأنجولا وشرق إفريقيا.
واقتفت دولٌ أوروبية أخرى مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانا وهولندا والدانمارك هذا التوجُّه وأقامت جميعها محطات على امتداد الساحل الإفريقي وهدفها الرئيس هو تعزيز تجارة الرقيق. لكنّ تقسيم إفريقيا كما نعرفها أمر حديث للغاية، ويبدأ مع تأسيس دولة الكونغو الحرة Congo Free state في العام 1884م، والتي ضمتها بلجيكا إليها بقيادة ملكها ليوبولد في العام 1908م، وانطلق التكالب الأوروبي على المستعمرات الإفريقية وخلال ربع قرن كانت إفريقيا بأكملها تقريبًا في يد أوروبا.
وفي هذا التقسيم حققت الإمبراطورية البريطانية شبكة أملاك تمتد من السودان الإنجليزي المصري حتى جنوب إفريقيا مع وجود أملاك ذات قيمة كبيرة على ساحل شرق إفريقيا، وفي بلاد الصومال Somaliland، وحلت فرنسا تالية لبريطانيا مع مساحة أكبر لكن بعدد سكان أقل. ووصلت سيطرتها من المغرب والجزائر بما في ذلك الصحاري الجزائرية حتى الكونغو الفرنسي، وعلى ساحل شرق إفريقيا ومدغشقر وبلاد الصومال الفرنسية French Somaliland، ووصلت ألمانيا إلى اللعبة متأخرة واستولت على توجولاند والكاميرون Kamerun وجنوب غرب إفريقيا (الألمانية- ناميبيا) وشرق إفريقيا…”([6]). وتحت عنوان فرعي بالمقال “إعادة البناء وإفريقيا”، تبدو إشارته واضحة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وما عرفت بإعادة البناء في الولايات المتحدة التي بدأت قبل سنوات، ورأى دوبويس أنه ثمة “اقتراح لإعادة المستوطنات التي فقدتها ألمانيا في الحرب لأيّ دولة أوروبية أخرى، تحت إشراف حضارة منظمة organized civilization، وترقيتها لدرجة تطوّر تنتج في النهاية دولة حكم ذاتي؛ لكن هذه الخطة واجهت قدرًا كبيرًا من الانتقاد والسخرية. وكان مدار قولهم: “دعوا الأهالي الوطنيين يتطورون وفق مبادئهم، ولسوف “يعودون للوراء”. العودة إلى ماذا بحق السماء؟ ويتساءل دوبويس: هل تُعدّ حضارة ما متخلفة طبيعيًّا بسبب اختلافها؟ ثم ينتقد شرور الحضارة الأوروبية في إفريقيا التي أدخلتها للمرة الأولى، ويبرز حقيقة أن ثقافة الأهالي المحليين بالنسبة لدولة ما، وتقاليدها الشعبية وفنّها يجب أن يكون لكل ذلك أفق مفتوح، وإلا فلن تكون ثمة أمور في العالم مثل الحرية”.
كما رأى أن الرجال البيض يتلاعبون بالعبارات فحسب؛ عندما يعلنون أن انسحابهم من إفريقيا سيجرّ هذه القارة إلى الفوضى. ويمضي في عبارة لافتة: “إن ما تريده أوروبا، وبالأحرى جماعة صغيرة في أوروبا، ليس ميدانًا لنشر الحضارة الأوروبية، بل ميدان للاستغلال. تشتهي الحصول على موادها الخام… إن الطمع هو الذي يُحرّك اهتمام أوروبا بإفريقيا، ويعلم العالم الأبيض ذلك تمام العلم ولا يخجل منه”.
ويُمهّد دوبويوس للفقرة الأكثر خطورة في تحليلنا الراهن بخصوص الصهيونية السوداء، أو اعتقاده بوجوب أن تسير “الحركة الإفريقية” على خُطَا الصهيونية اليهودية بشكل كامل؛ إذ رأى أن أيّ تعديل من جديد لإفريقيا ليس عادلًا، ولا يمكن أن يستمر إذا لم يأخذ في اعتباره مصالح سكان القارة وفي الشتات (ذوي الأصول الإفريقية): “إن التحامل ضد الزنجي الطموح، في المستعمرات الأوروبية في إفريقيا، أعظم حالًا منه في أمريكا، ولذلك دلالة كبيرة. لكن مع تكوين شكل من الحكم سيقوم على مفهوم أن إفريقيا للإفريقيين ستكون ثمة فرصة للأمريكي الملون للهجرة إلى إفريقيا، وأن يكون رائدًا لدولة تمتلك بالنسبة له نفس الولع الذي تُوفّره إنجلترا للإنجليز المولودون في الهند”.
ويؤكد دوبويس أن تلك الحركة ليست انفصالية؛ إذ إنه ليس ثمة حاجة “للاعتقاد بأن مَن يدافعون عن فتح إفريقيا أمام الأفارقة وذوي الأصول الإفريقية يرغبون في ترحيل أعداد كبيرة من الأمريكيين الملونين إلى أرض أجنبية وغير مأهولة من بعض النواحي. وبشكل نهائي، دعونا نُقِرّ أننا أمريكيون، وأننا وصلنا هنا مع المستوطنين الأوائل، وذلك هو نوع الحضارة التي جئنا منها، ومكننا من اعتناق الأنماط والتقاليد الغربية… باختصار فإنه ليس هناك مَن هو أكثر أصالة (للسكان الأصليين في إفريقيا)، و”صنع في أمريكا” بشكل كامل منا (الزنوج أو الأفروأمريكيون). لذا فإنه من الحماقة بمكان الحديث عن عودة لإفريقيا بسبب وحيد، وهو أنها كانت وطننا قبل 300 عام، ليصل إلى خلاصة بالغة الخطورة:
“لكن صحيح أننا كشعب لم نُخْلَق للاستعمار، وأن عددًا من المهن والاهتمامات قد أُغْلِق في وجهنا وسيفتحها مجددًا استعادة إفريقيا. إن الحركة الإفريقية تعني لنا ما تعنيه الحركة الصهيونية تمامًا لليهود، أي مركزية الجهد العرقي والاعتراف بالأصل العرقي racial fount. إن المساعدة في حمل عبء إفريقيا لا يعني بالضرورة أيّ تقصير في الجهود في مشكلاتنا في الوطن (الولايات المتحدة)، بل إن ذلك يعني زيادة الاهتمام؛ لأن أيّ فورة في العمل والشعور ينتج عنها تحسُّن توجُّه إفريقيا لإصلاح حالة الشعوب الملونة في أرجاء العالم؛ “لأنه ليس أحدٌ منا يعيش لذاته”([7])، (نص كتابي من رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية- رومية 14 : 7).
وتكشف قراءة النص الذي خطه دوبويس عن ملاحظة أساسية هنا، وهي أنه رغم الطابع الإنساني الذي غلَّف أفكار دوبويس، ونقده المبكر للاستعمار الأوروبي (وفصله بشكل واضح عن أدوار الولايات المتحدة في ديناميات هذا الاستعمار)؛ باعتباره سببًا في التخلف الذي حاق بإفريقيا قبل مؤتمر برلين 1884-1885م، فإن رؤيته لحلول مشكلات القارة وتوقُّعه لعب الزنوج الأمريكيين الدور الرائد في تحرير إفريقيا من التخلف اقتداءً بالتجربة الصهيونية كوسيلة لتمدين فلسطين، وتمثله بُعدًا دينيًّا (سواء في الرؤية الرسولية للجماعة الزنجية باعتبار تشكُّلها على النمط الغربي-المسيحي، أو اختتام مقالته بآية من سفر رومية) في الحركة الزنجية (صهيونية المشروع، بمعنى العودة إلى إفريقيا لتمدينها)، كشف كل ذلك عن نزعة استعمارية زنجية لا تختلف عن نظيرتها الأوروبية إلا في الأدوات وصياغة الدور في تحمُّل “عبء القارة الإفريقية”؛ بحسب مفردات دوبويس عند قراءتها في مستوى أعمق.
…………………………..
[1] Reed, Adolph L. W. E. B. Du Bois and American Political Thought: Fabianism and the Color Line, Oxford University Press, New York, 1997, p. 15.
[2] Shawn Leigh Alexander, The Crisis: A Record of the Darker Races: An Introduction (in: Kirshke, Amy Helene and Sinitiere, Philip Luke, editors, Protest and Propaganda: W. E. B. Du Bois, the Crisis, and American History) University of Missouri Press, Columbia, Missouri, 2016, pp. 1-2.
[3] Horne, Gerald, W. E. B. Du Bois: A Biography, Greenwood Press, Santa Barbara, 2010, p. 60.
[4] Kellogg, Charles Flint, NAACP: A History of the National Association for the Advancement of Colored People, Vol. I, 1909-1920, The Johns Hopkins University Press, Baltimore, 1967pp. 125-6.
[5] The Crisis Editorial, Volume one, Number one, November 1910, pp. 10-11.
[6] Editorial, Letters from Dr. Du Bois, December 8, 1918, The Crisis, Vol. 17, No. 4 (February, 1919) pp. 164-5
[7] Editorial, Letters from Dr. Du Bois, December 8, 1918, The Crisis, Vol. 17, No. 4 (February, 1919) pp. 165-6.
The post مجلة “ذا كريسيس” وتجاوز “الحاجز اللوني” لدى وليام دوبويس ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
مثَّلت إفريقيا ساحة خصبة لزيارات ورحلات عدد من المفكرين والأدباء الأوروبيين في القرنين التاسع عشر والعشرين على الترتيب، ودوَّن هؤلاء زياراتهم وانطباعاتهم عن القارة السوداء في كتابات إبداعية وعلمية مهمة للغاية، ومُعبّرة عن طبيعة النظرة الأوروبية، بشكل عام، للقارة وشعوبها وقضاياها وموقعها في العالم.
The post رحلات أندريه جيد في الكونغو: نقد رومانتيكي للرأسمالية والاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مثَّلت إفريقيا ساحة خصبة لزيارات ورحلات عدد من المفكرين والأدباء الأوروبيين في القرنين التاسع عشر والعشرين على الترتيب، ودوَّن هؤلاء زياراتهم وانطباعاتهم عن القارة السوداء في كتابات إبداعية وعلمية مهمة للغاية، ومُعبّرة عن طبيعة النظرة الأوروبية، بشكل عام، للقارة وشعوبها وقضاياها وموقعها في العالم.
ومن كارل ماركس إلى أندريه جيد وألبير كامو، وغيرهم، بدت ملامح أهل بعض المدن الإفريقية، -مثل الجزائر وتونس وليوبولدفيل، وغيرها-، حاضرةً بين سطور كتاباتهم، رمزًا تارة، ودلالةً مباشرة تارة أخرى.
وقدَّم الكاتب الفرنسي الكبير أندريه جيد Andre Gide (1869-1951) نصيبًا وافرًا من هذه الإسهامات التي يمكن وصفها معًا بأنها نقد رومانتيكي للاستعمار وآفاته، وملامح الاستغلال المستدام الطاغي على وجوده بأدواته المختلفة؛ مثل: الشركات الكبرى والإدارات الاستعمارية.
وُلِدَ أندريه جيد لأسرة بروتستانتية غنية وذات منجزات ثقافية لافتة، وتلقَّى تربية صارمة لا سيما بعد وفاة والده وهو في سن صغيرة. توجَّه “جيد” للسفر خارج فرنسا في منتصف العشرينيات من عمره، واتجه منها إلى شمال إفريقيا في العام 1893، وتُوفيت أُمّه في العام 1895، وتزوّج بعدها مباشرة إحدى قريباته (مادلين روندو)، ورغم هذا الزواج التقليدي فإن حياته الشخصية ظلت بين مدّ وجزر دائمين([1]).
مع أندريه جيد: شريط حياة سريع وحافل
عُرف “أندريه جيد”، الحائز على جائزة نوبل للآداب في العام 1947، بنزعته الإنسانية والأخلاقية اللافتة في كتاباته الإبداعية والفكرية؛ وجنح أسلوبه في الكتابة، -منذ عمله المبكر Les Cahiers d’Andre Walter (دفاتر أندريه والتر- 1891)- إلى فكرة الاعتراف التي حقَّق من خلالها أعظم نجاحاته الأدبية. وفيما يُمثّل مجمل حياة “جيد” الثرية والحافلة بالرحلات في أرجاء العالم؛ قدّم الفيلم المُكرِّس لعرض حياته “مع أندريه جيد” Avec Andre Gide لمحات عابرة ودالة، وصورًا عن أصول عائلته في نورماندي ولانجودوك Languedoc، في الشمال والجنوب، والأصول الكاثوليكية والبروتستانتية.
وتوجد صور زاهية في أرجاء الجزائر وتونس تُقدِّم توثيقًا للكثير من أعماله منذ بداياتها حتى يومياته التي صدرت في العام 1941-1942. ومن بين أهم هذه اللحظات التي صوَّرها الفيلم عن حياة “جيد” رحلاته للكونغو، وسيره مع الشاعر الفرنسي بول فاليري (توفي: 1945)، وفي منزل ابنته في برينجول Bringoles، والخطاب الذي ألقاه في موسكو في حضرة الزعيم السوفييتي جوزيف ستالين([2]).
