interactive-geo-maps domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/qiraatafrican/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170issuem domain was triggered too early. This is usually an indicator for some code in the plugin or theme running too early. Translations should be loaded at the init action or later. Please see Debugging in WordPress for more information. (This message was added in version 6.7.0.) in /home/qiraatafrican/public_html/wp-includes/functions.php on line 6170
يسعى هذا المقال إلى دراسة وتحليل أداء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس.
The post قراءة تحليلية لأداء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>لم يَعُد خافياً أن طبيعة القوة في عالم اليوم قد تغيرت كثيراً عما كانت عليه في الماضي، إذ لم تَعُد القوة الصلبة، بشقيها العسكري والاقتصادي، كافيةً لتحقيق مصالح الدول وتعزيز نفوذها على المسرح الدولي؛ إذ فرضت التطورات الدولية المتسارعة والثورة الهائلة في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن تنامي دور الفرد والفواعل الأخرى من غير الدول، تحوُّلات جوهرية في ديناميكيات القوة ونسقها، بحيث بات من الضروري الاهتمام بتطوير جوانب أخرى من القوة، كالقيم الثقافية والتعليم والتكنولوجيا والإعلام والدبلوماسية والابتكار والقدرة التنافسية، وغيرها، والتي تُشكل في مجموعها ما يُعرف بـ«القوة الناعمة»، التي تستهدف التأثير في تفضيلات الآخرين عن طريق الجذب والإقناع بدلاً من الإكراه. وفي هذا الصدد، تسعى الدول، المتقدمة والنامية منها على حدٍّ سواء، إلى تعزيز سمعتها الدولية وتوطيد نفوذها إقليمياً ودولياً، عبر تطوير أدواتها السياسية والاقتصادية والثقافية، بغرض تحسين قوتها الناعمة، مما يساعد على تعزيز جاذبيتها الدولية، ويسهم في دعم السياحة وتدفق الاستثمارات الأجنبية.
ارتباطاً بما تقدّم، يسعى هذا المقال إلى دراسة وتحليل أداء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس Brand Finance البريطانية لعام 2026م، بوصفه أهم المؤشرات المستخدمة في قياس القوة الناعمة وأكثرها شموليةً، وذلك من خلال التعريف أولاً بالمؤشر وبيان منهجيته، ثم الوقوف على موقع الدول الإفريقية جنوب الصحراء على مستوى المؤشر العام، ويُختتم المقال بتحليل أداء دول الإقليم ضمن بعض الركائز الأساسية التي يقوم عليها مؤشر القوة الناعمة.
ويعرض المقال ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة.. المفهوم والمنهجية.
ثانياً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م: نظرة عالمية.
ثالثاً: موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م على مستوى المؤشر العام.
رابعاً: أداء دول الإقليم على مستوى الركائز الأساسية لمؤشر القوة الناعمة لعام 2026م.
أولاً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة.. المفهوم والمنهجية:
خلافاً للقوة الصلبة، فإن المحاولات التي بُذِلت لقياس القوة الناعمة وتقييم فعاليتها، أو تصنيف الدول على أساسها، ظلت تُمثل إشكاليةً كبرى في المطلق، ولعل هذا ما جعل الواقعيين الذين يعتمدون القياس الكمي غالباً لتقييم حجم القوة ومدى فعاليتها يقللون من شأن القوة الناعمة ودورها وتأثيرها، إذ تظل القوة الناعمة قوةً غير مطلقة وصعبة القياس[1]، ومردّ هذه الصعوبة يرجع إلى أن القوة الناعمة تشمل الأصول أو الموارد غير الملموسة (غير المُدرَكة) للقوة، كالتأثير الثقافي والجاذبية السياسية، وغيرها، والتي يصعب إخضاعها للقياس أو التعبير عنها في صورة رياضية أو كمية.
على الرغم من ذلك؛ بُذِلت جهود كبيرة لقياس القوة الناعمة بصورةٍ كمية ومحاولة تصنيف الدول طبقاً لها، ولقد أسفرت تلك الجهود عن ابتكار ما يُعرف بـ«مؤشرات قياس القوة الناعمة». ولعل أهم هذه المؤشرات وأكثرها شمولاً هو ما يُعرف بالمؤشر العالمي للقوة الناعمة الصادر عن مؤسسة براند فاينانس البريطانية، وهي مؤسسة استشارية رائدة في مجال تقييم العلامات التجارية على مستوى العالم، تأسست عام 1996م، ولها مكاتب في أكثر من 15 دولةً حول العالم.
وتنطلق براند فاينانس في قياسها للقوة الناعمة من فرضيةٍ أساسية مؤداها أنه «كلما كانت القوة الناعمة للأمة أقوى، زادت قدرتها على جذب الاستثمار وتسويق منتجاتها وخدماتها»، وأن القوة الناعمة تعني قدرة الدولة على التأثير في مختلف الفاعلين الدوليين (الدول– الشركات- المجتمعات– الأشخاص) من خلال الجذب والإقناع بدلاً من اللجوء للإكراه وأدوات القوة التقليدية[2].
صدرت النسخة الأولى من مؤشر القوة الناعمة العالمي عام 2020م، وبلغ عدد الدول المشمولة بالتصنيف حينها 59 دولةً فقط، وفي عام 2023م زاد عدد الدول التي يشملها المؤشر ليصل إلى 121 دولةً، ومنذ عام 2024م أصبح المؤشر يضم جميع الدول الأطراف في الأمم المتحدة البالغ عددها 193 دولةً، ومن الملاحظ أن ترتيب هذه الدول يتغير من عامٍ إلى آخر، كنتيجة لزيادة عدد الدول المُدرَجة في المؤشر، إضافةً إلى تغيُّر درجات الدول وفقاً لأدائها كل عام، سواءٌ على مستوى المؤشر العام أو المؤشرات الفرعية.
يقيس هذا المؤشر القوة الناعمة للدول بناءً على مسحَين، يستهدف أحدهما الجمهور العام، الذي يُغطي أكثر من 75000 مُقيماً في 102 من البلدان تُمثل جميع قارات العالم، ويُعادل ثقله 90 في المائة، فيما يُركز الآخر على جمهور متخصص من 47 بلداً، يُمثلون الفئات التي تُعدّ على صلة بالقوة الناعمة، وتضم هذه الفئات رواد الأعمال، ومحللي الأسواق، والسياسيين والأكاديميين، ومراكز التفكير والمنظمات غير الحكومية والصحافيين، ويمنح هذا الجزء من المسح وزناً نسبته 10 في المائة[3].
يرتكز مؤشر القوة الناعمة العالمي في منهجيته البحثية على تقييم تأثير القوة غير العسكرية في العلاقات الدولية بأسلوبٍ متوازن؛ حيث يتم جمع بيانات تتعلق بالتصورات العالمية لجميع الدول الأطراف في الأمم المتحدة، ويتم ذلك عبر مجموعة من المؤشرات الفرعية التي تشمل مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، باعتبارها عوامل رئيسية تؤثر في قوة الدولة الناعمة، كما يعتمد المؤشر على أربعة أبعاد أو ركائز أساسية تقوم عليها منهجيته، وتشمل[4]:
1- الشهرة: تُقاس بمدى انتشار العلامات التجارية التي تُمثل الدولة.
2- التأثير: يُعبّر عن مستوى النفوذ الذي تحظى به الدولة على الصعيد العالمي وفي الساحة الدولية.
3- السمعة: تُقيّم مدى امتلاك الدولة لصورة ذهنية قوية وإيجابية على المستوى العالمي.
4- التصورات: تُعنى بقياس مستوى الإدراك من خلال ثمانية مؤشرات فرعية (موضحة في الجدول أدناه).

وتتألف الدرجة الكلية للمؤشر من 100 نقطة، حيث تشير الدرجة (0) إلى أدنى درجة يمكن الحصول عليها، وكلما اقتربت درجة الدولة من هذا المُعدل كان ذلك دليلاً على ضعف قوتها الناعمة. فيما تشير الدرجة 100 إلى أعلى درجة في المؤشر، وكلما اقتربت درجة الدولة منها دلَّ ذلك على تنامي قوتها الناعمة[5].
ثانياً: المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م.. نظرة عالمية:
وفقاً لنتائج تقرير النسخة السابعة من مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، فقد حافظت الولايات المتحدة الأمريكية على صدارة الترتيب بمجموع 74.9 نقطةً وهو معدل أقل بـ 4.6 نقطة مقارنةً بعام 2025م، وجاءت جمهورية الصين الشعبية في المركز الثاني للعام الثاني على التوالي بمجموع 73.5 نقطةً، فيما تقدّمت اليابان إلى المرتبة الثالثة بإجمالي 70.6 نقطةً، وتراجعت المملكة المتحدة مرتبةً واحدة قياساً بالعام الماضي، حيث حلت في المركز الرابع بـ 69.2 نقطةً، أما ألمانيا الاتحادية وفرنسا فقد تمكنتا من الحفاظ على ترتيبهما العام في المركزين الخامس والسادس، بمجموع 67.7، و65.9 من النقاط على التوالي.
في المُجمل، حافظت الديمقراطيات الأوروبية على تفوق واضح في مؤشر القوة الناعمة، حيث احتلت عشر دول أوروبية مراكز متقدمة ضمن قائمة أفضل 20 دولةً، ومع ذلك أظهر مؤشر براند فاينانس تراجعاً طفيفاً في بعض المؤشرات للبلدان الأوروبية مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية العالمية، كما أظهر التقرير تزايد المنافسة من جانب القوى الآسيوية، ولاسيما الصين الشعبية والإمارات العربية وكوريا الجنوبية.

ثالثاً: موقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م على مستوى المؤشر العام:
كما هو الحال بالنسبة لتقرير العام الماضي (2025م)، تمكَّنت 6 دول إفريقية فقط في إقليم جنوب الصحراء الكبرى من انتزاع مراكز متقدمة ضمن قائمة أفضل 100 دولة عالميّاً، مما يعكس حجم التحديات التي لا تزال تواجه دول الإقليم في إطار سعيها لتحسين سمعتها الدولية في مجال القوة الناعمة، ومع ذلك ترى مؤسسة براند فاينانس أن الدول الإفريقية جنوب الصحراء لديها من القدرة ما يمكنها من تحسين تموضعها على سلم الترتيب العالمي لمؤشر القوة الناعمة، من خلال تشجيع الاستثمارات الأجنبية، والترويج للثقافة الوطنية، فضلاً عن تعزيز السياحة، وتوطيد الشراكات الدولية.
في هذا السياق، حافظت جنوب إفريقيا، رغم تراجعها مركزين على مستوى الترتيب العالمي، على صدارة الترتيب الإقليمي لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء بمجموع بلغ 44.2 من أصل 100 نقطة، ويأتي هذا الترتيب نتيجةً للتقدم الذي أحرزته جنوب إفريقيا في العديد من المؤشرات الرئيسية والفرعية ضمن مؤشر القوة الناعمة، مما يعكس جهودها المستمرة لتعزيز صورتها وسمعتها على الساحة الدولية؛ حيث استفادت البلاد من عدة عوامل أساسية لتعزيز جاذبيتها، أبرزها تاريخها النضالي ضد الاستبداد، ونشاط مجتمعها المدني، والسمعة المميزة لجامعاتها وقطاعها الخاص، إلى جانب هويتها العالمية التي ترتبط بجنوب القارة الإفريقية، وقيمها السياسية التي تركز على الديمقراطية وحقوق الإنسان.
واحتلت نيجيريا المركز الثاني على مستوى دول الإقليم والمرتبة الـ 71 عالميّاً بـ 37.4 نقطةً، فرغم عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده البلاد منذ سنوات، في ظل تواصل هجمات الجماعات المتمردة، مثل بوكو حرام، فقد تقدّمت نيجيريا ستة مراكز مقارنةً بالعام الماضي، وهو أعلى مركز لها في أربع سنوات، مما يعكس تحسن أدائها العام وتزايد نفوذها الثقافي.
أما كينيا، فقد احتلت المرتبة 88 عالميّاً بإجمالي 35.8 نقطةً، متقدمةً بذلك عدة مراكز قياساً بالسنوات الماضية، ويُعزى ذلك بشكلٍ رئيسي إلى دبلوماسيتها الإقليمية القوية، وبيئة الابتكار المتطورة، وقوة علامتها التجارية المتنامية، وبحسب مؤسسة براند فاينانس، تحافظ كينيا على مسار تصاعدي إيجابي، مما يجعلها تتمتع بمكانة القائد الإقليمي الموثوق به في شرق إفريقيا.
وتبرز تنزانيا أيضاً من بين أفضل البلدان الإفريقية جنوب الصحراء أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، حيث احتلت المرتبة 94 عالميّاً برصيد 34.4 نقطةً، ويرجع هذا التقدم إلى الاستقرار الداخلي ودبلوماسيتها النشطة في شرق إفريقيا، فضلاً عن الجهود المُحرَزة في قطاع الحوكمة والحفاظ على التراث الثقافي.
ويوضح الجدول أدناه الدول الست الإفريقية في منطقة جنوب الصحراء الأفضل أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، وهي الدول التي تمكَّنت، كما أسلفنا، من احتلال مراكز ضمن قائمة أفضل 100 دولة عالميّاً، وباستثناء جمهورية كوت ديفوار التي غابت عن القائمة هذا العام وحلت بدلاً منها جمهورية موريشيوس، فإن الدول الخمس الأخرى هي نفسها التي احتلت هذا التصنيف العام الماضي، مع بعض الاختلافات في ترتيبها الإقليمي والعالمي.

في المقابل، حققت معظم دول إفريقيا جنوب الصحراء أداءً ضعيفاً ومتواضعاً للغاية في مؤشر القوة الناعمة، احتلت على إثره مراكز متدنية ضمن قائمة الدول التي شملها المؤشر، ويعكس هذا الأداء الضعيف تراجع سمعتها الدولية وضعف مكانتها على الساحة العالمية، نتيجةً لقلة جهودها ومحدودية إمكانياتها اللازمة لتعزيز هويتها الوطنية، إلى جانب التحديات الاقتصادية التي تعاني منها، والصورة السلبية التي تسهم وسائل الإعلام في تشكيلها عنها.
فمن بين الدول الخمسين التي صُنِّفت ضمن الأقل أداءً في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تنتمي 23 منها إلى دول إفريقيا جنوب الصحراء، ما يُشكّل نسبة 46 في المائة، حيث حققت هذه الدول أداءً ضعيفاً على مستوى المؤشر العام تراوح بين (23.4) و(29.7) نقطةً فقط، ومن بين هذه الدول: الصومال، جنوب السودان، بوروندي، بالإضافة إلى الدول الجزرية الصغيرة مثل جزر القمر، سيشل، والرأس الأخضر. (انظر: الجدول 4).
يُعزى هذا التراجع بشكل رئيسي إلى التحديات القائمة التي لا تزال تواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء والتي تُكرِّس إخفاقها في بناء صورة عالمية قوية تتجاوز الصورة النمطية التي تروِّج لها وسائل الإعلام، كما أن تفاقم الصراعات العنيفة وغياب الاستقرار السياسي في دول مثل جنوب السودان، والصومال، والكونغو الديمقراطية، يُمثل عاملاً رئيساً في تقويض سمعة هذه الدول وإضعاف قوتها الناعمة. وفي هذا السياق أيضاً، تشير بعض الأبحاث إلى أن التصوير الإعلامي السلبي وغياب إستراتيجيات فعَّالة لتعزيز العلامات التجارية الوطنية يساهمان في ضعف أداء هذه الدول في مجال القوة الناعمة التي تقوم على الجذب والإقناع[6].

رابعاً: أداء دول الإقليم على مستوى الركائز الأساسية لمؤشر القوة الناعمة لعام 2026م:
نستعرض في هذا المحور موقع أهم البلدان الإفريقية جنوب الصحراء في مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، من خلال تحليل أداء تلك الدول وترتيبها ضمن عدد من الركائز الأساسية للمؤشر، على نحو ما يلي:
▪ التجارة والأعمال: لا تزال العوامل الرئيسية المؤثرة في السمعة الدولية، ولا سيما الأعمال والتجارة، تُمثل نقاط ضعف للعديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، حققت بعض الدول، مثل جنوب إفريقيا، أداءً جيداً في هذا المؤشر، مدفوعةً باستقرار البيئة الاقتصادية وعضويتها في تكتل البريكس BRICS ومجموعة العشرين (G-20)، فضلاً عن قوة علاماتها التجارية التي تمارس دوراً حيويّاً في تعزيز ثقة المستثمرين ودعم القدرة التنافسية الاقتصادية لجنوب إفريقيا على المدى الطويل. وبحسب الإصدار الجديد من مؤشر القوة الناعمة لهذا العام، تراجعت جنوب إفريقيا أربعة مراكز في مجال الأعمال والتجارة لتحتل المركز 54 عالميّاً، بما في ذلك تراجعها ستة مراكز في سهولة ممارسة الأعمال، في المقابل تقدّمت مركزين في مؤشر إمكانات النمو المستقبلي لتحتل المركز السابع، مما يُعزز الثقة الدولية في آفاق النمو المستقبلية لجنوب إفريقيا.
▪ التعليم والعلوم: بحسب مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تواجه دول إفريقيا جنوب الصحراء تحديات كبيرة في مجالي التعليم والعلوم مقارنةً بدول أخرى خارج الإقليم، سواءٌ في شمال إفريقيا أو الشرق الأوسط. وتتصدر جنوب إفريقيا دول الإقليم في هذا المؤشر بفضل جامعاتها وسمعتها الأكاديمية المرموقة، تليها موريشيوس وناميبيا وكينيا، فيما حققت معظم البلدان الإفريقية جنوب الصحراء أداءً ضعيفاً للغاية في هذا المجال واحتلت مراكز متأخرة ضمن الترتيب العالمي.
▪ جاذبية السياحة: وفقاً لتقرير مؤشر القوة الناعمة لعام 2026م، تظهر دول إفريقيا جنوب الصحراء في مراتب منخفضة على صعيد جاذبية السياحة، على الرغم من امتلاكها مناطق ومدن غنية بالتراث المعماري والثقافي الإفريقي، ويعود ذلك إلى تحدياتٍ تتعلق بضعف البنية التحتية ونقص الاستثمارات في القطاع السياحي. وفي هذا الإطار، تحتل موريشيوس وجنوب إفريقيا وسيشيل المراتب الأولى بين دول الإقليم في المؤشر ذاته، بفضل بنيتها التحتية السياحية المتقدمة وميزاتها التنافسية، ورغم ذلك؛ تُصنف هذه الدول عالميّاً ضمن فئة «الجاذبية المتوسطة».
▪ الريادة الرياضية: تُمثل الرياضة أكثر المجالات الثقافية جاذبيةً على مستوى العالم، ومن ثَمّ تُعدّ مؤشراً قوياً للقوة الناعمة. وفي هذا السياق، حققت بلدان إفريقيا جنوب الصحراء تقدّماً ملحوظاً في مجال الريادة الرياضية، بوصفها أكثر الوسائل تأثيراً لإظهار الدول هوياتها وقيمها؛ إذ احتلت الكاميرون المرتبة (14) عالميّاً، متبوعةً بالسنغال التي جاءت في المركز (17)، ثم نيجيريا في المركز (20)، وكينيا في المركز (25) عالميّاً.
خاتمة:
في ضوء القراءة السابقة لموقع بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م، يتبين أن هناك تفاوتاً واضحاً بين أداء دول الإقليم، سواءٌ على مستوى المؤشر العام أو على مستوى بعض الركائز الأساسية للمؤشر، فبينما تمكَّنت بعض الدول من إحراز تقدّم ملحوظ بانتزاعها ترتيباً عاماً ضمن قائمة أفضل 100 دولة، مثل جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا وتنزانيا، فإن غالبية دول الإقليم، في المقابل، حققت أداءً ضعيفاً ومتواضعاً للغاية. كما كشف التقرير أن العديد من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء لا تزال تواجه تحديات هائلة تَحُدّ من جاذبيتها وقوتها الناعمة، من بينها تدنّي سمعتها في مجالات حيوية كالحوكمة والتجارة والأعمال، وأيضاً التصوير الإعلامي السلبي الذي يقوّض السياحة ويَحُدّ من فرص الاستثمار الأجنبي.
مع ذلك، تمتلك دول إفريقيا جنوب الصحراء، بحسب مؤسسة براند فاينانس البريطانية، فرصاً واعدةً لتحسين أدائها الضعيف في مؤشر القوة الناعمة، إلا أن تحقيق ذلك يتطلب العمل على تعزيز سمعتها وتغيير الصورة النمطية (التقليدية) التي يروِّج لها الإعلام العالمي، من خلال تطوير إستراتيجيات وطنية شاملة تعكس ثقافتها وقيمها بشكل أفضل، وتسويق تراثها وعلاماتها التجارية بفعالية أكبر. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب تجاوز هذا التصنيف المتدنّي في مؤشر القوة الناعمة تعزيز الدبلوماسية الثقافية واعتماد إستراتيجيات مبتكرة للتسويق الإستراتيجي، إلى جانب الاستفادة من أدوات الدبلوماسية الرقمية لتحسين الصورة الدولية للبلدان الإفريقية وبناء هوية وطنية أكثر جاذبيةً وتأثيراً.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] علي باكير، «نحو إطار نظري في صناعة القوة الناعمة»، مجلة سياسات عربية، المجلد 9، العدد 53، نوفمبر 2021م، ص78.
[2] مها محسن سليمان، «القوى الناعمة.. سلاح القرن دفاعًا وهجومًا»، موقع السياسة الدولية، 30 أبريل 2023م، متاح على: https://2u.pw/NaJnG
[3] نديم ناصيف، «قياس قدرات الدول على استخدام الرياضة أداة للقوة الناعمة: مؤشر القوة الرياضية العالمية»، مجلة سياسات عربية، المجلد 10، العدد 57، يوليو 2022م، ص49.
[4] Global Soft Power Index 2026, London, Brandfinance, (2026), available at: https://n9.cl/dm6yix
[5] غزوان المنهلاوي، «مؤشر القوة الناعمة»، مركز البيدر للدراسات والتخطيط، بغداد، سبتمبر 2024م، ص2.
[6] Global Soft Power Index 2026: Africa’s fragile position on the world stage, Africa News Agency, 11 February 2026, available at: https://n9.cl/n72ha
The post قراءة تحليلية لأداء بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في المؤشر العالمي للقوة الناعمة لعام 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
يكتسب تقرير «حالة الحوكمة في إفريقيا لعام 2026م» أهميةً خاصة باعتباره محاولةً لقراءة المشهد السياسي الإفريقي من منظورٍ يتجاوز متابعة الأحداث إلى تحليل الاتجاهات.
The post الحوكمة ومستقبل الدولة في إفريقيا.. قراءة في ضوء تقرير 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مقدمة:
في وقتٍ تواجه فيه إفريقيا تحديات متشابكة، تتراوح بين الأزمات الأمنية والضغوط الاقتصادية والتغيرات الديموغرافية المتسارعة، باتت قضية الحوكمة تحتل موقعاً محورياً في النقاش حول مستقبل القارة. فلم تعد الحوكمة تقتصر على إدارة شؤون الدولة أو تنظيم العلاقة بين المؤسسات والمواطنين، بل أصبحت مؤشراً رئيسياً على قدرة الأنظمة السياسية على تحقيق الاستقرار، وإدارة التنوع المجتمعي، والاستجابة لتطلعات المواطنين في التنمية والمشاركة السياسية. ومع دخول القارة مرحلةً تتسارع فيها التحولات الداخلية وتزداد فيها المنافسة الدولية على النفوذ، تبرز تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الدول الإفريقية على بناء مؤسسات أكثر فاعلية وكفاءة تمكنها من مواجهة التحديات الراهنة وصياغة مسارات أكثر استقراراً في المستقبل.
وفي هذا السياق، يكتسب تقرير «حالة الحوكمة في إفريقيا لعام 2026م» أهميةً خاصة باعتباره محاولةً لقراءة المشهد السياسي الإفريقي من منظورٍ يتجاوز متابعة الأحداث إلى تحليل الاتجاهات والبنى الحاكمة لها. فالتقرير لا يقتصر على رصد مؤشرات الاستقرار أو التغيير السياسي، بل يطرح أيضاً تساؤلات أعمق حول مستقبل الحكم في القارة، وكيف تؤثر التحولات الإقليمية والتنافس في الموارد وتغير أنماط السلطة في فرص بناء مؤسسات أكثر شمولاً وفاعلية؟
وفي ضوء ما سبق، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة لقضية الحوكمة في إفريقيا، من خلال التوقف عند عدد من المحاور الرئيسة في تقرير «حالة الحوكمة في إفريقيا لعام 2026م»، والتي تعكس أبرز التحديات والفرص التي تواجه القارة في المرحلة الراهنة، وذلك كما يأتي:
أولاً: تقرير حالة الحوكمة 2026م.. جهة الإصدار، البنية والأهمية.
ثانياً: الاستحقاقات الإفريقية وأزمة المصداقية المؤسسية.
ثالثاً: نماذج التنمية في إفريقيا بين البراغماتية والتكامل القاري.
رابعاً: المعادن الحرجة في إفريقيا: من التصدير الخام إلى السيادة الاقتصادية.
خامساً: إفريقيا في النظام الدولي: بين التنافس الخارجي وتوسيع هامش التأثير.
خاتمة.
أولاً: تقرير حالة الحوكمة 2026م.. جهة الإصدار، البنية والأهمية:
يصدر تقرير الحوكمة من خلال منصة «آفاق السياسة الإفريقية» Africa Political Outlook APO، المتخصصة في تحليل التحولات السياسية والاقتصادية وقضايا الحوكمة في القارة الإفريقية، وتعمل على جمع الخبراء وصناع القرار لمناقشة التحديات المرتبطة بمستقبل الحكم والتنمية في إفريقيا.
ومن حيث هيكل التقرير، فيتكون من ثلاثة أقسام رئيسية: يُخصّص القسم الأول لقراءة وتحليل الانتخابات المقرر إجراؤها خلال عام 2026م في عدد من الدول الإفريقية (وقد أُجري عدد منها بالفعل قبل وخلال صدور التقرير)، بينما يركز القسم الثاني على مسارات ونماذج التنمية داخل القارة، في حين يتناول القسم الثالث موقع إفريقيا في ظل التحولات الجارية بالنظام الدولي، من خلال استعراض تفاعلاتها مع القوى التقليدية مثل الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب القوى الصاعدة وفي مقدمتها الصين ودول الخليج.
شكل رقم (1):
الركائز الرئيسة لتقرير الحوكمة الإفريقية 2026م:

المصدر: من إعداد الباحثة، استناداً لتقرير الحوكمة في إفريقيا 2026م.
وتنبع أهمية التقرير من كونه لا يقتصر على رصد تطورات الحوكمة في إفريقيا، بل يُقدّم قراءة شاملة للتحولات السياسية والاقتصادية والجيوسياسية التي يُتوقع أن تؤثر في مستقبل القارة خلال السنوات المقبلة. كما يكتسب أهميةً خاصة لتناوله قضايا محورية تشمل الانتخابات المرتقبة، ونماذج التنمية، وموقع إفريقيا في ظل إعادة تشكيل النظام الدولي، بما يساعد على فهم التحديات المرتبطة بالديون، وكلفة التمويل، والتنافس الدولي على الموارد الإفريقية، إلى جانب فرص التكامل الاقتصادي والتحول الرقمي. كذلك يوفر التقرير رؤى تحليلية حول قدرة الدول الإفريقية على تحويل ثقلها الديموغرافي ومواردها الطبيعية إلى أدوات لتعزيز التنمية والاستقلال الإستراتيجي، في ظل بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى التقليدية والصاعدة.
ثانياً: الاستحقاقات الإفريقية وأزمة المصداقية المؤسسية:
في مستهل تقرير الحوكمة المعني بالقارة الإفريقية، يخصص جزءاً للحديث عن مسألة الانتخابات، التي تمثل لحظة مفصلية في المشهد السياسي لأي دولة حول العالم- وليس فقط في إفريقيا، ولاسيما أنها ترسم مسار البلاد خلال الفترة المقبلة، وتعكس مستوى الاستقرار السياسي والشرعية التي تتمتع بها مؤسسات الدولة. إلا أن تنظيم انتخابات ذات مصداقية لا يزال يمثل تحدياً لبعض الدول، وبخاصةٍ في إفريقيا، حيث التنافس المحموم على السلطة وما يصاحبه من تلاعب بالعملية الانتخابية. وعليه؛ فرغم أهمية العملية الانتخابية باعتبارها مؤشراً على حالة الاستقرار وشرعية المؤسسات، فإنها في إفريقيا كثيراً ما تؤدي إلى توترات واضطرابات داخلية قد تصاحبها أعمال شغب وعنف واسع النطاق. ولا يبدو ذلك مستغرباً في ظل وجود حكام ينظرون إلى السلطة كوسيلة لتحقيق مصالحهم الضيقة لا لخدمة شعوبهم، بما يدفعهم إلى التلاعب بالعملية الانتخابية، وهو ما يثير سخطاً شعبياً يُترجم إلى اضطرابات وعنف وفوضى. لكن الناظر إلى الأمر بصورة أعمق يكشف ارتباطه بتحديات هيكلية تتجاوز العملية الانتخابية نفسها، مثل ضعف مؤسسات الدولة وتآكل الثقة، أو انعدامها، في الكيانات المسؤولة عن إدارة الانتخابات.
شكل رقم (2):
معارك الصناديق وإعادة تشكيل المشهد السياسي:

Source: The State of African Governance (2026), (Africa Political Outlook, Mar 2026).
وفي سياق الاستحقاقات البرلمانية أو الرئاسية، يشير التقرير إلى بعض الانتخابات التي عُقدت بالفعل في إفريقيا خلال عام 2025م، والتي شهدت، كالمعتاد، أحداثاً مثيرة. فعلى سبيل المثال: أسفرت بعض الانتخابات عن فوز رؤساء كانوا قد قادوا انقلابات عسكرية في وقتٍ سابق، كما في الجابون (بريس أوليغي نغيما) وغينيا (مامادي دومبويا). فيما شهدت دولٌ أخرى انتقالاً سلمياً للسلطة، بل وهزيمة رؤساء سابقين أمام رموز للمعارضة، كما في مالاوي وسيشل. أما في دول مثل الكاميرون وإفريقيا الوسطى وكوت ديفوار، فقد أسهمت الانتخابات في تمديد بقاء الرؤساء في السلطة لفترات جديدة.
وفي نهاية هذا القسم، يشير التقرير إلى عدد من الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع عقدها خلال عام 2026م في نحو 15 دولة إفريقية- بعضها أُجري بالفعل كما أوردنا سلفاً- معرباً عن الأمل في أن تشهد هذه الاستحقاقات استقلالية أكبر للهيئات المنظمة للعملية الانتخابية، بما يفضي إلى مشاركة حقيقية للناخبين، ويسهم في تقليص الفجوة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة في العملية الانتخابية والمؤسسات العامة على المدى الطويل.
ثالثاً: نماذج التنمية في إفريقيا بين البراغماتية والتكامل القاري:
يركز تقرير الحوكمة الإفريقية 2026م في هذا القسم على الفرص والتحديات التي تُشكّل مسارات التنمية في القارة خلال السنوات المقبلة. فعلى الرغم من أن إفريقيا تمتلك مقومات واعدة تتمثل في معدلات النمو المرتفعة، والتوسع الديموغرافي، واتساع الأسواق الاستهلاكية، فإن هذه الإمكانات تواجه ضغوطاً متزايدة ناجمة عن تراجع المساعدات الإنمائية الخارجية، وارتفاع مستويات الدين العام، وزيادة تكلفة التمويل. وفي ضوء هذه المعطيات، يشير التقرير إلى تراجع أهمية الانقسام بين النماذج التنموية القائمة على تدخل الدولة أو الاعتماد على آليات السوق، لصالح مقاربة أكثر براغماتية تركز على مواءمة السياسات مع الخصوصيات الوطنية لكل دولة. ولتدعيم هذه الرؤية، يستعرض التقرير تجارب عدد من الدول الإفريقية، مثل بوتسوانا والمغرب ورواندا وإثيوبيا وبنين، باعتبارها نماذج مختلفة نجحت بدرجات متفاوتة في تحقيق أهدافها التنموية من خلال وضوح الرؤية الإستراتيجية وفعالية المؤسسات في تنفيذها.
كما يبرز اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية AfCFTA باعتبارها مشروعاً إستراتيجياً للتحول الصناعي وليس مجرد إطار تجاري، إذ تتيح سوقاً موحدة تضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، وتوفر فرصاً لبناء سلاسل قيمة إقليمية وتقليل الاعتماد على تصدير المواد الخام.
ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرهوناً بمعالجة فجوات البنية التحتية، وخفض تكلفة التمويل، واستكمال عمليات التنسيق الجمركي والتنظيمي بين الدول، حتى لا تتركز الفوائد في الاقتصادات الإفريقية الأكثر تقدماً فقط.
وفي موازاة ذلك، يناقش التقرير الدور المتنامي للتحول الرقمي والقطاعات الخدمية فيما يُعرف بـ«صناعات بلا مداخن»، مثل السياحة والخدمات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات، باعتبارها محركات جديدة للنمو وخلق الوظائف. لكنه يشدد على أن نجاح أي نموذج تنموي إفريقي سيعتمد في النهاية على جودة المؤسسات، وتعزيز التكامل الإقليمي، وزيادة الموارد المحلية، وتحقيق الاتساق بين السياسات التجارية والصناعية والرقمية والمالية بما يضمن وصول ثمار النمو إلى المواطنين.
رابعاً: المعادن الحرجة في إفريقيا: من التصدير الخام إلى السيادة الاقتصادية:
في سياق استعراضه للفرص الاقتصادية التي يمكن أن تدعم التحول التنموي في القارة، يسلط تقرير «الحوكمة 2026م» الضوء على المعادن الحرجة باعتبارها أحد أهم الأصول الإستراتيجية التي تمتلكها إفريقيا في المرحلة الراهنة، فالقارة تمتلك نحو 30% من الاحتياطيات العالمية من المعادن الحرجة، مثل الليثيوم والكوبالت والنحاس والعناصر الأرضية النادرة، وهي موارد أساسية للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. ومع تزايد الطلب الدولي عليها، تبرز أمام إفريقيا فرصة اقتصادية هائلة تُقدَّر بنحو 16 تريليون دولار خلال العقدين المقبلين. غير أن التحدي الرئيسي يتمثل في ضمان أن تتحول هذه الثروة الطبيعية إلى تنمية اقتصادية مستدامة وشاملة، بدلاً من الاكتفاء بدور المُورّد التقليدي للمواد الخام.
وتشهد السياسات الإفريقية تحولاً متزايداً نحو تعزيز القيمة المضافة المحلية، وذلك من خلال تحديث الأطر القانونية والتعدينية، وتشجيع التصنيع والمعالجة داخل القارة بدلاً من تصدير الخامات فقط. كما تسعى الحكومات إلى بناء شراكات أكثر توازناً مع المستثمرين الدوليين، بحيث تسهم الاستثمارات التعدينية في تطوير البنية التحتية، وتوسيع قدرات الطاقة، وتحسين شبكات النقل، ودعم الشركات المحلية، بما يعزز التنويع الاقتصادي ويخلق فرصاً تنموية أوسع.
وفي ظل التنافس الدولي المتزايد على المعادن الحرجة، تمتلك الدول الإفريقية فرصةً لإعادة صياغة علاقتها مع الشركاء الخارجيين بما يخدم أهدافها التنموية طويلة المدى. وفي هذا السياق، يؤكد التقرير أن النجاح لن يعتمد فقط على استخراج الموارد، بل على إدارة عوائدها بكفاءة عبر آليات مثل الصناديق السيادية والاستثمار في التنويع الاقتصادي، إلى جانب تعزيز التكامل الإقليمي وسلاسل القيمة العابرة للحدود. وبهذه الطريقة يمكن للمعادن الحرجة أن تصبح أساساً للنهضة الصناعية والسيادة الاقتصادية والتنمية المستدامة في إفريقيا.
خامساً: إفريقيا في النظام الدولي: بين التنافس الخارجي وتوسيع هامش التأثير:
يرى تقرير الحوكمة 2026م أن مكانة إفريقيا في النظام الدولي لا تزال تشهد تحولاً ملحوظاً، بعدما أصبحت القارة محوراً متزايد الأهمية في حسابات القوى الكبرى بفعل موقعها الجغرافي ومواردها الإستراتيجية وثقلها الديموغرافي المتنامي. وفي هذا الإطار، يشير التقرير إلى أن إفريقيا لم تعد يُنظر إليها باعتبارها هامشاً في السياسة العالمية، بل باتت ساحةً رئيسية للتنافس حول المعادن الحيوية، وممرات التجارة، وسلاسل الإمداد المرتبطة بالتحول نحو الاقتصاد الأخضر. ومع ذلك، فإن اتساع الاهتمام الدولي بالقارة لا يعني بالضرورة امتلاكها قدرة موازية على التأثير في القرارات العالمية، الأمر الذي يطرح تحدياً يتعلق بكيفية تحويل هذه الأهمية الإستراتيجية إلى نفوذ سياسي ومؤسسي فِعلي.
وفي هذا السياق، يتناول التقرير التحولات الجارية في علاقات إفريقيا مع القوى الدولية المختلفة؛ فالولايات المتحدة، على سبيل المثال، أصبحت تميل إلى مقاربةٍ أكثر ارتباطاً بالمصالح الإستراتيجية والأمنية، بينما تواصل الصين توسيع حضورها الاقتصادي من خلال الاستثمار في قطاعات التصنيع والطاقة والبنية التكنولوجية. كما برزت دول الخليج كفاعلٍ متنامي التأثير في ملفات الاستثمار والوساطة السياسية والأمنية، خاصةً في مناطق البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وعليه؛ يؤكد التقرير أن هذا التعدد في الشركاء يوفر فرصاً جديدة أمام الدول الإفريقية لتنويع علاقاتها الخارجية، لكنه في الوقت ذاته يفرض تحديات مرتبطة بإدارة التنافس الدولي والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.
ويخصص التقرير كذلك اهتماماً خاصاً لقضايا الحوكمة العالمية، مشيراً إلى تصاعد المطالب الإفريقية بإصلاح المؤسسات الدولية بما يعكس الوزن الحقيقي للقارة في النظام العالمي. وتبرز هذه المطالب في ملفات إصلاح هيكل الديون الدولية، وتعزيز تمثيل إفريقيا داخل مؤسسات صنع القرار متعددة الأطراف، وتوسيع دورها في معالجة القضايا العالمية المرتبطة بالأمن والتنمية والتغير المناخي. ويخلص إلى أن قدرة إفريقيا على تعظيم مكاسبها من التحولات الدولية الراهنة ستعتمد على مدى نجاحها في بناء مواقف تفاوضية مشتركة وتعزيز فعالية مؤسساتها القارية والإقليمية، بما يمكنها من الانتقال من موقع المتأثر بالتحولات العالمية إلى موقع المشارك في تشكيلها.
شكل رقم (3):
كيف تصنع الحوكمة الداخلية درعاً جيوسياسياً؟:

Source: The State of African Governance (2026), (Africa Political Outlook, Mar 2026).
خاتمة:
تُظهر القضايا والمضامين التي تناولها تقرير «حالة الحوكمة في إفريقيا 2026م» أن القارة تمر بمرحلة انتقالية، تتجاوز التحديات التقليدية المرتبطة بالاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية إلى مرحلةٍ تتعلق بإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي. فبين انتخاباتٍ تكشف في بعض الحالات عن استمرار أزمة الثقة في المؤسسات، ونماذج تنموية تبحث عن صيغ أكثر واقعية وملاءمة للخصوصيات الوطنية، وتنافس دولي متصاعد على الموارد الإستراتيجية، تبدو إفريقيا أمام فرصة استثنائية لإعادة توظيف عناصر قوتها بما يحقق قدراً أكبر من الاستقلالية والفاعلية.
غير أن قراءة محاور التقرير تؤشر على أن امتلاك الموارد أو تزايد الاهتمام الدولي بالقارة لا يشكلان في حد ذاتهما ضمانةً لتحقيق التحول المنشود. فالتجارب الإفريقية الأكثر نجاحاً تظل تلك التي استطاعت بناء مؤسسات قادرة على إدارة التحديات وتحويل الفرص إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل مسألة الحوكمة العامل الحاسم الذي يربط بين مختلف القضايا التي ناقشها التقرير، سواءٌ تعلّق الأمر بالانتخابات أو التنمية أو إدارة الموارد الطبيعية أو العلاقات الخارجية.
ومن ثَمّ؛ فإن مستقبل إفريقيا خلال السنوات المقبلة لن يتوقف فقط على حجم ما تمتلكه من ثروات وإمكانات، بل على قدرتها على توظيف هذه المقومات ضمن رؤية إستراتيجية متكاملة توازن بين متطلبات الاستقرار والتنمية، وبين الانفتاح على الشركاء الخارجيين والحفاظ على المصالح الوطنية.
وختاماً، تبدو الحوكمة أقل ارتباطاً بالإجراءات والمؤسسات وحدها، وأكثر ارتباطاً بقدرة الدول الإفريقية على صياغة مشروع تنموي مستقل، يجعل من التحولات العالمية الراهنة فرصةً لتعزيز مكانة القارة بدلاً من تكريس تبعيتها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر التقرير:
The State of African Governance (2026), (Africa Political Outlook, Mar 2026), https://www.academieoutremer.fr/wp-content/uploads/2026/04/1THE-STATE-OF-AFRICAN-GOVERNANCE-2026.pdf
The post الحوكمة ومستقبل الدولة في إفريقيا.. قراءة في ضوء تقرير 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
يكتسب تقرير الهجرة الصادر عام 2026م أهميةً خاصة؛ لما يقدّمه من قراءةٍ تساعد على فهم الاتجاهات الجديدة للهجرة عالمياً، وإبراز موقع القارة الإفريقية داخل هذه التحولات.
The post الهجرة في إفريقيا 2026: اتجاهات النزوح واللجوء ومسارات التنقل ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>تُعدّ الهجرة واحدةً من أكثر الظواهر تأثيرًا في العلاقات الدولية والتحولات السكانية المعاصرة، وتأتي الهجرة في إفريقيا باعتبارها أحد أكثر الملفات تعقيدًا؛ نظرًا لتداخلها مع قضايا النزوح والصراعات والتنمية والتغيرات المناخية. وفي ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، تزداد أهمية فهم اتجاهات الهجرة داخل القارة الإفريقية وخارجها، باعتبارها مؤشرًا مهمًا على التحولات الاقتصادية والسياسية والإنسانية الراهنة.
ومن هنا؛ يكتسب تقرير الهجرة الصادر عام 2026م عن المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، أهميةً خاصة؛ لما يقدّمه من قراءةٍ تساعد على فهم الاتجاهات الجديدة للهجرة عالميًا، وإبراز موقع القارة الإفريقية داخل هذه التحولات.
وتقرير الهجرة العالمي، تقرير سنوي يخرج عن المنظمة الدولية للهجرة، وهي وكالة أممية تأسست عام 1951، وتضم أكثر من 170 دولة عضوًا، وتُعد المرجع الدولي الأبرز في قضايا الهجرة وإدارة التنقل البشري، كما يُعد تقريرها من أبرز المراجع الدولية المعنية برصد اتجاهات الهجرة والنزوح واللجوء حول العالم. واستناداً إلى ذلك؛ يحاول هذا المقال تقديم قراءة تحليلية لواقع الهجرة في العالم وإفريقيا، وتحولاتها في ضوء تقرير الهجرة لعام 2026م.
على مدار أكثر من 25 عامًا، واصلت المنظمة الدولية للهجرة إصدار تقارير دورية تُعنى برصد تطورات الهجرة وتحليلها على المستويين الإقليمي والدولي؛ بهدف توفير فهم أعمق للتحولات المتسارعة التي يشهدها هذا الملف وما يرتبط به من قضايا وتحديات متعددة. وفي هذا السياق، يأتي تقرير عام 2026م في نسخته الـ 13 ضمن هذه السلسلة، تأكيدًا للجهود الرامية إلى تعزيز الوعي بقضايا الهجرة وتوفير مرجع تحليلي قائم على بيانات ومؤشرات موثوقة. ويركز التقرير بصورة أساسية على جانبين رئيسيين؛ أولهما: تقديم قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة حول أعداد المهاجرين واتجاهاتهم، وثانيهما: تحليل أبرز القضايا والتحديات المرتبطة بظاهرة الهجرة في السياقات العالمية الراهنة.
أما من حيث هيكل التقرير، فيتكوّن من مجموعة من المحاور التي تحاول أن تقدّم فهمًا شاملاً لمسارات الهجرة على المستويين العالمي والإقليمي. وعليه؛ يبدأ التقرير بعرض عام لمسألة الهجرة في سياق يتسم بتزايد الاضطرابات والتحولات العالمية، ثم ينتقل إلى تحليل اتجاهات الهجرة وأنماط المهاجرين من منظور عالمي وإقليمي. كما يتناول العلاقة بين الهجرة والتنمية، مع إبراز أهميتها باعتبارها موردًا إستراتيجيًا مؤثرًا، إلى جانب مناقشة مسارات الهجرة النظامية من خلال استعراض التحديات والفرص والواقع الفعلي. كذلك يعالج عددًا من القضايا المعاصرة المرتبطة بالهجرة، مثل التنقل المرتبط بالتغيرات المناخية، والنزوح الداخلي، وقضايا الإعاقة والهجرة، بما يقدّم رؤية متعددة الأبعاد لأبرز تحديات الهجرة والاستجابات المرتبطة بها.
تكشف القراءة العالمية لتقرير الهجرة 2026م عن مفارقة لافتة، فمن ناحيةٍ تستمر الهجرة في أداء دور مهم في دعم النمو الاقتصادي وتعزيز الابتكار والتبادل الثقافي بين الدول والمجتمعات، بينما تتحول في الوقت ذاته إلى أحد أكثر الملفات تعقيداً على مستوى السياسات الدولية، بفعل تزايد تحديات الاندماج، وإدارة الحدود، وتصاعد النزوح القسري.
وتشير بيانات التقرير إلى ارتفاع عدد المهاجرين الدوليين إلى نحو 304 ملايين شخص حتى منتصف عام 2024م، مقارنةً بنحو 250 مليوناً في عام 2015م، وهو ما يمثل 3.7% من سكان العالم. ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الهجرة العابرة للحدود لا تزال تمثل استثناءً أكثر من كونها نمطاً سائداً، إذ يواصل معظم سكان العالم العيش في بلدانهم الأصلية، بينما تبقى الهجرة الداخلية الشكل الأكثر انتشاراً. وفي الوقت نفسه، تسهم عوامل مثل التطور التكنولوجي، وتراجع تكاليف السفر، والتفاوتات الاقتصادية، والصراعات، والتغيرات المناخية في إعادة تشكيل أنماط التنقل البشري عالمياً.
وتُظهر المؤشرات أن الهجرة القسرية والنزوح الداخلي باتا يشكلان أحد أبرز ملامح المشهد العالمي الراهن؛ إذ تجاوز عدد النازحين داخلياً 83 مليون شخص بنهاية عام 2024م، وهو أعلى رقم مسجل تاريخياً، فيما بلغ عدد حركات النزوح خلال العام نفسه نحو 65.8 مليون حالة، كان نحو 70% منها مرتبطاً بالكوارث الطبيعية.
اقرأ أيضًا: تقرير أممي: النزوح الجماعي وانعدام الأمن أبرز تحديات وسط إفريقيا
كما ارتفع عدد الوفيات بين المهاجرين أثناء التنقل أو عبور الحدود إلى أكثر من 9 آلاف حالة خلال عام 2024م، وهو أعلى معدل منذ بدء توثيق هذه البيانات، ما يعكس تزايد المخاطر المرتبطة بمسارات الهجرة غير النظامية. وفي السياق ذاته، بلغ عدد اللاجئين عالمياً 36.9 مليون شخص، مع استمرار الصراعات في السودان وأوكرانيا وسوريا وأفغانستان في تغذية موجات النزوح واسعة النطاق.
وفي مقابل تصاعد أزمات النزوح، يُبرز التقرير أبعادًا أخرى للهجرة ترتبط بالفرص الاقتصادية والتعليمية؛ فقد تضاعف عدد الأشخاص المتنقلين عالمياً طلباً للعلم أكثر من ثلاث مرّات بين عامي 2002 و2022م، ليقترب من 7 ملايين طالب، ما يعكس تنامي التعليم في الخارج كأحد أهم مسارات الهجرة النظامية.
كما تستمر التحويلات المالية للمهاجرين في أداء دور اقتصادي محوري، حيث تصدرت الهند قائمة الدول المستقبلة للتحويلات خلال عام 2024م بأكثر من 137 مليار دولار. وتوضح هذه الاتجاهات أن الهجرة يجب ألّا تُختزل في كونها استجابة للأزمات فقط، بل يجب أن يُنظر إليها بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد تجمع بين دوافع الفرص والتنمية من جهة، وضغوط النزاعات والكوارث وعدم الاستقرار من جهةٍ أخرى، بما يفرض تحديات متزايدة أمام إدارة الهجرة عالمياً.
ويوضح الجدول الآتي أبرز المؤشرات المرتبطة بالهجرة العالمية عبر مقارنةٍ تمتد لأكثر من ربع قرن، بين تقرير الهجرة العالمي لعام 2000م وتقرير 2026م، بما يعكس حجم التحولات التي شهدتها أنماط الهجرة، وأعداد المهاجرين، والنزوح، والتحويلات المالية خلال أكثر من عقدين كما يلي:
| المؤشر | تقرير 2000 | تقرير 2026 |
| العدد التقديري للمهاجرين عبر الحدود | 150 مليونًا | 304 ملايين |
| النسبة التقديرية للمهاجرين من إجمالي سكان العالم | 2.8% | 3.7% |
| النسبة التقديرية للنساء بين المهاجرين الدوليين | 47.5% | 48% |
| المنطقة ذات أعلى نسبة من المهاجرين الدوليين | أوقيانوسيا | أوقيانوسيا |
| الدولة ذات أعلى نسبة من المهاجرين الدوليين | الإمارات العربية المتحدة | قطر |
| عدد العمال المهاجرين | غير متوفر | 167.7 مليون |
| إجمالي التحويلات المالية الدولية للمهاجرين (دولار أمريكي) | 128 مليار دولار | 905 مليارات دولار |
| عدد اللاجئين | 14 مليونًا | 36.9 مليون |
| عدد النازحين داخليًا | 21 مليونًا | 83.4 مليون |
جدول رقم (1): التحولات الرئيسية في الهجرة ومؤشراتها خلال الفترة (2000-2026)
Source: UN Migration, “World Migration Report 2026”, (Geneva: International Organization for Migration “IOM”, May 2026), P.5.
وتُبرز المقارنة المبينة في الجدول رقم (1) اتساع نطاق الهجرة العالمية وتزايد تأثيراتها الاقتصادية والإنسانية، سواءٌ من خلال ارتفاع أعداد المهاجرين واللاجئين والنازحين، أو عبر النمو الكبير في التحويلات المالية المرتبطة بالمهاجرين.
في ضوء الاتجاهات العالمية للهجرة، تكتسب الحالة الإفريقية أهميةً خاصة بالنظر إلى تعقد أنماط التنقل البشري داخل القارة، وتداخلها مع قضايا النزوح واللجوء والتنمية. ومن هذا المنطلق؛ يركز هذا القسم على أبرز ملامح الهجرة في إفريقيا كما يعرضها تقرير الهجرة لعام 2026م، حيث يشير إلى تميز أنماط الهجرة لديها، وذلك بوجود أعداد كبيرة من المهاجرين الذين ينتقلون داخل القارة وخارجها.
على سبيل المثال: بحلول منتصف عام 2024م، بلغ عدد المهاجرين المنحدرين من إفريقيا نحو 45.8 مليون شخص، ورغم ارتفاع هذا العدد على مدار العقود الماضية، مقارنةً بما كان عليه في عام 1990م حين بلغ أقل قليلاً من 20 مليوناً، فإنه لا يزال يمثل نسبة محدودة من إجمالي سكان القارة، إذ شكّل المهاجرون من إفريقيا نحو 3% فقط من إجمالي سكان القارة. وتشير بيانات التقرير إلى أن معظم المهاجرين المولودين في إفريقيا والمقيمين خارجها يتركزون في أوروبا (نحو 11 مليون شخص)، تليها آسيا (قرابة 7 ملايين)، ثم أمريكا الشمالية (حوالي 2.7 مليون).
وكما يوضح الشكل رقم (2)، فإن الجزء الأكبر من الهجرة يحدث داخل القارة نفسها، وقد شهد هذا النمط ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 2000م. وتشير أحدث البيانات إلى أن نحو 25 مليون إفريقي كانوا يقيمون في دولة إفريقية أخرى خلال عام 2024م، بزيادة قدرها 17% مقارنةً بعام 2020م، ونحو 39% مقارنةً بعام 2015م. ويعكس ذلك– جزئياً– تزايد النزوح العابر للحدود داخل القارة، إلى جانب تنامي الهجرة البينية داخل إفريقيا، المدعومة بترتيبات حرية التنقل بين بعض الدول الإفريقية.
وعلى خلاف العديد من الدول في أقاليم مثل أوروبا وآسيا، حيث تُعدّ الهجرة أحد المحركات الرئيسة للنمو السكاني، فإن ارتفاع معدلات الخصوبة لا يزال العامل الأساسي وراء النمو السكاني في إفريقيا، وخاصةً في إفريقيا جنوب الصحراء.
ومع ذلك، توجد بعض الاستثناءات؛ إذ شهدت غينيا الاستوائية– التي سجلت أعلى معدل تغير نسبي في عدد السكان داخل إفريقيا خلال العقدين الماضيين– نمواً سكانياً تأثر بدرجة كبيرة بزيادة الهجرة الوافدة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالنمو الاقتصادي المرتبط بقطاعات النفط والغاز والبناء. وارتفعت نسبة المهاجرين الدوليين من أقل من 1% من إجمالي سكان البلاد في عام 2005م إلى أكثر من 13% بحلول عام 2024م.
من ناحيةٍ أخرى، تتشكل ممرات الهجرة الرئيسة في إفريقيا بفعل مزيج من القرب الجغرافي، والروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات النزوح القسري. وتُعدّ حركة الهجرة من بوركينا فاسو إلى كوت ديفوار أكبر ممر للهجرة داخل القارة، نتيجة استمرار هجرة العمال والتقارب الجغرافي بين البلدين، فضلاً عن دور ترتيبات حرية التنقل في غرب إفريقيا في تسهيل الحركة. كما ترتبط بعض أكبر ممرات الهجرة، مثل جنوب السودان إلى السودان، والسودان إلى تشاد، وجنوب السودان إلى أوغندا، بموجات النزوح الواسعة الناتجة عن الصراعات والعنف.
“تُظهر قراءة تقرير الهجرة 2026م أن إفريقيا تواجه تداخلاً معقدًا بين الهجرة الإقليمية، والنزوح الداخلي، واللجوء العابر للحدود، في ظل استمرار تأثير الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية والضغوط التنموية”
وفي هذا السياق، تُعدّ أوغندا من بين أكثر الدول استضافة للاجئين عالمياً، لكنها واجهت خلال السنوات الأخيرة تحديات متزايدة في دعم أعداد اللاجئين المقيمين على أراضيها، في ظل تراجع مستويات المساعدات الدولية. وفي المقابل؛ تعكس ممرات أخرى تشمل دول شمال إفريقيا– مثل الهجرة من مصر إلى السعودية، ومن الجزائر إلى فرنسا، ومن المغرب إلى إسبانيا– مزيجاً من دوافع العمل، والروابط التاريخية المرتبطة بفترة ما بعد الاستعمار، فضلاً عن القرب الجغرافي بين هذه الدول.
وأما على صعيد النزوح الداخلي، فإنه يشهد تصاعداً، ولاسيما حالات النزوح المرتبطة بالصراعات والعنف، والتي تمثل واحدةً من أكثر القضايا الإنسانية إلحاحاً على المستوى العالمي، مع الحضور اللافت لدول إفريقيا جنوب الصحراء ضمن قائمة الدول الأعلى تسجيلاً لأعداد النازحين داخلياً بنهاية عام 2024م، كما سيوضح الشكل التالي، ويكشف هذا التركز الإفريقي عن الطبيعة المركبة للأزمات التي تشهدها القارة، حيث تتداخل الصراعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وتداعياته الإنسانية، بما يؤدي إلى موجات نزوح واسعة داخل الحدود الوطنية.
ويُظهر الشكل أعلاه أن دول إفريقيا جنوب الصحراء تمثل الكتلة الأكبر داخل القائمة، إذ تتصدر السودان عالميًا بأعلى أعداد للنازحين داخلياً، بينما تظهر دول أخرى مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، والصومال، وإثيوبيا، ونيجيريا، وبوركينا فاسو، والكاميرون، وجنوب السودان، وموزمبيق، ضمن الدول الأكثر تضرراً. ويعكس ذلك اتساع نطاق الصراعات المسلحة وعدم قدرة العديد من الحكومات على احتواء العنف أو توفير بيئات آمنة للسكان.
أما على مستوى حركة النازحين داخل إفريقيا جنوب الصحراء فقط، فيوضح الشكل التالي الدول العشرين الأكثر تسجيلاً لأعداد النازحين داخلياً نتيجة الصراعات أو الكوارث.
يوضح الشكل أعلاه أن النزوح الداخلي في إفريقيا لا يرتبط بالصراعات والعنف فقط، بل تمثل الكوارث الطبيعية عاملاً رئيسياً أيضاً في دفع أعداد كبيرة من السكان إلى النزوح. فقد سجلت دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان ونيجيريا معدلات مرتفعة من النزوح الناتج عن الكوارث، إلى جانب النزوح المرتبط بالصراعات، مع تعرض بعض الأفراد لأكثر من سبب للنزوح.
وشهدت نيجيريا أكثر من 1.2 مليون حالة نزوح مرتبطة بالكوارث، معظمها نتيجة الفيضانات، فيما سجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 750 ألف حالة. كما تصدرت تشاد الدول الإفريقية من حيث النزوح الداخلي الناتج عن الكوارث خلال عام 2024م، بأكثر من 1.3 مليون حالة نزوح، مدفوعة بشكل رئيسي بالفيضانات، وهو أعلى مستوى تسجله البلاد على الإطلاق.
كذلك شهدت دولٌ أخرى، مثل النيجر وموزمبيق، أعداداً كبيرة من حالات النزوح الناجمة عن الكوارث خلال عام 2024م، حيث سجلت النيجر نحو 1.1 مليون حالة نزوح، بينما بلغ عدد حالات النزوح في موزمبيق نحو 585 ألف حالة، بما يعكس تنامي تأثير الكوارث الطبيعية والتغيرات المناخية على أنماط النزوح داخل القارة.
قد يهمك: ظاهرة اللجوء المناخي في إفريقيا جنوب الصحراء: الأسباب وآليات المواجهة
على نحوٍ أكثر تفصيلاً، وبالنظر إلى استمرار الصراعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي في عدد من الدول الإفريقية، حافظ جنوب السودان (خلال عام 2024م) على موقعه كأكبر دولة منشأ للاجئين في إفريقيا بنحو 2.3 مليون لاجئ، تلاه السودان بحوالي 2.1 مليون لاجئ، بعد أن أدت الحرب المستمرة منذ منتصف أبريل 2023م إلى واحدة من أكبر أزمات النزوح عالمياً، مسجلةً زيادة تُقدّر بـ 40% مقارنةً بالعام السابق.
كما تجاوز عدد اللاجئين القادمين من جمهورية الكونغو الديمقراطية مليون لاجئ نتيجة النزاعات الممتدة بين القوات الحكومية والجماعات المسلحة، فيما جاءت الصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى ضمن أبرز دول المنشأ للاجئين في المنطقة. وفي المقابل؛ تستضيف دول إفريقيا جنوب الصحراء أعداداً ضخمة من اللاجئين؛ إذ ظلت أوغندا أكبر دولة مضيفة للاجئين في القارة بحوالي 1.8 مليون لاجئ، بينما استضافت تشاد نحو 1.1 مليون لاجئ من السودان وحده.
وتعكس هذه الأرقام- التي سيوضحها الشكل التالي- خصوصية المشهد الإفريقي، حيث تتداخل أدوار بعض الدول بين كونها مناطق منشأ للاجئين وفي الوقت نفسه دول استقبال لهم، بما يجعل إفريقيا الإقليم الوحيد عالمياً الذي يجمع بصورة متكررة بين إنتاج موجات لجوء واسعة واحتضانها في آنٍ واحد، وهو ما يزيد من تعقيد تحديات التنمية والاستقرار الإقليمي.
خاتمة:
في المحصلة، تكشف الاتجاهات الراهنة للهجرة العالمية أن أنماط التنقل البشري أصبحت أكثر ارتباطًا بالتفاعلات المركبة بين الأوضاع الاقتصادية، والتحولات المناخية، واستمرار الصراعات، واتساع فجوات التنمية بين الأقاليم المختلفة حتى بين دول الإقليم نفسه.
كما تشير المؤشرات الواردة في التقرير الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة، إلى أن قضايا الهجرة لم تعد تقتصر على إدارة حركة الأفراد عبر الحدود، بل تمتد إلى تحديات أوسع تتعلق بالاستقرار المجتمعي، والتعامل مع الضغوط الإنسانية، وتوجيه أولويات السياسات العامة نحو قضايا مثل إدارة الحدود، واستيعاب النازحين واللاجئين، وتعزيز الحماية الاجتماعية، والتكيف مع آثار التغيرات المناخية. وفي هذا السياق، تعكس الزيادة المستمرة في أعداد المهاجرين والنازحين واللاجئين حجم التحولات التي يشهدها العالم، بما يجعل فهم ديناميكيات الهجرة ضرورة لفهم التحولات الدولية ذاتها.
وفي الحالة الإفريقية، تُظهر قراءة تقرير الهجرة 2026م أن القارة تواجه تداخلاً معقدًا بين الهجرة الإقليمية، والنزوح الداخلي، واللجوء العابر للحدود، في ظل استمرار تأثير الصراعات المسلحة والكوارث الطبيعية والضغوط التنموية.
كما تكشف المؤشرات عن خصوصية المشهد الإفريقي، حيث تتقاطع أدوار بعض الدول بين كونها مناطق منشأ للحركات السكانية القسرية، وفي الوقت نفسه تكون وجهات لاستقبالها. ومن ثَمّ؛ فإن التعامل مع تحديات الهجرة في إفريقيا يرتبط بصورة وثيقة بقدرة الدول على تعزيز الاستقرار، والحد من مسببات النزوح، وتوسيع فرص التنمية، بما يسمح بتحويل الحركة البشرية من مؤشر على الهشاشة والأزمات إلى عنصر داعم للاستقرار والتنمية على المدى الطويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر تقرير الهجرة 2026م:
UN Migration, “World Migration Report 2026”, (Geneva: International Organization for Migration “IOM”, May 2026)
متاح على الرابط
أحدث المقالات:
The post الهجرة في إفريقيا 2026: اتجاهات النزوح واللجوء ومسارات التنقل ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
يُشير تقرير البنك الدولي (التحديث الاقتصادي لإفريقيا، أبريل 2026: تفعيل السياسة الصناعية في إفريقيا) إلى أن التحدي الذي يواجه النمو في إفريقيا هيكلي، ويتجلى في انخفاض الاستثمار، وضعف الإنتاجية، ومحدودية فرص العمل.
The post قراءة في تقرير البنك الدولي: “التحديث الاقتصادي لإفريقيا.. تفعيل السياسة الصناعية” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>يتباطأ التعافي الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء من الصدمات العالمية المتتالية، حيث تم تعديل توقعات النمو لعام 2026م بالخفض مقارنةً بتلك المنشورة في أكتوبر 2025م. وتَحُدّ من آفاق النمو وخلق فرص العمل التداعيات الجيوسياسية للصراع في الشرق الأوسط، وأعباء خدمة الدين المرتفعة، والضعف الهيكلي.
في هذا السياق، يُشير تقرير البنك الدولي (التحديث الاقتصادي لإفريقيا، أبريل 2026: تفعيل السياسة الصناعية في إفريقيا) إلى أن التحدي الذي يواجه النمو في إفريقيا هيكلي، ويتجلى في انخفاض الاستثمار، وضعف الإنتاجية، ومحدودية فرص العمل.
ورغم عودة الاهتمام بالسياسات الصناعية؛ فإن الجهود السابقة غالباً ما باءت بالفشل بسبب ضعف القدرة على التنفيذ والقيود المالية والمؤسسية، مع بعض الاستثناءات والتجارب الواعدة. ويقترح التقرير نهجاً عملياً قائماً على النظام البيئي، يربط أدوات السياسة بقدرات الدول لتحقيق مكاسب في الإنتاجية وتحول هيكلي مستدام.
وبناءً على ما تقدّم؛ نتناول الأداء الاقتصادي لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء، من خلال قراءاتنا لتقرير البنك الدولي المعنون «التحديث الاقتصادي لإفريقيا، أبريل 2026م: تفعيل السياسة الصناعية في إفريقيا»[1]
منذ بداية الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ارتفعت أسعار خام برنت والغاز الطبيعي الأوروبي الفورية بنسبة 67% و58% على التوالي. ويتباين تأثير ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية على دول إفريقيا. فبينما تُعدّ دول مثل أنغولا، والغابون، وموزمبيق، والنيجر، ونيجيريا، من مصدري سلع الطاقة، ومن المرجح أن تحقق الكونغو عائدات تصديرية أكبر، إلا أن هذه الفوائد محدودة بسبب اعتمادها على واردات المنتجات المكررة.
وتتفاقم هذه الآثار بين مستوردي النفط، ولا سيما في دول شرق وجنوب إفريقيا التي تعتمد بشكلٍ كبير على واردات الوقود من دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تستورد إثيوبيا وكينيا وموزمبيق وجنوب إفريقيا وتنزانيا وأوغندا أكثر من نصف منتجاتها البترولية (باستثناء النفط الخام) من الشرق الأوسط. بينما ستعتمد شدة آثار النزاع على عوامل عديدة، بما في ذلك مدة النزاع، فمن المرجح أن تنتقل هذه الآثار عبر أربع قنوات رئيسية: التجارة، والاستثمارات، والتمويل، والعمل.
أولاً: قناة التجارة:
يتجاوز حجم التبادل التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي وإفريقيا 120 مليار دولار، حيث تُصدّر اقتصادات الخليج بشكل أساسي المواد الهيدروكربونية والبتروكيماوية، وتستورد المعادن والذهب والمنتجات الزراعية من إفريقيا. وقد أدى النزاع إلى تعطيل هذه التجارة بشدة، مما ساهم في ارتفاع أسعار السلع العالمية، وزيادة خطر تجدد الضغوط التضخمية التي قد تُبطئ- أو حتى تُعكس- عملية تطبيع السياسة النقدية في المنطقة. كما أن ارتفاع الأسعار واضطرابات الإمداد في أسواق النفط العالمية يزيد من احتمالية حدوث نقص في الوقود في الاقتصادات الإفريقية.
وقد استجابت عدة دول بالفعل بتعديل سياساتها المحلية، بما في ذلك رفع أسعار الوقود (نيجيريا وجنوب إفريقيا)، والاعتماد على دعم الوقود لتخفيف العبء عن المستهلكين (إثيوبيا)، أو تبنّي تدابير لترشيد استهلاك الطاقة مثل فرض قيود على الاستخدامات غير الضرورية (موريشيوس) وتقنين الوقود (جنوب السودان).
وتُشكّل أسعار الأسمدة العالمية المتزايدة ضغطاً كبيراً، ولا سيما تلك التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات اليوريا والفوسفات. ومن بين الدول التي تعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط: السودان (54% من إجمالي واردات الأسمدة)، وتنزانيا (31%)، والصومال (30%)، وكينيا (26%). ومن المرجح أن تؤثر اضطرابات الإمداد على موسم الزراعة، وأن تُقلّل من غلة المحاصيل، وأن ترفع تكاليف إنتاج الغذاء، مما يؤدي إلى زيادة أسعار المواد الغذائية الأساسية وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مع آثار سلبية أكبر على الأسر الأكثر ضعفاً.
ويسعى المزارعون بالفعل إلى تأمين إمدادات الأسمدة قبل موسم الزراعة، ولا سيما في غرب إفريقيا، حيث تُعدّ الأسمدة ضرورية للمحاصيل التجارية مثل الكاكاو والقطن. ومن بين الدول الأخرى التي تعتمد اعتماداً كبيراً على الأسمدة في إنتاج الغذاء: كينيا، والصومال، والسودان.
ثانياً: قناة الاستثمار:
أصبحت دول الخليج من كبار المستثمرين في إفريقيا، حيث أعلنت عن 156 مشروعاً بقيمة تقارب 113 مليار دولار من الاستثمارات الجديدة في القارة خلال عامَي 2022م و2023م فقط في مشاريع الطاقة المتجددة والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، والتعدين، والزراعة. وتُساهم الإمارات بنحو 59.4 مليار، مع تركيز قوي على التعدين والخدمات اللوجستية.
وفي القطاع الزراعي، حفّزت جهود دول مجلس التعاون الخليجي لتأمين إمدادات غذائية طويلة الأجل مجموعة من الاستثمارات في إفريقيا، ولا سيما في مجال الأعمال الزراعية المحلية في غرب إفريقيا. وتشمل الاستحواذ على الأراضي الزراعية، وتوسيع إنتاج الغذاء، وتحسين البنية التحتية. كما تمتد لتشمل إنشاء مرافق للتصنيع وخدمات لوجستية للاستهلاك المحلي والتصدير إلى دول الخليج، مع التركيز بشكلٍ خاص على المحاصيل الأساسية وإنتاج الثروة الحيوانية.
ونتيجةً للصراع، قد تُعيد اقتصادات الخليج الكبرى النظر في تعهداتها الاستثمارية للتخفيف من آثار الصدمات الاقتصادية الداخلية. وقد تواجه المشاريع الرئيسية في قطاعات الطاقة والموانئ والتكنولوجيا تأخيرات محتملة أو تراجعاً في التمويل.
ثالثاً: قناة التمويل:
دفع الصراع المستمر المستثمرين إلى البحث عن ملاذٍ آمن، استجابةً لتصاعد التوترات، والضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة، وتجدد المخاوف بشأن الاستقرار الإقليمي. ويجري إعادة تقييم مدى ملاءمة منطقة الخليج كوجهة آمنة لرؤوس الأموال العالمية، ولا سيما في أعقاب الهجمات على البنية التحتية الحيوية، مثل مطار دبي الدولي ومحطات تحلية المياه في الكويت وقطر.
يحوّل المستثمرون محافظهم الاستثمارية نحو الأصول ذات المصداقية المؤسسية القوية والسيولة العالية، مثل الدولار والفرنك السويسري، وأدوات النقد قصيرة الأجل، ويبتعدون عن الأصول في الاقتصادات المعرضة لمخاطر الركود التضخمي، بما في ذلك العديد من الاقتصادات في إفريقيا. وقد يؤدي هذا التحول إلى زيادة هوامش مخاطر الدول وإضعاف العملات في المنطقة. ويعتمد حجم هذه الآثار واستمراريتها جزئياً على كيفية استجابة البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة للضغوط التضخمية الناجمة عن صدمة العرض.
رابعاً: قناة العمل:
لا تزال التحويلات المالية من دول الخليج شريان حياة بالغ الأهمية للعديد من الاقتصادات الإفريقية، وخاصةً في شرق إفريقيا، مدعومةً بأعداد كبيرة من العمال المهاجرين العاملين في قطاعَي البناء والخدمات. أدى النزاع إلى تفاقم المخاطر التي تهدد هذه التدفقات، مما يُهدد مصدر دخل أساسي لدولٍ مثل كينيا، التي قد تواجه خسائر شهرية تصل إلى 40 مليون دولار. ومع انخفاض أجور العمال المهاجرين، تعاني الأسر في إفريقيا من ضغوط مالية متزايدة، ولا سيما في البلدان التي تُمثل فيها التحويلات المالية ما يقرب من 20% من الناتج المحلي، بما في ذلك جزر القمر، وغامبيا، وليسوتو، وليبيريا.
وقد يؤدي استمرار النزاع لفترة طويلة إلى مزيدٍ من الانخفاض مع تراجع فرص العمل، وتباطؤ التوظيف الجديد، وارتفاع معدلات العودة إلى الوطن وسط انكماشات في قطاعات مثل الضيافة والبناء.
أولاً: التعرض، ومواطن الضعف، وحيز السياسات:
هناك ثلاثة أبعاد لجاهزية الدول: (التعرض، ومواطن الضعف، وحيز السياسات)، وذلك للاستجابة للآثار المحتملة والجارية للصراع. يقيس «التعرض» درجة الاعتماد على واردات النفط والغاز. وتعكس «مواطن الضعف» الظروف الاقتصادية الكلية التي قد تخفف من حدة صدمة أسعار الطاقة أو تزيدها. أما «حيز السياسات» فيقيس قدرة الحكومة على تنفيذ تدابير تخفف من التداعيات.
وهناك تباينٌ كبير في الجاهزية بين دول المنطقة على امتداد الأبعاد الثلاثة، إذ تُظهر أكثر من 60% من الدول تعرضاً متوسطاً أو مرتفعاً لواردات النفط والغاز. يواجه ما يقرب من نصف هذه الدول قيوداً كبيرة على التمويل الخارجي، حيث تتجاوز احتياجاتها من التمويل الخارجي 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وتغطي احتياطياتها من النقد الأجنبي أقل من ثلاثة أشهر من الواردات. في المقابل، تحافظ معظم الدول على معدلات تضخم منخفضة نسبياً: فبحلول فبراير 2026م، سجلت حوالي 70% من الدول تضخماً سنوياً أقل من 6%.
أخيراً، لا يزال حيز السياسات المتاحة للتخفيف من أثر ارتفاع أسعار الطاقة محدوداً. ففي ثلثي الدول، يتجاوز إجمالي الدين الحكومي العام 50% من الناتج المحلي، وتعاني ثلاث من كل خمس دول من عجز في الميزانية يتجاوز 3% من الناتج المحلي، مما يعكس العبء الثقيل لخدمة الدين.
جدول (1): الأثر الاقتصادي للصراع في الشرق الأوسط على إفريقيا جنوب الصحراء: خريطة جاهزية:

ثانياً: علامات التعافي ومشهد النمو غير المتكافئ في المنطقة:
بالنسبة للمنطقة ككل، لا يزال الناتج الحقيقي للفرد أقل بثلاث نقاط مئوية من مستوى عام 2014م (قبل انخفاض أسعار السلع الأساسية) مع بداية عام 2026م، على الرغم من أنه من المتوقع أن يصل إلى مستوى ما قبل الجائحة في عام 2019م. وقد تعافى بسرعات متفاوتة بشكلٍ كبير بين الاقتصادات الغنية بالموارد والاقتصادات غير الغنية بها. بحلول عام 2026م، من المتوقع أن يرتفع نصيب الفرد في البلدان غير الغنية بالموارد بنسبة تقارب 20% مقارنةً بعام 2014م. في المقابل، من المتوقع أن يبقى في البلدان الغنية بالموارد أقل بنسبة تزيد على 10% من مستواه في عام 2014م، ويعكس هذا إلى حدٍّ كبير ضعف أداء الاقتصادات الغنية بالنفط في المنطقة.
شكل (1): مؤشر الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للفرد، 2019 و2026م (وفقاً لأسعار 2014م):

كما يتباين الأداء بشكلٍ ملحوظ بين المناطق الفرعية. فمن المتوقع أن تتجاوز مجموعة شرق إفريقيا مستوى نصيب الفرد في عام 2014م بنحو 25%، بينما من المتوقع أن يتجاوز الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا مستواه في عام 2014م بنحو 36%. في المقابل، من المتوقع أن يبقى في المجموعة الاقتصادية لوسط إفريقيا أقل بنسبة 15% تقريباً من مستواه في عام 2014م.
بحلول نهاية 2026م، من المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد من الدخل في نحو ثلث دول المنطقة (15 من أصل 47) عن مستواه في عام 2014م. وفي تسعٍ من هذه الدول الخمس عشرة، انخفض نصيب الفرد من الدخل بأكثر من 10% مقارنةً بعام 2014م. ويُعدّ هذا الانخفاض حاداً في خمس دول، هي: أنغولا، وغينيا الاستوائية، وجمهورية الكونغو، وجنوب السودان، والسودان، حيث انخفض نصيب الفرد من الدخل بأكثر من 25% عن مستواه في عام 2014م. وهذه الدول إما أنها تعتمد اعتماداً كبيراً على صادرات النفط أو أنها متأثرة بالنزاعات.
في المقابل، يبلغ متوسط دخل الفرد في 40% من دول المنطقة (19 من أصل 47) ما لا يقل عن ربع مستواه في عام 2014م. وتزداد هذه الزيادة في خمس دول، هي: الرأس الأخضر، وساحل العاج، وإثيوبيا، وغينيا، ورواندا، حيث يبلغ متوسطه في عام 2026م ما لا يقل عن 45% أعلى من مستواه في عام 2014م.
ثالثاً: نقص الاستثمار يفسر تباطؤ التعافي الاقتصادي في المنطقة بعد الأزمة:
يُلاحظ نمطٌ لافتٌ في المنطقة، وهو أنه بحلول عام 2026م، لم يتعافَ الاستثمار بشكلٍ كامل إلى المستويات التي سُجّلت قبل نهاية دورة أسعار السلع الأساسية أو قبل جائحة كوفيد-19، مما يجعل التعافي غير مكتمل، ويُعيق النمو. ولا يزال نصيب الفرد من الاستثمار أقل بنحو الخُمس من مستواه في عام 2014م، وذلك في أعقاب تراجعٍ مطوّل بدأ مع نهاية دورة أسعار السلع الأساسية. وبعد انخفاض أسعار النفط في الفترة 2014-2015م، استمر الاستثمار في التراجع حتى عام 2020م.
وعلى الرغم من انتعاشه بشكلٍ طفيف في الفترة 2021-2022م؛ فإن الزخم توقف في عام 2023م مع بدء سريان إجراءات التقشف المالي والنقدي التي تم تطبيقها استجابةً لارتفاع التضخم. ومع انخفاض التضخم تدريجياً، بدأت البنوك المركزية في تخفيف السياسة النقدية عن طريق خفض أسعار الفائدة؛ ومع ذلك، ظل انتعاش الاستثمار ضعيفاً حتى عام 2024م.
ومن العوامل الرئيسية وراء هذا الانتعاش الضعيف الركود المطول لسوق العقارات في الصين، والذي أدى إلى انخفاض الطلب الخارجي وتقليل الآثار الإيجابية للاستثمار. وبالتالي، على الرغم من ارتفاع أسعار السلع الأساسية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية؛ لم يرتفع الاستثمار إلا بشكل طفيف.
منذ جائحة كوفيد-19، شهدت مستويات الاستثمار العام والخاص في الدول غير الغنية بالموارد ترابطاً قوياً. ورغم تعافي الناتج المحلي الإجمالي للفرد؛ فإن الاستثمار ظل أقل بكثيرٍ من مستواه قبل الجائحة، وأقل من المستوى الذي لوحظ قبل نهاية دورة السلع الأساسية. أما في الدول الغنية بالموارد، فقد انخفضا بشكلٍ حاد بعد نهاية دورة السلع الأساسية، مع انكماش ملحوظ في الاستثمار العام.
وفي حين أظهر الاستثمار في الدول الغنية بالموارد الطبيعية بعض التعافي بعد الجائحة، لم يعد أيٌّ من الاستثمار العام أو الخاص للفرد إلى مستواه في عام 2014م. وبعد ذروة التشديد النقدي في أواخر عام 2022م إلى أوائل عام 2023م، وما تلاه من انخفاض في التضخم العالمي، بدأت أسعار الفائدة في الانخفاض. مع ذلك، ورغم بدء التيسير النقدي، ظل نمو الاستثمار للفرد بطيئاً وضعيفاً. في إفريقيا جنوب الصحراء، أدى التراجع في نهاية دورة السلع الأساسية إلى انكماش في الاستثمار.
وبينما استمرت أسعار السلع الأساسية وأداء الصادرات في إظهار تحركات متقاربة؛ اتبع الاستثمار مساراً هبوطياً مطولاً ولم يتعافَ. علاوةً على ذلك، تُسعّر معظم السلع الأساسية بالدولار ويتم تداولها من خلال عقود فورية أو قصيرة الأجل، مما يسمح بانتقال صدمات الأسعار فوراً إلى عائدات الصادرات وميزان المدفوعات. ونتيجةً لذلك؛ تتحرك الصادرات بقوة وبشكلٍ متوقع مع أسعار السلع الأساسية العالمية، بينما يتأثر الاستثمار بالتوقعات طويلة الأجل، وجودة المؤسسات، والظروف المالية، واعتبارات المخاطر.
وبالنظر إلى المستقبل، يبقى ظهور دورة فائقة أخرى للسلع الأساسية غير مؤكد. ومن غير المرجح أن تكون أي دورة فائقة مستقبلية مدفوعة بالبنية التحتية والتوسع الحضري في الصين كما كان الحال في الماضي. بدلاً من ذلك، يمكن أن يكون مدعوماً بالطلب المتزايد على المعادن الحيوية المرتبطة بـالتحول العالمي للاستثمار الأخضر والذكاء الاصطناعي، وتوسيع البنية التحتية الرقمية.
رابعاً: انتعاش التجارة مع إعادة تشكيل الأسواق العالمية، مما يعزز آفاق التعافي:
أدت الصدمات الخارجية العالمية المتتالية إلى تراجع حاد في التجارة العالمية، وتأثرت المنطقة بشكل غير متناسب. وبحلول عام 2020م، انخفضت قيمة صادرات المنطقة إلى ما يقرب من نصف مستوياتها في عام 2014م، وهو انكماش أعمق من الانكماش في الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية الأخرى. ورغم أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية المرتبط بالتوترات الجيوسياسية في عام 2022م قد وفر دفعة مؤقتة؛ فإن نمو الصادرات تراجع لاحقاً وظل راكداً إلى حدٍّ كبير في عامي 2023م و2024م.
وفي عام 2025م، تسارعت على الرغم من تزايد حالة عدم اليقين بشأن السياسات العالمية. وخلال العام الماضي، أُعيد تشكيل بيئة التجارة العالمية بفعل ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية، والتعديلات المتكررة في السياسات، وتزايد عدد اتفاقيات التجارة الثنائية. ومنه؛ أثبتت التجارة العالمية مرونتها، وتعززت مع تنويع الشركات لأسواقها، وتسريع شحناتها، وتعديل سلاسل التوريد، مدعومةً جزئياً بارتفاع أسعار المعادن والمواد الخام.
ونتيجةً لذلك؛ تفوقت صادرات المنطقة في عام 2025م على التجارة العالمية وتجاوزت مستويات عام 2024م، مع تسارع نمو كلٍّ من حجم الصادرات وقيمتها، وقد دعم النمو التجاري القوي الطلب المتزايد من داخل المنطقة ومن الأسواق الخارجية.
شكل (2): الصادرات من إفريقيا جنوب الصحراء والأسواق الناشئة والنامية وأسعار السلع؛ الربع الأول من عام 2014م – الربع الثالث من عام 2025م:

وعلى الرغم من انخفاض الصادرات إلى الولايات المتحدة- التي تمثل أقل من 5% من إجمالي صادرات إفريقيا جنوب الصحراء- انخفاضاً طفيفاً، فقد تسارعت الشحنات إلى معظم الوجهات الأخرى. وارتفعت التجارة البينية الإقليمية ارتفاعاً حاداً، مما يعكس التقدم المستمر في التكامل الإقليمي. كما تعززت الصادرات إلى الاقتصادات النامية الأخرى، بما في ذلك الصين. من المتوقع أن يُسهم التوسع الكامل في تطبيق الإعفاء الجمركي الصيني للصادرات الإفريقية، المقرر في مايو 2026م، في تعزيز عائدات التصدير والمساعدة في تقليص الاختلال التجاري في المنطقة مع الصين.
وظل نمو التجارة متفاوتاً في عام 2025م، حيث تركزت المكاسب في دول ومناطق فرعية محددة بدلاً من توزيعها على نطاقٍ واسع في جميع أنحاء القارة. وسجلت الاقتصادات ذات الأسس القوية، والخدمات اللوجستية الأفضل، أو ذات التعرض الأكثر تنوعاً للطلب الخارجي القوي، أداءً تجارياً أقوى، بينما واجهت اقتصادات أخرى قيوداً. وواصلت دول شرق إفريقيا، مثل إثيوبيا وكينيا وأوغندا، قيادة نمو الصادرات الإقليمية. وشهدت دول جنوب وغرب إفريقيا تحسناً معتدلاً في عام 2025م بعد سنوات من الركود.
خامساً: مكونات قطاع الأعمال تكافح من أجل تحقيق زخم مستدام:
تُظهر المؤشرات عالية التردد للنشاط الاقتصادي في المنطقة، ولا سيما مؤشر مديري المشتريات، أن قطاعَي التصنيع والخدمات شهدا تعافياً متقلباً وغير متكافئ في عام 2025م، مقيداً بنقاط ضعف هيكلية مستمرة وتدهور متجدد مع اقتراب نهاية العام. في الأشهر الأولى من عام 2025م، عانى القطاع الخاص في غانا وجنوب إفريقيا من أجل اكتساب الزخم، حيث عكس انخفاض الإنتاج وضعف طلبات التصدير ضَعفَ الطلب العالمي واستمرار الاختناقات اللوجستية، بينما تعطل النشاط في موزمبيق بشكل أساسي بسبب الاضطرابات المدنية والاحتجاجات.
وبحلول منتصف العام، ظهر توسع طفيف في النشاط التجاري، مدفوعاً إلى حدٍّ كبير بالطلب المحلي القوي، بينما ظل أداء الصادرات ضعيفاً بسبب التوترات التجارية العالمية وتأثير الإجراءات الجمركية الأمريكية. وخلال الربع الثالث، استمر ضعف الطلب المحلي وضعف أسواق التصدير والتحديات اللوجستية المستمرة في التأثير سلباً على الأعمال.
شهدت غانا وجنوب إفريقيا نشاطاً ملحوظاً. في المقابل، ظلّت معنويات الأعمال في نيجيريا وأوغندا إيجابية نسبياً، مدعومةً بانخفاض أسعار الإنتاج والمدخلات، وبيئة طلب محلي أكثر انتعاشاً. وفي كينيا، تعافى الطلب المحلي مدفوعاً بقطاع البناء. ومع اقتراب نهاية عام 2025م، أدّى ازدياد حالة عدم اليقين وتزايد الضغوط التشغيلية إلى تراجع ظروف الأعمال في المنطقة. وتراجع النشاط الصناعي بشكلٍ ملحوظ في جنوب إفريقيا وزامبيا، حيث أدّت بيئات التشغيل المتدهورة إلى مزيدٍ من التقييد للزخم.
استمر نمو النشاط الاقتصادي في جنوب إفريقيا في التوسع بوتيرة معتدلة. ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% على أساس ربع سنوي في الربع الرابع من عام 2025م، وهو أعلى بقليل من النسبة المعدلة البالغة 0.3% المسجلة في الربع السابق. وكانت الخدمات، ولا سيما التجارة والتمويل والعقارات وخدمات الأعمال، هي المحركات الرئيسية للنمو. في المقابل، أثر كلٌّ من قطاع التصنيع وقطاع التعدين سلباً على النشاط الاقتصادي العام، حيث انكمش كلا القطاعين بنسبة 0.6% على أساس ربع سنوي. أما على صعيد الطلب، فقد قدّم استهلاك الأسر والاستثمار الثابت دعماً. ومع نتائج الربع الرابع، بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025م 1.1%.
تشير مؤشرات النشاط الأخيرة إلى تحسن طفيف في الأداء الاقتصادي لجنوب إفريقيا ينعكس في تباطؤ حاد في وتيرة تدهور معنويات الأعمال. تعافى مؤشر مديري المشتريات المعدل موسمياً من بنك أبسا من أدنى مستوى له مؤخراً عند 40.5 في ديسمبر 2025م إلى 48.7 في يناير 2026م، قبل أن يتراجع إلى 47.4 في فبراير. وعلى الرغم من الانتعاش الأوّلي في بداية العام؛ فقد ظل المؤشر الآن دون مستوى 50 نقطة لخمسة أشهر متتالية مما يشير إلى استمرار الانكماش في النشاط الصناعي. ويؤكد انخفاض فبراير الضعف المستمر في الإنتاج واستمرار فقدان الوظائف.
ظلت ظروف التشغيل صعبة أيضاً، حيث واجهت الشركات تأخيرات كبيرة في الموانئ، وانقطاعات متقطعة في التيار الكهربائي محلياً، وضعفاً مستمراً في الطلب المحلي والخارجي، وكلها عوامل تستمر في تقييد الإنتاج والثقة.
تباطأ نمو تجارة التجزئة في ديسمبر 2025م إلى 2.6% على أساس سنوي، بانخفاض عن 3.6% في نوفمبر. وكان التباطؤ أكثر وضوحاً في مبيعات الأدوية والمنتجات الطبية، وكذلك المنسوجات والملابس والأحذية والمنتجات الجلدية. في المقابل، تعزز نمو مبيعات الأثاث المنزلي والأجهزة والمعدات.
حافظ النمو الاقتصادي في نيجيريا على استقراره عند 4.0% في عام 2025م، دون تغيير يُذكر عن عام 2024م، حيث استمرت الخدمات في كونها المحرك الرئيسي. وشهد هذا القطاع نمواً بنسبة 4.1%، وشكّل أكثر من نصف إجمالي النمو، مدعوماً بالأداء القوي في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والخدمات المالية، والعقارات.
وتسارع نمو قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى 6.9% مدفوعاً بزيادة الاستثمار واعتماد التقنيات الرقمية، بينما نما قطاع الخدمات المالية بنسبة 14.5%، مما يعكس إصلاحات القطاع المصرفي وزيادة المعاملات الرقمية. وتراجع نمو قطاع العقارات ولكنه ظل إيجابياً عند 3.8%. وارتفع نمو القطاع الزراعي إلى 2.9% من 1.7% في عام 2024م، مدعوماً بالمكننة الزراعية وتحسن الأحوال الجوية، على الرغم من أن انعدام الأمن ونقص المدخلات ومخاطر المناخ وضعف الخدمات اللوجستية لا تزال تُعيق نمو القطاع.
ارتفع نمو القطاعات الصناعية غير النفطية إلى 3.6%، مدفوعاً بشكلٍ رئيسي بقطاعَي البناء وإنتاج الإسمنت وسط زيادة الإنفاق الرأسمالي على المستوى المحلي، بينما ظل الأداء الأوسع محدوداً بسبب التحديات الهيكلية. وحافظ قطاع النفط والغاز على زخمه القوي، متوسعاً بنسبة 8.5%، مع ارتفاع إنتاج النفط الخام والمكثفات إلى 1.7 مليون برميل يومياً، وزيادة نشاط التكرير مع زيادة تشغيل مصفاة دانغوت.
كما تراجع التضخم بشكل ملحوظ، وإن ظل في خانة العشرات، إذ انخفض التضخم الرئيسي إلى 15.1% على أساس سنوي في فبراير 2026م من 26.3% في العام السابق، مع انخفاض تضخم أسعار الغذاء إلى 12.1%. وقد دعم هذا التيسير سياسة نقدية متشددة، وانخفاض تقلبات سعر الصرف، وتحسن الإمدادات الغذائية، لكن التضخم لا يزال مرتفعاً نسبياً مقارنةً بنمو الدخل، ولم ينخفض معدل الفقر بعد.
تشير المؤشرات عالية التردد إلى استمرار التوسع الاقتصادي حتى عام 2026م. فبعد انخفاضه في يناير، عاد «مؤشر مديري المشتريات» الصادر عن «ستانبيك آي بي تي سي» إلى نطاق التوسع في فبراير 2026م، مسجلاً 53.2 (فوق عتبة 50 نقطة)، مدفوعاً بزيادة الطلبات الجديدة والتوظيف والإنتاج في جميع القطاعات التي شملها المسح. وبالمثل، يشير «مؤشر مديري المشتريات» الصادر عن البنك المركزي النيجيري إلى استمرار الزخم في جميع قطاعات الاقتصاد.
تحسنت معنويات قطاع الأعمال في كلٍّ من التصنيع والخدمات في فبراير بعد بداية فاترة لعام 2026م. وارتفع «مؤشر مديري المشتريات» لبنك «ستانبيك آي بي تي سي» نيجيريا من 49.7 في يناير إلى 53.2 في فبراير، مدعوماً بزيادة قوية في الطلبات الجديدة، حيث ساهم ارتفاع الطلب وتحسن القدرة الشرائية في رفع النشاط الاقتصادي العام. وشهد الإنتاج أسرع وتيرة نمو له في أربعة أشهر، مما دفع الشركات إلى زيادة التوظيف. كما زادت أنشطة الشراء والمخزونات لاستيعاب الطلب المتزايد.
وساعد انخفاض الضغوط التضخمية في الحد من ارتفاع تكاليف المدخلات وأسعار البيع. ومع ذلك، ظلت ثقة قطاع الأعمال حذرة، حيث قامت الشركات بتقييم استدامة الانتعاش الأخير.
وشهد النشاط الاقتصادي في أنغولا تعزيزاً ملحوظاً في الربع الأخير من عام 2025م، حيث تسارع النمو السنوي إلى 5.7%، مرتفعاً من 1.8% في الربع السابق. وعلى مدار العام، نما الاقتصاد بنسبة 3.13%، مدفوعاً بشكل أساسي بزيادة قوية بلغت 7.34% في القطاع غير النفطي. عزز الأداء القوي في قطاعات المعلومات والاتصالات، وخدمات النقل والتخزين، والتجارة، وخدمات الإقامة والطعام، هذا الزخم. في المقابل، انكمش قطاع النفط بنسبة 1.21% في عام 2025م، مما يعكس انخفاض الإنتاجية في حقول النفط المتقادمة وتوقفات الإنتاج المتقطعة. ومع ذلك، ساهم بدء مشاريع جديدة في أواخر يوليو في التخفيف جزئياً من تراجع إنتاج النفط الخام.
نما اقتصاد كينيا بوتيرة أبطأ قليلاً في الربع الثالث من عام 2025م، بنسبة 4.9% على أساس سنوي مقارنةً بنسبة 5.0% في الربع السابق. وتعزز النشاط في معظم القطاعات، مع بقاء الزراعة المحرك الرئيسي، مدعومةً بزيادة إنتاج الحليب وصادرات الزهور المقطوفة القوية. بعد انكماش بنسبة 2.6% في الربع الثالث من عام 2024م، شهد قطاع البناء انتعاشاً ملحوظاً، حيث نما بنسبة 6.7% في الربع الثالث من عام 2025م.
وساهمت قطاعات العقارات والإقامة والخدمات الغذائية والخدمات المالية والتأمين، بالإضافة إلى قطاع المعلومات والاتصالات، في انتعاش النشاط التجاري. واستمر تحسن معنويات قطاع الأعمال الخاص في فبراير 2026م، وإن كان بوتيرة أبطأ، حيث سُجل نمو في المبيعات في قطاعات البناء وتجارة الجملة والتجزئة والخدمات، على عكس الانكماش في قطاعَي الزراعة والتصنيع. وانخفض «مؤشر مديري المشتريات» في كينيا الصادر عن بنك «ستانبيك» إلى 50.4 نقطة من 51.9 نقطة في يناير.
في غانا، نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5.3% على أساس سنوي في الربع الثالث من عام 2025م، مدعوماً بنشاط أقوى في قطاع الخدمات، ولا سيما المعلومات والاتصالات، والتمويل، والتأمين، والتجارة، والنقل والتخزين. ومع ذلك، تباطأ النمو مقارنةً بنسبة 7% المسجلة في الفترة نفسها من العام السابق. استفاد النشاط الاقتصادي المحلي من انخفاض حاد في التضخم، الذي انخفض من 23.5% في يناير 2025م إلى 3.2% في مارس 2026م.
وتزامن هذا الانخفاض مع ارتفاع قيمة العملة المحلية (السيدي)، مدعوماً بارتفاع أسعار الذهب، وتحسن احتياطيات النقد الأجنبي، وضعف الدولار الأمريكي؛ استجابةً لتخفيف الضغوط التضخمية وتحسن آفاق النمو، تم تخفيض سعر الفائدة على السياسة النقدية من 27% في يناير 2025م إلى 14% في مارس 2026م.
وتراجع النشاط التجاري في فبراير 2026م، حيث ارتفع «مؤشر مديري المشتريات» ارتفاعاً طفيفاً إلى 49.2 من 48.5 في الشهر السابق، مما يشير إلى استمرار تدهور ظروف التشغيل. وكان هذا التراجع مدفوعاً بشكل كبير بتوقعات انخفاض الطلب، مما أدى إلى انخفاض النشاط التجاري، وبداية ضعيفة للعام.
أولاً: رياح معاكسة متزايدة تُعيق النمو في إفريقيا جنوب الصحراء:
من المتوقع أن ينمو النشاط الاقتصادي في المنطقة بنسبة 4.1% في عام 2026م، وهي نفس النسبة المتوقعة في عام 2025م. وقد تم تخفيض توقعات النمو للمنطقة لعام 2026م بمقدار 0.3 نقطة مئوية مقارنةً بالتوقعات الواردة في عدد أكتوبر 2025م من نشرة «نبض إفريقيا».
في مختلف دول المنطقة، تم تعديل توقعات النمو لبعض الدول الكبرى بالخفض في عام 2026م؛ ولا سيما أنغولا وكينيا وموزمبيق ونيجيريا والسنغال وجنوب إفريقيا، وزامبيا. إجمالاً، سجلت حوالي 60% من دول المنطقة (29 من أصل 47) مراجعات بالخفض في توقعات النمو لعام 2026م. وقد دعم النمو في المنطقة، من بين عوامل أخرى، تحسن استقرار الاقتصاد الكلي. كما أن السيطرة الأفضل على التضخم تُعزز الاستهلاك والاستثمار الخاصّين.
تُعزز أُطر السياسات الاقتصادية الكلية المُحسّنة- كما يتضح من انخفاض معدلات التضخم وانحسار الاختلالات المالية- مصداقية السياسات ومرونتها. وقد ساهمت الظروف المناخية المواتية، وقوة العملات المحلية، وانخفاض أسعار الوقود والغذاء، في انخفاض الضغوط التضخمية، مما خلق بيئةً أكثر ملاءمة للإنفاق الأسري والنشاط التجاري. كما أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية- وخاصةً المعادن الثمينة والمشروبات- يدعم عائدات التصدير ويعزز الإيرادات المالية في العديد من الاقتصادات الإفريقية.
وقد أظهر الأداء التجاري مرونةً في ظل التوترات التجارية العالمية المستمرة، مدعوماً بشراكات المنطقة التجارية المتنوعة والإعفاءات من زيادات الرسوم الجمركية على السلع الأساسية. وتتعرض هذه التطورات الإيجابية لاختبارات من خلال تزايد التحديات الخارجية، ولا سيما تصاعد الصراع في الشرق الأوسط، والذي يهدد بتقويض النمو من خلال ارتفاع أسعار الطاقة، واضطرابات التجارة، وتجدد الضغوط التضخمية. من جانب الإنفاق، يُعزى النمو المتوقع في عام 2026م في معظمه إلى الاستهلاك والاستثمار الخاصّين.
شكل (3): مساهمات في نمو الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا جنوب الصحراء، 2020-2028م:

ولا تزال مساهمة استهلاك الأسر في نمو الناتج المحلي الإجمالي كبيرة عند 1.6% (انخفاضاً من 1.8% في عام 2025م) بفضل انخفاض التضخم وتحسن استقرار توقعات التضخم في معظم البلدان. وتعززت مساهمة الاستثمار لتصل إلى 1.0% (ارتفاعاً من 0.9% في عام 2025م)، مدعومةً بظروف مالية عالمية ومحلية أكثر تيسيراً. من جانب الإنتاج، يُمثل قطاع الخدمات حوالي نصف النمو الاقتصادي في 2026م. وضمن هذا القطاع، لا تزال قطاعات التمويل وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتجارة الجملة والتجزئة والسياحة هي المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي.
كما أن زيادة توليد الكهرباء وتوافر إمدادات موثوقة (خاصةً في إثيوبيا وجنوب إفريقيا)، إلى جانب الأداء الزراعي القوي، يدعم النمو الاقتصادي. من المتوقع أن يساهم قطاعا الزراعة والصناعة بنحو 0.8 و1.0 % على التوالي في نمو الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.
ثانياً: تفاوت زخم النمو في مختلف المناطق الفرعية:
يتباين أداء النمو بشكل ملحوظ بين البلدان ومجموعات البلدان في المنطقة. من المتوقع أن يضعف النمو في 25 من أصل 47 اقتصاداً في المنطقة بحلول عام 2026م. ويبلغ متوسط تباطؤ النمو لهذه المجموعة 0.7 نقطة مئوية في عام 2026م (مقارنةً بعام 2025م).
ومع ذلك، من المتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في بعض البلدان بوتيرة أسرع، بما في ذلك السنغال (انخفاض معدل النمو بمقدار 4.5 نقطة مئوية في عام 2026م)، وزيمبابوي (2.8 نقطة مئوية)، ورواندا (2.1 نقطة مئوية)، وإثيوبيا (1.2 نقطة مئوية)، وغانا (1.2 نقطة مئوية)، وبنين (1.1 نقطة مئوية). أكثر من نصف بلدان المنطقة لم تتجاوز بعد متوسط معدل نموها السنوي خلال الفترة 2000-2019م.
في عام 2026م، من المتوقع أن تكون معدلات النمو في 26 دولة من أصل 47 دولة في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أبطأ بنسبة 1.9 نقطة مئوية في المتوسط مقارنةً بمتوسط نموها خلال العقدين الأولين من هذا القرن.
ولا يزال النمو الاقتصادي في المنطقة متأثراً سلباً بالأداء الضعيف لأكبر اقتصاداتها- أنغولا ونيجيريا وجنوب إفريقيا- مقارنةً بمتوسطاتها التاريخية خلال الفترة 2000-2019م. ومن المتوقع أن يصل النمو في هذه الدول إلى 3.1% في عام 2026م (دون تغيير عن عام 2025م)، وأن يرتفع بشكل طفيف إلى 3.4% سنوياً في الفترة 2027-2028م.
ولا يزال معدل النمو في هذه الدول أقل بكثير من متوسطها طويل الأجل قبل الجائحة، والذي بلغ 4.6% سنوياً، باستثناء أنغولا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، من المتوقع أن يرتفع النمو في المنطقة ارتفاعاً طفيفاً من 5.2% في عام 2025م إلى حوالي 5.3% في عام 2026م، وأن يتسارع إلى 5.5% سنوياً حتى عامَي 2027-2028م.
شكل (4): نمو الناتج المحلي الإجمالي في مختلف مناطق إفريقيا جنوب الصحراء، 2024-2028م:

وقد شهدت الدول الغنية بالموارد في المنطقة تعافياً تدريجياً، على الرغم من أن معدل نموها لا يزال أقل من المعدلات المسجلة خلال العقدين الأولين من هذا القرن. من المتوقع أن يتسارع النمو في هذه المجموعة من 3.2% في عام 2025م إلى 3.4% في عام 2026م، وأن يستقر عند حوالي 3.6% في عام 2028م. وسيدعم هذا التحسن الطلب العالمي المستمر على الموارد الطبيعية، بما في ذلك السلع الزراعية والمعادن الحيوية والمعادن النفيسة.
ومن المتوقع أن يوفر تمديد قانون «أجوا» لهذا العام، وبدء مبادرة الإعفاء الجمركي الصينية في مايو 2026م، دعماً إضافياً لنمو الصادرات بدءاً من النصف الثاني من عام 2026م. ومع ذلك، فإن استمرار التوترات التجارية العالمية، وتزايد المخاطر الجيوسياسية واحتمال تفاقم التشرذم الجيواقتصادي، قد يؤدي إلى تباطؤ تجارة السلع الأساسية وتقليص المكاسب.
في المقابل، من المتوقع أن يبلغ النمو في البلدان غير الغنية بالموارد 5.3% في عام 2026م، متجاوزاً بذلك متوسطه طويل الأجل البالغ 4.8% سنوياً خلال الفترة 2000-2019م، وأن يتسارع إلى 5.6% سنوياً في الفترة 2027-2028م. وقد ساهمت قوة العملات وانخفاض التضخم السريع إلى جانب الإصلاحات الهيكلية في إتاحة فرص استثمارية جديدة، ودعم الطلب المحلي في هذه الاقتصادات.
في شرق وجنوب إفريقيا، من المتوقع أن يرتفع النشاط الاقتصادي ارتفاعاً طفيفاً من 3.7% في عام 2025م إلى 3.8% في عام 2026م، وأن يستمر في النمو بمعدل سنوي متوسط قدره 4.1% في الفترة 2027-2028م. ولا يزال الأداء الاقتصادي للمنطقة الفرعية متأثراً سلباً بتباطؤ النمو في أنغولا وجنوب إفريقيا.
وباستثناء هذين البلدين الكبيرين، من المتوقع أن يرتفع النمو في شرق وجنوب إفريقيا من 5.2% في عام 2025م إلى 5.6% في عام 2026م، وأن يستقر عند متوسط سنوي قدره 5.5% في الفترة 2027-2028م. ولا تزال مجموعة شرق إفريقيا أسرع التكتلات الإقليمية نمواً، حيث من المتوقع أن ينمو الناتج بنسبة 6.1% في عام 2026م، وأن ينمو بوتيرة مماثلة في الفترة 2027-2028م.
وضمن مجموعة شرق إفريقيا، من المتوقع أن تسجل رواندا وتنزانيا وأوغندا أقوى معدلات النمو في عام 2026م. أما في غرب ووسط إفريقيا، فمن المتوقع أن ينمو النشاط الاقتصادي بنسبة 4.3% في عام 2026م، وأن يرتفع قليلاً إلى 4.6% سنوياً في الفترة 2027-2028م. باستثناء نيجيريا، من المتوقع أن يصل النمو في المنطقة الفرعية إلى 4.7% في عام 2026م، وأن يتسارع إلى 5.4% في الفترة 2027-2028م.
ومن المتوقع أن يتباطأ النمو في الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا إلى 5.3% في عام 2026م، بانخفاض عن 6.2% في عام 2025م، قبل أن يتسارع إلى معدل سنوي متوسط قدره 5.9% في الفترة 2027-2028م. وفي عام 2026م، يفوق تباطؤ النمو في بنين وساحل العاج وغينيا بيساو والسنغال التسارع في النمو في مالي، مما يؤدي إلى تباطؤ ملحوظ في النشاط الاقتصادي للاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا.
ثالثاً: انخفاض محدود في معدلات الفقر وسط التوسع الاقتصادي المستمر:
تشير التوقعات الحالية إلى أن الفقر، الذي يُقاس بالخط الدولي البالغ 3 دولارات للفرد في اليوم بالأسعار المعدلة حسب القوة الشرائية لعام 2021م، لن يتراجع إلا قليلاً، لينخفض إلى47.3% في عام 2026م و45.6% في عام 2028م. وهذا يُمثل انخفاضاً صافياً قدره 0.8 نقطة مئوية في معدل الفقر مقارنةً بعام 2022م. ومع ذلك، من المتوقع أن يستمر العدد المطلق للأشخاص الذين يعيشون في فقر في الارتفاع حتى مع انخفاض المعدل تدريجياً، مما يؤكد التحدي الذي يفرضه النمو السكاني السريع.
شكل (5): الفقر الإقليمي، 2022-2028م:

لا تزال الزراعة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالفقر في إفريقيا جنوب الصحراء. ففي معظم البلدان، يعمل أكثر من نصف العمال الفقراء- وفي بعض الحالات يصل إلى 90%- في القطاع الزراعي. وتُظهر بلدان مثل تشاد وإثيوبيا وغينيا بيساو ومالي تركيزات عالية بشكل خاص للفقراء في العمل الزراعي. في المقابل، تُعدّ مشاركة العمال الفقراء في الصناعة منخفضة باستمرار في جميع أنحاء المنطقة، حيث تتراوح من 2.6% في إثيوبيا إلى 22% في بوتسوانا.
وهذا يشير إلى محدودية اندماج الفقراء في الأنشطة الصناعية الرسمية حتى في البلدان التي تتبنى إستراتيجيات التصنيع. أما العمال غير الفقراء، فهم أكثر انخراطاً في قطاعَي الصناعة والخدمات. ففي أنغولا، على سبيل المثال، يعمل 74.2% من الفقراء في الزراعة، مقارنةً بـ 29.9% فقط من غير الفقراء، الذين يعملون في الغالب في قطاعَي الخدمات (45%) والصناعة (10.6%). وتُلاحظ أنماط مماثلة في بلدان أخرى.
في جميع أنحاء إفريقيا، حتى في الأنشطة غير الزراعية، يعمل معظم العمال إلى حدٍّ كبير خارج الاقتصاد الرسمي. مع وجود هذا العدد الكبير من العمال الفقراء المتمركزين في الزراعة، تواجه السياسة الصناعية التقليدية تحدياً جوهرياً؛ فهي تستهدف قطاعات يكاد ينعدم فيها تمثيل الفقراء. يهيمن على العمل غير الزراعي المشاريع المنزلية غير الرسمية التي تبيع السلع والخدمات محلياً، وخاصةً للمستهلكين القريبين.
أقل من اثنين من كل عشرة عمال لحسابهم الخاص أو مشاريع منزلية يشاركون في معاملات مع شركات أخرى أو مؤسسات حكومية، مما يؤكد محدودية اندماجهم في سلاسل القيمة الرسمية. بين صغار المزارعين في دول مثل ملاوي ونيجيريا، لا يزال المشترون الرئيسيون هم الأصدقاء والأقارب والأسواق المحلية، بغض النظر عن قربهم من المراكز الحضرية. ويواجه رواد الأعمال الفقراء في جميع أنحاء إفريقيا عوائق شديدة أمام الوصول إلى الخدمات والأسواق المالية الرسمية.
وتشير الأدلة المستقاة من مسوحات المشاريع المنزلية في 13 دولة إلى أن أنشطة غالبية العاملين لحسابهم الخاص في معظم هذه الدول، والمشاريع المنزلية غير الزراعية، تعتمد بشكل أساسي على المدخرات الشخصية أو دعم العائلة والأصدقاء لتمويل رأس مالها التأسيسي. ويعكس استخدامها المحدود للتمويل الخارجي- سواءٌ كان رسمياً أو غير رسمي- تحدياتٍ واسعة النطاق في أسواق الائتمان. ويبدو أن الكثيرين منهم يفضلون أيضاً الاقتراض من الشبكات الاجتماعية، حيث تكون تكاليف المعاملات أقل، ويكون السداد أسهل من خلال العلاقات الشخصية.
تُهدد السياسة الصناعية التقليدية بتعميق مستويات عدم المساواة المرتفعة أصلاً في المنطقة. وتتطلب التدابير الرامية إلى تعزيز تنمية المشاريع- مثل الائتمان المدعوم، والمناطق الاقتصادية الخاصة، والحوافز الضريبية، والمجمعات الصناعية- عموماً التسجيل الرسمي، والامتثال للوائح، والحد الأدنى من الحجم، والموقع داخل المناطق الصناعية المُخصصة. هذه الشروط تستبعد فوراً معظم رواد الأعمال الفقراء، الذين يعملون عادةً بشكل غير رسمي، ويفتقرون إلى الوثائق والضمانات، وغالباً ما يكونون بعيدين جغرافياً عن المراكز الصناعية.
هذا الانفصال المزدوج- بين العمال والشركات من القطاعات الصناعية الرسمية التي تستهدفها السياسة والأنظمة المالية اللازمة للنمو- يعني أن الإستراتيجيات والسياسة الصناعية التقليدية قد تُحقق نمواً يتجاوز الفقراء تماماً، مما قد يُؤدي إلى اتساع فجوة عدم المساواة حتى مع ارتفاع الدخل القومي.
من المتوقع أن يظل النمو العالمي عند 2.7% في عام 2026م، قبل أن ينخفض قليلاً إلى 2.6% في عام 2027م، يأتي هذا التباطؤ الطفيف في أعقاب انتعاش ما بعد الجائحة خلال الفترة 2021-2025م، والذي يُعدّ أقوى تعافٍ من ركود عالمي منذ أكثر من ستة عقود. إلا أن آفاق التجارة والنشاط العالميين تتأثر سلباً بالصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط. سيعتمد حجم اضطرابات أسواق السلع على مدة الصراع وشدته، فضلاً عن مدى العوائق المرتبطة به أمام الملاحة عبر مضيق هرمز.
من المرجح أن يكون لاضطرابٍ قصير الأمد ولكنه حاد في إنتاج الطاقة والشحن تأثيرات معتدلة على أسعار السلع والنشاط والتضخم. في المقابل، قد يؤدي صراع مطول مع اضطرابات مستمرة في أسواق السلع إلى نتائج سلبية أكبر بكثير. حتى الآن، تشير المؤشرات عالية التردد إلى استمرار مرونة النشاط العالمي في بداية عام 2026م، مع تحسن زخم التصنيع. ومع ذلك، لم تنعكس آثار تصعيد إضافي للصراع في الشرق الأوسط بشكلٍ كامل في البيانات بعد.
على الرغم من بعض التطورات التجارية الإيجابية الأخيرة؛ لا تزال التوقعات العالمية غامضةً بسبب ارتفاع مستوى عدم اليقين التجاري والسياسي. بعد تسريع وتيرة تجارة السلع العام الماضي قبل رفع الرسوم الجمركية، من المتوقع أن يُخفف قرار المحكمة العليا الأمريكية بإلغاء الرسوم الجمركية المتبادلة، وما تلاه من إعلان فرض رسوم جمركية عالمية موحدة بنسبة 15%، من حدة الأزمة، ولا سيما بالنسبة لاقتصادات مثل البرازيل وكندا والصين والمكسيك.
ومع تعديل التدفقات التجارية وتلاشي حالة عدم اليقين تدريجياً، يُتوقع أن يتعزز نمو التجارة العالمية بحلول عام 2027م. وحتى مع ارتفاع الرسوم الجمركية وتغير التدفقات التجارية، كان تأثير الرسوم الجمركية على تضخم أسعار السلع الأمريكية حتى الآن محدوداً أكثر مما كان متوقعاً في البداية. وقد أرجأت الشركات تمرير ارتفاع الأسعار من خلال بناء المخزونات واستيعاب التكاليف عبر إعادة توجيه سلاسل التوريد.
أولاً: يتسع نطاق انخفاض التضخم، لكن خطر تراجع المكاسب يلوح في الأفق بسبب المخاطر الجيوسياسية:
يستمر تضخم أسعار المستهلكين في الانخفاض في عدد متزايد من دول المنطقة، على الرغم من تفاوت وتيرة انخفاض التضخم بشكلٍ كبير. انخفض متوسط معدل التضخم في المنطقة من 4.4% في عام 2024م إلى 3.7% في عام 2025م. وفي عام 2026م، من المتوقع أن يرتفع التضخم إلى 4.8%، مدفوعاً بشكلٍ كبير بالآثار المتوقعة للصراع في الشرق الأوسط، قبل أن ينخفض إلى حوالي 3.8% خلال الفترة المتوقعة 2027-2028م.
شكل (6): معدل التضخم وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك في إفريقيا جنوب الصحراء، 2023-2028م:

وقد شهد حوالي 70% من الاقتصادات الإفريقية (33 من أصل 47) تباطؤاً في تضخم أسعار المستهلكين في عام 2025م مقارنةً بالعام السابق. من بين الدول التي ستشهد انخفاضاً في التضخم عام 2025م: (1) يُتوقع أن يبلغ متوسط معدل التضخم 3.3%، و(2) لم تتمكن ثماني دول من تسجيل معدلات تضخم من خانة واحدة على أساس متوسط سنوي. وبحلول عام 2026م، من المتوقع أن ينخفض عدد الدول التي تشهد تضخماً من خانتين إلى تسع دول، مقارنةً بـ 13 دولة في عام 2024م.
وقد انخفض التضخم في المنطقة نتيجةً لتضافر عدة عوامل، منها انخفاض أسعار الوقود والغذاء العالمية، وتحسن الموازين الخارجية، وقوة العملات واستقرارها، وتأثيرات تشديد السياسة النقدية. واتجهت أسعار الغذاء والوقود العالمية نحو الانخفاض منذ بلوغها ذروتها في النصف الثاني من عام 2022م، مدعومةً جزئياً بزيادة الإنتاج من الدول غير الأعضاء في أوبك+، وارتفاع مخزونات النفط العالمية، مما ساهم في خفض أسعار النفط.
كما ساهم تحسن الأحوال الجوية وزيادة الإنتاج الزراعي في الحد من تضخم أسعار الغذاء في العديد من البلدان. في الوقت نفسه، عزز ارتفاع أسعار السلع التصديرية الإفريقية الرئيسية، مثل المعادن والمشروبات، المراكز الخارجية في العديد من الاقتصادات، مما دعم ارتفاع قيمة العملة وخفض التضخم المستورد. وقد تعزز هذا الاتجاه بشكلٍ أكبر بفعل ضعف الدولار. وأخيراً، لعب التشديد النقدي المستمر في جميع أنحاء المنطقة دوراً رئيسياً في كبح ضغوط الأسعار الناجمة عن الطلب وتثبيت توقعات التضخم.
من المتوقع أن ينخفض التضخم في الدول المصدرة للنفط من 5.7% في عام 2024م إلى 3.2% في عام 2025م. ومن المتوقع أن يرتفع إلى 6.2% في عام 2026م، قبل أن يتباطأ إلى 3.1% في عامَي 2027-2028م. ويعكس التباطؤ في عام 2025م تأثير انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وإن كان لا يزال متقلباً.
مع ذلك، فإن المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط قد تُبدد بعض هذه المكاسب من خلال رفع أسعار الوقود وتكاليف النقل والأسمدة، مما قد يُؤدي إلى ضغط تصاعدي على أسعار الغذاء في عام 2026م. كما انخفض التضخم بين مُصدّري المعادن بشكلٍ حاد، من 6.7% في عام 2024م إلى 3.4% في عام 2025م، على الرغم من أنه من المتوقع أن يرتفع إلى 5.2% في عام 2026م قبل أن يتراجع إلى حوالي 4.1% في عامَي 2027-2028م.
ويعكس انخفاض عام 2025م انخفاض أسعار الطاقة الذي يُقلل تكاليف مدخلات التعدين، وقوة العملات المحلية التي تَحُدّ من تكاليف الاستيراد، وتشديد السياسة النقدية بشكلٍ فعّال. أخيراً، من المتوقع أن ينخفض معدل التضخم الاستهلاكي في الدول غير الغنية بالموارد من 4.0% في عام 2024م إلى 3.7% في عام 2025م. ومن المتوقع أن يتسارع إلى 4.3% في عام 2026م، قبل أن يتراجع إلى متوسط سنوي قدره 3.8% في الفترة 2027-2028م. ومع ذلك، لا تزال مخاطر تجدد التضخم قائمةً نتيجةً لعدم اليقين المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط والتوترات التجارية العالمية المستمرة.
ثانياً: انخفاض إقليمي في التضخم، لكن الصراع يشكل مخاطر تضخمية تصاعدية:
تشير معلومات أسعار المستهلك الشهرية إلى أن متوسط معدل التضخم كان في اتجاه تنازلي ثابت منذ الربع الأخير من عام 2022م، واستقر عند أقل من 4.0% منذ فبراير 2025م. وانخفض متوسط معدل التضخم الإقليمي من حوالي 10.0% على أساس سنوي في نوفمبر 2022م إلى حوالي 3.2% في ديسمبر 2025م.
كان انخفاض التضخم واسع النطاق، حيث انخفض عدد الدول التي تشهد تضخماً من رقمين (أو أعلى) من 19 دولة في نوفمبر 2022م إلى خمس دول بحلول ديسمبر 2025م. كما تقلص تباين التضخم في جميع أنحاء المنطقة بشكل ملحوظ، حيث انخفض من ذروة بلغت 7.8 نقطة مئوية في الربع الثاني من عام 2022م إلى حوالي 4.2 نقطة مئوية في الربع الأخير من عام 2025م.
وقد تعزز هذا الانخفاض واسع النطاق في التضخم في عام 2025م بفضل التحركات الإيجابية في أسعار السلع العالمية. وانخفض مؤشر البنك الدولي لأسعار المواد الغذائية الأساسية وأسعار خام برنت بنسبة 2% و15% على أساس سنوي، على التوالي، بحلول ديسمبر 2025م. وقد انعكس هذا الانخفاض في أسعار الغذاء والوقود الدولية على انخفاض تكاليف الغذاء والوقود المحلية لمعظم الدول المستوردة الصافية في المنطقة، مما عزز عملية انخفاض التضخم الجارية.
إلى جانب تخفيف أسعار الغذاء والوقود العالمية، ساهم ارتفاع أسعار صادرات السلع الإفريقية الرئيسية- بما في ذلك المشروبات مثل الكاكاو، والمعادن الأساسية كالنحاس والقصدير، والمعادن النفيسة كالذهب والبلاتين- في تضييق الاختلالات الخارجية وتخفيف الضغط على عجز الحساب الجاري. وبدورها، دعمت المراكز الخارجية المعززة استقرار العملات في العديد من الاقتصادات عام 2025م، معززةً بذلك مسار التضخم التنازلي.
وبينما انخفض التضخم الأساسي في عدة دول نتيجة استقرار أسعار الصرف وتراجع ضغوط الأسعار العالمية؛ فلا تزال دولٌ قليلة تواجه تضخماً مرتفعاً ومستمراً مدفوعاً بقيود هيكلية، بما في ذلك اضطرابات سلاسل التوريد، واختناقات الخدمات اللوجستية، ونقص البنية التحتية.
وقد تعززت العملات الإفريقية تدريجياً، مدعومةً بظروف مالية أكثر تيسيراً (عالمية ومحلية)، وزيادة تدفقات النقد الأجنبي- الناجمة عن إصلاحات السوق في عدة دول وارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر- فضلاً عن ارتفاع عائدات الصادرات مدفوعةً بأسعار السلع الأساسية المواتية وضعف الدولار الأمريكي بشكلٍ عام. شهدت العملة الغانية (السيدي) تحولاً حاداً في عام 2025م، لتصبح العملة الأفضل أداءً في العالم خلال العام الماضي.
وقد ارتفعت قيمتها بأكثر من 40% على أساس سنوي مقابل الدولار في ديسمبر 2025م، مدعومةً بصادرات قياسية من الذهب، وسياسة نقدية متشددة، وتحسن معنويات السوق نتيجةً للإصلاحات التي دعمها صندوق النقد الدولي، وعملية إعادة هيكلة ناجحة للديون.
وكان الفرنك الكونغولي والكواشا الزامبي ثاني أعلى العملات ربحيةً في المنطقة، حيث ارتفعت قيمتهما بنسبة 28% و26% على التوالي على أساس سنوي بنهاية عام 2025م. وقد تعزز ارتفاع الفرنك الكونغولي باحتياطيات النقد الأجنبي المرتفعة، مدعومةً بدورها بالطلب العالمي المتزايد على النحاس. كما لعب انخفاض التضخم، والتدخلات الموجهة في سوق الصرف الأجنبي، وإجراءات إدارة السيولة التي نفذها البنك المركزي الكونغولي دوراً رئيسياً في دعم العملة.
في زامبيا، تلقى الكواشا دعماً من الارتفاع الكبير في أسعار النحاس العالمية، مدفوعاً بالطلب المتزايد على الكهرباء والبنية التحتية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي. كما عززت عائدات التصدير القوية- التي تعكس الإصلاحات التي عززت إنتاج التعدين- والتقدم المستمر في جهود إعادة هيكلة الديون، قيمة العملة. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت اللوائح الجديدة التي تحدّ من استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية في زيادة الطلب على الكواشا.
كانت العملات الأضعف أداءً في عام 2025م هي «البير» الإثيوبي و«الجنيه» الجنوب سوداني، حيث فقدت كلٌّ منهما حوالي 18% و15% من قيمتها على أساس سنوي، على التوالي، بحلول نهاية ديسمبر. في جنوب السودان، كان الانخفاض مدفوعاً بشكل أساسي بالاضطرابات المرتبطة بالحرب في خط أنابيب النفط الذي يمر عبر السودان، مما حدّ بشدة من تدفقات النقد الأجنبي.
ومع محدودية النقد الأجنبي المتاح لدفع ثمن الواردات، ارتفعت تكلفة السلع بشكل كبير، وظل التضخم عند مستويات ثلاثية الأرقام من منتصف عام 2024م إلى منتصف عام 2025م. وقد فاقمت التحديات الهيكلية- بما في ذلك سوء إدارة عائدات النفط، وعدم الانضباط المالي، وتزايد المضاربة على العملات الأجنبية- الضغط الهبوطي على العملة. في إثيوبيا، يواجه جهد تحرير سوق الصرف الأجنبي ضغوطاً متزايدة، حيث ارتفعت علاوة السوق الموازية إلى ما يقارب 15% منذ نهاية ديسمبر 2025م.
واستجابةً لذلك، واصل البنك الوطني الإثيوبي اتخاذ تدابير تهدف إلى تطوير سوق صرف أجنبي أكثر تنافسية، بما في ذلك رفع القيود على معاملات مختارة في الحساب الجاري. وبالنظر إلى المستقبل، فإن استدامة الانخفاض الواسع النطاق في التضخم في المنطقة ستعتمد على استمرار انخفاض أسعار السلع العالمية، ولا سيما أسعار الغذاء والوقود.
ومن شأن الإدارة الرشيدة للمالية العامة والديون، إلى جانب السياسات التي تعزز الإنتاجية، أن تدعم تعزيز العملات الإفريقية. وقد أدى تخفيف الضغوط التضخمية في العديد من البلدان، مثل أنغولا وإثيوبيا وغانا ونيجيريا، إلى إتاحة المجال لمزيد من التيسير النقدي في جميع أنحاء المنطقة. ومع ذلك لا تزال المخاطر قائمة، فقد يؤدي عدم اليقين الاقتصادي العالمي، والصراع المستمر في الشرق الأوسط، والانزلاقات المالية المحلية، إلى إعادة إشعال ضغوط الأسعار، وربما تأخير- أو حتى عكس- عملية تطبيع السياسة النقدية.
جدول (2): أسعار السياسة النقدية في إفريقيا جنوب الصحراء:

ثالثاً: تحسن الميزان المالي الأولي، لكن مدفوعات الفائدة لا تزال مرتفعة بشكل ملحوظ:
انخفض العجز المالي الأوّلي في المنطقة تدريجياً منذ عام 2021م، ومن المتوقع أن يقترب من التوازن خلال الفترة المتوقعة 2026-2028م. ويعكس هذا التحسن الجهود المستمرة لضبط أوضاع المالية العامة، حيث تعمل الحكومات على مواءمة الإيرادات بشكل أوثق مع النفقات الأولية. وقد انخفض العجز الأوّلي في المنطقة من ذروة بلغت 3.2% من الناتج المحلي في عام 2020م إلى متوسط متوقع قدره 0.7% عام 2025م، مع توقعات بأن تقترب الحسابات المالية من التوازن بحلول عام 2026م.
شكل (7): العجز الرئيسي والأساسي في الميزانية في إفريقيا جنوب الصحراء، 2019-2028م:

بشكلٍ عام، من المتوقع أن يرتفع الميزان الأوّلي (المرجح) بمقدار 0.8 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي بين عامَي 2024م و2026م. وخلال هذه الفترة، من المتوقع أن تسجل 30 دولة من أصل 47 دولة في المنطقة تحسناً في أرصدتها الأولية، بمتوسط مكسب تراكمي قدره 1.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي. وتُسجل أكبر التحسينات المتوقعة بين عامي 2024م و2026م في غانا وغينيا بيساو والسنغال وسيراليون وتوغو.
من المتوقع أن ينخفض إجمالي عجز الموازنة من 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020م إلى 3.5% في عام 2026م، وأن يتقلص أكثر ليصل إلى متوسط 3.1% في الفترة 2027-2028م. وعلى الرغم من أن الإيرادات والنفقات غير المتعلقة بالفائدة متقاربة بشكلٍ عام، إلا أن العجز الرئيسي لا يزال مرتفعاً بسبب استمرار ارتفاع صافي مدفوعات الفائدة على الدين العام.
ومن المتوقع أن تتراوح هذه المدفوعات بين 2.9% و3.2% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة 2023-2026م. وفيما يقرب من أربعة من كل خمسة بلدان في المنطقة، تتجاوز مدفوعات الفائدة الحكومية الإنفاق العام على الصحة و/أو التعليم. ومع تسارع النمو الاقتصادي- الذي سيرتفع بنحو نقطتين مئويتين بين عامَي 2023م و2026م- من المتوقع أن ترتفع الإيرادات الحكومية بوتيرة أسرع من النفقات.
كما يتوقع أن يرتفع إجمالي النفقات بمقدار 1.7 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي خلال هذه الفترة، منها 0.4 نقطة مئوية نفقات غير متعلقة بالفائدة. في المقابل، من المتوقع أن ترتفع إيرادات الحكومات بنسبة 2.2 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي من عام 2023م إلى عام 2026م.
ومن المتوقع أن يقلص عدد متزايد من دول المنطقة عجزها الأوّلي أو يتحول إلى فوائض أولية خلال الفترة 2023-2026م. من بين 47 دولة تتوفر بياناتها، من المتوقع أن يرتفع عدد الدول التي تسجل إما عجزاً أوّلياً طفيفاً (أقل من 3% من الناتج المحلي) أو فوائض من 33 دولة في عام 2023م إلى 42 دولة في عام 2026م. وخلال هذه الفترة، من المتوقع أن تُحسّن 32 دولة موازينها الأوّلية، وأن تُحقق 11 دولة منها فائضاً أوّلياً بحلول عام 2026م.
كذلك من المتوقع أن تشهد الاقتصادات الغنية بالموارد تحسناً في متوسط ميزانها الأوّلي من عجزٍ قدره 0.4% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023م إلى فائض قدره 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026م. أما في الدول غير الغنية بالموارد، فمن المتوقع أن ينخفض متوسط العجز الأوّلي من 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023م إلى 0.3% في عام 2026م.
رابعاً: تستقر نسب الدين في إفريقيا جنوب الصحراء، لكن مواطن الضعف الكامنة تتفاقم:
بدأت نسب الدين العام في جميع أنحاء المنطقة بالاستقرار بعد عقد من التراكم السريع، لكن مواطن الضعف الكامنة لا تزال مرتفعة. تواجه المنطقة حالياً بيئة تتسم بتحدي إدارة أرصدة ديون ضخمة قائمة في ظل ظروف تمويل متشددة وجداول سداد متزايدة الصعوبة، بدلاً من التراكم السريع. قد يؤدي تحقق المخاطر الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط إلى تغيير هذا المشهد بشكلٍ كبير، حيث إن ارتفاع أسعار السلع والطاقة، والاضطرابات في التدفقات التجارية الإقليمية، والتحولات في شهية المستثمرين للمخاطرة، تزيد من الضغوط على الأوضاع المالية المنهكة أصلاً.
بلغ الدين الحكومي العام في إفريقيا جنوب الصحراء مستوى قياسياً قدره 1.26 تريليون دولار عام 2025م، ومع ذلك انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة للعام الثاني على التوالي. يعكس هذا استمرار انخفاض العجز الأوّلي مقارنةً بذروة الفترة 2020-2022م، ونمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي الأقوى.
شكل (8): الدين العام لحكومات دول إفريقيا جنوب الصحراء، 2010-2025م-
(مليارات الدولارات):