على أيّ حال؛ فقد كان لـ”جيد” صلة خاصة ومبكّرة بإفريقيا؛ إذ زار الجزء الشمالي من القارة في العام 1893 وهو شاب لم يتجاوز عمره 25 عامًا؛ وأسهمت هذه الزيارة في انفتاحه على عالم جديد خارج التقاليد البروتستانتية التي نشأ عليها، واقتراب أكثر جرأة من الثقافة العربية حينذاك، واتضح ذلك بشكل مذهل في مؤلفه Les Nourritures terrestres (ثمار الأرض: 1897) الذي عكس تحرُّرًا شخصيًّا لـ”جيد”.
على المستويين الديني (أو الوازع الديني) والسلوكي؛ عاد “جيد” لمدينة بليدة بالجزائر، أو شمال إفريقيا بحسب الوصف الاستعماري السائد وقتها، مرة أخرى في مطلع العام 1895؛ حيث التقى فيها بصديقه الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد([3]).
وتعمّقت معرفة “جيد” بإفريقيا “السوداء” في الأعوام التالية، وسَرَدها في سِفْر ضخم (لا سيما عند مقارنته ببقية أعمال “جيد” الأدبية)، حمل عنوان Voyage Au Congo: Carnets de Route, Gallimard, 1927، ترجمته “دوروثي باسي” إلى الإنجليزية في العام 1937([4])، وتضمن الكتاب نقدًا للاستعمار والرأسمالية الغربية في إفريقيا السوداء (في الكونغو وتشاد والكاميرون كمحطات رئيسة لرحلة “جيد”) على نحوٍ أحدثَ ضًجة كبيرة في العالم الاستعماري في وقتها.
“جيد” وإفريقيا السوداء: البدايات وتفكيك الاستعمار
كتب الفرنسي رينيه مارا R. Maran مقالًا مُهِمًّا عن صلة “أندريه جيد” بإفريقيا السوداء، نُشِرَ في نفس عام وفاة الأخير (1951)، واستهله بتأكيد أن “جيد” الذي يعتني (بمجلة) Presence Africaine هو “جيد” الذي ذهب إلى تشاد وأبحر في نهر الكونغو، ثم أوبانجوي Ubangui، والذي عاد لفرنسا بعد مروره بالكاميرون. وأنه ينتمي لتلك الفئة من الكُتّاب الذين حلموا في صباهم بأن يكونوا رجال أفعال، والذين باتوا كذلك بتقدم العمر رغمًا عن أنفسهم بعد تخلّيهم عن تلك الفكرة([5]).
وبالفعل كانت جولة “جيد” في إفريقيا الاستوائية الفرنسية (1926- 1927) شاهدةً على ما وصفه توماس كارول T.Carole في سرده لسيرة “جيد” الذاتية، بمرحلة الواقعية الاجتماعية في حياة الكاتب الفرنسي؛ فقد جاءت الرحلة وسط حالة اضطراب سياسي واجتماعي كبير في فرنسا وأوروبا ككل في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهي الأجواء التي دفعت “جيد” للخروج أكثر من دائرة حياته الخاصة إلى الاهتمام بالشؤون العالمية المحيطة ببلاده. وبادر مباشرة عند عودته من تلك الرحلة في العام 1927 بنشر دفاتره التي دَوَّنها خلال سفره هذا تحت عنوان “رحلة إلى الكونغو”؛ احتوت تلك الدفاتر على وَصْف مُفصَّل للمعاملة غير الآدمية التي يتلقَّاها العمال الأفارقة على يد الشركات التي كانت تستغل الامتيازات الاقتصادية والمعدنية الممنوحة لها في تلك المستعمرات. وقادت هذه الرؤية إلى نظر قطاع كبير من النخبة الفرنسية المثقفة إلى “جيد” باعتباره “حليفًا لليسار” المناهض للاستعمار والرأسمالية معًا([6]).
ووضع عدد من المؤرخين رحلة “جيد” وانتقاداته للممارسات الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا، -لا سيما خلال مشروع تشييد السكك الحديدية في الكونغو-، ضمن سياق تيار أوسع من صعود خطاب “إفريقاني” داخل فرنسا نفسها منذ منتصف القرن التاسع عشر، في وسط غلبت عليه تصورات غربية مفادها أن القارة السوداء ليس لديها ما تُسهم به في الواقع التاريخي أو الاجتماعي أو الجغرافي، والانتقادات التي وُجِّهت لتلك التصورات. ولاحظ فيليس كلارك Phyllis Clark، في دراسة هامة عن “جيد” في إفريقيا (1997)، ملاحظات تتسق مع ما سبق، ومنها أن نزوع الأخير لنقد الاستعمار في إفريقيا يعود ليس إلى رحلاته في الكونغو وحدها، بل إلى سنوت خلت، ولا سيما بعد زياراته للجزائر في سنّ مبكرة، وتبلور ذلك، مثالًا، في مؤلف “جيد” الأبرز L’Immoraliste (1902)([7]).
رحلات “جيد” إلى الكونغو: نقد رومانتيكي للاستعمار؟
يكشف كلارك عن ملاحظة بالغة الأهمية في تحليله لمُؤلَّف “جيد”: “رحلات إلى الكونغو”، وتتمثل تلك الملاحظة في غلبة وَعْي سياسي سائد على ذهنية “جيد”، كما غيره من كثير من المثقفين الفرنسيين فيما يخص سياسات بلادهم الاستعمارية.
وعلى سبيل المثال، فإنه يُورد في الرحلات أن هناك ارتباطًا واضحًا بين صعوبة الاحتفاظ (أي: احتفاظ فرنسا وإداراتها الاستعمارية في إفريقيا) بقوة عمل سهلة الانقياد والنقص العمدي في التعليم المؤثر في المستعمرات. وعلى أيّ حال، كما يُلاحظ “كلارك” بدقة بالغة، فإن “جيد” كان متناقضًا بطرحه مثل هذه التعميمات وغيرها، حتى في مؤلفه رحلات إلى الكونغو، التي لا تبدو أنها أمثلة معزولة كما يقول “جيد”، بل إنه يمضي قدمًا ويشير إلى تخوُّفه من احتمال تعطل نظام الاستعمار الفرنسي برُمّته بشكل جذري. وصنّف “جيد” ما رآه في رحلاته الإفريقية، ولا سيما إلى الكونغو، على أنها “حالات منعزلة”، فيما أكَّد في أكثر من موقع على إيمانه الوطني بالاستعمار الفرنسي في إفريقيا، وهو الإيمان الذي لم يَتخلَّ عنه في ثنايا مُؤلّفه “رحلات إلى الكونغو”([8]).
ويمكن إرجاع هذه النظرة “الرومانتيكية”، أو ذات المنحى “الإصلاحي”، للاستعمار الفرنسي في إفريقيا إلى ثقافة “جيد” المتأثرة بشكل بالغ بالميثولوجيا الإغريقية الغنية بالحروب والصراعات، والتي تطرحها كفكرة أولية جاءت مع خلق الإنسان، وربما قبله، إضافة إلى ثقافته الدينية التقليدية القائمة على تمثلات مكثفة للكتاب المقدس في مضامين أعماله وشخصياته.
وعلى وقع هذه الخلفية نظَر بن ستولتزفس Ben Stoltzfus لرحلات “جيد” لإفريقيا والاتحاد السوفييتي، وحواراته التالية حول الرأسمالية -(لا سيما في مُؤلّفه “رحلات إلى الكونغو”) والشيوعية (في رحلاته للاتحاد السوفييتي التي دوَّنها في مؤلفه Retour de L’U.R.S.S. المنشور في العام 1936)- على أنها مُعبِّرة عن تحوُّل حاجة “جيد” للعيش في مناخ تسوده قوى متناقضة/ متصارعة في شخصيته المتأخرة من الجانب الفني إلى المستوى الاجتماعي([9]).
وبإيجاز فإن مآخذ “جيد” على الاستعمار، ومشاهداته التي دوَّنها عن معاناة عمال الكونغو (دولة جمهورية الكونغو الديمقراطية الحالية)، من ممارسات الشركات الكبرى، تظل عند حدود الدعوات الإصلاحية لسياسات الاستعمار الفرنسي، والمختلطة –في واقع الأمر- بقناعة تتبدَّى من حين لآخر لدى “جيد” بأهمية دور الاستعمار الفرنسي في تمدين القارة الإفريقية.
لكن، أخذًا في الاعتبار أجواء ما بعد معاهدة فرساي 1919، وتعمّق الاقتناع العالمي بدور أوروبا والولايات المتحدة في قيادة العالم، كما كان الحال في سنوات قليلة خلت حاليًّا، وثقافة “جيد” نفسها فإنه يمكن القول: إن نقد الاستعمار والرأسمالية، لدى “جيد”، يظل نقدًا رومانتيكيًّا تنقصه الجرأة في مواجهة مثالب الاستعمار الحقيقية، وتسمية الأمور بمسمياتها.
…………………………….
[1] Van Tuyl, Jocelyn, Andre Gide and the Second World War: A Novelist’s Occupation, State University of New York Press, 2006, p. 5.
[2] Fowlie, Wallace, Who Was Andre Gide? The Sewanee Review , Oct. – Dec., 1952, Vol. 60, No. 4 (Oct. – Dec., 1952), pp. 605- 623.
[3]– ألف “جيد” كتيبًا فريدًا من نوعه دفاعًا عن صديقه وايلد، وحمل العنوان اسمه، وأثار ضجة في وقته وسط حالة هجوم جامحة ضد الأخير بسبب سلوكياته وميوله الشخصية:Gide, Andre, Oscar Wilde: A Biography, 1910
[4] Gide, Andre, Travels in the Congo (translated by Dorothy Bussy), Modern Age Books, Inc. New York, 1937.
[5] Renέ Maran and Mercer Cook, Andre Gide and l’Afrique Noire, Phylon (1940-1956), Vol. 12, No. 2 (2nd Qtr., 1951), pp. 164-170.
[6] Carole, Thomas, Andre Gide, Twayne Publishers, Inc. London, 1964, pp. 117-8.
[7] Clark, Phyllis, Phyllis Clark, South Central Review , Spring, 1997, Vol. 14, No. 1 (Spring, 1997), pp. 56-73
[8] Ibid, p. 67.
[9] Stoltzfus, Ben, André Gide and the Voices of Rebellion, Contemporary Literature , Winter, 1978, Vol. 19, No. 1 (Winter, 1978), pp. 96-7.
The post رحلات أندريه جيد في الكونغو: نقد رومانتيكي للرأسمالية والاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
في زمنٍ كانت فيه القارة تُساق إلى الذُّلّ تحت سيوف الاستعمار الأوروبي، نهض "ساموري توري" كالسيف المجرد، يذود عن الأرض والعقيدة والهوية، ويكتب بدمه وسلاحه ملحمةً من المقاومة، لا تزال تُروى على ألسنة الأحرار، وتُحفَر في ذاكرة الشعوب.
The post ساموري توري: بونابرت إفريقيا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>في قلب غرب إفريقيا؛ حيث تنبض الأرض بذكريات المعارك وتئنّ الصخور تحت وطأة التاريخ المكتوب بالدم والبارود؛ يسطع اسم “ساموري توري” Samory Touré كشمس لا تغيب عن سماء العزة والكرامة. إنه ليس مجرد قائد عسكري أو زعيم قبيلة، بل هو عقلٌ إستراتيجيٌّ مُتَّقد، وروحٌ مؤمنة لا تلين، بنى بإرادته إمبراطوريةً من نار وحديد، امتدت من أعماق “غينيا” إلى أطراف “ساحل العاج”، وعانقت رمال مالي بشموخ لا يُقهَر.
في زمنٍ كانت فيه القارة تُساق إلى الذُّلّ تحت سيوف الاستعمار الأوروبي، نهض “ساموري توري” كالسيف المجرد، يذود عن الأرض والعقيدة والهوية، ويكتب بدمه وسلاحه ملحمةً من المقاومة، لا تزال تُروى على ألسنة الأحرار، وتُحفَر في ذاكرة الشعوب. لقد كان جدارًا من فُلاذ في وجه الطغيان، ورمزًا خالدًا لمن أراد أن يفهم كيف تُصاغ البطولة حين تمتزج البصيرة بالشجاعة، والإيمان بالعزم.
إنه لفخرٌ يعتزّ به كل إفريقي حرّ أن يستحضر سيرة هذا القائد الفذّ، الذي لم يكن مجرد صفحة في كتاب التاريخ، بل كان نبضًا في وجدان القارة، وصوتًا صارخًا في وجه الطغيان. سنغوص في نشأته الأولى، ونرصد تحوّلاته الفكرية والعسكرية، ونكشف كيف شيَّد دولةً ذات مؤسسات راسخة، لا تقوم على الغنائم، بل على الرؤية والعزيمة.
ثم ننتقل إلى فَهْم دولته وإمبراطوريته؛ حيث كتب “ساموري توري” مَلْحمته الخالدة ضد الجيوش الفرنسية الغازية، تلك التي عجزت عن إخضاعه إلا بعد سنواتٍ من الكرّ والفرّ، والمناورات التي أرهقت جنرالات “باريس”. وسنقف عند أثره العميق في الذاكرة الإفريقية، وكيف ساهم في تشكيل وعيٍ مقاومٍ متجذّر في شعوب المنطقة، ليظل “ساموري توري”، الذي أطلق عليه خصومه لقب “بونابرت إفريقيا”، رمزًا خالدًا للكرامة والسيادة، وصوتًا لا يخمد في وجه الاستعمار. لقد حوّل الإيمان إلى سلاح، والقبيلة إلى أُمَّة، والمقاومة إلى مدرسةٍ لا تزال تُخرّج الأحرار حتى اليوم.