ضمن إجمالي الدين العام، أصبح المكون المحلي بارزاً بشكل متزايد، وهو الآن المحرك الرئيسي لارتفاع تكاليف خدمة الدين. على الصعيد الإقليمي، انخفض الدين العام الخارجي والمضمون حكومياً من 29.3% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2020م إلى 25.3% في عام 2024م. وخلال الفترة نفسها، ارتفع الدين المحلي المضمون حكومياً من 24.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022م إلى 28.6% في عام 2023م، ثم انخفض انخفاضاً طفيفاً إلى 27.7% في عام 2024م. ويمثل الدين المحلي الآن ما يقارب نصف إجمالي الدين العام.
ويؤدي التركيز المتزايد للسندات الحكومية في ميزانيات البنوك المحلية إلى تفاقم مواطن الضعف في القطاع المالي، والتي لا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتعرض للديون الخارجية. تتباين مسارات الدول بشكلٍ حاد مقارنةً بالمتوسط الإقليمي. فمن بين 46 دولة من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى التي تتوفر بياناتها كاملة لعام 2024م، انخفضت نسب الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في 24 دولة، وارتفعت في 22 دولة.
وعكست أكبر الانخفاضات- في زامبيا (-14.1 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي) وأنغولا (-12.5 نقطة مئوية)- أثر إعادة هيكلة الديون المكتملة أو المتقدمة، بالإضافة إلى عائدات السلع القوية. وسُجلت أكبر الزيادات في السنغال (10.1 نقطة مئوية) وغينيا (8.5 نقطة مئوية). في غينيا، تعكس الزيادة الأخيرة في الدين العام، بشكل أساسي، تحولاً نحو اعتماد أكبر على التمويل المحلي، إلى جانب ارتفاع مستويات الاقتراض المتعلقة بالبنية التحتية من المؤسسات متعددة الأطراف والدائنين التجاريين الصينيين.
أما في السنغال، فقد تفاقم تراكم الديون بسبب ظهور التزامات لم يتم الإبلاغ عنها سابقاً، ولا سيما تلك الناجمة عن قروض البنية التحتية التي حصلت عليها الشركات المملوكة للدولة وغيرها من الكيانات العامة. يظهر تباين مماثل في الدين الخارجي حيث سجلت كلٌّ من الرأس الأخضر (-9.9 نقطة مئوية) وموزمبيق (-8.2 نقطة مئوية) انخفاضاً في نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي.
في الرأس الأخضر، كان الانخفاض مدفوعاً بالتعديلات المالية وإعادة التمويل بشروط ميسرة، بينما في موزمبيق، عكس ذلك بشكل أساسي غياب التمويل الخارجي الجديد. في المقابل، زادت نيجيريا ورواندا من الاقتراض الخارجي. يعود ارتفاع الدين الخارجي لنيجيريا في عام 2024م إلى تقلبات أسعار الصرف؛ ومنذ ذلك الحين، اتخذت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي مساراً تنازلياً. أما ارتفاع الدين في رواندا فيعود إلى توسيع البنية التحتية ومبادرات التعافي من تغير المناخ.
وتتزايد ضغوط خدمة الدين الخارجي على الرغم من استقرار حجم الدين. من المتوقع أن ترتفع نسبة خدمة الدين العام الخارجي إلى الإيرادات (باستثناء المنح) في المنطقة بمقدار 2.8 نقطة مئوية، من 15.4% في عام 2024م إلى حوالي 18.2% في عام 2025م. ويُعدّ هذا العبء أشدّ وطأةً في أنغولا والسنغال وجنوب السودان، حيث ستكون هناك حاجة إلى حصة كبيرة من إيرادات الحكومة لخدمة الدين العام الخارجي في السنوات القادمة.
وفي إثيوبيا، في ظل جداول السداد الحالية وقبل التنفيذ الكامل لبرامج إعادة الهيكلة، قد تصل هذه النسبة إلى ذروتها عند 91% في عام 2037م، مما يُبرز الحاجة المُلحة إلى إنهاء المفاوضات بشأن شروط تُعيد استدامة الدين. وفي إفريقيا جنوب الصحراء، من المتوقع أن تظلّ عمليات سداد الدين الخارجي مرتفعة خلال السنوات الخمس القادمة.
ارتفعت مدفوعات أصل الدين الخارجي PPG بشكلٍ حاد، إذ قفزت من 37 مليار دولار أمريكي في عام 2024م إلى 59.2 مليار دولار أمريكي في عام 2025م، أي بزيادة قدرها 60% في عام واحد، مدفوعةً باستحقاق قروض البنوك التجارية، وزيادة عمليات استرداد السندات، واستئناف المدفوعات بموجب اتفاقيات إعادة الهيكلة.
ومن المتوقع أن تستقر المدفوعات عند ما بين 47 مليار دولار أمريكي و50 مليار دولار أمريكي سنوياً خلال الفترة 2026-2028م. وتواجه أنغولا والسنغال وجنوب إفريقيا أكبر التزامات سداد فردية في عام 2026م. وبشكلٍ عام، ستتنافس خدمة الدين الإجمالية- أصل الدين والفوائد- بشكلٍ متزايد مع الإنفاق التنموي على الموارد المالية.
ولا تزال مواطن الضعف المتعلقة بالديون في المنطقة مرتفعة، مما يعكس احتواءً جزئياً للضغوط التي ظهرت خلال الجائحة ودورة التشديد النقدي العالمية اللاحقة. اعتباراً من نهاية عام 2025م، صنّف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي 25 دولة من أصل 48 دولة في المنطقة (52%) على أنها معرضة لخطر كبير للوقوع في أزمة ديون أو تعاني بالفعل من أزمة ديون- (18) دولة معرضة لخطر كبير، و (7) دول تعاني من أزمة ديون-. هذه النسبة أعلى بقليل مما كانت عليه في عام 2024م، مما يقطع مسار التحسن الذي استمر عامين.
وبينما يبدو أن أزمة الديون على مستوى المنطقة قد تم احتواؤها؛ يشير استمرار مستويات الهشاشة المرتفعة هذه إلى أن المنطقة قد دخلت في حالة توازن ديون أكثر هشاشة، حيث من المرجح أن تؤدي الصدمات إلى ضغوط مالية متزايدة.
وتتركز هشاشة الديون بشكلٍ كبير بين الاقتصادات ذات الدخل المنخفض. من بين 25 دولة معرضة لخطر كبير أو تعاني بالفعل من ضائقة مالية، هناك 22 دولة منها منخفضة الدخل أو متوسطة الدخل، مما يعكس ضيق قواعد الإيرادات، ومحدودية تنويع الصادرات، ومحدودية الوصول إلى التمويل الميسر.
يؤكد هذا النمط أن ضائقة الديون لا تقتصر على حالات استثنائية قليلة، بل هي تحدٍّ مالي حاسم لمعظم اقتصادات المنطقة الأشد فقراً. ويعكس هذا النمط تزايد هشاشة الديون على مدى عقد من الزمن، مدفوعةً بالتحول نحو الاقتراض غير الميسر، والصدمة المالية لجائحة كوفيد-19، ودورة التشديد النقدي العالمية للفترة 2022-2024م. وقد أصبحت مجموعة المخاطر المتوسطة- التي تبلغ نسبتها 48% في عام 2025م، بانخفاض عن 51% في عام 2024م- المنطقة الأكثر عرضة للخطر في المنطقة. وتبقى دول هذه المجموعة قادرة على الوفاء بالتزاماتها المالية وفقاً للتوقعات الأساسية، لكنها تمتلك احتياطيات محدودة لمواجهة الصدمات السلبية.
تتزايد أعباء خدمة الدين في جميع فئات المخاطر، لكنها تفاقمت بشكلٍ خاص بالنسبة للاقتصادات عالية المخاطر. ففي بلدان إفريقيا جنوب الصحراء عالية المخاطر، بلغت نسبة خدمة الدين العام الخارجي إلى الإيرادات 20.6% في عام 2025م، بزيادة قدرها 2.8 نقطة مئوية عن عام 2024م، وهو أعلى مستوى مسجل لهذه المجموعة. أما البلدان التي تعاني بالفعل من ضائقة مالية، فقد بلغت نسبتها 17.1%، أي بزيادة تقارب 6 نقاط مئوية عن العام السابق، مما يعكس استئناف المدفوعات بعد اتفاقيات إعادة الهيكلة، واستمرار المتأخرات في أماكن أخرى. وسجلت البلدان متوسطة المخاطر 14.9%.
وقد اتسعت الفجوة الناتجة بين مجموعتَي المخاطر العالية والمتوسطة بشكل مطرد منذ عام 2020م، مما يعكس مواطن ضعف هيكلية أعمق، على الرغم من اعتماد البلدان عالية المخاطر بشكلٍ أكبر على التمويل المُيسّر.
حققت جهود إعادة هيكلة الديون في إفريقيا جنوب الصحراء تقدّماً ملموساً في عام 2025م، على الرغم من أنه لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق شامل بشأن جميع القضايا الجارية. ومن بين الدول الأربع المشمولة بالإطار المشترك لمجموعة العشرين- تشاد وإثيوبيا وغانا وزامبيا- أصبح التواصل مع الدائنين الرسميين إما متقدماً بشكلٍ كبير أو مكتملاً رسمياً، وقد تم تقليص الجداول الزمنية التشغيلية مقارنةً بالحالات السابقة.
أما خارج الإطار، فقد عانت عملية إعادة هيكلة ديون ملاوي من انتكاسة كبيرة بعد انتهاء برنامجها المدعوم من صندوق النقد الدولي، بينما لا تزال نقطة إتمام مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون في الصومال تدعم توقعات أكثر استقراراً للديون.
بينما يستمر النشاط الاقتصادي في التحسن تدريجياً؛ فإن التوقعات لا تزال عرضة لمخاطر سلبية. ففيما يتعلق بالمخاطر السياسية والتجارية والمناخية والتكنولوجية، لا يزال التوزيع يميل نحو النتائج السلبية، مع احتمالية تفوق الصدمات السلبية المحتملة على الصدمات الإيجابية المتوقعة. ومع ذلك، فإن كل مجال من هذه المجالات يُمثل أيضاً فرصاً، وسيكون اتخاذ إجراءات سياسية فعّالة- إلى جانب المبادرات الفردية والمؤسسية- أمراً بالغ الأهمية في تشكيل بيئة المخاطر العامة.
أولاً: نمو أضعف من المتوقع في النشاط الاقتصادي العالمي:
يُشكّل تباطؤ النمو في الاقتصادات العالمية الكبرى، ولا سيما الصين وأوروبا والولايات المتحدة، خطراً كبيراً على تعافي منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. وسيؤدي التباطؤ في هذه الاقتصادات إلى إضعاف الطلب الخارجي، وتقليل تدفقات التحويلات المالية، وتقليص الاستثمار الأجنبي المباشر.
ويُمثل التباطؤ الهيكلي في الصين قناة انتقال مهمة بشكلٍ خاص لمصدري المعادن في المنطقة: فالتعديلات المستمرة في سوق العقارات الصينية وانخفاض استهلاك الأسر بشكل مستمر يهددان شروط التجارة لجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب إفريقيا وزامبيا. وقد ارتبطت هذه الظروف تاريخياً بتفاقم عجز الحساب الجاري في جميع أنحاء المنطقة. علاوةً على ذلك، قد يؤدي الارتفاع الأخير في أسعار النفط العالمية إلى تشديد السياسة النقدية في الاقتصادات العالمية الرائدة، في ظل ضعف أسواق العمل في الولايات المتحدة.
بالنظر إلى الحصة المتواضعة لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من التجارة العالمية في السلع- حوالي 2.7 % – وانخراطها المحدود في سلاسل القيمة العالمية، فإن الصدمات الخارجية تميل إلى الانتقال بسرعة عبر قنوات مثل دخل الأسر والشركات، والإيرادات المالية، ومعنويات المستثمرين.
ثانياً: عدم الاستقرار السياسي والغموض:
لا يزال عدم الاستقرار السياسي، سواءٌ داخل المنطقة أو على الصعيد العالمي، يُمثل خطراً كبيراً على منطقة إفريقيا جنوب الصحراء. ومع ذلك، فقد أدخلت التطورات المؤسسية الأخيرة، بما في ذلك تحسينات أطر الحوكمة، عناصر إيجابية محتملة. ويُشكّل ضعف الدعم للتعاون العالمي والمؤسسات متعددة الأطراف التي تدعمه خطراً كبيراً على آفاق النمو في المنطقة.
وتُؤكد التحذيرات الأخيرة الصادرة عن الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الاستدامة المالية للمنظمة على التداعيات المحتملة على الاستقرار العالمي. ويتزامن هذا مع انتهاء صلاحية معاهدة ستارت الجديدة للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، مما يُشير إلى مزيد من التدهور في التعاون العالمي بشأن قضايا الأمن الرئيسية. ونظراً للتأثير الكبير الذي أحدثه غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022م على أسواق الغذاء والطاقة الإقليمية؛ فإن أي صراع متجدد أو تدهور أوسع في الأوضاع الأمنية العالمية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على الآفاق الاقتصادية لمنطقة إفريقيا جنوب الصحراء.
يُشكّل الصراع في الشرق الأوسط مخاطر كبيرة على تدفقات التجارة العالمية، ولا سيما شحنات الطاقة. ويتزايد حجم تأثيره على الاقتصاد العالمي، وعلى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء.
سيعتمد ذلك بشكلٍ خاص على حجم ومدة أي اضطراب في عبور النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز. ومن المرجح أن تشعر منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بالآثار بشكل رئيسي من خلال تقلبات أسعار الطاقة العالمية. من شأن ارتفاع الأسعار أن يعزز إيرادات الدول المصدرة للطاقة في المنطقة (مثل أنغولا ونيجيريا)، بينما ستواجه الدول المستوردة ضغوطاً خارجية متزايدة وانخفاضاً في قيمة عملاتها في ظل تزايد النفور من المخاطرة. كما أن ارتفاع تكاليف الوقود سيرفع التضخم في معظم دول المنطقة، مما قد يؤخر- أو حتى يعكس- دورات التيسير النقدي الجارية.
يحدث تقليص ميزانيات المساعدات التنموية من قِبل الدول المانحة الرئيسية في وقتٍ لا تزال فيه مخاطر أزمة الديون مرتفعة في جميع أنحاء المنطقة في أعقاب الزيادة المبررة في الاقتراض الحكومي خلال جائحة كوفيد-19. بما أن جزءاً كبيراً من هذه المساعدات دعم استثمارات رأس المال البشري، ولا سيما في مجالي الصحة والتعليم، فإن الحكومات تواجه الآن خيارات صعبة: إما تقليص هذه البرامج أو الإبقاء عليها على حساب احتياجات تنموية أخرى ذات أولوية، بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية. وينطوي كلا الخيارين على خطرٍ كبير يتمثل في عكس مسار البرامج نحو تحقيق أهداف التنمية طويلة الأجل.
لا تزال النزاعات القائمة والمحتملة داخل المنطقة تحدّ من آفاق التنمية وتضع ضغطاً كبيراً على القدرات المؤسسية للدول. ويُمثل النزاع الممتد في السودان مصدراً رئيسياً لعدم اليقين بالنسبة للدول المجاورة، حيث يُعدّ جنوب السودان وتشاد الأكثر عرضة بشكل خاص لتداعيات النزاع. وبالمثل، لا تزال التوترات المستمرة- بما في ذلك: منطقة شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنطقة تيغراي في إثيوبيا، والمناطق المتأثرة بنشاط تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل- مواقع محتملة لتصعيد النزاع.
وأخيراً، لا تزال التحولات السياسية غير الديمقراطية تحدث في المنطقة، وإن كانت مؤخراً مع عنف محدود، حيث شهدت كلٌّ من غينيا بيساو ومدغشقر انقلابات خلال العام الماضي. رغم أن هذه الأحداث جرت مع عدد قليل نسبياً من الحوادث الأمنية المباشرة، إلا أن خطر العنف السياسي لا يزال مرتفعاً. وقد واجهت عدة دول، من بينها أنغولا والكاميرون ومالي والسنغال، وتنزانيا، موجات من الاحتجاجات العنيفة. كما يُشكّل النشاط الإجرامي الأوسع نطاقاً مخاطر على النشاط الاقتصادي.
ففي نيجيريا وحدها، اختُطف أكثر من 2000 شخص في عام 2025م. وأعلن رئيس جنوب إفريقيا، سيريل رامافوزا، أن الحكومة سترسل قوات لمكافحة التعدين غير القانوني والجريمة العنيفة في مقاطعتَي غاوتينغ وكيب الغربية.
ثالثاً: تحديات الوصول إلى الأسواق:
يشهد النظام التجاري العالمي تجزئة متزايدة في ظل تصاعد الحمائية التجارية وتكثيف ممارسات «التوطين الصديق»، مما يُفاقم مواطن الضعف في قطاعات التصدير في إفريقيا جنوب الصحراء. ويزيد التركيز الكبير لصادرات المنطقة في المراحل المبكرة من مدخلات سلسلة القيمة من هشاشتها أمام الحواجز التجارية واضطرابات الوصول إلى الأسواق.
تُمثل صادرات السلع الوسيطة الخمس عشرة الأولى أكثر من 50% من إجمالي صادرات السلع الوسيطة، وهي نسبة تركيز أعلى بكثير من تلك المسجلة في مناطق أخرى من العالم. كما أن المشاركة في سلاسل التوريد الإقليمية محدودة: فقد سُجلت التجارة البينية الإفريقية في السلع الوسيطة بنسبة 12.8% فقط في عام 2022م، وهي أدنى نسبة على مستوى العالم.
قد يُتيح تزايد تجزئة التجارة العالمية فرصاً إيجابية من خلال تشجيع زيادة التجارة البينية الإقليمية في وقتٍ يجري فيه تفعيل اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. وعلى عكس صادرات إفريقيا إلى الأسواق العالمية، تتسم التجارة البينية الإقليمية بتنوع أكبر وتحتوي على نسبة أعلى من المنتجات ذات القيمة المضافة، حيث تُمثل السلع المصنعة ما يقرب من 60% من التجارة البينية الإفريقية مقارنةً بنحو 35% من الصادرات إلى بقية العالم.
ومن ناحيةٍ أخرى، قد يُعزز التكامل الإقليمي الأعمق المرونة الاقتصادية، إذ تميل التجمعات الاقتصادية الإقليمية ذات الهياكل الإنتاجية الأكثر تنوعاً إلى الحفاظ على تدفقات تجارية بينية إقليمية أعلى حتى في أعقاب الصدمات الخارجية. ومع ذلك، فإن متوسط الاقتصاد الإفريقي يُوجه حوالي 20% فقط من صادراته إلى دول أخرى داخل المنطقة، مقارنةً بأكثر من 50% في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان). علاوةً على ذلك، لا تزال التجارة البينية الإفريقية شديدة التركيز، إذ ينشأ أكثر من 35% من التجارة الإقليمية من اقتصادين فقط، وهما نيجيريا وجنوب إفريقيا.
قد تساهم اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في رفع الدخل الحقيقي بنسبة تتراوح بين 7 و9% بحلول عام 2035م، وانتشال 40 مليون شخص من براثن الفقر المدقع. إلا أن هذا الأثر لم يتحقق بعد. ويعتمد نجاح الاستفادة من اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لتعزيز التجارة والاستثمار الأجنبي على تمكين الدول الرائدة من قيادة التنفيذ، وضمان رصد وإنفاذ الالتزامات بشكلٍ فعّال، والاستثمار في المنافع العامة الإقليمية.
وبينما ستساعد تخفيضات الرسوم الجمركية بموجب الاتفاقية في التجارة البينية الإقليمية، فإن أهم المعوقات تنبع من تكاليف التجارة الداخلية، مثل عدم كفاية البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية، وعدم كفاءة أنظمة الجمارك والأنظمة الرقابية، ومحدودية الرقمنة، وارتفاع نفقات التمويل والخدمات اللوجستية المحلية. علاوةً على ذلك، فإن الحواجز غير الجمركية مثل حظر بعض الصادرات، شائعة في المنطقة.
وتتناول بروتوكولات المرحلة الثانية- التي تغطي الاستثمار، والملكية الفكرية، وسياسة المنافسة، والمرأة والشباب في التجار- العديد من جوانب هذه التكاليف الداخلية. مع ذلك، من المرجح أن يتم تطبيقها بشكل تدريجي، نظراً لمتطلبات الاستثمار الكبيرة والحاجة إلى إصلاحات مؤسسية وتنظيمية أعمق لمعالجة هذه المشكلات الهيكلية.
دخلت آلية تعديل الكربون الحدودية للاتحاد الأوروبي مرحلتها النهائية في 1 يناير 2026م، لتصبح أول نظام لتعديل الكربون الحدودي يفرض رسوماً بناءً على كثافة انبعاثات السلع المستوردة.
في هذه المرحلة، يُطلب من مستوردي الاتحاد الأوروبي للمنتجات كثيفة الكربون شراء شهادات CBAM لتعويض انبعاثات الكربون لمنتجاتهم بأسعار تتوافق مع أسعار بدلات نظام الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات، والتي تراوحت بين 74 و100 يورو للطن المتري من ثاني أكسيد الكربون خلال العامين الماضيين، وتغطي CBAM مبدئياً ست فئات من المنتجات- هي الألومنيوم والحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والكهرباء والهيدروجين- التي تُشكّل 4% من الصادرات الإفريقية إلى أوروبا و1.5% من الصادرات الإفريقية إجمالاً.
قد يؤدي تطبيق CBAM إلى خفض الصادرات الإفريقية إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 13.9% للألومنيوم، و8.2% للحديد والصلب، و3.9% للأسمدة، و3.1% للأسمنت. سيتطلب التخفيف من الانبعاثات من المصدرين الأفارقة إزالة الكربون من عمليات إنتاجهم أو تحمّل تكاليف شهادات CBAM، وكلاهما يتطلب متطلبات رأسمالية كبيرة لا يستطيع العديد من المنتجين في المنطقة تلبيتها. لكنّ تكلفة الامتثال قد تكون أكثر إشكالية، إذ يواجه الموردون الذين لا يستطيعون تقديم بيانات موثوقة عن الانبعاثات خطر الاستبعاد من سلاسل التوريد في الاتحاد الأوروبي.
وبدون تمويل مخصص للصناعات الخضراء ودعم فني من بنوك التنمية متعددة الأطراف، هناك خطر كبير يتمثل في أن برنامج CBAM قد يعيق الانتقال نحو إنتاج أنظف وأكثر تنافسية، على الرغم من أن إفريقيا لا تُمثل سوى أقل من 4% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية.
وأخيراً، انتهت صلاحية الامتيازات التجارية مع الولايات المتحدة بموجب قانون AGOA في 30 سبتمبر 2025م، مما أدى إلى فجوة سياسية مدتها أربعة أشهر لم تُحل إلا جزئياً. في 3 فبراير (شباط) 2026م، وقّع الرئيس ترامب تشريعاً يمدد البرنامج حتى 31 ديسمبر 2026م، مع أحكام بأثر رجعي تعيد إمكانية الوصول إلى المنتجات المعفاة من الرسوم الجمركية وتسمح برد الرسوم الجمركية المدفوعة خلال الفترة الانتقالية.
إن التحول نحو التجديدات السنوية، المصحوب بـشروط متزايدة، يُقوّض بشكل جوهري آفاق الاستثمار متعددة السنوات اللازمة لعمليات التصنيع. بالنسبة لمنتجي الملابس والأحذية والمنسوجات في ليسوتو وإثيوبيا وكينيا، وهي قطاعات استثمرت في الطاقة الإنتاجية على أساس الوصول التفضيلي إلى السوق الأمريكية، فإن تآكل اليقين يُمثل عائقاً هيكلياً أمام المزيد من توظيف رأس المال.
رابعاً: نأثير تغير المناخ:
يتزايد تأثير تغير المناخ بالتزامن مع تسارع وتيرة التقدم التكنولوجي المرتبط بالاقتصاد الأخضر، ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ إلى زيادة كلٍّ من وتيرة وشدة الظواهر الجوية المتطرفة في المنطقة، بما في ذلك الجفاف والأمطار الغزيرة، وقد أصبحت الأمطار الغزيرة غير الموسمية شائعة في جميع أنحاء غرب إفريقيا، بما في ذلك فيضان موكوا في مايو 2025م. وتعاني مناطق واسعة من القرن الإفريقي من ظروف جفاف مرتبطة بظاهرة «لا نينا» المستمرة، حيث صُنِّف أكثر من 34 مليون شخص على أنهم «في أزمة» أو أسوأ وفقاً لتصنيف مراحل الأمن الغذائي المتكامل.
وقد أدت أحداث الأمطار الغزيرة- التي تفاقمت بسبب كلٍّ من تغير المناخ وظاهرة لا نينا– إلى فيضانات شديدة ومميتة في إسواتيني ومدغشقر وموزمبيق وجنوب إفريقيا وزيمبابوي. بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أثرت الأمطار الغزيرة والأعاصير المتتالية على ما يُقدّر بنحو 1.5 مليون شخص، وتسببت في نزوح أكثر من 170 ألف شخص في جميع أنحاء جنوب إفريقيا خلال الأشهر الأولى من العام.
وقد أدى ذلك إلى أضرار واسعة النطاق في البنية التحتية، وتفشي وباء الكوليرا (خاصةً في زامبيا)، وخسائر زراعية فادحة، مما زاد من حدة انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء المنطقة.
وإلى جانب الخسائر الإنسانية، تُشكّل هذه الصدمات المائية مخاطر اقتصادية كلية كبيرة، إذ تُعيق الإنتاج الزراعي، وتُعطّل توليد الطاقة، وتُؤدي إلى تدهور البنية التحتية، وتُسبّب ضغوطاً مالية غير متوقعة نتيجة الإنفاق الطارئ. ولذلك؛ تلعب الاستثمارات في أنظمة المياه المرنة- بما في ذلك الخزانات متعددة الأغراض، وإعادة تغذية طبقات المياه الجوفية المُدارة، والصرف الصحي الحضري- دوراً حاسماً كبنية تحتية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي.
ولا تزال فجوة تمويل التكيف كبيرة وتستمر في الاتساع. قدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة احتياجات الدول النامية للتكيف مع تغير المناخ بما يتراوح بين 310 مليارات دولار و365 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2035م، مقارنةً بـ 26 مليار دولار أمريكي من التمويل العام الدولي للتكيف في عام 2023م، وهو عجز يُعيق وتيرة تعزيز الدول لقدرتها على الصمود في وجه تغير المناخ.
وقد باتت العواقب الإنسانية وخيمة بالفعل، فقد قدّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) وجود 62 مليون طفل يعانون من التقزم في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهو رقم لا يعكس فقط انعدام الأمن الغذائي المرتبط بتغير المناخ، بل يعكس أيضاً الآثار المتفاقمة للفقر والصراع، واستمرار نقص الاستثمار في أنظمة التغذية والصحة. وقد حذّرت الأمم المتحدة من ظهور حقبة جديدة من ندرة المياه العالمية، مما يعكس التدهور المتزايد للخزانات الجوفية وأحواض الأنهار إلى مستويات تتجاوز قدرتها على التجدد الطبيعي.
وعلى الصعيد العالمي، يعاني ما يقرب من 4 مليارات شخص من ندرة المياه لمدة شهر واحد على الأقل كل سنة، وتُعدّ منطقة الساحل والقرن الإفريقي من بين أكثر المناطق تضرراً. يُعدّ هذا النقص المستمرّ دافعاً رئيسياً للهجرة المرتبطة بالمناخ، مما يُفاقم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية ويُرهق المؤسسات السياسية.
في المقابل، تُشكّل التطورات السريعة في تقنيات الطاقة النظيفة فرصةً واعدةً للمنطقة، حيث يُتيح التطوير المستمر لأنظمة الطاقة الشمسية المعيارية منخفضة التكلفة فرصاً مُبشّرةً لتوسيع نطاق الوصول إلى الطاقة النظيفة والميسورة التكلفة.
خامساً: تحديات توسع قدرات الذكاء الاصطناعي:
مع توسع قدرات الذكاء الاصطناعي عالمياً، لا تزال آثارها المحتملة على القارة الإفريقية غير واضحة. فمن ناحيةٍ، قد تُسهم هذه التقنيات في تخفيف القيود الهيكلية في مجالات مثل تيسير التجارة والخدمات اللوجستية والوصول إلى الخدمات المالية. ومع ذلك، من المرجح أن يؤدي محدودية الرقمنة في المنطقة، وانخفاض معدلات الوصول إلى الكهرباء، وعدم انتظام تغطية النطاق العريض، إلى إبطاء تبنّي هذه التقنيات مقارنةً بالاقتصادات النامية، مما يزيد من خطر اتساع فجوة الدخل العالمية.
وتتفاقم هذه التحديات بسبب التركيز الكبير في سوق تطوير الذكاء الاصطناعي، والأولوية الإستراتيجية لنشره في الاقتصادات المتقدمة. وارتباطاً وثيقاً بتطوير الذكاء الاصطناعي، يرتفع خطر تقلبات الأسواق المالية العالمية. ولا تزال التقييمات حساسةً للغاية للتوقعات غير المؤكدة للربحية المستقبلية، وخاصةً أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يزال في مراحله الأولى من التبني، ولم تتضح آثاره على الإنتاجية بعد.
أشارت بعض الأبحاث الأولية إلى أن العوائد المالية كانت محدودة حتى الآن، إذ تشير التقديرات إلى أن 95% من المؤسسات التي تجرّب أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تُبلّغ عن أي مكاسب مالية قابلة للقياس، وأن قطاعَين فقط من أصل ثمانية قطاعات رئيسية تمت دراستها تُظهر علامات على التحول الهيكلي. ويتناقض هذا الغموض مع الدرجة العالية من انكشاف السوق، حيث تُمثل شركات الذكاء الاصطناعي 63% من إجمالي تمويل رأس المال المخاطر في الولايات المتحدة في الربع الثالث من عام 2025م.
علاوةً على ذلك، فإن سبعاً من أكبر 10 شركات مدرجة في البورصة في العالم تركز بشكل كبير في مجال الذكاء الاصطناعي، وقد أصبحت شركة Nvidia- المورد الرائد لأشباه الموصلات الموجهة للذكاء الاصطناعي- الشركة العامة الأكثر قيمة على مستوى العالم. ونظراً لأن الأسواق المالية الأمريكية تُشكّل 54% من القيمة السوقية العالمية؛ فإن أي تغييرات في تقبّل المخاطر أو أي إعادة تقييم لآفاق نمو شركات الذكاء الاصطناعي ذات القيمة العالية قد تُحدث آثاراً جانبية كبيرة عبر الأسواق الدولية.
وبالتالي؛ فإن أي اضطراب في آفاق شركات الذكاء الاصطناعي ذات القيمة العالية قد يُهدد فرص الاستثمار في المنطقة، مع تداعيات مماثلة على تمويل القطاع العام واستقرار سعر الصرف. من شأن هذا التصحيح أن ينطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لإفريقيا جنوب الصحراء، إذ قد يؤدي إلى إضعاف تدفقات الاستثمار، وتشديد شروط التمويل للحكومات، وزيادة الضغوط على سعر الصرف.
لطالما استُخدمت السياسة الصناعية في إفريقيا، لكن النتائج كانت متفاوتة، مع عدد قليل من النجاحات الملحوظة. ويتطلب تحسين فعاليتها اتخاذ إجراءات في مجالَين؛ أولاً: تحتاج الدول إلى الاستثمار في النظم البيئية التي تُمكّن التحول الهيكلي، وتشمل هذه النظم بنية تحتية مادية موثوقة، وقوى عاملة ماهرة، وقدرات تقنية أقوى، وأسواق مالية أعمق، وإمكانية الوصول إلى رأس مال طويل الأجل، وبنية تحتية وأنظمة معايير جودة متينة.
ثانياً: ينبغي أن تركز السياسة الصناعية على تحديد ودعم القطاعات التي تبني تدريجياً على القدرات القائمة (أو التي يُحتمل تطويرها بسرعة). بالنسبة للمعادن الحيوية، تعتمد فعالية السياسات الرامية إلى تعزيز المعالجة أو التكرير أو التصنيع اللاحق على احتفاظ الدول بحصة سوقية عالمية كافية لردع المشترين عن تغيير الموردين بسهولة، وعلى وجود نظام بيئي محلي قادر على تنفيذ هذه الأنشطة بتكاليف تنافسية دولياً.
يجب أن تُستكمل استثمارات النظام البيئي بأدوات سياسية مُصممة جيداً، أي أدوات تستهدف الأنشطة بدلاً من الشركات الفردية، وتوفر دعماً محدداً زمنياً مرتبطاً بالتعلم والأداء، وتتضمن إستراتيجية خروج واضحة وذات مصداقية.
باختصار، تتطلب السياسة الصناعية الفعّالة في المنطقة بناء النظام البيئي المُكمّل اللازم لنشر أدوات مُصممة جيداً تدعم التحول الهيكلي واسع النطاق، بدلاً من إنشاء أنشطة معزولة ذات روابط محدودة. إنّ وضع سياسات صناعية سليمة في إفريقيا ينطوي على مخاطر كبيرة، إذ تقع المنطقة عند مفترق طرق حاسم، حيث يمكن للنمو السكاني السريع والتحولات التكنولوجية وتطور سلاسل القيمة العالمية أن تُترجم إلى تنمية تحويلية، إذا ما دُعمت بخيارات سياسية متماسكة.
ويمكن للسياسة الصناعية المصممة جيداً- والمستندة إلى قيود واقعية، والموجهة نحو القطاعات ذات الإمكانات العالية للتعلم، والمنفذة من خلال مؤسسات كفؤة- أن تُطلق العنان لاقتصاديات الحجم، وتجذب الاستثمارات الخاصة، وتُعيد توجيه الشركات والعمال نحو أنشطة ذات إنتاجية أعلى.
أولاً: السياسات الصناعية في إفريقيا: الممارسات والأنماط:
يُلاحظ تفاوتٌ في نشاط السياسة الصناعية بين الدول الإفريقية، ويعكس هذا التفاوت بشكلٍ وثيق الاختلافات في القدرات الإدارية والمالية، فضلاً عن نطاق التنفيذ. فجنوب إفريقيا، ونيجيريا، وغانا، وكينيا، وزيمبابوي، تُعدّ من بين أكثر الدول استخداماً للتدخلات الحمائية، بينما لم تُنتج العديد من الدول ذات الدخل المنخفض في منطقة الساحل، ووسط إفريقيا، والاقتصادات الأصغر حجماً، سوى عدد قليل من التدخلات الموثقة.
وتؤكد خطط التنمية للدول الأقل نشاطاً أن طموحاتها لا تقلّ طموحاً عن طموحات الدول ذات القدرات الأعلى. ومع ذلك، تفتقر الدول الأقل نشاطاً إلى البنية التحتية الإدارية اللازمة لترجمة الطموح إلى سياسات مُنفذة. مع ذلك، ينبغي تفسير ذلك بحذر. وتعكس الحصة المهيمنة لجنوب إفريقيا قدرتها المؤسسية الأكبر على وضع وتوثيق تدابير السياسات، واحتمالية أن بيئتها التنظيمية الأكثر رسمية تُنتج عدداً أكبر من الأدوات القانونية.
تكشف البيانات دون الإقليمية أن مستوى تطور الأدوات يتركز جغرافياً بشكلٍ أكبر من كثافة التدخل الإجمالية، مما يترتب عليه آثار مهمة على تسلسل بناء القدرات المؤسسية. بمعنى آخر، يتطلب كل مستوى لاحق من التطور قدرة مؤسسية أكبر تدريجياً، مما يعني أن الدول ذات القدرة الإدارية الأقل لا تستطيع استيعاب الأدوات المعقدة بشكل فعّال، بغض النظر عما إذا كانت خططها التنموية تنص عليها أم لا.
فالحكومة التي لا تستطيع إنفاذ متطلبات توثيق الصادرات الأساسية لا تستطيع تطبيق شروط الاستثمار، كما أن هيئة الإيرادات التي تفتقر إلى بيانات منهجية على مستوى الشركات لا تستطيع تنفيذ برامج فعّالة لاسترداد الرسوم الجمركية.
إن نطاق الأدوات المتاحة ليس خاصيةً ثابتة للدولة، بل هو دالة للاستثمارات المؤسسية التي تم ضخها في فترات سابقة، مما يجعل تسلسل استثمارات بناء القدرات مسألةً أساسية في السياسة الصناعية.
تكشف خطط التنمية الوطنية عن طموح صناعي واسع النطاق، لكنها تعاني من تفاوت كبير في المصداقية التشغيلية، وهو ما يفسر التباين الحاد في نتائج السياسة الصناعية بين الدول التي تستهدف قطاعات متطابقة بأدوات متشابهة ظاهرياً.
يُلاحظ انتشار الطموح الإستراتيجي في خطط التنمية الوطنية الإفريقية، إلا أن الدول التي تُظهر هياكل سياسات قادرة على تحويل الإستراتيجية المعلنة إلى حزم أدوات مُنفذة تُشكل أقليةً ضئيلة، وهذه الأقلية هي التي تُحقق نتائج ملموسة في السياسة الصناعية.
أما المصداقية التشغيلية- من حيث تحديد الأدوات، وتفويضات التنفيذ المؤسسي، والتزامات التمويل متعددة السنوات، وأنظمة الرصد القادرة على توجيه قرارات الاستمرار والانسحاب- فهي غير منتشرة على نطاق واسع.
إن السياسة الصناعية المصممة بدون تكامل مع اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية مصممة لتحقيق أداء ضعيف في مواجهة قيد حجم السوق.
ثانياً: مسارات بديلة وتجارب وآفاق واعدة في قطاع التصنيع:
1- مسارات بديلة: التصنيع الأخضر القائم على الموارد:
بالنسبة للاقتصادات الإفريقية الغنية بالموارد، يُعدّ مسار الموارد هو السبيل الوحيد للتصنيع الذي تُقلَّص فيه بشكل هيكلي مشكلة بُعد القدرات. وتعتمد عمليات التصنيع على قدرات الاستخراج الموجودة بالفعل، لكنها تُحقق أفضل النتائج عندما يتوفر شرطان في آنٍ واحد: قوة سوقية عالمية كافية لجعل قيود التصدير ذات مصداقية، ونظام بيئي قادر على دعم التصنيع بتكاليف تقترب من الحد الأقصى العالمي.
بالنسبة لمعظم اقتصادات إفريقيا جنوب الصحراء، فإنّ نقطة الانطلاق الأكثر مصداقية للسياسة الصناعية ليست القفز إلى التصنيع المتقدم، بل التعميق المتعمد لما هو موجود بالفعل: الثروة الهائلة من الموارد الطبيعية التي تتمتع بها القارة.
تمتلك إفريقيا حصة غير متناسبة من المعادن الحيوية في العالم- الكوبالت، والنحاس، والليثيوم، والمنغنيز، والبوكسيت، والنيكل، وخام الحديد- في الوقت الذي يتسارع فيه الطلب العالمي على هذه المواد بسبب التحول في قطاع الطاقة. إن التصنيع القائم على الموارد، أي إستراتيجية الانتقال من استخراج المواد الخام إلى المعالجة والتكرير والتصنيع النهائي، ليس مجرد طموح نظري. بالنسبة للعديد من الدول الإفريقية، يمكن أن يوفر مساراً هيكلياً راسخاً نحو التحول الهيكلي وخلق فرص العمل في ظل وجود بيئة داعمة.
ومع ذلك، في عالم مترابط، لا تمنح الموارد وحدها مزايا تنافسية في القيمة المضافة. لذا؛ فإن السؤال ليس ما إذا كان ينبغي السعي وراءه، بل كيف يمكن القيام بذلك دون تكرار أخطاء الماضي المكلفة ووضع سياسات كما لو أن الموارد وحدها كافية لضمان تنافسية الصناعات النهائية.
2- تجربة التصنيع الواعدة: موزمبيق وغينيا:
سِجل إفريقيا في مجال التصنيع القائم على الموارد متفاوت. فمِصهَر موزال للألمنيوم في موزمبيق، الذي تم تشغيله عام 2000م بدعم من مجموعة البنك الدولي، يُشار إليه غالباً كقصة نجاح، وهو كذلك بالفعل في جوانب مهمة، فقد ضاعف هذا المرفق، الذي بلغت تكلفته 1.3 مليار دولار، صادرات موزمبيق ثلاث مرات في سنواته الأولى، وساهم بنحو 10% في نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2001م، وحقق أكثر من 300 مليون دولار من عائدات النقد الأجنبي في سنواته الخمس الأولى، وحفز استثمارات كبيرة في البنية التحتية، ولا سيما الطرق والموانئ والطاقة. كما أثبت أن التصنيع كثيف الاستهلاك للطاقة يمكن أن يكون مجدياً في إفريقيا عند توفر طاقة رخيصة وموثوقة.
وكان هذا هو الحال في موزمبيق، التي كانت تمتلك الطاقة الكهرومائية من سد كاهورا باسا. مع ذلك، ينطوي مشروع موزال على محاذير مهمة غالباً ما يتم تجاهلها: يقوم المصهر بتكرير البوكسيت المستورد أساساً من أستراليا، وليس من ثروات موزمبيق المعدنية.
وبهذا المعنى، يُعدّ مركزاً للتصنيع يستغل الطاقة الرخيصة بدلاً من كونه نموذجاً للتصنيع القائم على الموارد بالمعنى التقليدي. وقد أشار النقاد أيضاً إلى طابعه «الاستثماري المنعزل»، إذ يتمتع المشروع بروابط محدودة مع الاقتصاد المحلي، حيث لا يوفر سوى حوالي 1000 وظيفة دائمة مباشرة في المصهر نفسه مقابل استثمار قدره 1.3 مليار دولار، بالإضافة إلى إعفاءات ضريبية سخية حدّت من العوائد المالية.
وقد تحسنت هذه الروابط بشكل ملحوظ مع المرحلة الثانية من المشروع من خلال برامج تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة المدروسة، ولكن العبرة هي أن استثمارات التصنيع لا تُولّد تلقائياً تحولاً اقتصادياً أوسع. يجب بناء هذه الروابط بنشاط، لا افتراضها.
وتُقدّم تجربة غينيا مع البوكسيت درساً تحذيرياً مختلفاً. تمتلك غينيا أكبر احتياطيات البوكسيت في العالم، وأصبحت من أكبر المستفيدين من حظر إندونيسيا للتصدير. ارتفعت صادرات غينيا من قطاع التعدين بنسبة 79% على أساس سنوي في عام 2017م، حيث سارع المشترون الصينيون إلى البحث عن مورّدين بديلين. ومع ذلك، لم تنجح غينيا في تحويل هذه الزيادة المفاجئة إلى قيمة مضافة كبيرة في المراحل اللاحقة، فهي لا تزال في الغالب مُصدِّرة للخامات، حيث تتم جميع عمليات تكرير الألومينا وصهر الألومنيوم تقريباً في أماكن أخرى.
وتُعدّ العوائق الهيكلية مألوفة: الطاقة غير الموثوقة والمكلفة تاريخياً- على الرغم من أن توسع غينيا في مجال الطاقة الكهرومائية وشبكات النقل قد يُعالج هذا القيد جزئياً على المدى المتوسط- ومحدودية المهارات التقنية، وضعف الخدمات اللوجستية، وبيئة أعمال تُكافح لجذب الاستثمارات المستدامة اللازمة للمعالجة كثيفة رأس المال. ويُستفاد من تجربة غينيا مع البوكسيت أن القدرة على تحديد الأسعار في سوق المواد الخام لا تُترجم تلقائياً إلى تطوير صناعي. يجب بناء الظروف المُمكّنة للمعالجة بالتوازي، وليس افتراض أنها ستتحقق تلقائياً من خلال وفرة الموارد.
3- نظرة مستقبلية: سكة حديد سيماندو وممر لوبيتو:
في ظل هذا السجل المتباين، يُقدّم مشروعان استثماريان ناشئان في البنية التحتية أسباباً حقيقية للتفاؤل، ليس لأنهما يضمنان التحول الصناعي، بل لأنهما يُهيئان الظروف المادية واللوجستية اللازمة له، إذا ما اقترنا بسياسات سليمة. أولهما مشروع سيماندو لخام الحديد في غينيا، وهو أكبر احتياطي غير مُستغل في العالم من خام الحديد عالي الجودة. بدأ هذا الاستثمار الذي يتجاوز 20 مليار دولار أمريكي- والذي يشمل موقعَين للتعدين، وسكة حديد ترانس غينيا بطول 657 كيلومتراً، وميناءً جديداً للمياه العميقة- التصدير في عام 2026م، وسيرتفع إلى 120 مليون طن سنوياً بحلول عام 2029م.
تُعدّ سكة الحديد وحدها بنية تحتية تحويلية، فهي ممر متعدد الأغراض ومتعدد الاستخدامات، وإذا ما حُكمت بأحكام الوصول المفتوح واستثمارات مُكمّلة في المهارات والأعمال الزراعية وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، يُمكن أن تُصبح ممراً اقتصادياً بدلاً من أن تكون منطقة تعدين مُغلقة. يُؤكد تحليل البنك الدولي أن هذا التمييز ليس تلقائياً.
تقف غينيا على مفترق طرق، إذ يُنتج سيناريو استمرار الوضع الراهن نمواً مدفوعاً بالتعدين قوياً ولكنه ضعيف الشمول، بينما يُمكن لسيناريو الإصلاح الذي يُعالج ديناميكيات «المرض الهولندي»، ويستثمر في رأس المال البشري، ويُنشئ روابط غير تعدينية على طول الممر، أن يُنتج ناتجاً محلياً إجمالياً للفرد أعلى بنسبة 37% بحلول عام 2050م. يُعدّ خط السكة الحديد البنية التحتية، والسياسة الصناعية هي التي تُحدد ما إذا كان سيُصبح حافزاً للتحول أم مجرد جَيبٍ آخر.
أما ثاني استثمارات البنية التحتية الناشئة فهو ممر لوبيتو. سيربط خط سكة حديد بنغيلا، الذي يبلغ طوله 1344 كيلومتراً، ميناء لوبيتو على ساحل أنغولا الأطلسي بمناطق تعدين النحاس والكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، مع اقتراح امتداد إلى حزام النحاس في زامبيا. وقد مُنح الممر امتيازاً لتحالف خاص لمدة 30 عاماً، وتدعم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تطويره بنشاط كجزء من إستراتيجياتهما لسلسلة إمداد المعادن الحيوية.
وقّعت أنغولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا اتفاقية وكالة تيسير النقل العابر لممر لوبيتو في يناير 2024م، مما أرسى إطاراً لتيسير التجارة المنسق والتعاون الإقليمي. وتهدف مبادرة البطاريات بين جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا إلى دمج الكوبالت من جمهورية الكونغو الديمقراطية مع النحاس من زامبيا لإنتاج مواد أولية عالية القيمة للبطاريات، بدلاً من مجرد تصدير الخامات.
وفي حال تنفيذها، فإن هذا الاستثمار سيُمثل بالضبط نوع الإستراتيجية والسياسة الصناعية الإقليمية الموجهة نحو سلسلة القيمة التي يوصي بها إطار السياسة الصناعية للبنك الدولي، وسيستفيد من الميزة النسبية المحتملة، ويقوم بالبناء على نطاق إقليمي، ويستهدف خطوة محددة وقابلة للتحقق في سلسلة القيمة، بدلاً من محاولة الانتقال مباشرةً إلى التصنيع النهائي.
يُعدّ ممر لوبيتو وسكة حديد سيماندو بنية تحتية تمكينية، وهما «الخيار الأول» للمدخلات العامة التي تُهيئ الظروف المادية اللازمة للإستراتيجية والسياسة الصناعية. وسواءٌ أحدثا تحوّلاً جذرياً أم أعادا إنتاج نمط الجيوب التاريخية، فإن ذلك يعتمد كلياً على ما تُضيفه الحكومات إليهما، بما في ذلك الاستثمارات التكميلية في المهارات والطاقة والخدمات اللوجستية، والمعايير التي تُحوّل ممرات المعادن إلى أنظمة بيئية صناعية. ويشير السجل التاريخي، من موزال في موزمبيق إلى قطاع البوكسيت في غينيا، إلى أن هذا التراكم ليس تلقائياً ولا سهلاً. ومع ذلك، فإن حجم الفرصة وتوافق الطلب العالمي على المعادن الحيوية مع موارد إفريقيا يجعلان هذه اللحظة فرصةً سانحةً لتحقيق عوائد عالية بشكل استثنائي من خلال وضع بنية سياسية سليمة.
4- سلسلة قيمة البطاريات بين الكونغو الديمقراطية وزامبيا: حالة إقليمية واعدة:
قد يُتيح الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية (الذي يُشكّل نحو 65% من الإمدادات العالمية) إلى جانب النحاس في زامبيا، المستخدم في تصنيع الكاثودات الأولية، فرصاً قيّمة للتوسع على المستوى الإقليمي، فهي قريبة من قدرات الاستخراج الحالية، ما يُتيح فرصة للارتقاء بمستوى تعقيد المنتج. ويُوفّر الطلب العالمي على البطاريات حجماً كافياً لدخول المزيد من الشركات إلى هذا السوق التنافسي. قد تُوفّر مبادرة البطاريات بين الكونغو الديمقراطية وزامبيا أساساً لإطار مؤسسي تعاوني.
وما قد يتطلبه الأمر هو إطار تنظيمي مشترك، ولوجستيات ممرات، وهيكل تعريفات جمركية يضع المدخلات والمخرجات الأولية في صميم التحرير (وليس في قائمة المنتجات الحساسة)، والاستثمار المشترك في المهارات والبنية التحتية عالية الجودة. هذه أداة إقليمية قد يصعب على السياسات الصناعية الفردية محاكاتها؛ ومع ذلك، فإن التعاون الإقليمي يُبرز التحديات والفرص المتاحة.
خاتمة:
يتراجع زخم تعافي المنطقة من الصدمات العالمية المتتالية في عام 2026م. وتؤثر المخاطر الجيوسياسية المتزايدة المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب تزايد أعباء خدمة الدين، ونقاط الضعف الهيكلية المزمنة، سلباً على النشاط الاقتصادي. ومن المتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي 4.1% في عام 2026م، دون تغيير عن عام 2025م، إلا أن مخاطر التراجع قد ازدادت. وقد استفاد النمو في عام 2025م من تحسين إدارة التضخم، والضبط المالي المستمر، والإصلاحات الرامية إلى تعزيز تعبئة الإيرادات المحلية وتقوية أطر إدارة الدين. وفي ظل الجهود المستمرة لتحقيق الاستقرار الكلي، يستمر الطلب المحلي في دعم النمو.
وقد انتعش الاستهلاك الخاص والاستثمار المحلي بفضل السياسة النقدية التيسيرية وتحسن الأوضاع الخارجية، بما في ذلك انخفاض قيمة الدولار، مما ساهم في تخفيف الضغوط التضخمية. كما عزز ارتفاع أسعار السلع الأساسية، ولا سيما المعادن النفيسة والمشروبات، الإيرادات في العديد من الاقتصادات عام 2025م، ومن المتوقع أن يستمر في دعم الموازين المالية والخارجية للدول الغنية بالموارد خلال العام الحالي.
وقد ارتفعت مخاطر تراجع آفاق النمو بشكل ملحوظ منذ نهاية فبراير 2026م، مع تصاعد الصراع. وسيعتمد حجم التداعيات على مدة الصراع، ونطاق قنوات النقل الإقليمية، ومدى الضرر الذي لحق بالبنية التحتية الحيوية. وتتفاقم هذه المخاطر بفعل تزايد هشاشة الديون وانكماش التمويل الخارجي، ولا سيما المساعدات الإنمائية، مما يضع ضغوطاً إضافية على الأوضاع المالية للدول ذات الدخل المنخفض. ومن المتوقع أن يؤثر الصراع على المنطقة عبر أربع قنوات رئيسية: التجارة، والاستثمار، والأسواق المالية، والعمالة. ومن المرجح أن تكون قناة التجارة هي الأكثر تأثيراً بشكل مباشر.
وتستجيب الحكومات لصدمة أسعار الطاقة بطرق متنوعة، سعى بعضها إلى تخفيف الأعباء عن المستهلكين كما هو الحال في كينيا وناميبيا، أو من خلال تقديم دعم طارئ للوقود، كما هو الحال في إثيوبيا. في المقابل، قامت الدول ذات الحيز المالي المحدود برفع أسعار الوقود المنظمة أو وضع سقوف لها، بما في ذلك غانا وملاوي ومالي وتنزانيا. وفي البيئات ذات القدرة المحدودة على التدخل، ارتفعت أسعار الوقود بشكل حاد، كما هو الحال في الصومال وزيمبابوي.
إن إعادة توجيه موارد الدعم نحو تعزيز آليات التأهب والاستجابة للصدمات من شأنه أن يُتيح دعماً أسرع وأكثر قابلية للتوسع، بما في ذلك التدخلات قصيرة الأجل لتحسين فرص الحصول على العمل، ولا سيما على امتداد سلاسل القيمة الزراعية الريفية.
يُقدّر أن نمو نصيب الفرد من الدخل في المنطقة قد ارتفع إلى 1.6% في عام 2025م، مقارنةً بـ 1.0% في عام 2024م، ومن المتوقع أن يرتفع أكثر ليصل إلى 2.0% في عام 2026م قبل أن يستقر عند 1.9% في الفترة 2027-2028م. ومع ذلك، لا يزال تعافي المنطقة من الصدمات المتتالية خلال العقد الماضي غير مكتمل. وحتى مع التحسن المتوقع، من المرجح أن يظل معدل نمو دخل الفرد غير كافٍ للحد من الفقر المدقع أو لاستيعاب القوى العاملة المتنامية.
في هذا السياق، يُشير التقرير إلى أن التحدي الذي يواجه النمو في إفريقيا هيكلي، ويتجلى في انخفاض الاستثمار، وضعف الإنتاجية، ومحدودية فرص العمل. ورغم عودة الاهتمام بالسياسة الصناعية؛ فإن الجهود السابقة غالباً ما باءت بالفشل بسبب ضعف القدرة على التنفيذ، والقيود المالية والمؤسسية. ويقترح التقرير نهجاً عملياً قائماً على النظام البيئي، يربط أدوات السياسة بقدرات الدول لتحقيق مكاسب في الإنتاجية وتحول هيكلي مستدام.
ــــــــــــــــ
مصدر التقرير:
[1] World Bank. 2026. Making Industrial Policy Work in Africa. Africa Economic Update (April 2026). World Bank, Washington, DC. doi: 10.1596/978-1-4648-2333-6. License: Creative Commons Attribution CC BY 3.0 IGO
The post قراءة في تقرير البنك الدولي: “التحديث الاقتصادي لإفريقيا.. تفعيل السياسة الصناعية” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>The post قراءة لموقع إفريقيا جنوب الصحراء في ضوء تقرير “حالة المجتمع المدني لعام 2026م” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مقدمة:
في عالَم تتسارع فيه وتيرة الاضطرابات، وتتداخل فيه الصراعات السياسية والاقتصادية والإنسانية وحتى البيئية؛ يبرز المجتمع المدني حاضرًا كمساحة للفعل والمقاومة، لا يكتفي برصد ما يحدث حوله، بل يسعى للتأثير فيه؛ فهو عبر امتداده في مجتمعات متعددة، يحاول التعبير عن أصوات الفئات الأكثر تهميشًا وهشاشة، وصون الكرامة الإنسانية، والحفاظ على مساحات المشاركة، ومساءلة مراكز القوة، خاصةً في لحظاتٍ تتراجع فيها فعالية الأُطر الدولية أو تفقد قدرتها على الاستجابة. وفي مثل هذه السياقات، لا يقتصر دور المجتمع المدني على التفاعل مع الأزمات، بل يمتد أثره ليدعم مسارات العدالة ويُسهم في استقرار المجتمعات.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية قراءة التقارير الدولية التي ترصد حركة المجتمع المدني؛ نظرًا لما توفّره من قراءة تحليلية مفصلة، قائمة على الأدلة لواقع هذا الفضاء واتجاهاته والتحديات التي يواجهها، فضلًا عن إبراز أنماط الاستجابة والمقاومة التي تتشكّل في مثل هذه الظروف التي تنشط بها، كما تسهم هذه التقارير في فهم التباينات الإقليمية، بما في ذلك خصوصية السياق الإفريقي؛ حيث تتقاطع التحديات التنموية والسياسية مع ديناميات المجتمع المدني بشكل متداخل ومعقد.
ومن بين هذه التقارير، يأتي تقرير “حالة المجتمع المدني 2026م” 2026 State of Civil Society Report كأحد الإصدارات الهامة التي تُقدّم رصدًا مفصلاً للتحولات العالمية المؤثرة في المجتمع المدني، مع التركيز على تفاعله مع السلطة، وأشكال التقييد التي يتعرض لها، ومسارات الفعل والمقاومة خلال ذلك، بما يجعله مدخلًا ضروريًّا لفهم موقع المجتمع المدني -سواء على المستوى العالمي أو الإفريقي بشكل أكثر خصوصية-، في عالَم يشهد تحولات متسارعة.
من هذا المنطلق، يحاول هذا المقال تقديم قراءة لتقرير حالة المجتمع المدني 2026م، بالتركيز على إفريقيا جنوب الصحراء، وذلك وفقًا للمحاور الرئيسة التالية:
أولاً: تقرير حالة المجتمع المدني 2026م.. الخلفية وأدوات الرصد والبنية.
ثانيًا: المشهد العالمي للمجتمع المدني 2026م.. اتجاهات وتحدّيات راهنة.
ثالثًا: إفريقيا جنوب الصحراء وفقًا لتقرير حالة المجتمع المدني 2026م.
خاتمة.
أولاً: تقرير حالة المجتمع المدني 2026م.. الخلفية وأدوات الرصد والبنية
يصدر تقرير “حالة المجتمع المدني لعام 2026” بشكل سنوي عن التحالف العالمي للمجتمع المدني Global Civil Society Alliance “CIVICUS” ، ويستعرض تقرير هذا العام (2026م)، في نسخته الـ15 تطورات عام 2025م وبدايات عام 2026م، بهدف رصد اتجاهات عمل المجتمع المدني على مختلف المستويات وفي شتى المجالات، بدءًا من الاستجابة للصراعات والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة المناخية، وصولًا إلى المطالبة بتعزيز الحوكمة العالمية.
ويستند التقرير إلى أصوات فاعلي وناشطي المجتمع المدني المتأثرين بالقضايا والتحديات الراهنة والمتفاعلين معها، ويعكس التقرير أكثر من 250 مقابلة أجراها و100 مقال نشرها التحالف العالمي للمجتمع المدني، تغطي نحو 100 دولة وإقليم.
أما حول بنية التقرير؛ فيتناول مجموعة من القضايا التي تعكس أبرز التحديات المؤثرة في عمل المجتمع المدني، على مستوى الدول والأقاليم التي ينشط خلالها؛ إذ يبدأ بالديمقراطية باعتبارها طموحًا مستمرًّا في ظل تحديات أخرى متصاعدة، ثم ينتقل إلى التكنولوجيا وما يرتبط بها من إشكاليات تتعلق بإمكانية توظيفها للمناورة والالتفاف على آليات الرقابة التقليدية، كما يناقش الحوكمة العالمية في سياق تصاعد سياسات القوة وتأثيرها على قواعد النظام الدولي، ويعرض قضايا الصراعات من خلال التركيز على تنامي مسألة الإفلات من العقاب في بؤر النزاع، ويتطرّق كذلك إلى التغيُّر المناخي عبر إبراز التفاعل بين مؤشرات تدهوره وإمكانات المواجهة، إلى جانب الهجرة وما تشهده من تشدُّد في السياسات، ويختتم باحتجاجات جيل زد، مُسلِّطًا الضوء على صعود أنماط جديدة من الفعل والاحتجاج المدني.
ثانيًا: المشهد العالمي للمجتمع المدني 2026م.. اتجاهات وتحدّيات راهنة
يعكس تقرير حالة المجتمع المدني العالمي 2026م صورة مركّبة تجمع بين اتساع الأدوار وتزايد الضغوط أمام منظمات المجتمع المدني؛ حيث يورد أمثلة واضحة على انخراط المنظمات في الاستجابة لأزمات متعددة؛ ففي سياق الصراعات المسلحة، يشير إلى دور منظمات محليّة تابعة للمجتمع المدني في السودان وأوكرانيا، ساعدت في تقديم المساعدات الإنسانية والوصول إلى مجتمعات يصعب على الجهات الرسمية بلوغها، بينما في قضايا المناخ، يبرز دور منظمات المجتمع المدني الناشطة في قضايا البيئة والمطالبة بالعدالة المناخية، وممارساتها المتمثلة في الضغط على الحكومات لتبنّي سياسات بيئية أكثر التزامًا. كما يوضح كيف لعبت منظمات المجتمع المدني في دول مثل البرازيل والهند دورًا مهمًّا في مراقبة السياسات البيئية والصحية خلال الأزمات، وهو ما يعكس اتساع نطاق تأثيرها رغم محدودية الموارد، ويعزز فكرة أن المجتمع المدني تخطّى كونه فاعلًا هامشيًّا ليصبح شريكًا أساسيًّا في إدارة الأزمات العالمية.
في المقابل، يقدم التقرير أمثلة ملموسة على تقلّص الحيّز المتاح أمام منظمات المجتمع المدني حول العالم؛ مسلطًا الضوء على قوانين تقييد التمويل الأجنبي في دول مثل نيكاراجوا وروسيا، والتي أدَّت إلى إغلاق مئات المنظمات أو تقليص نشاطها، كما يشير إلى استخدام قوانين مكافحة الإرهاب في بعض الدول الإفريقية والآسيوية لتقييد عمل النشطاء، مثل إثيوبيا والفلبين؛ حيث تعرَّض المدافعون عن حقوق الإنسان للملاحقة، ولا يقتصر الأمر على هذه السياقات؛ إذ امتدت القيود إلى بعض الديمقراطيات الغربية عبر تشديد قوانين التظاهر كما في المملكة المتحدة وفرنسا، ما يعكس اتجاهًا عالميًّا نحو إعادة ضبط المجال العام بشكل أكثر تقييدًا.
وعلى مستوى التحولات التي شهدها المجال العام، يربط التقرير بين صعود الحركات الشبابية -خاصة تلك التي يقودها جيل “زد”-، وبين التوسع في استخدام الأدوات الرقمية، باعتبارهما وجهين لظاهرة واحدة تُعيد تشكيل العمل المدني؛ فهذه الحركات استطاعت أن تفعل الكثير بالقليل، عبر تبنّي أنماط جماعية ولا مركزية، وآليات اتخاذ قرار أكثر ديمقراطية، مع توظيف ذكي لوسائل التواصل الاجتماعي وخطابات إبداعية قريبة من الجمهور، ما منحها قدرة عالية على الحشد السريع والتأثير العابر للحدود، ويتجلى ذلك في استخدام المنصات الرقمية لتنظيم الاحتجاجات كما في إيران وميانمار، أو في بناء شبكات تضامن دولية حول قضايا المناخ والهجرة. لكن التقرير يلفت في الوقت نفسه إلى أن هذه البيئة الرقمية تحمل مخاطر موازية؛ حيث تُستخدم نفس التقنيات في المراقبة الواسعة للنشطاء وإدارة سياسات الترحيل، إلى جانب تحديات مثل قطع الإنترنت وانتشار المعلومات المضللة، ما يعكس ترابطًا عميقًا بين الأدوات والتهديدات، وكذلك بين اتساع دور المجتمع المدني في جانب، وانكماش المساحة المتاحة أمامه من جانب آخر، كما نوضح في الشكل رقم (1) أدناه:
شكل رقم (1)
المجتمع المدني بين انكماش الحيّز واتساع الأدوار