النشأة والتحوُّل من التاجر إلى القائد:
وُلد “ساموري توري” في منتصف القرن التاسع عشر في منطقة “سانانكورو” Sanankoro، الواقعة حاليًّا في جنوب شرق “غينيا”. وينتمي -بطبيعة الحال- إلى شعوب “الماندينكا” العِرْقية، التي انخرطت في تعلُّم العلوم الإسلامية، إلى جانب نشاطها التجاري الواسع، ومواقفها التاريخية المناهضة للهيمنة الأجنبية.
تشير الروايات الشفوية إلى أن “ساموري توري” تأثر في طفولته بمزيج من التعاليم الإسلامية وقِيَم الفروسية التي كانت سائدة في مجتمعه، ما ساهم في تشكيل وعيه المبكر. وقد نشأ في أُسرة تنتمي إلى طبقة التجار، الأمر الذي أتاح له فرصة التعرُّف على شبكات التجارة العابرة للقبائل، واكتساب مهارات لغوية متعددة تشمل اللغات واللهجات المحلية، فضلًا عن تلقّيه مبادئ التعليم الديني الإسلامي.
هذا التكوين المبكّر أسهم في ترسيخ سمات شخصية بارزة لديه، من أبرزها: التنظيم والانضباط، وهي خصائص ستتجلى لاحقًا في مسيرته القيادية والعسكرية، وتُعدّ من العوامل الأساسية التي ساعدته في بناء مشروعه السياسي والمقاوم.
بدأ “ساموري توري” حياته المهنية في مجال التجارة، متنقلًا بين المراكز التجارية الواقعة جنوبًا وشرقًا؛ حيث كان يعقد صفقاتٍ تجارية مع مختلف القبائل، مستفيدًا من شبكة علاقات واسعة النطاق. غير أن مسار حياته شهد تحولًا جذريًّا في عام 1854م، إثر عملية توغل نفَّذها “سيري بورلاي” Sere-Burlay، ملك “سيسيه” Sise أسفرت عن أَسْر والدته في قريته الأصلية.
شكَّلت هذه الحادثة نقطة انعطاف حاسمة في مسيرته؛ إذ دفعته إلى التخلّي مؤقتًا عن نشاطه التجاري والانخراط في العمل العسكري؛ بهدف تحرير والدته. وقد مثّلت هذه الواقعة الشرارة الأولى لانبثاق مشروعه القيادي؛ حيث شرع في تأسيس وحدة قتالية أولية، مستثمرًا خبرته السابقة في شبكات التجارة لبناء تحالفات إستراتيجية مع عدد من الفاعلين المحليين، ما أتاح له تأسيس قاعدة أولية للنفوذ العسكري والسياسي.
عقب نجاحه في تحرير والدته، لم يَعُد “ساموري توري” إلى نشاطه التجاري، بل اتجه نحو تعزيز قدراته العسكرية وتطوير بنيته القتالية. وقد استلهم في هذا المسار عددًا من المبادئ التنظيمية المستمَدَّة من تجربته التجارية، مثل الانضباط، وتوزيع المهام، وتوظيف شبكات الدعم اللوجستي، ما أضْفَى على مشروعه العسكري طابعًا مؤسسيًّا فريدًا.
باشَر “ساموري توري” بتجنيد عناصر من خلفيات عرقية وقبلية متعددة، ساعيًا إلى بناء قوة قتالية متماسكة تتجاوز الانتماءات المحلية. وركّز على تدريب المقاتلين على استخدام الأسلحة النارية، التي كان يحصل عليها عبر قنوات تجارية سابقة؛ الأمر الذي مكَّنه من تحقيق تفوُّق نسبي في التسليح مقارنة بالقوى المحلية الأخرى.
إن هذا التداخل بين العقل التجاري والحنكة العسكرية منح “ساموري توري” موقعًا استثنائيًّا في سياق القرن التاسع عشر الإفريقي، وجعله نموذجًا فريدًا لقائدٍ استطاع أن يُوظِّف أدوات الاقتصاد في خدمة مشروع مقاوم ذي طابع سياسي وعسكري متكامل.
مع اتساع نطاق نفوذه العسكري، تجاوز “ساموري توري” الدور القتالي التقليدي، متجهًا نحو تأسيس كيان سياسي ذي طابع إسلامي، عُرف لاحقًا باسم “إمبراطورية واسولو” Wassulu. وقد تميز هذا الكيان بفرض نظام إداري صارم، ونشر التعليم الديني المستند إلى المرجعية الإسلامية، فضلًا عن بناء علاقات دبلوماسية مع القوى المجاورة، ما يدل على توجهه نحو إرساء مؤسسات حاكمة ذات طابع مركزي ومنضبط.
يعكس هذا التحول من تاجر إلى قائد سياسي وديني قدرة “ساموري توري” على التكيُّف مع المتغيرات الإقليمية، وتوظيف خلفيته التجارية في بناء دولة قائمة على التنظيم، والتحالفات، والشرعية الدينية. وقد شكَّل هذا النموذج السياسي حالة فريدة في غرب إفريقيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر؛ حيث تداخلت فيه عناصر التجارة، والدين، والعسكرية ضمن مشروع مقاوم متكامل.
وفي سياق التوسع الفرنسي في غرب إفريقيا، برز “ساموري توري” بوصفه رمزًا للمقاومة، متجاوزًا موقعه كقائد محلي إلى زعامة إقليمية ذات طابع تعبوي. استخدم خبراته التجارية لتأمين الأسلحة النارية، واستثمر قدراته القيادية في توحيد القبائل تحت راية واحدة، ما مكَّنه من خوض سلسلة من المعارك الطويلة ضد القوات الاستعمارية الفرنسية. وقد اعتمد في مواجهاته على تكتيكات حربية متقدمة، أبرزها إستراتيجية “الأرض المحروقة” والتنقل السريع، بهدف استنزاف العدو وإعاقة تقدُّمه.
ورغم أن مسيرته انتهت بالنفي إلى “الجابون”، فإن تجربته تظل نموذجًا بارزًا لتحوُّل الفرد من تاجر إلى قائد مقاومة، يجمع بين الذكاء الإستراتيجي، والقدرة التنظيمية، والولاء العميق للهوية الثقافية والدينية، ما جعله أحد أبرز رموز النضال الإفريقي ضد الاستعمار الأوروبي.
بناء الدولة والجيش:
بعد أن رسَّخ مكانته كقائد عسكري بارز، نجح “ساموري توري” في تحويل نفوذه إلى كيان سياسي منظم عبر تأسيس دولة “واسولو”، التي امتدت رقعتها الجغرافية لتشمل مناطق واسعة من غرب إفريقيا. وقد اتخذ من مدينة “بيساندوجو” Bissandugu مركزًا إداريًّا وعسكريًّا لدولته. مما أضْفَى طابعًا مؤسسيًّا على مشروعه السياسي. اعتمد “ساموري توري” في بناء دولته على نموذج مركزي يجمع بين السلطتين الدينية والإدارية؛ حيث كان يُنظَر إليه بوصفه “أميرًا مؤمنًا” وقائدًا سياسيًّا، وهو ما عزَّز من شرعيته في نظر القبائل المختلفة، وساهم في توطيد سلطته.
تميَّز جيش “ساموري توري” بدرجة عالية من الانضباط والتدريب، الأمر الذي جعله من أكثر الجيوش فاعلية في المنطقة خلال تلك الحقبة. وقد قسّم قواته إلى وحدات متخصصة، شملت المشاة والفرسان، وحرص على تدريبهم على استخدام الأسلحة النارية، لا سيما البنادق التي كان يحصل عليها عبر شبكات التجارة الإقليمية. كما أسَّس نظامًا للتجنيد الإجباري في المناطق الخاضعة لسيطرته، مما ضمن استمرارية تدفق المقاتلين إلى صفوف جيشه.
وفي إطار التنظيم الإداري، تبنَّى “ساموري توري” هيكلًا مركزيًّا للقيادة العسكرية؛ حيث تُصدر الأوامر من العاصمة ويتم تنفيذها عبر سلسلة من القادة المحليين الذين يتم اختيارهم بناءً على معايير الكفاءة والولاء. هذا النموذج الإداري أتاح له إدارة جبهات متعددة في آنٍ واحدٍ، ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية بقدر كبير من الفعالية. كما أنشأ جهازًا استخباراتيًّا لرَصْد التحركات المعادية، مما عزَّز من قدرته على المناورة العسكرية والسياسية.
لم يكن الجيش، في تصوُّر “ساموري توري”، مجرد أداة قتالية، بل كان مؤسسة تخضع لقوانين صارمة تنظم السلوك والانضباط. وقد فرض عقوبات مشددة على أفراد جيشه في حالات السرقة، أو التخاذل، أو الاعتداء على المدنيين، مما ساهم في ترسيخ صورة جيشه كقوة منظمة ذات طابع مؤسسي، بعيدًا عن سلوكيات الميليشيات العشوائية. ولتعزيز روح الانتماء لدى الجنود، ربط “ساموري توري” بين الجهاد الديني والانضباط العسكري، وهو ما منح المقاتلين دافعًا عقائديًّا يُضَاف إلى الولاء السياسي.
وفي سياق مقاومته للتوسع الفرنسي، تبنّى “ساموري توري” إستراتيجية “الأرض المحروقة”؛ حيث كان يُخلي المناطق ويُدمِّر الموارد قبل وصول القوات الاستعمارية إليها. وقد مكَّنه هذا الأسلوب، إلى جانب مرونة جيشه في الحركة، من الصمود لفترة طويلة رغم التفوق العسكري والتقني الفرنسي. وأسهَم هذا النهج في ترسيخ صورة دولته كرمز للمقاومة، وجعل من جيشه نموذجًا يُحتذى به في التنظيم والتكتيك العسكري.
البُعد الديني والروحي:
كان الإسلام يُشكّل العمود الفقري لفكر “ساموري توري”، فلم يكن الإسلام بالنسبة له مجرد طقوس، بل منظومة حُكم ودستور دولة وهيكل اجتماعي. فمنذ بداياته، حرص على تعلُّم العلوم الشرعية واللغة العربية، واعتبر نفسه مجاهدًا في سبيل الله. هذا البُعد الديني منَحه شرعيةً واسعةً بين القبائل المسلمة، وساعده في توحيد صفوفهم تحت راية الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي؛ الذي كان يُنظَر إليه كقوة كافرة تُهدِّد الهوية الدينية والثقافية للمنطقة.
لم يقتصر مشروع “ساموري توري” على بناء القوة العسكرية أو التصدي للتوسع الاستعماري، بل امتد ليشمل جانبًا معرفيًّا وثقافيًّا بالغ الأهمية، تمثّل في دعمه لنشر التعليم الإسلامي داخل حدود دولته. فقد أنشأ الكتاتيب والمدارس القرآنية في مختلف المدن والقرى التابعة له، وسعى إلى استقطاب العلماء والدعاة، مُشجِّعًا إياهم على تعليم الناس أصول العقيدة والفقه، بما يُعزّز من الوعي الديني ويُعمِّق الانتماء الثقافي.
وفي إطار سعيه لترسيخ الإسلام في الوعي الشعبي، دعم “ساموري توري” ترجمة عدد من النصوص الدينية إلى اللغات المحلية، وهو ما ساهم في تقريب المفاهيم الإسلامية إلى عامة الناس، وربط الدين بالهوية الوطنية. هذا التوجه لم يكن مجرد سياسة تعليمية، بل كان جزءًا من مشروعه السياسي والثقافي، الذي سعى من خلاله إلى بناء مجتمع متماسك يستند إلى مرجعية دينية مشتركة، ويقاوم الهيمنة الاستعمارية عبر تعزيز الذات الحضارية.
تحوّل “ساموري توري”، في نظر شعبه وجيشه، إلى قائد روحي لا يقل شأنًا عن مكانته العسكرية؛ إذ استطاع توظيف الخطاب الديني كأداة تعبئة وتحفيز، رابطًا بين النصر العسكري والثبات العقائدي. وقد تجلّى هذا التوجه في العديد من خطاباته، التي اتسمت بالاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ حيث قدّم نفسه بوصفه منفذًا لإرادة إلهية، لا مجرد زعيم سياسي. هذا التوظيف الرمزي للدين عزّز من مكانته في الوعي الجمعي، وجعل منه رمزًا تتقاطع فيه القيادة السياسية مع المرجعية الدينية، مما ساهم في ترسيخ شرعيته وتعميق الولاء الشعبي له.
نظر “ساموري توري” إلى مقاومته للاستعمار الفرنسي بوصفها جهادًا شرعيًّا، مستندًا إلى تصور ديني يُضفي على الصراع طابعًا عقائديًّا يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية. وقد أطلق على حملاته العسكرية تسميات ذات دلالات دينية، في إشارة واضحة إلى مركزية البُعْد الروحي في مشروعه المقاوم. لم يكن هذا التوظيف الديني مجرد غطاء سياسي، بل نابعًا من قناعة راسخة بأن الدفاع عن الأرض والعقيدة يُعدّ واجبًا شرعيًّا، وهو ما مكّنه من تعبئة جماهيرية واسعة.