المصدر: استنادًا إلى تقرير حالة المجتمع المدني 2026م، في نسخته الإنجليزية، مارس 2026م.
وفي قراءته المستقبلية، يربط التقرير بين هذه التحولات وبين أزمة تمويل متفاقمة؛ حيث يتراجع الدعم الحكومي والخيري بالتوازي مع تزايد القيود، ما يدفع بعض المنظمات إلى تبنّي إستراتيجيات أكثر حذرًا، مثل تقليص حضور خطاب حقوق الإنسان في اتصالاتها وسجلاتها، خشية فقدان التمويل أو التعرُّض للهجوم، غير أن التقرير يرى في هذا التوجُّه مسارًا عكسيًّا؛ لأنه يُقوِّض ثقة المجتمعات ويمنح خصوم المجتمع المدني مكاسب دون مواجهة، لذلك يشدّد على ضرورة الحفاظ على استقلاليته، وعدم ترك تحديد الأولويات للمانحين أو الحكومات، مع الاستمرار في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، مؤكدًا على أن قدرة المجتمع المدني على البقاء والتأثير ستعتمد على مدى نجاحه في الجمع بين الابتكار التنظيمي والرقمي، وبناء تحالفات عابرة للقضايا والحدود، دون التفريط في قِيَمه الأساسية.
ثالثًا: إفريقيا جنوب الصحراء في ضوء تقرير حالة المجتمع المدني 2026م
يصعب فهم واقع المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء بمعزل عن التحوُّلات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشهدها القارة؛ إذ يتحرَّك هذا الفاعل داخل سياق تتزايد فيه القيود وتتنوع فيه أنماط الضغط، بما يؤثر على مجالات عمله وحدود تأثيره. ومن هذا المنطلق، يهدف هذا المحور إلى تتبُّع حالة المجتمع المدني في المنطقة، من خلال رَصْد طبيعة تفاعله مع السلطة، وأنماط التقييد التي يواجهها، إلى جانب استكشاف آليات التكيُّف التي يعتمدها، وصولًا إلى فَهْم ديناميات استمراره وفاعليته في بيئة تتَّسم بارتفاع المخاطر وتراجع ضمانات العمل المدني.
1-تحولات السلطة وتآكل أدوار المجتمع المدني:
شهدت إفريقيا جنوب الصحراء في الفترة الأخيرة نمطًا متكررًا من الانتخابات التي تُحسَم نتائجها عمليًّا قبل بَدْء التصويت، وهو ما لم ينعكس فقط على شكل العملية السياسية، بل امتد تأثيره مباشرة إلى أوضاع المجتمع المدني ومساحاته. فمع تحوّل الانتخابات من آلية للتداول السلمي للسلطة إلى أداة لإعادة إنتاجها، تتقلص بطبيعة الحال أدوار الفاعلين المدنيين؛ إذ تعتمد الأنظمة السلطوية على إقصاء قوى المعارضة القادرة على المنافسة عبر الحظر القانوني أو السجن أو النفي، بالتوازي مع إحكام السيطرة على الهيئات الانتخابية والمؤسسات القضائية، بما يُفرّغ العملية السياسية من مضمونها، ويغلق القنوات التي يعمل من خلالها المجتمع المدني عادةً للتأثير والمساءلة.
وتعكس هذه الانتخابات خللًا واضحًا لا يقتصر على النتائج، بل يمتد إلى البيئة العامة التي يتحرك فيها المجتمع المدني؛ إذ تتراجع الرقابة المستقلة على عمليات الفرز، وتتصاعد الاتهامات بتزوير النتائج، وتُواجَه الاحتجاجات الشعبية -التي غالبًا ما تشارك فيها منظمات المجتمع المدني أو تدعمها- بقمع عنيف. وفي ظل مواقف دولية باهتة لا ترقى إلى مستوى المُساءَلة، يتقلص الهامش المتاح أمام هذه المنظمات، سواء في العمل الميداني أو في المناصرة، ما يدفع كثيرًا منها إلى العمل في بيئات عالية المخاطر أو الانكفاء التدريجي.
وقد تجلّى هذا التأثير بوضوح في عددٍ من الحالات الإفريقية؛ ففي الجابون، أدّى تركّز السلطة في يد القيادة العسكرية بعد انتخابات ذات نتائج شبه محسومة إلى تضييق المجال العام، بما في ذلك تقييد أنشطة الفاعلين المدنيين، وفي غينيا، رافق انتقال قائد الانقلاب “مامادي دومبويا” إلى رئيس منتخب عبر انتخابات مُقيَّدة بحملات قمع واعتقالات، طالت ليس فقط المعارضين السياسيين، بل امتدت أيضًا إلى نشطاء المجتمع المدني، خاصةً في سياق الاحتجاجات على تأجيل العملية الانتخابية والتعديلات الدستورية.
وفي سياقات أخرى مثل الكاميرون وكوت ديفوار وتنزانيا وأوغندا، أدى تكرار نمط الانتخابات غير التنافسية إلى إضعاف تدريجي لدور المجتمع المدني؛ فمع إقصاء المعارضة وتقييد التظاهر واعتقال النشطاء وفرض قيود على الإنترنت، تفقد المنظمات المدنية أدواتها الأساسية، سواء في التعبئة أو الرصد أو التأثير في الرأي العام، وهنا لا يعود التحدي فقط في غياب انتخابات نزيهة، بل في تآكل البنية التي يستند إليها العمل المدني ذاته.
ويتعمق هذا الاتجاه مع تحولات أوسع في بنية السلطة داخل القارة؛ حيث اتجهت بعض الأنظمة إلى تقليص ارتباطها بآليات المساءلة الإقليمية والدولية، كما في انسحاب بوركينا فاسو ومالي والنيجر من “إيكواس” والمحكمة الجنائية الدولية وتشكيلها “تحالف دول الساحل”. ولا يُعيد هذا الانسحاب تشكيل التوازنات السياسية فحسب، بل يضعف كذلك الأُطُر التي يمكن أن يلجأ إليها المجتمع المدني للحصول على الدعم أو الحماية. وبالتوازي، تتصاعد ممارسات التضييق، مثل الاعتقالات التعسفية وحالات الاختفاء القسري، إلى جانب توظيف الدعاية من خلال المنصات الرقمية لتقويض مصداقية الفاعلين المدنيين والترويج لشرعية السلطة.
ومن زاوية أخرى، تفرض مسألة الفجوة بين الأجيال بُعدًا إضافيًّا على وضع المجتمع المدني؛ فمع هيمنة قيادات سياسية متقدمة في السن على الحكم، مقابل مجتمعات شابَّة واسعة، يصبح المجتمع المدني -وخاصة المبادرات الشبابية-، ساحة أساسية للتعبير عن الاحتقان السياسي، غير أن تضييق المجال العام يَحُدّ من قدرة هذه الفئات على التنظيم والتأثير، ما يزيد من احتمالات انتقال الاحتجاج من الأُطُر المنظمة إلى أشكال أكثر عفوية وأقل قابلية للضبط.
في ضوء ذلك، يتضح أن تحولات السلطة في إفريقيا جنوب الصحراء لا تقتصر على إعادة تشكيل العملية السياسية، بل تمتد لتطال بنية المجال المدني ذاته، عبر تداخل عوامل متعددة تشمل تصاعد النزعات السلطوية، وتراجع المساءلة، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، ولتوضيح هذه الديناميات المُركّبة بشكل أكثر تكثيفًا، يبرز الشكل التالي أبرز ملامح هذا الواقع؛ من خلال تسليط الضوء على تراجع المساءلة، وصعود الأجيال الشابَّة في مقابل نُظُم سياسية جامدة، إلى جانب تنامي الضغوط على حقوق الإنسان، بما يعكس طبيعة المشهد المُعقّد الذي يتحرَّك في إطاره المجتمع المدني داخل القارة.
شكل رقم (2)
تحولات السلطة وضغوط المجال المدني في إفريقيا جنوب الصحراء

المصدر: استنادًا إلى تقرير حالة المجتمع المدني 2026م، في نسخته الإنجليزية، مارس 2026م.
2-التضييق القانوني على منظمات المجتمع المدني:
لم يَعُد استهداف المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء يقتصر على الأدوات الأمنية المباشرة، بل أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو استخدام القانون ذاته كآلية للضبط والسيطرة؛ فالدول على اختلاف أنظمتها، باتت توظّف الأُطُر القانونية بما يمنح ممارساتها طابعًا من “الشرعية الشكلية”، بينما تُفرّغ في الواقع الفضاء المدني من قدرته على المساءلة والتأثير. من أبرز هذه الأدوات ما يُعرَف بقوانين “الوكلاء الأجانب”، التي تُلزم المنظمات المدنية ووسائل الإعلام التي تتلقَّى تمويلًا خارجيًّا بالتسجيل تحت هذا التصنيف، ورغم تقديم هذه القوانين باعتبارها إجراءات للشفافية، فإنها تحمل دلالات ضمنية تمسّ بالولاء الوطني، وتُستخدَم وسيلةً لوَصْم الفاعلين المدنيين وتقويض مصداقيتهم أمام الرأي العام، بما يَحُدّ من قدرتهم على العمل بحرية.
وفي سياق إفريقيا جنوب الصحراء، تتقاطع هذه النزعة مع أنماط أوسع من التشريعات التقييدية؛ فقد شهدت دول مثل إثيوبيا وزامبيا وزيمبابوي تبنّي أو تطوير قوانين خاصة بالمنظمات غير الحكومية، تقوم على فرض تسجيل إلزامي، وتوسيع نطاق الرقابة الحكومية على الأنشطة والتمويل، ومنح السلطات صلاحيات واسعة لتعليق عمل المنظمات أو حلّها استنادًا إلى مبررات فضفاضة تتعلق بالأمن أو المصلحة العامة.
ولا تقف هذه الإجراءات عند حدود التنظيم الإداري، بل تمتد لتشمل تقييد الحق في الاحتجاج والتعبير، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على قدرة المجتمع المدني على الحشد والتأثير. فمع تضييق مساحات التظاهر، وتزايد القيود على العمل الميداني، تتآكل تدريجيًّا الأدوات الأساسية التي يعتمد عليها الفاعلون المدنيون في مراقبة الانتخابات، وتوثيق الانتهاكات، والضغط من أجل المساءلة، كما أن هذه التشريعات غالبًا ما تأتي ضمن نمط متكرر: وَصْم المنظمات، إثقالها بأعباء بيروقراطية ومالية، توسيع سلطات الأجهزة التنفيذية في الرقابة، وفتح المجال أمام تدخلات سياسية مباشرة في عملها، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل المجال المدني ليصبح أكثر خضوعًا وأقل استقلالية.
وفي ظل هذه التحولات، تتزايد الدعوات داخل الأوساط المدنية لتعزيز آليات الحماية الدولية، خاصةً في ظل غياب إطار أممي شامل يراقب وضع الحريات الديمقراطية بشكل منهجي، فبينما توجد آليات متخصصة لرصد حقوق بعينها، لا يزال الفضاء الديمقراطي ككل -بما يشمله من حرية التنظيم والتعبير والمشاركة- يفتقر إلى آلية رقابية دولية متماسكة.
3-الفضاء الرقمي بين الضبط من قِبَل السلطة ومقاومة المجتمع المدني:
في الوقت الذي يتسع فيه حضور المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء وتتزايد أدواره في التعبئة والرقابة؛ تتَّجه الدول، ومعها الشركات التكنولوجية، إلى إعادة تشكيل الفضاء الرقمي بوصفه أداة للضبط والسيطرة بدل كونه مجالًا عامًّا مفتوحًا؛ حيث لم تَعُد وسائل التواصل مجرد منصات للتعبير، بل أصبحت بيئة تحكمها سياسات غير شفافة تُضعف وصول أصوات النشطاء وتَحُدّ من انتشار محتواهم، في مقابل اتساع نطاق المحتوى المضلل وخطاب الكراهية، وهو ما يدفع بعض الحكومات إلى اتخاذ إجراءات مباشرة مثل قطع الإنترنت أو تقييد الوصول إلى المنصات خلال الفترات السياسية الحساسة، لا سيما في أثناء الانتخابات، كما حدث في الكاميرون وتنزانيا وأوغندا، في محاولة واضحة للسيطرة على تدفق المعلومات ومنع تشكل ضغط شعبي مُنظّم يمكن أن يُهدّد توازنات السلطة القائمة.
ولا يقتصر هذا المسار على الحجب التقني، بل يمتدّ إلى توظيف الأُطُر القانونية لتجريم التعبير عبر الإنترنت؛ إذ تُستخدَم تشريعات الجرائم الإلكترونية بصياغات فضفاضة تسمح بملاحقة النشطاء والصحفيين والمعارضين تحت مبررات عامة مثل الإضرار بصورة الدولة أو تقويض الاستقرار، وهو ما يظهر بوضوح في حالة مالي؛ حيث تُسخَّر هذه القوانين لاستهداف الأصوات المنتقدة، بينما يكشف مقتل أحد النشطاء في كينيا في أثناء احتجازه بعد اعتقاله بسبب منشورات ناقدة عن تداخل القمع الرقمي مع العنف المادي، بما يعكس تحول الفضاء الرقمي من مساحة للتعبير إلى مدخل مباشر للملاحقة والانتهاك.
ويأخذ هذا القمع بُعدًا أكثر تعقيدًا مع تصاعد استخدام تقنيات المراقبة الرقمية؛ حيث تسهم بعض الشركات التكنولوجية في تمكين الحكومات من تتبُّع النشطاء والمنظمات المدنية عبر أدوات متقدمة، من بينها برامج التجسس التي استُخدمت في توغو لاستهداف الصحفيين، وهو ما يشير إلى انتقال المراقبة من صورتها التقليدية إلى نمط أكثر عمقًا ودقة يسمح برصد الاتصالات والبيانات الشخصية بشكل مستمر، الأمر الذي يُقوِّض الإحساس بالأمان الرقمي، ويَحُدّ من قدرة الفاعلين المدنيين على التنظيم والتواصل.
وفي موازاة ذلك، لا تقف شركات التكنولوجيا على مسافة محايدة؛ إذ غالبًا ما تمتثل لطلبات الحكومات بحذف محتوى أو تسليم بيانات المستخدمين، ما يُضْعِف من استقلالية الفضاء الرقمي، ويجعل المجتمع المدني أكثر عُرضة للضغط، وفي ظل هذا الاختلال، يزداد انتشار المعلومات المضللة التي تجد في طبيعة المنصات بيئة ملائمة للانتشار، خاصةً أن الخوارزميات تميل إلى إبراز المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة، وهو ما أتاح لبعض القادة السياسيين بناء حضور جماهيري واسع عبر خطاب مُبسَّط ومباشر، كما في حالة إبراهيم تراوري في بوركينا فاسو؛ حيث أسهمت السرديات الرقمية الموجَّهة في تعزيز صورته وتقليل حدة الانتقادات المرتبطة بالأوضاع الحقوقية داخل البلاد.
وفيما يتعلق بكون الفضاء الرقمي سلاحًا ذا حدَّيْن؛ إذ يوفّر فرصًا واسعة للمجتمع ككل من جهة، ويُنتج في الوقت ذاته مخاطر متعددة من جهة أخرى؛ فإن الشكل التالي يوضح هذه الثنائية على النحو الآتي:
شكل رقم (3)
ثنائية الفضاء الرقمي.. بين التمكين والمخاطر

المصدر: استنادًا إلى تقرير حالة المجتمع المدني 2026م، في نسخته الإنجليزية، مارس 2026م.
وبهذا، يجد المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء نفسه في مواجهة مركبة تتداخل فيها القيود القانونية مع الضغوط الأمنية والمراقبة الرقمية والبيئة المعلوماتية غير المتوازنة، بما يجعل الفضاء الرقمي ساحة صراع حقيقية على المعنى والشرعية، ورغم ذلك يظل هذا الفضاء، على محدوديته، أحد الأدوات القليلة المتاحة للفاعلين المدنيين لمواصلة التعبير والتنظيم والسعي إلى الحفاظ على الحد الأدنى من الحضور والتأثير.
4-الإفلات من العقاب وتآكل الحيّز المدني:
في سياق تزايد الاضطراب داخل بعض مناطق القارة الإفريقية -ولا سيما إفريقيا جنوب الصحراء-؛ بات المدنيون، بما في ذلك نشطاء المجتمع المدني والعاملون في المجال الإنساني والصحفيين، أهدافًا مباشرة في الصراعات المسلحة، وهو ما يعكس تآكلًا أوسع في قواعد القانون الدولي الإنساني، مدفوعًا ببروز مسـألة الإفلات من العقاب. ويتجلّى هذا النمط بوضوح في الحالة السودانية؛ حيث تورطت ميليشيات مسلحة في أعمال تطهير عرقي بدعم خارجي، في ظل غياب مُساءَلة فعّالة، ما يعكس بيئة إقليمية ودولية تسمح باستمرار الانتهاكات دون ردع حقيقي.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على إفريقيا وحدها، لكنها تنعكس عليها بشكل خاص؛ حيث تسهم في إضعاف فرص بناء السلام المستدام؛ لا سيما وأن الاتفاقيات المعاصرة للسلام غالبًا ما تأتي سطحية، تُركّز على وقف مؤقت لإطلاق النار دون معالجة الجذور الهيكلية للصراعات أو محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وهو ما يترك المجال مفتوحًا أمام تجدد الصراعات، خاصةً في بؤر مشتعلة مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما يتقاطع ذلك مع تزايد التنافس الدولي على الموارد والنفوذ داخل القارة، بما يطغى في كثير من الأحيان على أولويات الاستقرار والعدالة.
وتزداد خطورة المشهد مع احتمال تهميش بعض النزاعات الإفريقية في ظل تركّز الاهتمام الدولي على أزمات أخرى، رغم فداحتها؛ ففي السودان، قُتل ما يُقدَّر بين 150 ألفًا و250 ألف شخص منذ أبريل 2023م، نتيجة القتال بين القوات الحكومية وميليشيات مسلحة مدعومة خارجيًّا، كما أُجبر نحو 15 مليون شخص على النزوح، في واحدة من أكبر أزمات النزوح عالميًّا، لكنّها لا تحظى باهتمام دولي مستدام، وما من شك في أن هذا التفاوت في الاهتمام يُعمِّق من معاناة الضحايا، ويَحُدّ من فرص التدخل الفعّال أو الضغط من أجل تسويات عادلة.
في هذا السياق، يتحمل المجتمع المدني الإفريقي عبئًا مضاعفًا؛ فبالرغم من كونه هدفًا مباشرًا للعنف والتضييق، يواصل لعب دور حيوي في إطلاق التحذيرات، وكشف الانتهاكات، وتقديم المساعدات الإنسانية على المستوى المحلي، فضلًا عن الضغط من أجل تحقيق سلام حقيقي قائم على حماية الحقوق وتحقيق العدالة. غير أن هذه الأدوار تُمارس في بيئة شديدة الهشاشة، وتقلص الفضاء المدني، وتراجع مصادر التمويل، فضلًا عن تصاعد تأثيرات توازنات القوى الدولية على مآلات الصراعات المختلفة، وبذلك، يجد المجتمع المدني نفسه في مواجهة معادلة معقدة تتمثل في الحاجة الملحّة للتدخل والعمل في أكثر البيئات خطورة، مقابل تآكل الأدوات والموارد والمساحات المتاحة له، وهو ما يُهدّد قدرته على الاستمرار والفاعلية، ويضع مستقبل أدواره في قلب التحديات التي تُواجه القارة الإفريقية في زمن النزاعات الممتدة.
5-العمل المناخي تحت ضغط القيود على المجتمع المدني:
في إفريقيا؛ حيث يتقاطع تسارع التداعيات المناخية غير المتوقفة مع بيئات سياسية ضاغطة ومعقدة، تتضاعف التحديات التي تواجه المجتمع المدني وتَحُدّ من قدرته على الاستجابة الفعّالة، وفي هذا السياق، لا تقتصر أشكال الضغط على القمع المباشر فحسب، بل تمتد لتشمل دفع منظمات المجتمع المدني إلى التكيُّف مع بيئات عمل عدائية تُثقل كاهلها بمتطلبات دفاعية متزايدة؛ إذ تضطر هذه المنظمات إلى تخصيص جزء كبير من وقتها ومواردها لإجراءات الحماية القانونية وتأمين العاملين وإدارة المخاطر، وهو ما يُؤدّي عمليًّا إلى تراجعها عن دورها الأساسي المتمثل في ممارسة الضغط على الحكومات والشركات من أجل خفض الانبعاثات وتعزيز تمويل التحول المناخي. وفي قارة تُعدّ بعض مناطقها من الأكثر هشاشة أمام تداعيات التغير المناخي، تتضاعف تكلفة هذا التحوُّل في الأولويات بما ينعكس سلبًا على فاعلية الاستجابة المناخية الشاملة.
وتتجلى هذه التحديات بوضوح في حالات بعينها يُوردها التقرير؛ ففي أوغندا على سبيل المثال اعتقلت السلطات 11 ناشطًا على خلفية احتجاجهم ضد مشروع خط أنابيب النفط الخام لشرق إفريقيا، وهو ما يعكس نمطًا أوسع من استهداف النشطاء البيئيين، وتُظهر هذه الحالة وغيرها، كيف يمكن لمثل هذه المشروعات أن ترتبط بتضييق المجال المدني، بما يُقوِّض فرص النقاش العام والمساءلة حول آثارها البيئية والاجتماعية.
وبذلك، لا يؤدي تقييد المجتمع المدني في إفريقيا إلى إضعاف الفاعلين المعنيين بالعمل المناخي فحسب، بل يُسهم أيضًا في إبطاء الاستجابة للأزمة نفسها، فكلما تقلّصت قدرة المجتمع المدني على العمل بحرية، تراجعت الضغوط اللازمة لدفع سياسات مناخية جادة، ما يجعل آثار التغير المناخي أكثر حدة واتساعًا، ومِن ثَم، يصبح ضمان حق المجتمع المدني في العمل والمساءلة شرطًا أساسيًّا لمواجهة التحديات المناخية في القارة.
6-المجتمع المدني وجيل «زد».. معادلة الدعم دون وصاية:
رغم الزخم الذي يقوده الشباب في إفريقيا جنوب الصحراء، فإن السياق القريب يفرض قدرًا من الحذر. ففي كينيا عام 2024م، اندلعت احتجاجات واسعة قادها جيل «زد» على خلفية زيادة ضريبية، لكنها سرعان ما قُوبِلَتْ بعُنْف مميت عندما توسَّعت مطالب المحتجين لتشمل إصلاحات سياسية أعمق. ولم تكن هذه الحالة استثناءً؛ إذ امتدت موجات مشابهة إلى غانا ونيجيريا وأوغندا؛ حيث واجهت الاحتجاجات القمع ذاته، كما تكرر الأمر في كينيا عام 2025م خلال تحركات شبابية ضد عنف الشرطة. ويعكس ذلك أن كلفة الاحتجاج في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء تظل مرتفعة، بما يجعل الاستمرار في الحراك محفوفًا بالمخاطر.
ولا يقتصر غضب الشباب على الدول سالفة البيان فحسب؛ بل يتنامى في سياقات أوسع داخل القارة؛ حيث تتفاقم الأزمات الاقتصادية وتتراجع قدرة النُّظُم السياسية على الاستجابة. ومع ذلك، فإن هذا الغضب لا يتحول تلقائيًّا إلى مطالب إصلاحية واضحة أو مسارات تغيير مستقرة، بل يظل في كثير من الأحيان تعبيرًا عن رفض عام للأوضاع القائمة، دون تبلور بدائل متماسكة.
وتبرز هنا تحديات إضافية أمام الحركات الشبابية في إفريقيا جنوب الصحراء، خاصة حين تنجح في تحقيق اختراقات أولية، فالحفاظ على الزخم يصبح أكثر صعوبة مع دخول فاعلين سياسيين آخرين إلى المشهد، وتزايد التنافس على السلطة، كما أن التغيير العميق لا يتحقق سريعًا؛ إذ كثيرًا ما تستمر القوانين المُقيّدة والأزمات الاقتصادية حتى بعد تراجع بعض النخب الحاكمة، ما يَحُدّ من مكاسب الحراك على المدى القصير.
ومع ذلك، يظل الغضب الكامن لدى الشباب في القارة مرشحًا للاستمرار، في ظل التركيبة السكانية التي يغلب عليها الطابع الشبابي، ومع تفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية على نحو متواصل، فكلما عجزت الحكومات عن الاستجابة لهذه الضغوط المتراكمة، ارتفعت احتمالات تجدد موجات الاحتجاج واتساع نطاقها. وفي هذا السياق، يجد المجتمع المدني التقليدي في إفريقيا جنوب الصحراء نفسه أمام معضلة دقيقة، تتمثل في كيفية دعم أشكال المقاومة التي يقودها جيل «زد»، مع الحفاظ في الوقت ذاته على استقلاليتها وحقها في التنظيم الذاتي، دون السعي إلى احتوائها أو فرض وصاية عليها. أما الحكومات، فإن المسار الأكثر استدامة وفعالية يتمثل في الإصغاء الجاد لمطالب الشباب، والانخراط في حوار حقيقي معهم، والالتزام بإصلاحات ملموسة، وفي مقدمتها احترام الحق في التظاهر، بدلًا من اللجوء إلى مقاربة أمنية تقوم على مواجهة الاحتجاجات بالعنف.
واستنادًا لما وَرد في المحور أعلاه، يبرز الشكل رقم (4) المحاور الرئيسة التي تُشكّل واقع المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء، كما يلي:
شكل رقم (4)
محددات بيئة عمل المجتمع المدني في إفريقيا جنوب الصحراء