هذا الإطار الجهادي أضفى على حركة المقاومة طابعًا شعبيًّا يتجاوز الانتماءات القبلية والمصالح الاقتصادية، ويُعيد تشكيل الهوية الجماعية حول مفهوم الدفاع المقدَّس. وبهذا، تحوّلت مقاومة “ساموري توري” إلى مشروع تحرري ذي مرجعية دينية، استطاع أن يُوحِّد أطيافًا اجتماعية متعددة تحت راية واحدة، قائمة على الإيمان والواجب الشرعي.
شكّلت إقامة الشعائر الدينية في دولة “ساموري توري” جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية؛ حيث أعطى تنظيم صلاة الجماعة، والاحتفاء بالأعياد الإسلامية، وتطبيق الشريعة في القضاء، مكانة مركزية ضمن البنية الاجتماعية والسياسية للدولة. وقد حرص “ساموري توري” على أن تتجلى الرموز الإسلامية في مظاهر الحكم كافة، بما في ذلك الأعلام والخطابات الرسمية، التي جاءت مشبّعة بالدلالات الدينية، في محاولة واعية لربط السلطة السياسية بالمرجعية الإسلامية.
هذا الدمج بين الممارسة الدينية ومؤسسات الحكم لم يكن مجرد تعبير ثقافي، بل مثّل توجهًا إستراتيجيًّا لتأسيس نموذج حكم يجمع بين الشرعية الدينية والمقاومة السياسية. وبهذا، غدت دولة “ساموري توري” تجربةً فريدة في التاريخ الإفريقي؛ حيث تماهى المشروع الإسلامي مع مشروع التحرُّر، في إطار مقاومة استعمارية ذات طابع عقائدي وسياسي متداخل.
المواجهة مع الاستعمار الفرنسي:
بدأت المواجهة بين “ساموري توري” والقوات الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر، في سياق توسّع النفوذ الفرنسي نحو غرب إفريقيا؛ حيث كانت إمبراطورية “واسولو” تُمثّل إحدى القوى الإقليمية الفاعلة. وقد نظر “ساموري توري” إلى هذا التوسع الاستعماري بوصفه تهديدًا مباشرًا لمُقوّمات دولته، من دين وشعب واستقلال سياسي، رافضًا الانصياع لمنطق الهيمنة الخارجية.
منذ اللحظة الأولى، اتخذ “ساموري توري” موقفًا مقاومًا واضحًا، مدفوعًا بقناعة راسخة بضرورة الدفاع عن السيادة والهوية. وشرع في إعداد جيشه لخوض معارك طويلة الأمد، واضعًا نُصْب عينيه أن المواجهة مع فرنسا لن تكون ظرفية أو محدودة، بل تُعدّ صراعًا إستراتيجيًّا يتطلب تنظيمًا عسكريًّا محكمًا واستعدادًا نفسيًّا وماديًّا مستمرًّا.
اتسمت مقاومة “ساموري توري” للطموحات الاستعمارية الفرنسية بتوظيفه لتكتيكات عسكرية غير تقليدية، عكست قَدْرًا عاليًا من المرونة والابتكار في إدارة الصراع. فقد اعتمد على أسلوب حرب العصابات، والتحرك السريع للقوات، إلى جانب إستراتيجية “الأرض المحروقة”، التي تمثلت في إخلاء المدن والقرى وتدمير الموارد الحيوية قبل وصول القوات الفرنسية، بهدف حرمان العدو من الاستفادة منها.
كما أَوْلَى “ساموري توري” أهمية بالغة للعمل الاستخباراتي، فأنشأ شبكات لرَصْد تحركات القوات الفرنسية، مما مكَّنه من اتخاذ قرارات ميدانية دقيقة. وفي سياق تعزيز قدرات جيشه، حرص على تدريب المقاتلين على استخدام الأسلحة النارية الحديثة، لا سيما البنادق، التي كان يحصل عليها عبر علاقات تجارية مع مناطق تقع خارج دائرة النفوذ الفرنسي. هذا التوظيف المتكامل للتكتيك العسكري، والاستخبارات، والتسليح، منَح مقاومته طابعًا مؤسسيًّا وإستراتيجيًّا، مكَّنها من الصمود أمام قوة استعمارية تفوقها عددًا وعتادًا.
لم تكن المواجهة التي خاضها “ساموري توري” ضد القوات الفرنسية مجرد صراع على النفوذ السياسي أو الجغرافي، بل اتخذت طابعًا دينيًّا واضحًا، تجلّى في اعتبار المقاومة جهادًا شرعيًّا في سبيل الله. وقد وظّف توري الخطاب الديني بوصفه أداة تعبئة فعّالة، استهدفت تحفيز الجنود وتوحيد القبائل تحت راية عقائدية مشتركة، تتجاوز الانقسامات القبلية والمصالح المحلية.
هذا البُعد الروحي لم يكن هامشيًّا في مشروعه المقاوم، بل شكَّل ركيزة أساسية في بناء الهوية القتالية؛ حيث عزّز من روح التضحية والانضباط، لا سيما في ظل التفوق الفرنسي من حيث العتاد والتكنولوجيا العسكرية. ومن خلال ربط الجهاد بالدفاع عن الأرض والعقيدة، استطاع “ساموري توري” أن يُحوِّل مقاومته إلى حركة تحرُّر ذات طابع ديني، تستند إلى شرعية شعبية وأخلاقية، وتُعيد تعريف الصراع بوصفه معركة وجود لا مجرد مواجهة سياسية.
ورغم الطابع العسكري البارز لمشروعه المقاوم، لم يكن “ساموري توري” يفتقر إلى البصيرة السياسية؛ إذ أظهر قدرة لافتة على توظيف الدبلوماسية والمناورة كأدوات موازية للعمل العسكري. فقد أبرم عدة اتفاقيات مؤقتة مع السلطات الفرنسية، حين اقتضت الضرورة، بهدف كسب الوقت أو إعادة تنظيم صفوف جيشه، دون أن يتنازل عن مبدأ المقاومة أو يعترف بشرعية الهيمنة الاستعمارية.
كما سعى إلى بناء تحالفات إستراتيجية مع قوى محلية، من بينها قبائل “الفولاني” وبعض الزعامات الإسلامية، في محاولة لتشكيل جبهة مقاومة موحّدة تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية. هذه التحركات السياسية عكست قدرته على التكيّف مع المتغيرات الميدانية، وعلى فهم تعقيدات المشهد الإقليمي؛ حيث لم يكن السلاح وحده كافيًا لحسم الصراع، بل كانت السياسة أداة ضرورية لتوسيع قاعدة الدعم وتعزيز الاستمرارية.
بعد سنوات من المقاومة المستمرة والشرسة، نجحت القوات الفرنسية في إضعاف إمبراطورية “ساموري توري” عبر سلسلة من الحملات العسكرية المنسَّقة، التي استهدفت تفكيك بنيته السياسية والعسكرية. وفي عام 1898م، أُلقي القبض على توري ونُفي إلى “الجابون”؛ حيث وافته المنية لاحقًا، منهية بذلك فصلًا حافلًا من الصراع ضد الهيمنة الاستعمارية.
ورغم هذه النهاية، ظلّت مقاومة “ساموري توري” تُمثّل رمزًا متجذرًا للكرامة الإفريقية، وتجسيدًا حيًّا لفكرة التصدي الواعي للاستعمار. وقد خُلّد اسمه في الذاكرة التاريخية بوصفه أحد أبرز القادة الذين جمعوا بين الالتزام العقائدي، والحنكة السياسية، والشجاعة الميدانية، في مشروع مقاوم تجاوز حدود الزمان والمكان، ليغدو جزءًا من الإرث التحرري للقارة الإفريقية.
الإرث والرمزية:
على الرغم من سقوط إمبراطورية “واسولو”، ظل النموذج السياسي الذي أسَّسه “ساموري توري” حاضرًا في الذاكرة الإفريقية بوصفه تجربة رائدة في بناء الدولة تحت وطأة التهديد الاستعماري. فقد أثبت “ساموري توري”، من خلال مشروعه، أن القائد المحلي قادر على تأسيس دولة مركزية تتمتع بمؤسسات إدارية فعَّالة، وجيش منظم، ونظام قضائي يستند إلى المرجعية الشرعية، في مواجهة قوى استعمارية تفوقه عددًا وعدَّة.
وقد شكَّل هذا الإرث مصدر إلهام للعديد من الحركات التحررية الإفريقية في العقود اللاحقة، التي وجدت في تجربة “ساموري توري” مثالًا ملموسًا على إمكانية تحقيق السيادة الوطنية رغم التحديات البنيوية والسياسية. وبذلك، تحوّلت دولته من مجرد كيان سياسي إلى رمز تاريخي يُجسِّد الإرادة الإفريقية في مقاومة الاستعمار وبناء مؤسسات الحكم الذاتي.
ارتبط اسم “ساموري توري” في الذاكرة الإفريقية بمفهومي الجهاد والمقاومة، ليس فقط بوصفه قائدًا عسكريًّا، بل باعتباره رمزًا للثبات العقائدي والروحي في مواجهة الاستعمار. فقد خاض معاركه تحت راية الدفاع عن الإسلام، مؤمنًا بأن مقاومته تمثّل واجبًا دينيًّا يتجاوز الحسابات السياسية. هذا التوظيف العقائدي منح مشروعه التحرري بُعدًا رمزيًّا عميقًا، ساهم في ترسيخ صورته في الوعي الشعبي بوصفه “إمامًا” وقائدًا روحيًّا.
وقد انعكست هذه الرمزية في الأدبيات الشفوية والكتابات التاريخية، التي تناولت سيرته بوصفها نموذجًا للبطولة والتضحية؛ حيث امتزج البُعد الديني بالعمل المقاوم، ليُشكِّل سردية تحررية ذات طابع أخلاقي وروحي، لا تزال حاضرة في الخيال الجمعي الإفريقي حتى اليوم.
في المناطق التي خضعت لحكم “ساموري توري”، لا تزال الحكايات الشعبية والأغاني التقليدية تتناقل سيرته بوصفه قائدًا استثنائيًّا واجه البنادق بالقرآن، والتوسع الاستعماري بالإيمان. هذا الحضور الثقافي المتجذر في الذاكرة الجماعية يعكس كيف تجاوز إرثه حدود الفعل السياسي والعسكري، ليغدو رمزًا روحيًا ومُعبِّرًا عن الهوية لدى شعوب غرب إفريقيا، لا سيما بين “الماندينك” و”المالينكي”.
لقد تحوّلت شخصية “ساموري توري”، عبر الأدب الشفهي والممارسات الثقافية، إلى تجسيد حي لفكرة المقاومة المؤمنة؛ حيث امتزج البُعْد العقائدي بالبطولة التاريخية، في سرديات شعبية تُعيد إنتاج تجربته بوصفها نموذجًا للتحرر والكرامة. وبهذا، لم يبقَ إرثه حبيس الوثائق الرسمية أو الدراسات الأكاديمية، بل أصبح جزءًا من النسيج الثقافي الذي يُعبِّر عن تطلعات المجتمعات الإفريقية إلى السيادة والاعتزاز بالذات.
في سياق الحركات التحررية التي شهدتها إفريقيا خلال القرن العشرين، أُعيد استحضار تجربة “ساموري توري” بوصفها مرجعية رمزية للنضال ضد الهيمنة الأجنبية. وقد برز هذا التوظيف بشكل خاص في خطاب “أحمد سيكو توري”، أول رئيس لجمهورية “غينيا”، الذي ادَّعى انحداره من نسل “ساموري توري”، مستثمرًا هذا النسب الرمزي في ترسيخ شرعية مشروعه السياسي. استخدم “سيكو توري” اسم “ساموري توري” كأيقونة للكرامة الوطنية والاستقلال، في مواجهة النفوذ الفرنسي، مما أضفَى على تجربته التحررية بُعدًا تاريخيًّا متجذرًا في الذاكرة الجماعية.
هذا الامتداد السياسي لإرث “ساموري توري” يبرهن على أن رمزيته تجاوزت حدود الزمان والمكان، فلم تعُد حكرًا على السياق المحلي لإمبراطورية “واسولو”، بل تحوّلت إلى عنصر فاعل في الخطاب التحرري الإفريقي العام. وبذلك، غدت سيرته جزءًا من البنية الرمزية التي استندت إليها حركات الاستقلال، في سعيها لتأكيد السيادة وبناء الدولة الوطنية على أُسُس من المقاومة التاريخية والاعتزاز بالهوية.
ترك “ساموري توري” إرثًا فكريًّا وتنظيميًّا بالغ الثراء، جمع فيه بين الالتزام بالعقيدة الإسلامية، والحنكة العسكرية، والقدرة على تأسيس دولة مركزية ذات مؤسسات فعَّالة. وقد شكّلت تجربته محورًا لعدد كبير من الدراسات الأكاديمية، التي تناولتها من زوايا متعددة: دينية، عسكرية، اجتماعية، وثقافية، في محاولة لفهم تعقيداتها وتداخلاتها.
يعكس هذا الاهتمام العلمي المتواصل عمق التجربة التي خاضها “ساموري توري”، ويؤكد أن إرثه لم يُطوَ في صفحات التاريخ، بل ظل حيًّا في مجالات البحث والتأريخ، بوصفه نموذجًا فريدًا للمقاومة السياسية والدينية، ولإمكانية بناء الدولة في سياق إفريقي خاضع للتهديد الاستعماري. وبهذا، تحوّلت سيرته من مجرد حدث تاريخي إلى مرجعية تحليلية تُستدعى في النقاشات المعاصرة حول السيادة، والهوية، والتحرر.
لم تكن نهاية “ساموري توري” مجرد خاتمة لمسيرة رجل، بل مثَّلت طيًّا لفصلٍ حاسمٍ من فصول المقاومة الإفريقية ضد الاستعمار الأوروبي. فقد تحوّلت سيرته إلى مادة تُدرّس في المناهج التعليمية، وتُستحضَر غزواته في المناسبات الوطنية، وتُستخلَص من تجربته دروس تُوظَّف كمرجعيات أخلاقية وسياسية في الخطاب التحرري المعاصر.
إن إرثه، في لحظة الخاتمة، يكشف كيف يمكن للهزيمة العسكرية أن تتحوَّل إلى انتصار رمزي، حين تكون مشبّعة بقِيَم العقيدة، والكرامة، والمبدأ. لقد تجاوزت تجربته حدود الزمان والمكان، لتغدو جزءًا من الذاكرة الجماعية لشعوب غرب إفريقيا، ورمزًا دائمًا لإمكانية المقاومة، حين تتعمق في الإيمان والوعي السياسي.
وختامًا:
على الرغم من أن “ساموري توري” يُعدّ من أبرز رموز المقاومة الإفريقية ضد الاستعمار، إلا أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن نمط حكمه اتسم بدرجة من الصرامة المفرطة، انعكست في سياسات داخلية أثارت جدلًا بين مؤيديه ومعارضيه. فقد فرض نظامًا للتجنيد الإجباري في المناطق الخاضعة لسلطته، إلى جانب فرض ضرائب مرتفعة هدفت إلى دعم المجهود الحربي وتعزيز مؤسسات الدولة الناشئة. غير أن هذه السياسات، رغم أهدافها الإستراتيجية، أثارت استياء بعض القبائل، وخلقت حالة من التوتر بين القيادة المركزية والمجتمعات المحلية.
وقد ساهم هذا التباين في المواقف في إضعاف شعبيته داخل بعض الأوساط، وفتح المجال أمام نقد داخلي لتجربته، خاصةً في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي واجهتها الدولة. ومع ذلك، فإن هذه الممارسات تُفهَم ضمن سياق بناء الدولة في ظل تهديد استعماري متصاعد؛ حيث كان التوازن بين الحزم السياسي والتماسك الاجتماعي مهمة شديدة التعقيد. وبهذا، تظل تجربة “ساموري توري” موضوعًا غنيًّا للتحليل، يجمع بين البطولة والمساءلة، ويعكس تعقيدات القيادة في لحظات التحول التاريخي.
يُثار في الدراسات النقدية تساؤل جوهري حول طبيعة الحروب التي خاضها “ساموري توري”: هل كانت جميعها ذات طابع دفاعي في مواجهة التوسع الاستعماري الفرنسي، أم أن بعضها انطوى على نزعة توسعية تهدف إلى توسيع رقعة دولته؟ إذ تشير بعض المصادر إلى أن “ساموري توري” قاد حملات عسكرية لم تكن موجهة ضد الفرنسيين فحسب، بل استهدفت أيضًا قبائل إفريقية مجاورة رفضت الانضواء تحت سلطته، ما يفتح الباب أمام إعادة تقييم حدود الجهاد المشروع في سياق تجربته.
هذا الطرح يثير إشكالية مفصلية تتعلق بتداخل الدوافع العقائدية مع الطموحات السياسية، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كانت مقاومة “ساموري توري” محكومة دومًا بمنطق الدفاع عن الدين والأرض، أم أنها انخرطت أحيانًا في منطق بناء الدولة المركزية، بما يقتضيه من توسُّع جغرافيّ وإخضاع سياسي. ومن هنا، تكتسب تجربة “ساموري توري” طابعًا مركبًا، يجمع بين الجهاد التحرري والمشروع السياسي، ويستدعي قراءة متعددة الأبعاد تأخذ في الاعتبار السياق التاريخي، والضرورات الإستراتيجية، وتفاعلات السلطة في غرب إفريقيا خلال القرن التاسع عشر.
على الرغم من الكفاءة التنظيمية التي أظهرها “ساموري توري” في بناء جيش منضبط وفعّال، إلا أن دولته اتسمت بقدر كبير من الاعتماد على شخصه، دون أن تُستكمَل ببناء مؤسسات مستقلة قادرة على ضمان الاستمرارية بعد غيابه. هذا التركيز المفرط على القيادة الفردية جعل الكيان السياسي عُرضة للانهيار السريع عقب أَسْره في عام 1898م، وهو ما تجسَّد فعليًّا في تفكك الدولة وانهيار بنيتها المركزية.
لقد كشف غياب القيادة البديلة، وعدم وجود آلية واضحة لتداول السلطة، عن هشاشة البنية السياسية رغم ما كانت تتمتع به من قوة عسكرية وتنظيم إداري. ويُظهر هذا الجانب من التجربة أن مركزية القرار، وإن كانت فعّالة في سياق المقاومة، قد تُفْضِي إلى ضعف مؤسسي في حال غياب القائد، مما يطرح تساؤلات حول استدامة الدولة في مشاريع التحرر التي ترتكز على الزعامة الفردية دون ترسيخ مؤسسات الحكم الجماعي.
تُعدّ محدودية المصادر المكتوبة من داخل دولة “ساموري توري” إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه الباحثين في تحليل تجربته من منظور إفريقي خالص. فمعظم ما وصلنا عنه يأتي إما من تقارير فرنسية ذات طابع استعماري، أو من روايات شفوية متداولة في المجتمعات المحلية، مما يخلق فجوة معرفية بين الفعل التاريخي والتوثيق الذاتي. هذا الغياب شبه الكامل للأرشيف الداخلي يجعل من الصعب تقييم قراراته السياسية والعسكرية بعيدًا عن التأثيرات الخارجية، ويطرح تساؤلات حول مدى دقة الصورة التي رسمتها المصادر الفرنسية، التي غالبًا ما كانت مشبّعة بالتحيزات الإمبريالية.
وبالمقارنة، فإن زعماء مثل “كوامي نكروما” تركوا مؤلفات مكتوبة تعكس رؤيتهم الفكرية، مما سهَّل فَهْم مشاريعهم السياسية ضمن سياقاتهم الثقافية. أما في حالة “ساموري توري”، فإن غياب التوثيق الذاتي لا يُضعف فقط من قدرة الباحثين على تقديم قراءة دقيقة، بل يحرم التجربة من حقها في التعبير عن ذاتها، ويجعل من الضروري إعادة بناء السرد التاريخي من منظور إفريقي أصيل، يستند إلى تحليل الروايات الشفوية، وإعادة قراءة المصادر الاستعمارية بروحٍ نقدية، بهدف استعادة الصوت الإفريقي المغيّب في سردية المقاومة.
لا شك أن “ساموري توري” ترك إرثًا رمزيًّا بالغ التأثير، بوصفه أحد أبرز قادة المقاومة الإفريقية ضد الاستعمار، إلا أن دولته لم تنجُ من التفكك السياسي عقب أَسْره، ولم تستطع أن تُؤسِّس نموذجًا مستدامًا للحكم. هذا التناقض بين الرمزية التاريخية والواقع المؤسسي يفتح المجال لنقاش نقدي حول إشكالية تحويل البطولة الفردية إلى مؤسسات دائمة، قادرة على الاستمرار بعد غياب القائد.
لقد اعتمد مشروع “ساموري توري” بشكل كبير على كاريزمية الزعامة، دون أن يُستكمَل ببناء هياكل سياسية تضمن تداول السلطة أو استمرارية القرار. ويطرح هذا النموذج تساؤلات حول مدى إمكانية التوفيق بين القيادة الملهمة وبناء الدولة الحديثة، التي تتطلب مؤسسات مستقلة، وآليات للحكم الجماعي، وبنية قانونية قادرة على الصمود أمام التحولات. ومن هنا، تبرز تجربة “ساموري توري” بوصفها حالة نموذجية لدراسة التوتر بين الزعامة الثورية وبناء الدولة، وتُحفّز التفكير في كيفية تحويل الرمزية إلى بنية مؤسسية، دون أن تفقد التجربة روحها التحررية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع
The post ساموري توري: بونابرت إفريقيا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
ترَك المفكّر الإفريقي الراحل "نغوغي واثيونغو" (1938- 2025م)؛ إرثًا فكريًّا كبيرًا اتسم بالعمق والأصالة والاستدامة الملحوظة. وكان من أبرز إسهاماته: مجموعة دراسات مُوجَزة ضمَّنها كتابه Decolonising the Mind :The Politics of Language in African Literature (لندن- 1981م).
The post نغوغي واثيونغو وتخليص العقل الإفريقي من الاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>ترَك المفكّر الإفريقي الراحل “نغوغي واثيونغو” (1938- 2025م)؛ إرثًا فكريًّا كبيرًا اتسم بالعمق والأصالة والاستدامة الملحوظة. وكان من أبرز إسهاماته: مجموعة دراسات مُوجَزة ضمَّنها كتابه Decolonising the Mind :The Politics of Language in African Literature (لندن- 1981م).
ورغم العنوان الأدبي للكتاب، وتكثيف فصوله الأربعة الضوء على قضايا الأدب الإفريقي (تحديدًا: لغة الأدب الإفريقي؛ ولغة المسرح الإفريقي؛ ولغة القصّ الإفريقي؛ ثم الفصل الختامي عن مجمل هذه القضايا)، فإنه لمَس عصَب مسألة بالغة الأهمية في تفكيك استعمار العقل الإفريقي من زاوية اللغة والأدب مثالًا.
في نقد العقل الاستعماري، والتحرُّر من “القبيلة”، واللغة:
طرَح “واثيونغو”، في مقدمة غنية للكتاب([1])، ضرورة تجاوز دراسة الوقائع الإفريقية التي ظلت ترزح تحت سيطرة فكرة “القبائل”. دون أن ينكر أن ما يحدث في كينيا أو أوغندا أو مالاوي (على سبيل المثال)، أنه يقع بسبب أن “القبيلة “أ” تكون مناهضة للقبيلة “ب”. وأن ما يندلع في زائير، ونيجيريا وليبيريا وزامبيا يقع بسبب العداء التقليدي بين القبيلة “د” والقبيلة “ج”.
وعلى نفس النسق؛ حيث لا ينقسم الناس إلى “قبائل”، هناك المسلم ضد المسيحي، أو الكاثوليكي ضد البروتستانتي. كما يتم تقييم الأدب في بعض الأحيان بحسب الجذور “القَبَلِيَّة” للمؤلفين أو الجذور والتكوين “القَبَلي” لشخصيات رواية أو مسرحية ما. وقد راج هذا التفسير المُضلّل للحقائق الإفريقية بفضل الميديا الغربية التي تميل لصَرْف الناس عن رؤية أن الإمبريالية لا تزال هي السبب الجذري لكثير من المشكلات في إفريقيا.
وللأسف، فإن بعض النُّخَب الإفريقية وقعت ضحيةً لهذا المشروع، وباتت عاجزة عن رؤية الجذور الاستعمارية لمنطق “فَرِّق تَسُد” في تفسير أيّ اختلافات ذات طابع فكري أو أيّ صدامات سياسية على الأُسُس الإثنية للفاعلين فيها. وقامت مقاربة “واثيونغو”، التي وصَفها بالمختلفة، لرؤية الحقائق الإفريقية على أنها تأثرت بصراع كبير بين القوتين المتناقضتين في إفريقيا اليوم؛ وهما: إرث إمبريالي من جهة، وإرث مقاومة من الجهة الأخرى.
وفي تفسير أقرب لمدرسة التبعية المعروفة؛ رأى “موديمبي” أن الإمبريالية في إفريقيا اليوم تحظى برعاية البورجوازية الدولية باستخدام الشركات متعددة الجنسيات، وبالطبع “الطبقات الحاكمة المحلية” الموالية لها بترحيبٍ تام.
وقد انعكست التبعية الاقتصادية والسياسية لتلك البورجوازية النيوكولونيالية الإفريقية في ثقافة التقليد والتفاهة التي تم فَرْضها على الأهالي بأحذية الشرطة، وفرض الأسلاك الشائكة، ورجال دين وقضاء بأردية متكلفة؛ وتنتشر أفكارهم عبر طائفة من مثقفي الدولة، والمبشرين الأكاديميين والصحفيين بمؤسسة الاستعمار الجديد. أما المقاومة فإن مَن يقوم عليها هم العاملون (الفلاحون والعمال) بمعاونة طلاب ومثقفين (أكاديميين وغير أكاديميين)، وجنود وعناصر تقدمية أخرى من الطبقة المتوسطة الصغيرة.
وتتجلى تلك المقاومة في دفاع هذه الفئات عن جذور الثقافات الوطنية، ودفاعها عن النضال الديمقراطي لجميع مَن يقيمون في نفس الإقليم (بغضّ النظر عن الانتماءات الإثنية أو القَبَلية). وتُمثّل أيّ ضربة ضد الإمبريالية، بغضّ النظر عن الأصول الإثنية والإقليمية لتلك الضربة، نصرًا لجميع العناصر المناهضة للإمبريالية في جميع القوميات.
وانتقل “واثيونغو” في تحليله، -بطابعه الماركسي الواضح-، إلى رؤية أن ردّ الفعل الإمبريالي (في مرحلة ما بعد الاستقلال) لمواجهة تطلُّعات الشعوب المقهورة والمُستغَلَّة في التحرُّر يتمثل في سلاح “القنبلة الثقافية” Cultural Bomb، والذي ساواه باللغة التي يفرضها المستعمر، ورأى في ذلك أن “الهدف الحقيقي للاستعمار هو السيطرة على ثروات الشعوب.. لكن لا يمكن إطلاقًا فرض سيطرة اقتصادية وسياسية كاملة أو فعَّالة دون سيطرة ذهنية mental control. وتمثل السيطرة على ثقافة الناس سيطرة على أدواتهم في تعريف الذات مع الآخرين”([2]).
وهكذا فقد ارتبط التحرُّر من أَسْر “القبيلة” (حقيقةً ومجازًا) لدى “واثيونغو” بتبنّيه مجموعة من مبادئ القومية والتسامح الإثني والمقاومة (على النحو الذي أشار له في المقدّمة السابقة). ويمكن إرجاع هذا الاتساق إلى قناعات “واثيونغو” الشخصية بضرورة التعبير عن آرائه بأمانة وصدق كبيرين؛ كما يتضح ذلك –بشكل عملي-، فيما كتبه عقب تجربة اعتقاله في العام 1977م (على خلفية كتاباته الأدبية والفكرية الناقدة للأوضاع في بلاده وسيادة الخطاب القَبَلي بمستويات سياسية واجتماعية متعددة). فقد وثَّق “واثيونغو” نفسه هذا التحوُّل الجذري في حياته في مؤلف شهير يمزج بين السيرة الذاتية والسرد الروائي؛ وجاء بعنوان “معتقل: يوميات كاتب في السجن (1981م)”، استهله باقتباس شهير نقله ماركس في مقالٍ نُشِرَ في جريدة “نيويورك ديلي تريبون” (25 أغسطس 1852م) يشير فيه إلى دفاعه عن حريات جموع مواطنيه، وأن النتيجة كانت تحجيم حريته: “لأنني حاولت حمل معبد الحرية من أجلكم جميعًا، زُجَّ بي في غياهب السجن ظلمًا…”.
وفي ضوء ما سبق، يمكن قراءة عمل واثيونغو “تحرير العقل من الاستعمار: سياسة اللغة في الأدب الإفريقي” (الصادر 1981م) على أنه صياغة فكرية لمجمل توجهات واثيونغو في اللغة والاستعمار الجديد، والقبلية فيما بينهما.
مثقف في مواجهة السلطة: تقرير علي مزروعي
عقب اعتقال “نغوغي” على خلفية نشاطاته المسرحية بلغة الجيكويو (نهاية العام 1977م)، وما أثارته خطوة الاعتقال من احتجاجات كاسحة في الدوائر الفكرية النخبوية في الغرب (مع صمت مطبق في كينيا)، توجَّه البروفيسور علي مزروعي لزيارة واثيونغو عقب ما أعلنه عن بذل جهود كبيرة للإفراج عن الأخير؛ وقدَّم “مزروعي” ورقتين غير منشورتين حول تلك الجهود([3]). وحول انطباعات واثيونغو نفسه عن الأزمة ومآله في السجن/ الاعتقال. ومثَّلت الورقة الثانية جزءًا كان مرفقًا بخطاب مُطوَّل رفَعه مرزوعي للرئيس كينياتا في 16 يناير 1978م بشأن واثيونغو، وأرسل نسخة منه إلى هيلاري نجوينو H. Ng’weno محررة دورية “ويكلي ريفيو” Weekly Review التي لم تنشر الخطاب بحجة وجودها حينذاك في الولايات المتحدة.
تضمن “تقرير” مزروعي إشارات مهمة؛ منها أن دعم نغوغي المعروف وقتها للاتحاد السوفييتي، كما يتضح في كتابته الناقدة لتكوين الاقتصاد الكيني، “ربما قد لعب دورًا أكبر في (صدور قرار) اعتقاله على نحوٍ يفوق المتصوَّر بالفعل مِن قِبَل كثيرين”، ويضرب “مزروعي” مثالًا بأن عددًا من الزملاء في جامعة نيروبي ممن توجهوا للسفارة السوفييتية في نيروبي لأغراض تعليمية، مثل الحصول على نسخ زهيدة الثمن من أعمال ماركس ولينين، سرعان ما تم التحقيق معهم مِن قِبَل الفرع الخاص بقوة الأمن الكينية؛ مما حدا بعددٍ كبير من الأكاديميين في جامعة نيروبي بالامتناع عن التواصل مع السفارة السوفييتية، وكذلك مع عدد من سفارات الدول الاشتراكية، مما يعكس حجم الرقابة السلطوية التي طالت واثيونغو ورفاقه.
ما يهمنا في السياق الحالي أن “تقرير مزروعي” كشف عن حجم تمكُّن العقل الاستعماري من النخب الإفريقية الحاكمة، وهي هنا حالة كينيا- كينياتا، وكذلك حجم التخويف الذي تتم ممارسته ضدّ أيّ أفكار خارج “السياق العام” لهذه النخبة الحاكمة وأدواتها؛ فقد أحجَم كثيرون عن دعم “مزروعي” في مطالبته بالإفراج عن “واثيونغو”، كما أكد مزروعي نفسه أن جهده المبذول بصفته مواطنًا كينيًّا، وتربطه صلة أكاديمية خاصة بواثيونغو لا سيما منذ اقتراحهما في العام 1967م تأليف عمل عن السيرة الذاتية للزعيم جومو كينياتا، والذي رفضه بيت الدولة State House في كينيا في نهاية الأمر؛ باعتبار المقترح “غير ناضج”.
كما دفع مزروعي بحجة أن اعتقال واثيونغو يُؤثّر على “صورة كينيا كمجتمع متسامح”، وأضاف في مقابلة مع صحيفة كينية “أنه قد يكون لدى السلطات الكينية أسباب وجيهة للتحرك الذي قامت به (اعتقال واثيونغو)، لكن يجب أن يتم إعلان تلك الأسباب على الأقل في شكل خطوط عامة”.
وبشكل عام، فإن تمترس النخبة الحاكمة خلف تصورات “الاستعمار الجديد”، واستباق أيّ أفكار مخالفة بضربات منهجية من القمع، بحق واثيونغو كمثال هنا، بدا متسقًا مع مصالحها وعلاقاتها الخارجية مع القوى المُكرّسة للهيمنة واستمرار روابط الاستعمار بشكل مغاير (neo-colonialism)، يحتفظ بصورة ذهنية عن الاستقلال الوطني بغضّ النظر عن مدى شكليته أو حقيقته على حدّ سواء. كما تكشف قراءة تقرير مزروعي وسياقاته هشاشة المقاومة وقدراتها وجماعيتها في مواجهة قمع النخبة الحاكمة. وأنه لم يتبقَّ أمام واثيونغو سوى أن يكون “صوتًا صارخًا في البرية”، يدافع عن أفكاره وروءاه بشكل فردي تمامًا، وبحسب المساحات التي أُتيحت له لاحقًا حتى وفاته في العام 2025م.
على أيّ حال؛ جاء كتاب “تحرير العقل من الاستعمار”، على صفحاته الوجيزة التي لم تتجاوز 130 صفحة، ليُلخِّص تجربة “واثيونغو” على مدار عشرين عامًا سابقة في كتاباته للقصة والمسرح والنقد وتدريس الأدب في الجامعات؛ وما اعتبره في مقدّمة العمل سعيًا لدراسة الحقائق الإفريقية “بمنأى عن النظرة أو التصور القبلي”. وكما طابع الأعمال الأصيلة، يظل الكتاب فاعلًا في أيّ جدل دائر “حول مصير القارة الإفريقية نفسها”.
وعلى مدار الفصول الأربعة الرئيسة للكتاب قدّم واثيونغو رؤيته بتكثيف دالّ للغاية؛ فقد أكد بداية، في الفصل الأول حول “لغة الأدب الإفريقي”، على استحالة دراسة هذه المسألة على نحو دالّ “خارج سياق القوى الاجتماعية التي تصنعه”، أخذًا في الاعتبار أن الإمبريالية “في مرحلتيها الكولونيالية وما بعد الكولونيالية” ظلت تضغط بقوة على الإفريقي لينظر للعالم ومستقبله كما حدَّدته الأولى تمامًا، عبر السيد “المسلح بالكتاب المقدس والسيف”، في إشارة إلى سيرة واثيونغو نفسه ومشروع تحرير العقل الإفريقي من الاستعمار.
……………………………….
[1] Wa Thiong’o, Ngugi, Decolonising the Mind: The Politics of Language in African Literature, James Currey, London, 1981, pp. 1-3.
[2] Ngũgĩ wa Thiong’o : « The colonial language is a cultural bomb », Africa News Agency, June 3, 2025 https://africa-news-agency.com/ngugi-wa-thiongo-the-colonial-language-is-a-cultural-bomb/
[3] Sicherman, Carol, Ngugi wa Thiong’o: The Making of a Rebel: A source Book on Kenyan Literature and Resistance, Hanz Zell Publishers, London, pp. 33-7.
The post نغوغي واثيونغو وتخليص العقل الإفريقي من الاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
بعد أكثر من ستة عقود على نص "فانون"، وإلهامه في مسألة العنف لتحقيق التحرر الوطني، تَحلّ مئوية المفكر الإفريقي الشابّ فيما يشهد العالم وقائع واحدة من أخطر جرائم الاستعمار ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة، والتي تشمل الإبادة والتجويع والإذلال دون حدود.
The post في مئوية فرانز فانون: فلسطين والمناهضة الدائمة للاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مثَّلت تجربة فرانز فانون (1925 -1961م) النضالية والفكرية إلهامًا لا يُنْسَى في سياقات مواجهة الاستعمار وتجلياته وعنفه؛ كما تبلور ذلك بأشد الوضوح في مؤلفه الكلاسيكي The Wretched of the Earth (1961)([1])، الذي نُشِرَ بعد وفاته بأسابيع قليلة مصحوبًا بمقدمة هامة للفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، وصدرت ترجمته الإنجليزية في وقت متقارب مع الصدور، وتم تناوله تحت عنوان “العنف في السياق الدولي”.
وقرأ “فانون” تحقيق الدول الأوروبية لوحدتها الوطنية عندما تمكنت الطبقات الوسطى الوطنية من تركيز أغلب الثروة في أيديها. وأن الطبقة الوسطى كانت أكثر الطبقات الاجتماعية دينامية وازدهارًا. ومكَّن وصولها للسلطة من تلبية توقُّعات مهمة للغاية مثل التحوُّل الصناعي وتطوير وسائل الاتصالات، والبحث عن منافذ للهيمنة خارج حدود الدولة الأم. وأن الاستقلال الوطني في عصر “فانون” -نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات تحديدًا-، ونمو الشعور الوطني في الأقاليم المتخلفة؛ قد اتخذ أشكالًا جديدة تمامًا. ففي أغلب هذه الدول، وباستثناءات قليلة للغاية، تناضل الجماهير ضد الفقر ذاته([2]).
وبعد أكثر من ستة عقود على نص “فانون”، وإلهامه في مسألة العنف لتحقيق التحرر الوطني، تَحلّ مئوية المفكر الإفريقي الشابّ فيما يشهد العالم وقائع واحدة من أخطر جرائم الاستعمار ضد الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة، والتي تشمل الإبادة والتجويع والإذلال دون حدود؛ مما قد يدفع لإعادة قراءة “فانون” ومشروعه في ظل صعود الاستعمار الصهيوني المدعوم بآلة أمريكية وغربية لا تَكِلّ ولا تَمَلّ عن الاستهانة بكُلّ القِيَم الإنسانية في فلسطين، وتمتدّ بأوجه أخرى في إفريقيا.
استعمار يحتضر: عَوْد على بَدْء!
في دراسته القيّمة عن “فانون”، وعلم نفس القمع (1985م) قدَّم المفكر الصومالي حسين عبدالله بُولحن H. A. Bulhan خلاصات دالة حول إحباط “فانون” إثر عودته إلى موطنه جزر المارتينيك بعد دفاعه عن أطروحته الطبية في فرنسا في نوفمبر 1951م، واكتشافه أن الفقر والاغتراب والقمع هي جذور المرض النفسي وإدمان الكحول الذي اجتاح بني وطنه؛ الأمر الذي ظل مكوّنًا رئيسًا في شخصيته ورؤيته للاستعمار ومساعي التحرر منه في مناطق مختلفة من العالم؛ لكنه بات ثوريًّا صِرْفًا، بالمعنى الأيديولوجي والحركي، خلال وجوده في الجزائر ومعاينته نضالها من أجل التحرر، بعد مكوث عابر في فرنسا (ليون)، ورفضه عرضًا بتولّي إدارة إحدى المستشفيات في المارتينيك، وتجاهل الرئيس السنغالي ليوبولد سنجور طلبه بالانتقال للعمل في السنغال([3]).
ولم يكن وصوله الجزائر لتولّي إدارة مستشفى بليدة جونفيل -بناء على طلب قدَّمه للسلطات الفرنسية- حدثًا عارضًا أو مُضِيًّا نحو مجهولٍ للفكاك من حالة العزلة التي عاينها في فرنسا ومن قبلها الإحباط في موطنه؛ بل كان لـ”فانون” إلمام في مراحل تكوينه المبكرة، -وهو الذي تُوفِّي شابًّا في عمر 36 عامًا-، بالقضية الجزائرية، ودلَّ على ذلك مقاله عن “متلازمة شمال إفريقيا” (L’Esprit, February 1952) الذي قدَّم فيه نقدًا شاملًا للعنصرية في المجتمع، كما في المؤسسة الطبية، وأبان المقال عمق الأزمة النفسية-الوجودية (في تحليله لنفسية المواطن الجزائري)، وتفشي “متلازمات القمع”([4]).
ودارت أفكار المقال، التي طُوِّرت لاحقًا بإسهاب في كتابيه A Dying Colonialism وthe Wretched of the Earth، حول شكوك الأطقم الطبية في فرنسا إزاء جدية مرض الشمال أفارقة في تجسيد سوء الفهم التراجيدي للوضع الكولونيالي (كما شرح “فانون” لاحقًا)؛ ورسوخ النزعة العنصرية لدى هذه الأطقم على نحو يعوق التشخيص الصحيح، ومِن ثَم علاج هؤلاء المرضى (في تحليل يتجاوز الحالة الطبية إلى آفاق مجتمعية وسياسية أرحب)، كما أن العنصرية الثقافية تصف الشمال إفريقي بأنه شخص كسول دائمًا؛ وتوصّل “فانون” في مقاله لفرضية أن النوايا الطيبة لا تكفي، بل إن الالتزام بتأمين العدالة للجميع هي مسؤولية كل فرد، وأن حل الاغتراب والمرض، بمعنى واسع، يتطلب ما لا يقل عن إعادة بناء اجتماعي جذرية([5]).
وبالرجوع إلى كتابه “استعمار يحتضر”، نجد “فانون” يُقدّم إشارة مفصلية في فَهْم أثر الاستعمار على حالة الشعوب المستعمَرة السيكولوجية والمجتمعية بشكل عام؛ إذ يُلاحِظ أن “الشخص المستعمَر الذي يخرج لزيارة طبيب يكون دومًا غير واثق بنفسه. وتكون إجاباته أحادية الطابع، ولا يُجيب إلا عن النذر اليسير، وسرعان ما يثير نفاد صبر الطبيب. ولا يثير هذا الموقف الالتباس لدى الطبيب إزاء نوع الخوف الكامن الذي يشعر به المرضى عادة في حضرته. لقد اعتدنا سماع أن طبيبًا ما ذا أسلوب جيد هو الذي يجعل مرضاه مسترخون دون توتُّر. لكن ما يحدث بالفعل في هذا الوضع الاستعماري غياب ملحوظ للمقاربة الشخصية، والقدرة على أن يكون المرء هو نفسه، وإرساء “الاتصال” والحفاظ عليه. إن الوضع الاستعماري يضع معايير للعلاقات؛ لأنه يقسم المجتمع الاستعماري إلى قسمين على نحو ملحوظ”([6]).
يشير هذا النص، الوارد في الفصل الرابع الذي حمل عنوان “الطب والاستعمار”([7]) من مُؤلَّف “فانون” “استعمار يحتضر”(1959، وتُرجَم إلى الإنجليزية في العام 1965م)، إلى حقيقة ما كرَّسه الاستعمار من آثار نفسية على المستعمَرين، ويتجلى ذلك حاليًّا فيما يعانيه أهل فلسطين من آثار نفسية بالغة الخطورة مع استمرار آلة الإبادة الصهيونية بحقهم، والتي تمثل صورة أكثر تفصيلًا وتماثلًا مع ما سبق أن قام به الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وشاهده “فانون” خلال سنوات وجوده في الأخيرة.
فلسطين وما بعد “فانون”:
بات “فانون” في مطلع الستينيات، وبعد وفاته مباشرة، رمزًا للنضال المناهض للاستعمار في العالم الثالث؛ وتبنَّت النخبة الأفرأمريكية الراديكالية في الولايات المتحدة رُؤَاه بشكل واضح، وحتى مطلع السبعينيات على أقل تقدير. وبات “فانون” وإسهامه الفكري ذا أهمية كبيرة في مجال العلوم الاجتماعية، بحسب قراءة عز الدين حضور ما بعد البنيوية لـ”فانون”([8]).
لكنّ إسهام “فانون” يظل قابلًا لمزيد من التفسير والإيضاح في ضوء التطورات الراهنة في الجنوب العالمي وفي فلسطين أيضًا؛ فقد حذَّر “فانون” من توجُّهات القومية (في عصره وفي إفريقيا وحالات أخرى بطبيعة الحال)؛ لاستبدالها العداء للاستعمار بالسماح بصراع طبقي (أو تغذيته في واقع الأمر) ذاهبًا إلى أن: طرد المستعمر لمجرد إحلالهم “بالمتطورين”، أو نخبة الطبقة الوسطى التي تمرست على الثقافة الاستعمراية الفرنسية. ورأى “فانون” أن تلك النخبة لا تُمثّل “القوة الثورية التي ستدعو لوقف الاستعمار”، بل إنها، على النقيض من ذلك، تُمثِّل استعمارًا جديدًا ناشئًا سوف يُعمِّق من مأساة الجموع المستغَلة([9]).
وتثير رؤية “فانون” هنا، أي فيما يتعلق بفلسطين ومعاناتها، حقيقة تمادي الاستعمار في جرائمه مع تواطؤ وجه مستحدَث من “الاستعمار الجديد” تقوده قوى غربية بنفس الأساليب التقليدية: النهب والاستغلال بغضّ النظر عن التكلفة البشرية للمستعمَرين، وبقدرة فائقة على الاعتماد على قوى وظيفية تُيسِّر هذا النهب والاستغلال بادعاءات مكررة مثل السعي للتهدئة والتسوية، دون وجود أفق محدد، وفي ظل تغيرات خطيرة على الأرض لا تخفى صعوبة التراجع عنها للوراء.
وتتسق المشاهد التي تأتي من فلسطين والإبادة الجارية فيها حاليًّا مع ملاحظة “فانون” (1961م) بأن “التحامل العنصري للبورجوازية الغربية تجاه الزنجي nigger والعربي هي عنصرية ازدراء”([10])؛ إذ يُلاحظ أن مقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين على مدار قرابة عامين بات مسألة مقبولة ضمنًا، وباستثناء اعتراضات خجولة، وتركيز جزئي على معاناة الأطفال من المجاعة المصنوعة في البلاد.
لكنّ حالة فلسطين، التي واجهت أعتى نُظُم الاستعمار ضراوة واستمرارية في القرن العشرين وحتى نهاية الربع الأول من القرن الحالي، تظل استثناءً مُخِلًّا في علاقات الاستعمار الجديد/ القديم بالشعوب المستعمَرة؛ وهي حالة يَعمد فيها الاستعمار إلى إبادة شعب كامل بخطوات ثابتة، ومتسارعة في الشهور الأخيرة، وصولًا إلى جهد خلق “دولة” جديدة تمامًا على أنقاض فلسطين، وضمن مشروع مُعلَن بإعادة تشكيل “إقليم الشرق الوسط”.
“فانون” وزمن الإبادة في فلسطين:
عمد “فانون” إلى تفسير منطقية الثورة (ضد المستعمر) في ضوء ما لمسه من عنف استعماري في الجزائر، ولمس فضاءات المستشفيات التي عمل فيها حينذاك؛ وفيما نشاهد حاليًّا إبادة مستشفيات بأكملها (تحت ذريعة إيواء “إرهابيين” ومسلحين ومخططين لهجمات إرهابية محتملة، أو دون عناء إصدار بيانات تفسيرية في حالات أخرى)؛ فإن خيار العنف الذي تبنَّاه “فانون” يبدو عاجزًا عن الاستجابة الحقيقية للإبادة الجارية، عِوضًا عن اختلال القوى بشكل مفرط يتجاوز ما ساد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي نسبيًّا. كما أن الفعل الاحتجاجي (حتى بمستوياته الدنيا) لم يَعُد مؤثرًا في مواجهة سردية عنصرية محمية بترتيبات وتوازنات نظام عالمي جائر.
وفي نهاية الأمر يُثَار سؤال عن جدوى قراءة “فانون”، الذي حلَّت ذكرى ميلاده المائة في يوليو الحالي في ظل الإبادة الجارية في فلسطين؟
وتبدو الإجابة بالغة الصعوبة، واستشرافية بوجهٍ أو بآخر. فـ”فانون” الذي ضاق ذرعًا بسيكولوجية المستعمر وتعمُّد إذلال المستعمَر، كان يلمس جنونًا في حالة جنود الاستعمار وتلذذها ولهوها خلال قتل مدنيين أبرياء لا يُخشَى منهم على الأرض أيّ شيء، وهو جنون لا يمكن تفسيره إلا بمفاهيم مثل “عنصرية الازدراء”، كما لا يمكن فَصْله عن تعقيد المكوّن الأيديولوجي المتطرف لدى “المستعمر”.
وكان “فانون” يأخذ تفسيراته وقراءاته إلى مستويات أبعد مما كتب بالفعل، بل وإعادة النظر في مجمل “التجربة الصهيونية” كنموذج للاستعمار في أقبح صوره، وليست مثالًا تحرريًّا في رؤية بعض معاصري “فانون”.
………………………………..
[1] Fanon, Frantz, The Wretched of the Earth (Preface by Jean-Paul Sartre, Translated by Constance Farrington) Grove Press, New York, 1963.
[2] Ibid, pp. 95-6.
[3] Bulhan, Hussein Abdilahi, Frantz Fanon and the Psychology of Oppression, Plenum Press, New York, 1985, pp. 208-210.
[4] راجع في تفصيل ذلك: محمد عبد الكريم أحمد: وجوه إفريقية: هوامش في قضايا الفكر والاستعمار والتحرر، دار المرايا للثقافة والفنون، القاهرة، 2024م، ص ص 37-44.
[5] Bulhan, Hussein Abdilahi, Frantz Fanon, op. Cit. pp. 210-13.
[6] Fanon, Frantz, A Dying Colonialism (Translated by Haakon Chevalier), Grove Press, New york, 1965, p. 126.
[7] Ibid, pp. 121-145.
[8] Haddour, Ezzedine, Frantz Fanon, Postcolonialism and the Ethics of Difference, Manchester University Press, Manchester, 2019, pp. 58-91.
[9] Ibid, p. 88.
[10]Reingard Nethersol: Shards of Hegel: Jean- Paul Sartre’s and Homi K. Bhabha’s Readings of The Wretched of the Earth (in: Ulrike Kistner and Philippe Van Haute (editors)Violence, Slavery and Freedom between Hegel and Fanon, Wits University Press, Johannesburg, 2020, p. 125.
The post في مئوية فرانز فانون: فلسطين والمناهضة الدائمة للاستعمار ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
شهدت ليبيريا حربين أهليتين مُدمّرتين بين عامي (1989- 2003م)، تسبَّبتا في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين. وسط هذا الدمار، برزت امرأة ليبيرية تُدْعَى ليما غبوي (Leymah Gbowee) كواحدة من أبرز القيادات في مجال بناء السلام.
The post “ليما غبوي” ودورها في إنهاء الحرب الأهلية في ليبيريا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>بقلم/ حسناء بهاء رشاد
باحثة ومترجمة مصرية
شهدت ليبيريا حربين أهليتين مُدمّرتين بين عامي (1989- 2003م)، تسبَّبتا في مقتل مئات الآلاف ونزوح الملايين. وسط هذا الدمار، برزت امرأة ليبيرية تُدْعَى ليما غبوي (Leymah Gbowee) كواحدة من أبرز القيادات النسوية في مجال بناء السلام.
لعبت غبوي دورًا محوريًّا في تعبئة النساء من مختلف الخلفيات الدينية والعرقية للضغط على أطراف النزاع من أجل التوصل إلى تسوية سلمية.
بالإضافة إلى كونها مُؤسِّسة وقائدة حركة “النساء الليبيريات من أجل السلام”؛ حيث نجحت في توحيد النساء المسيحيات والمسلمات، مما أسهم في إنهاء الحرب الأهلية الليبيرية الثانية عام 2003م، وفتح الطريق أمام تحقيق السلام في الجمهورية الليبيرية، التي لا تزال تواجه تحديات الاستقرار حتى اليوم([1]).
وُلِدَت “ليما غبوي” عام 1972م في ليبيريا مع بداية الحرب الأولى، كانت شابَّة تدرس في مجال الصحة، لكنها سرعان ما أصبحت شاهدةً على ويلات الحرب وآثارها النفسية على الناجين، خاصةً النساء والأطفال. هذا دفَعها الوعي إلى الانخراط في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، ثم اتجهت إلى النشاط المدني والسياسي.
عملت بجد مع زميلتها إيلين جونسون سيرليف Ellen Johnson-Sirleaf، الناشطة في مجال حقوق المرأة، والتي شغلت لاحقًا منصب رئيسة ليبيريا في الفترة من 2006م وحتى عام 2018م، لتحسين أوضاع النساء المتأثرات بالحرب. وعندما تخرجت من المدرسة الثانوية، كانت تُخطِّط لمستقبلها وتضع خططًا طموحة، لكنّ اندلاع الحرب الأهلية الليبيرية الأولى عام 1989م غيَّر مسار حياتها بشكل جذري.
برزت “ليما” قائدةً لحركة سلمية جمعت بين النساء المسيحيات والمسلمات؛ حيث لعبن دورًا حيويًّا في إنهاء الحرب الأهلية الليبيرية المُدمّرة التي استمرت أربعة عشر عامًا في عام 2003م. وقد مهَّد هذا الإنجاز التاريخي الطريق لانتخاب إيلين جونسون سيرليف، أول رئيسة دولة إفريقية. كما شكّلت هذه الحركة بداية لظهور جيل جديد من النساء اللواتي أظهرن دورًا فاعلًا ومؤثرًا على الساحة العالمية في جهود تحقيق السلام والأمن المستدامين.
كانت “ليما” في السابعة عشرة من عمرها عندما اندلعت الحرب الأهلية في ليبيريا، مما حوَّلها، كما تصف، “من طفلة إلى بالغة في غضون ساعات”. ومع تصاعد الصراع، أصبحت أُمًّا شابَّة، وتلقت تدريبًا لتصبح أخصائية اجتماعية ومستشارة في مجال الصدمات؛ حيث عملت مع الأطفال الجنود السابقين.
تطورت قناعاتها لتشمل أهمية دور المرأة في العمل من أجل الجيل القادم واستعادة السلام، مما جعلها عضوًا مُؤسِّسًا ومنسِّقة لشبكة المرأة في بناء السلام (WIPNET) التابعة لشبكة غرب إفريقيا لبناء السلام (WANEP). مستلهمة من حلمها، وبفضل إيمانها، قامت بتنظيم زميلاتها المسيحيات للتعبئة من أجل السلام. كما تعاونت مع شركاء مسلمين لتأسيس تحالف غير مسبوق مع النساء المسلمات، مما أدى إلى ظهور الحركة المعروفة باسم “العمل الجماعي لنساء ليبيريا من أجل السلام”، والتي كانت تعمل تحت رعاية WIPNET.
تم تعيين “ليما” متحدثة باسم الحركة النسائية؛ حيث قادت النساء في احتجاجات عامة استمرت لأسابيع، ونجحت في جذب آلاف المشاركات الملتزمات. كما قادت “ليما” أعضاء حركة “نساء ليبيريا للعمل الجماعي من أجل السلام” في مظاهرات أجبرت رئيس ليبيريا آنذاك، تشارلز تايلور Charles Taylor، على مقابلتهن والموافقة على الانخراط في محادثات سلام رسمية في أكرا، غانا.
وتوجهت مع وفد نسائي إلى أكرا؛ حيث مارسن ضغطًا إستراتيجيًّا لضمان تحقيق تقدُّم في المفاوضات. وفي لحظة حاسمة، عندما بدت المحادثات متوقفة، قامت “ليما” ونحو 200 امرأة بتشكيل حاجز بشري لمنع ممثلي تايلور وأمراء الحرب المتمردين من مغادرة قاعة الاجتماع للحصول على الطعام أو لأي سبب آخر، حتى يتمكن الرجال، كما طالبت النساء، من التوصل إلى اتفاق سلام.
عندما حاولت قوات الأمن اعتقال “ليما”، أظهرت براعةً تكتيكية من خلال تهديدها بخلع ملابسها، وهو تصرُّف يُعتقَد تقليديًّا أنه يجلب لعنة وسوء حظ كبيرين للرجال. كان لهذا التهديد تأثير كبير؛ حيث شكَّل نقطة تحوُّل حاسمة في عملية السلام. وبعد أسابيع قليلة، استقال تايلور من منصبه كرئيس، وذهب إلى المنفى، وتم توقيع معاهدة سلام تؤدي إلى تشكيل حكومة انتقالية.
بدأ تأثير “ليما” على الساحة العالمية يتجلى؛ حيث أصبحت قائدة معترفًا بها، وازدادت الدعوات لمشاركتها في اجتماعات لجنة الأمم المتحدة المعنية بوضع المرأة، وغيرها من المؤتمرات الدولية البارزة([2]).
في عام 2003م، أسَّست “غبوي” حركة “النساء الليبيريات من أجل السلام”، والتي جمعت مسلمات ومسيحيات ليبيريات في تحالف نسوي غير مسبوق. بدأت الحركة باعتصامات سلمية، وارتدت النساء ملابس بيضاء ترمز للسلام، واعتصمن في الشوارع وفي مقر الحكومة، مطالبات بوقف القتال وبدء مفاوضات سياسية.
بعد الحرب، واصلت “غبوي” الدعوة إلى السلام وتمكين المرأة. وشغلت منصب مفوضة في ليبيريا للجنة الحقيقة والمصالحة (2004- 2005م). وفي عام 2006م، كانت من مُؤسِّسي شبكة المرأة للسلام والأمن- إفريقيا (WIPSEN-Africa)، وهي منظمة ناشطة في عدة دول غرب إفريقيا، تُشجّع مشاركة المرأة في قضايا السلام والأمن والحوكمة. عُيّنت مديرةً تنفيذيةً لشبكة المرأة للسلام والأمن في إفريقيا في العام التالي. وفي عام 2007م، حصلت على درجة الماجستير في تحويل النزاعات من جامعة إيسترن مينونايت في هاريسونبورغ، فرجينيا([3]).
بلغ نضال النساء ذروته حين سافرن إلى أكرا، عاصمة غانا؛ حيث كانت تُعقَد محادثات السلام بين الحكومة والمتمردين. هناك، نظَّمن اعتصامًا أمام مقر المحادثات، ومنعن المسؤولين من مغادرة القاعة حتى يتم التوصل إلى اتفاق. كانت هذه الخطوة حاسمة في دفع الأطراف المتفاوضة إلى التوصل إلى تسوية أنهت الحرب رسميًّا في أغسطس 2003م.
رغم مكانتها المرموقة كناشطة سلام دولية ومدافعة عن حقوق المرأة؛ حرصت “ليما غبوي” على الحفاظ على خصوصيتها. ففي سيرتها الذاتية، استخدمت أسماءً مستعارة عند الإشارة إلى الرجال في حياتها اليوم، هي متزوجة وتعيش بسعادة مع أسرتها المختلطة التي تضم ثمانية أطفال. وقد اتبع ابنها جوشوا خطاها؛ حيث يدرس في جامعة إيسترن مينونايت([4]).
تركت ليما غبوي أطفالها تحت رعاية شقيقاتها، وسافرت إلى الولايات المتحدة لدراسة صنع السلام وحل النزاعات. في جامعة إيسترن مينونايت (EMU) في فرجينيا، التي التحق بها عدد من مرشديها في WANEP، درست مفهوم “العدالة التصالحية”؛ حيث يتم تحقيق الشفاء من خلال التعاون بين الضحايا والجناة. كانت تسعى لوضع حد لـ”ثقافة الإفلات من العقاب” التي مكَّنت بعض القادة الأفارقة السابقين من التهرب من المسؤولية عن الجرائم التي ارتكبوها أثناء توليهم مناصبهم([5]).
بدأت حركة “ليما غبوي” السلمية تجني ثمار جهودها تدريجيًّا؛ حيث استجاب الرئيس تشارلز تايلور للدعوة للجلوس مع الفصائل المتمردة على طاولة الحوار. وحضرت “ليما” مع مجموعة من نساء الحركة إلى أكرا، وأصبحت جزءًا أساسيًّا في الضغط على الأطراف المتفاوضة. عندما شعرت النساء بأن المحادثات لم تكن تسير بجدية، واصلت نضالها من خلال إغلاق أبواب قاعة المفاوضات والاعتصام داخلها، مما أجبَر الأطراف المتفاوضة على البقاء في القاعة ومواصلة التفاوض بجدية.
وصلت أصداء الحركة النسائية التي أسَّستها إلى وسائل الإعلام العالمية، وحظيت باهتمام دولي، مما زاد من الضغط على الأطراف المتصارعة في ليبيريا، وشجَّعت “ليما” المجتمع الدولي على التدخل للضغط على الفصائل المتحاربة. وأسفرت جهود هذه الحركة في النهاية عن توقيع اتفاقية سلام شاملة في أغسطس من عام 2003م، وضعت حدًّا للحرب الأهلية في ليبيريا. وبعد توقيع الاتفاقية، تنحَّى تشارلز تايلور عن السلطة وغادر البلاد. وفي عام 2005م، أُجريت انتخابات حرة في ليبيريا، أسفرت عن فوز “إلين جونسون سيرليف” برئاسة البلاد، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة دولة في إفريقيا([6]).
وقد ارتكزت “حركة النساء الليبيراليات من أجل السلام” بقيادة “ليما غبوي” على مجموعة من الإستراتيجيات للضغط السياسي ودفع المسار التفاوضي بين الحكومة الليبيرالية وقادة المتمردين، أهمها:
أثمرت هذه الجهود عن توقيع اتفاقية السلام الشامل في أكرا في أغسطس 2003م، التي أدَّت إلى استقالة تايلور ونفيه، وتشكيل حكومة انتقالية؛ حيث كان لـ”غبوي” دور محوريّ في هذه اللحظة، عندما تمكَّنت من إدارة العمل الجماهيري بكفاءة، وأثبتت أن القوة الشعبية قادرة على فرض السلام.
بالإضافة إلى ذلك، فإن قصة “ليما”، كما تم تقديمها في الفيلم الوثائقي “صلِّ لكي يعود الشيطان إلى الجحيم” عام 2008م، ومذكراتها التي صدرت عام 2011م”، إلى جانب محاضراتها ونقاشاتها مع مجموعات كبيرة وصغيرة، قد أثّرت وألهمت وحفّزت عددًا لا يُحْصَى من الأشخاص حول العالم. في عام 2011م، نالت “ليما غبوي” جائزة نوبل للسلام مناصفة مع الرئيسة الليبيرية إلين جونسون سيرليف والناشطة اليمنية توكل كرمان؛ تقديرًا “لنضالهن السلمي من أجل سلامة المرأة وحقوقها في المشاركة في عمليات السلام”([7]).
بالإضافة إلى جائزة نوبل للسلام لعام 2011م، حصلت “غبوي” على العديد من الجوائز الأخرى، بما في ذلك جائزة الشريط الأزرق للسلام (2007م)، التي منحها مجلس القيادة النسائية في كلية “جون إف كينيدي” للحكومة بجامعة هارفارد، وجائزة جون إف كينيدي للشجاعة (2009م)، وجائزة القيادة العالمية من كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا (2019م) ، وجائزة مارتن وكوريتا كينج الدولية للسلام والعدالة (2020م). وظهرت في الفيلم الوثائقي لعام 2008م بعنوان “صلّوا ليعود الشيطان إلى الجحيم”، والذي سلط الضوء على محاولات العديد من النساء الليبيريات لفرض نهاية للحرب الأهلية في ليبيريا.
في عام 2011م، نشرت “غبوي” مذكراتها بعنوان “قوتنا عظيمة: كيف غيَّرت الأخوة والصلاة والجنس أمة في حالة حرب” مع كارول ميثرز، وفي عام 2024م، نشرت كتاب “دوافع أيام الاثنين: تأملات خلال جائحة”، كما ألّفت “غبوي” كتبًا للأطفال، منها “سرير ما” الذي صدر عام 2021م، وأيضًا “ما هي الأخوة الإنسانية” الذي نُشر قبل عامين([8]).
خاتمة:
يمكن القول: إن “ليما غبوي” تُمثّل نموذجًا مُلهمًا للمرأة الإفريقية التي استطاعت، -بفضل إيمانها القوي وشجاعتها-، أن تُحْدِث تغييرًا حقيقيًّا في واقع وطنها. فقد كانت لها دور محوري في إنهاء الحرب الأهلية في ليبيريا، من خلال قيادتها لحركة نسائية سلمية تجاوزت الانقسامات الدينية والعرقية، مما أجبر القادة السياسيين على الجلوس إلى طاولة الحوار.
لم يكن نضال “ليما غبوي” سياسيًّا فحسب، بل كان إنسانيًّا وأخلاقيًّا بامتياز، وقد تم تكريمها بجائزة نوبل للسلام عام 2011م؛ اعترافًا بجهودها في تعزيز السلام وتمكين المرأة.
وتظل تجربتها دليلًا على قدرة الأفراد، وخاصة النساء، على تغيير مسار التاريخ عندما يتسلحوا بالإرادة والإيمان بالعدالة.
………………………………………………………
([1]) Hafeeza Rashed Leymah Gbowee Biographical, The Nobel Foundation, 2013 متاح على ,https://www-nobelprize org.translate.goog/prizes/peace/2011/gbowee/biographical/
([3]) https://www-britannica-com.translate.goog/biography/Leymah-Gbowee
([4]) https://achievement-org.translate.goog/achiever/leymah-gbowee/
([5]) الامارات اليوم: ليما غبوي تستعرض إسهامها في إحلال السلام بليبيريا، نشرفي 28 نوفمبر 2024م، متاح على، https://www.emaratalyoum.com/life/four-sides/2024-11-28-1.1900745
([6]) الأمة برس: سيدة السلام التي ساعدت في إنهاء الحرب في بلادها … تعرف على ليما غبوي، نشر في 6 سبتمبر2024م، https://thenationpress.net/news-245558.html?utm_campaign=nabdapp.com&utm_medium=referral&utm_source
([7]) https://achievement-org.translate.goog/achiever/leymah-gbowee/
([8]) https://www-britannica-com.translate.goog/biography/Leymah-Gbowee
The post “ليما غبوي” ودورها في إنهاء الحرب الأهلية في ليبيريا ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>