المصدر: استنادًا إلى تقرير حالة المجتمع المدني 2026م، في نسخته الإنجليزية، مارس 2026م.
خاتمة:
في الختام، تُظهر قراءة تقرير حالة المجتمع المدني لعام 2026م أن المجتمع المدني، على المستويين العالمي والإفريقي، يتحرك داخل بيئة مركبة تتسم بازدواجية واضحة؛ فهو من ناحية يضطلع بأدوار متزايدة في إدارة الأزمات والاستجابة لها، ومن ناحية أخرى يواجه تضييقًا لا يمكن إغفاله في المساحات المتاحة له، سواء عبر القيود السياسية أو القانونية أو الرقمية، ويجعل هذا التداخل قدرته على العمل والتأثير مرهونة بسياقات معقدة ومتغيرة باستمرار، لا ترتبط فقط بفاعليته وقدراته الذاتية، بل أيضًا بطبيعة البيئة التي يعمل في إطارها.
وفي هذا السياق، تكشف حالة إفريقيا جنوب الصحراء عن تجسيد أكثر حدة لهذه المفارقة؛ إذ يتقلص الحيز المدني تحت وطأة تحولات السلطة وتنامي أدوات الضبط، في الوقت الذي تفتح فيه التحولات الرقمية وصعود الفاعلين الشباب مساحات جديدة للتعبير والتنظيم. ومِن ثَم، فإن مستقبل المجتمع المدني في هذه المنطقة لا يتحدّد فقط بقدرته على التكيُّف وتطوير أدواته، بل يتوقف كذلك على اتجاهات الدولة في إدارة المجال العام؛ فكلما اتجهت السياسات العامة نحو الانفتاح وتعزيز الحوار واحترام الحقوق، تزايدت فرص بناء مجتمع مدني أكثر فاعلية واستدامة، قادر على الإسهام في إدارة الأزمات وتعزيز الاستقرار، أما استمرار القيود، فلا يُفْضِي فقط إلى إضعافه، بل ينعكس أيضًا على قدرة المجتمعات الإفريقية على مواجهة تحدياتها المتراكمة، بما يحمله ذلك من تداعيات ممتدة على مسارات التنمية والاستقرار على المدى الطويل.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر تقرير حالة المجتمع المدني 2026م:
CIVICUS, “2026 State of Civil Society Report”, (Global Civil Society Alliance “CIVICUS”, Mar 2026), Accessible at: https://shorturl.at/CiZD9
The post قراءة لموقع إفريقيا جنوب الصحراء في ضوء تقرير “حالة المجتمع المدني لعام 2026م” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
برز «البنية التحتية» باعتبارها أحد المفاتيح المحورية لفهم تحديات التنمية في إفريقيا؛ ليس فقط كمشروعات منفصلة في مجالات النقل أو الطاقة أو الاتصالات، ولكن باعتبارها منظومةً مترابطة تربط الموارد بالأسواق والإنتاج بالتجارة.
The post أين تتجه تنمية إفريقيا؟.. قراءة في تقرير “حالة البنية التحتية 2026” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مقدمة:
رغم ما تمتلكه إفريقيا من موارد طبيعية ضخمة وقاعدة رأسمالية متنامية تجاوزت 4 تريليونات دولار، موزعة بين البنوك وصناديق التقاعد والمؤسسات السيادية، فإن ذلك لم ينعكس بالقدر الكافي على مستويات التصنيع أو خلق فرص العمل أو تطوير البنية التحتية القادرة على دفع التحول الاقتصادي وتنمية إفريقيا.
فالمعضلة لا ترتبط بندرة الموارد أو غياب التمويل بقدر ما ترتبط بكيفية توظيف هذه الموارد وربطها ضمن منظومات إنتاجية متكاملة. فلا تزال اقتصاداتٌ إفريقية عديدة تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية، مما يرسّخ أنماطاً من التبعية الاقتصادية ويحدّ من فرص بناء سلاسل قيمة محلية قادرة على توليد النمو والتشغيل.
وفي هذا السياق، تبرز «البنية التحتية» باعتبارها أحد المفاتيح المحورية لفهم تحديات التنمية في إفريقيا؛ ليس فقط كمشروعات منفصلة في مجالات النقل أو الطاقة أو الاتصالات، ولكن باعتبارها منظومةً مترابطة تربط الموارد بالأسواق والإنتاج بالتجارة، فالكثير من الممرات التجارية الإفريقية تعاني من ضعف التكامل بين المواني والطرق والسكك الحديدية والإجراءات الحدودية، بما يقلل من كفاءة حركة السلع والاستثمارات.
كما أن غياب الترابط بين البنية التحتية والقاعدة الصناعية يؤدي إلى استمرار تصدير الموارد الخام دون تحقيق قيمة مضافة محلية.
ومن ثَمّ؛ فإن تطوير البنية التحتية في إفريقيا لم يعد قضية خدمية أو فنية فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرةً بقدرة القارة على تحقيق التصنيع، وتعزيز التكامل الإقليمي، وخلق فرص العمل، والتحول من اقتصاد قائم على الاستخراج إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على الاحتفاظ بالقيمة داخل القارة. ومن هذا المنطلق؛ يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لتقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا 2026م».
في البداية، وفيما يتعلق بجهة إصدار تقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا الصادر عام 2026م، فقد تم إطلاقه من خلال مؤسسة تمويل إفريقيا Africa Finance Corporation، وهي مؤسسة تنموية متعددة الأطراف تنشط على مستوى القارة الإفريقية، تأسست عام 2007م من قِبَل الدول الإفريقية بهدف تقديم حلول عملية لمعالجة فجوة البنية التحتية في إفريقيا والتحديات المرتبطة ببيئة العمل فيها، ويقع مقرها الرئيس في مدينة لاغوس النيجيرية.
أما من حيث بنية التقرير، فيتناول مجموعة من المحاور المرتبطة بمستقبل التنمية الاقتصادية والتحول الهيكلي في القارة الإفريقية، كما يبين شكل رقم (1)، إذ يبدأ بعرض عام يُبرز التحديات التي تواجه القارة، ثم ينتقل إلى محور رأس المال وما يرتبط به من قضايا التمويل وتعبئة الموارد وتعزيز القاعدة الرأسمالية الإفريقية.
كما يناقش قطاع النقل واللوجستيات بوصفه عنصراً أساسياً في دعم التكامل التجاري والإقليمي، من خلال تحليل أوضاع الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية للنقل.
ويخصص التقرير مساحةً لقطاع الطاقة، متناولاً أزمات الإمداد وارتفاع التكلفة والحاجة إلى تطوير شبكات الكهرباء وتحسين كفاءتها، إلى جانب محور الصناعة والقيمة المضافة الذي يركز على تحديات التصنيع وضعف البنية الصناعية وسلاسل القيمة. وفي الأخير، يتناول البنية التحتية الرقمية ودورها في دعم التحول الاقتصادي والإنتاجي وتقليص الفجوة الرقمية داخل القارة.
شكل رقم (1):

Source: Africa Finance Corporation, «State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026», (Lagos: Africa Finance Corporation “AFC”).
ومن حيث أهمية التقرير، فتبرز في كونه يربط بين أزمة التنمية في إفريقيا وبين اختلالات البنية التحتية بمفهومها الواسع، سواءٌ في مجالات النقل والطاقة أو البنية الرقمية والتمويلية، باعتبارها أحد أبرز العوامل المفسرة لضعف التكامل الاقتصادي وتراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع تكلفة التجارة والاستثمار. ومن ثَمّ؛ يُقدّم التقرير رؤيةً تعتبر تطوير البنية التحتية مدخلاً أساسياً لتعزيز النمو الاقتصادي، وتحقيق قدرٍ أكبر من الترابط الإقليمي، ورفع قدرة الاقتصادات الإفريقية على مواجهة الأزمات والصدمات الخارجية.
يشير القسم الأول من تقرير البنية التحتية لإفريقيا 2026م إلى واحدة من أبرز معضلات التنمية في القارة، وهي كيفية توجيه رؤوس الأموال المحلية نحو القطاعات الإنتاجية ومشروعات البنية التحتية. فالقارة تمتلك قاعدة مالية متنامية مدفوعة بتوسع أصول صناديق التقاعد والتأمين والبنوك التنموية والصناديق السيادية، تجاوزت قيمتها تريليونَي دولار، إلا أن جانباً كبيراً من هذه الموارد لا يزال يتركز في أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل منخفضة المخاطر، بدلاً من توظيفه في استثمارات طويلة المدى قادرة على دعم التصنيع وخلق فرص العمل.
ومن ثَمّ؛ يرى التقرير أن المشكلة لا ترتبط بغياب رأس المال أو محدودية الموارد، بقدر ما تعكس ضعف آليات الوساطة المالية وعدم كفاءة توجيه المدخرات نحو مشروعات التنمية والإنتاج.
وفي هذا السياق، تتجه بعض الاقتصادات الإفريقية الكبرى، مثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا وغانا، إلى توسيع الأطر التنظيمية بما يسمح بتوجيه نسبة أكبر من الأصول المحلية نحو مشروعات البنية التحتية والأصول الخاصة، بينما تسعى اقتصاداتٌ أخرى، مثل بوتسوانا وناميبيا، إلى الحد من خروج المدخرات إلى الخارج وتعزيز توظيفها داخل الأسواق المحلية والإقليمية.
إلا أن استمرار ضعف أدوات تقاسم المخاطر والضمانات الائتمانية يحدّ من قدرة هذه الإصلاحات على تحويل المدخرات إلى استثمارات واسعة النطاق، وهو ما يُعزز أهمية مؤسسات التمويل التنموي الإقليمية في تعبئة رؤوس الأموال وربطها بالمشروعات الإنتاجية.
ويتزامن ذلك مع تراجع نسبي في موثوقية التمويل الخارجي، سواءٌ من خلال انخفاض المساعدات التنموية أو صعوبة الوصول المنتظم إلى أسواق السندات الدولية، فضلاً عن محدودية الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنةً بحجم الاحتياجات التنموية للقارة.
وقد دفع هذا الواقع إلى تصاعد الطرح الداعي إلى بناء نموذج تنموي يعتمد بصورة أكبر على تعبئة الموارد المحلية وتعزيز الاقتصاد الرسمي لزيادة المدخرات والاحتياطيات النقدية. ومن ثَمّ؛ بات تطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة الوساطة المالية جزءاً أساسياً من أي مسار يستهدف تحقيق التحول الاقتصادي ورفع القدرة الإنتاجية داخل إفريقيا.
شكل رقم (2):

Source: Africa Finance Corporation, «State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026», Op.Cit.
يشير تقرير البنية التحتية في هذا القسم إلى قطاع النقل واللوجستيات في إفريقيا، موضحاً أنه يشهد تطوراً ملحوظاً على مستوى البنية التحتية الأساسية، مع التوسع في اتفاقيات تطوير المواني وخطوط السكك الحديدية في عدد من الدول الإفريقية، مثل جنوب إفريقيا والسنغال والكاميرون وكينيا والمغرب وتنزانيا. غير أن التحدي الرئيسي لم يعد مقتصراً على إنشاء الأصول المادية ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على العمل ضمن منظومات مترابطة وفعّالة قادرة على تسهيل حركة السلع والتجارة العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إدارة الممرات التجارية والمؤسسات المشرفة عليها، حيث أظهرت بعض تجارب شرق وجنوب إفريقيا أن التنسيق المؤسسي ومتابعة الأداء وإشراك القطاع الخاص يمكن أن يرفع من كفاءة الممرات اللوجستية، في حين لا تزال العديد من ممرات غرب ووسط إفريقيا تعاني من ضعف الحوكمة وتشتت الأولويات واستمرار الاختناقات التشغيلية.
ويكشف تحليل خريطة الممرات التجارية الإفريقية عن استمرار وجود فجوات هيكلية تعيق انسياب التجارة، سواءٌ عبر نقص الربط بين شبكات الطرق والسكك الحديدية أو ضعف البنية التحتية الحدودية ونقاط العبور الموحدة. وتظهر هذه الاختلالات بوضوح في ممرات حيوية مثل لاغوس–أبيدجان، والممر الشمالي، وممر داكار–باماكو، حيث تؤدي مشكلات الربط والنقل إلى رفع تكاليف التجارة وإبطاء حركة الإمداد.
وفي المقابل؛ يبرز قطاع الطيران باعتباره أحد أكثر القطاعات قدرةً على دعم التكامل الإفريقي على المدى القصير، خاصةً في القطاعات ذات الحساسية الزمنية العالية مثل المنتجات الزراعية الطازجة والأدوية والتجارة الإلكترونية، في ظل تنامي الطلب على حلول نقل أسرع وأكثر كفاءة مع توسع التجارة البينية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ورغم الإمكانات الكبيرة لقطاع الطيران؛ فلا تزال السوق الجوية الإفريقية تعاني من القيود التنظيمية وضعف المنافسة وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تمركز حركة النقل والشحن حول عدد محدود من المراكز الإقليمية مثل أديس أبابا ونيروبي وجوهانسبرغ والقاهرة والدار البيضاء.
ومع ذلك، توضح تجارب دول مثل كينيا ورواندا وإثيوبيا كيف يمكن لدمج سياسات تحرير النقل الجوي مع الاستثمار في البنية التحتية والانفتاح الاقتصادي أن يعزز السياحة والتجارة ويوفر فرص عمل واسعة النطاق.
كما تكشف هذه التجارب عن أهمية تطوير أنظمة شحن جوي متكاملة تُقلّل التكاليف وتُحسّن كفاءة الربط داخل القارة، في وقتٍ لا تزال فيه بعض الرحلات بين مدن غرب إفريقيا تمر عبر أوروبا بسبب غياب الربط المباشر، مما يضاعف تكاليف النقل ويطيل زمن الشحن.
جدول رقم (1):
Source: Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026”, Op.Cit.
في هذا القسم، يُبرز تقرير البنية التحتية 2026م أن مسألة الاستقرار الاقتصادي وأمن سلاسل الإمداد، أصبحت من أبرز العوامل الدافعة نحو توسيع التصنيع وتعزيز القيمة المضافة داخل إفريقيا، خاصةً بعد الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
فقد كشفت هذه الأزمات هشاشة الاعتماد الإفريقي على الخارج في عدد من القطاعات الحيوية، إذ لا تزال القارة تستورد معظم احتياجاتها من الوقود المكرر والأسمدة والمواد الغذائية رغم امتلاكها موارد طبيعية وزراعية ضخمة.
ويؤدي هذا الاعتماد إلى زيادة الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع تكاليف الواردات، مما يجعل توسيع القدرات التصنيعية المحلية ضرورة اقتصادية تتجاوز مجرد تحقيق النمو إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من التعرض للصدمات الخارجية.
وفي المقابل؛ بدأت بعض القطاعات الصناعية في تقديم نماذج أكثر نجاحاً في بناء القيمة المضافة داخل القارة، خاصةً في مجالات الأسمنت والأسمدة والتكرير. فقد انتقلت صناعة الأسمنت في عدد من الأسواق الإفريقية من الاعتماد على الواردات إلى تحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء المحلي، مستفيدةً من توافر الطلب والموارد والبنية التحتية الداعمة.
كما برزت شركات كبرى في قطاع الأسمدة والتكرير، مثل المكتب الشريف للفوسفات في المغرب ومصفاة دانغوتي في نيجيريا، كنماذج لمحاولات بناء صناعات قادرة على تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية. وتوضح هذه التجارب أن نجاح التصنيع يرتبط بوجود تكامل بين السياسات الصناعية والبنية التحتية والطاقة والقدرات التمويلية.
ورغم ذلك؛ لا تزال سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن والصناعات الثقيلة تعاني من اختلالات واضحة، حيث تستمر إفريقيا في تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة ذات القيمة الأعلى، مما يحدّ من استفادتها الاقتصادية من مواردها الطبيعية.
وترتبط هذه الفجوة بضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وغياب التكامل الصناعي بين الدول الإفريقية. لذا؛ بات من الضروري الانتقال من المقاربات الوطنية الضيقة إلى بناء منظومات إنتاج إقليمية تربط بين الموارد الطبيعية وشبكات النقل والطاقة والأسواق، بما يسمح بإنشاء سلاسل قيمة أكثر قدرة على المنافسة وتحقيق قيمة مضافة أوسع داخل القارة.
في القسم الأخير، يبين التقرير أن إفريقيا تشهد تحولات اقتصادية متسارعة فرضتها التغيرات في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد مسارات التصنيع التقليدية وحدها قادرةً على استيعاب النمو السكاني أو خلق فرص العمل بالوتيرة المطلوبة، خاصةً مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا وتقليص كثافة العمالة في القطاعات الصناعية.
وفي هذا السياق، تبرز البنية التحتية الرقمية باعتبارها عنصراً أساسياً في دعم التحول الاقتصادي، ليس فقط من خلال توسيع الاتصال بالإنترنت، وإنما عبر دورها في رفع الإنتاجية وتحسين جودة العمل وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية. ومن ثَمّ؛ فقد أصبحت الرقمنة تُمثل جزءاً من إستراتيجية التنمية الاقتصادية أكثر من كونها مجرد قضية تقنية أو خدمية، كما يوضح الشكل التالي.
شكل رقم (3):
Source: Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026”, Op.Cit.
ووفقاً لتقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا 2026م، فقد حققت القارة خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملموساً في توسيع شبكات الألياف الضوئية وزيادة سعات الكابلات البحرية والاستثمار في مراكز البيانات، إلا أن الاستفادة الاقتصادية من هذه البنية لا تزال دون الإمكانات المتاحة، في ظل استمرار فجوة الاستخدام الرقمي وضعف توظيف التكنولوجيا داخل الأنشطة الاقتصادية اليومية.
وتكمن المشكلة الرئيسية في غياب ما يُعرف بـ«الحلقة الوسطى» التي تربط البنية التحتية بالمستخدمين والأنشطة الإنتاجية، وتشمل المنصات الرقمية، والخدمات الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية العامة، والمهارات التقنية، وهو ما يحدّ من قدرة الاتصال الرقمي على التحول إلى قيمة اقتصادية فعلية.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل الدور الكبير الذي تلعبه المشروعات الصغيرة والاقتصاد غير الرسمي داخل الاقتصادات الإفريقية، حيث تستوعب هذه القطاعات نسبةً كبيرة من العمالة لكنها تعاني من انخفاض الإنتاجية وضعف الوصول إلى التمويل والأسواق.
وهنا توفر الأدوات الرقمية، مثل أنظمة الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فرصةً لتعزيز الكفاءة ودمج الأنشطة غير الرسمية داخل الاقتصاد المنظم. لذلك؛ يرتبط نجاح التحول الرقمي في إفريقيا بقدرة الدول على بناء منظومات رقمية متكاملة تجمع بين البنية التحتية والمهارات والمنصات والخدمات، بما يسمح بتحويل الاتصال الرقمي إلى محرك للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين التنافسية على المدى الطويل.
خاتمة:
في ضوء ما سبق، يتضح أن أزمة البنية التحتية في إفريقيا لا ترتبط فقط بمحدودية التمويل أو نقص المشروعات، وإنما تتصل بطبيعة النظم الاقتصادية والهيكلية التي تحكم توظيف الموارد وربطها بالإنتاج والتجارة والتصنيع، فالتقرير يُقدّم تصوراً أشمل للبنية التحتية باعتبارها شبكة مترابطة تضم النقل والطاقة والرقمنة والتمويل، وهي جميعاً عناصر تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الاقتصادات الإفريقية على خلق القيمة المضافة وتحقيق التكامل الإقليمي ورفع مستويات الإنتاجية.
كما يكشف أن امتلاك القارة لرؤوس أموال محلية وموارد طبيعية ضخمة لا يضمن وحده تحقيق التنمية، ما لم تُصاحب ذلك سياساتٌ قادرة على تحويل هذه الموارد إلى استثمارات طويلة الأجل تدعم الصناعة وسلاسل القيمة والبنية التحتية العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة مرهونةً بقدرة الدول الإفريقية على الانتقال من المقاربات القطاعية الضيقة إلى بناء منظومات اقتصادية أكثر ترابطاً، تربط بين المواني والطرق والطاقة والبنية الرقمية والأسواق الإقليمية.
كما أن نجاح القارة في الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على خفض تكاليف النقل والطاقة، وتعزيز التكامل بين الاقتصادات الوطنية، وتطوير البنية التحتية الداعمة للتصنيع والتكنولوجيا. ومن ثَمّ؛ فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإنشاء مزيد من المشروعات، بل ببناء نموذج تنموي أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة داخل القارة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتحويل البنية التحتية إلى أداةٍ إستراتيجية لدعم النمو والاستقرار الاقتصادي في إفريقيا.
ــــــــــــــ
مراجع وإحالات:
– مصدر تقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا» لعام 2026م:
Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026“, (Lagos: Africa Finance Corporation “AFC”), Available at:
https://www.africafc.org/our-impact/our-publications/state-of-africas-infrastructure-report-2026
– للاطلاع على تقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا» لعام 2025م، انظر:
نِهاد محمود، «قراءة في تقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا لعام 2025م: دروس الحاضر ورهانات المُستقبل»، قراءات إفريقية (لندن: مركز أبحاث جنوب الصحراء، أغسطس 2025)، متاح على الرابط
The post أين تتجه تنمية إفريقيا؟.. قراءة في تقرير “حالة البنية التحتية 2026” ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
يقدم المقال قراءة في أبرز ما ورد في مؤشر حرية الصحافة 2026م الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، والوقوف على موقع إفريقيا جنوب الصحراء منه.
The post مؤشر حرية الصحافة 2026: أين تقف إفريقيا جنوب الصحراء؟ ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>لم تَعُد حرية الصحافة تُقاس فقط بمدى وجود نصوص قانونية تكفلها، بل باتت تعكس بصورة أعمق طبيعة البيئة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعمل في إطارها الإعلام بشكل أكثر عمومية، كما ترتبط بشكل مباشر بحياة الأفراد وقدرتهم على الوصول إلى المعلومات التي تمسّ واقعهم اليومي؛ فالممارسة الفعلية للعمل الصحفي لا تكشف فقط حدود ما يمكن قوله ونشره، بل تُظهر أيضًا حجم المخاطر التي قد يواجهها الصحفيون في سبيل نقل الحقيقة، بما في ذلك التهديد أو التضييق أو حتى فقدان الحرية والحياة.
وفي هذا السياق، ترتبط حرية الصحافة بقدرة المجتمعات على الفهم والتفاعل مع قضاياها العامة؛ فكلما اتسعت مساحة العمل الصحفي، تنوعت المصادر وتعددت الروايات، بما يُعزّز النقاش العام ويحدّ من احتكار الحقيقة، بينما يؤدي تضييقها إلى تراجع الشفافية، وازدياد صعوبة الوصول إلى معلومات دقيقة ومتوازنة.
ومع تزايد التعقيدات السياسية والأمنية على مستوى العالم وليس فقط على مستوى القارة الإفريقية، وتنامي استخدام الأُطُر القانونية في تنظيم المجال الإعلامي على نحوٍ قد يَحُدّ من حريته؛ تبرز أهمية المؤشرات والتقارير الدولية التي ترصد أوضاع حرية الصحافة، وتُقدّم قراءات مقارنة بين الدول.
وفي هذا الإطار، يأتي “مؤشر حرية الصحافة” الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود” ضمن هذه الأدوات؛ لما يوفّره من إطار تحليلي مركّب يستند إلى أبعاد متعددة، ويغطي 180 دولة وإقليمًا حول العالم، بما يسمح بفَهْم أعمق للفوارق والتحديات التي تُواجه العمل الصحفي.
وانطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة في أبرز ما ورد في مؤشر حرية الصحافة الصادر في أبريل من العام 2026م، من خلال تتبُّع الاتجاهات العامة لحرية الصحافة عالميًّا، ثم الوقوف على موقع إفريقيا جنوب الصحراء داخل هذه الخريطة، بما في ذلك من تباينات داخلية وتحديات متشابكة تؤثر في بيئة العمل الصحفي في المنطقة.
أصدرت منظمة مراسلون بلا حدود (RSF) مؤشر حرية الصحافة في العالم في نسخته الـ25 في 30 أبريل الماضي، في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط السياسية على الصحافة، وتتنامى فيه النزعات الاستبدادية، ويعاني فيه سوق الإعلام من ضعفٍ شديد.
وفي هذا الإطار، يُسلّط تحليل المؤشر هذا العام الضوء على تدهورٍ مُقلق في أوضاع الصحافة في أجزاءٍ كثيرة من العالم، على الرغم من بعض التحسينات المحدودة؛ حيث شهدت 100 دولة وإقليم من أصل 180 انخفاضًا في مؤشر حرية الصحافة.
أما عن مفهوم حرية الصحافة الذي يَعْنيه تقرير مراسلون بلا حدود وفريق الخبراء التابع له، فيشير إليها باعتبارها الإمكانية الفعلية للصحفيين، بشكل فردي وجماعي، لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصبّ في المصلحة العامة، وذلك في ظل استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ودون أيّ تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية.
بناءً على هذا التعريف، يتكون مؤشر حرية الصحافة من خمسة أقسام منفصلة أو خمسة مؤشرات هي: (السياق السياسي، والإطار القانوني، والسياق الاقتصادي، والسياق الاجتماعي والثقافي، والسياق الأمني).
وفيما يتعلق بما تعنيه الأبعاد الـ5 المُكوّنة لمؤشر حرية الصحافة، فيقصد بالبُعْد السياسي مدى استقلالية وسائل الإعلام عن الضغوط السياسية؛ سواءٌ من الدولة أو من الفاعلين السياسيين الآخرين، ومدى تقبُّل التعدد في الممارسات الصحفية المهنية، بما في ذلك الصحافة المستقلة أو ذات التوجهات المختلفة، بالإضافة إلى قدرة الإعلام على أداء دوره في مساءلة المسؤولين والسياسات العامة.
أما البُعْد القانوني لمؤشر حرية الصحافة فيقيس مدى حرية الصحفيين في العمل دون رقابة أو عقوبات قضائية أو قيود مفرطة على حرية التعبير، إضافة إلى إمكانية الوصول إلى المعلومات دون تمييز، وحماية المصادر الصحفية، وكذلك مدى وجود أو غياب الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.
بينما يتناول السياق الاقتصادي القيود المرتبطة بالسياسات الحكومية مثل صعوبة تأسيس وسائل إعلام، أو التمييز في دعمها، أو انتشار الفساد، إلى جانب القيود الناتجة عن فاعلين اقتصاديين غير حكوميين مثل المعلنين والشركاء التجاريين، وكذلك تأثير مالكي وسائل الإعلام الذين قد يسعون إلى توجيه المحتوى لخدمة مصالحهم.
في حين يُسلّط الجانب الاجتماعي والثقافي الضوء على القيود الناتجة عن التمييز أو التشويه ضد الصحافة على أساس النوع أو الطبقة أو العِرْق أو الدين، بالإضافة إلى الضغوط الثقافية التي قد تمنع الصحفيين من تناول بعض القضايا أو نقد مراكز قوة اجتماعية أو ثقافية قائمة.
أما مؤشر السلامة فيركز على مدى قدرة الصحفيين على أداء عملهم دون التعرُّض لمخاطر جسدية مثل القتل أو العنف أو الاعتقال أو الاختطاف أو الاختفاء القسري، أو مخاطر نفسية ناتجة عن التهديد أو الترهيب أو الملاحقة أو التشهير أو المراقبة، أو مخاطر مهنية مثل فقدان الوظيفة أو مصادرة المعدات أو تخريب المؤسسات الإعلامية، ويُضاف إلى ذلك تقييم لحالات الانتهاكات التي يتعرَّض لها الصحفيون.
ومن خلال الجمع بين الأبعاد السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في تحليل واحد، يُقدّم المؤشر صورة أكثر دقة حول حرية الصحافة بين مناطق وأقاليم العالم. ويقوم التصنيف على الدرجة المخصصة لكل بلد، من 0 إلى 100 (كما يبين شكل رقم 1)، بحيث تشير الدرجة العالية إلى مستوى عالٍ من حرية الصحافة في البلد المعني، والعكس صحيح، كذلك يتم احتساب هذه الدرجة على أساس عنصرين:
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
استنادًا لكل ما سبق، يُحدَّد موقع كل دولة ضمن سجل عالمي لخريطة حرية الصحافة وفق تصنيف بصري قائم على الترميز اللوني؛ بحيث يُعبِّر كل لون عن مستوى مُعيَّن من أوضاع حرية الصحافة، كما يوضح الشكل التالي:
Source: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026), Available at: https://rsf.org/en/2026-rsf-index-press-freedom-25-year-low?data_type=general&year=2026
وحول أهمية المؤشر، فهي لا تقتصر على ترتيب الدول فحسب، بل تمتد لتقديم أداة تحليلية لفهم أوضاع الصحافة ومقارنتها عبر سياقات متعددة، سواء على مستوى الأقاليم والمناطق الجغرافية أو في إطار اختلاف الأنظمة السياسية والقوانين والأطر الحاكمة المنظمة للعمل الإعلامي. كما يُتيح رَصْد اتجاهات التراجع أو التحسن عبر الزمن، والكشف عن أنماط التأثير المتبادلة بين البيئة السياسية والقانونية والأمنية والاقتصادية على حرية الصحافة.
ويسهم كذلك في دعم الباحثين وصُناع القرار في تقييم بيئة العمل الصحفي بشكل أكثر دقة، بما يُعزّز من فَهْم التحديات البنيوية التي تُواجهها، ويدعم الجهود الرامية إلى ترسيخ الشفافية والمساءلة وضمان قدر أكبر من الاستقلالية للصحافة على مستوى بلدان العالم.
من خلال تقديم مؤشر حرية الصحافة قراءة استرجاعية لـ25 عامًا مضت، تشير منظمة مراسلون بلا حدود أن التقرير لا يكتفي بالنظر إلى الماضي، بل يُوجِّه نظرة مباشرة إلى المستقبل عبر سؤال بسيط: إلى متى سيستمر التسامح مع خنق العمل الصحفي، وعرقلة الصحفيين بشكل ممنهج، واستمرار تآكل حرية الصحافة؟
فعلى الرغم من أن الانتهاكات التي تستهدف الحق في الحصول على المعلومات أصبحت أكثر تنوعًا وتعقيدًا، فإن الجهات المسؤولة عنها باتت تعمل اليوم بشكل علني؛ إذ تتحمل الدول السلطوية، والسلطات السياسية المتواطئة أو العاجزة، والفاعلين الاقتصاديين ذوي المصالح، إضافة إلى المنصات الرقمية غير الخاضعة لتنظيم كافٍ، مسؤولية مباشرة وكبيرة عن التراجع العالمي في حرية الصحافة.
وفي ظروفٍ كهذه، لم يَعُد التقاعس موقفًا محايدًا، بل يغدو شكلًا من أشكال الإقرار الضمني. ولم يعد الاكتفاء بالتضامن كافيًا، بل باتت الحاجة مُلِحّة لاتخاذ تدابير فعَّالة لحماية الصحفيين، باعتبارها مدخلًا أساسيًّا لإحداث التغيير. كما أن آليات الحماية الحالية لم تَعُد كافية، في ظل تقويض القانون الدولي وانتشار ظاهرة الإفلات من العقاب، وهو ما يستدعي توفير ضمانات حقيقية وفرض عقوبات ذات أثر. وفي النهاية، تقع المسؤولية على عاتق الدول (الديمقراطية بشكل أساسي) ومواطنيها، للتصدي لمحاولات إسكات الصحافة، فانتشار السلطوية ليس قدرًا حتميًّا، كما يبرز التقرير.
ولمزيد من الإحاطة بحالة حرية الصحافة على مستوى مناطق وأقاليم العالم؛ نفصلها في المحاور الفرعية الآتية، كما يلي:
في ظل التراجع المتواصل في مؤشرات حرية الصحافة عالميًّا، تكشف بياناته الصادرة عام 2026م عن مجموعة من التحولات التي تعيد رسم ملامح المشهد وتوضح اتجاهاته الكبرى، والتي نبرزها فيما يلي:
أ- تراجع غير مسبوق في المؤشر بشكل عام: سجّل متوسط درجات جميع الدول والأقاليم أدنى مستوى له في حرية الصحافة، منذ إطلاق المؤشر قبل 25 عامًا، في دلالة على اتجاه عالمي مستمر نحو التراجع.
ب– تدهور الإطار القانوني بشكل لافت: من بين المؤشرات الخمسة الفرعية المكونة لمؤشر حرية الصحافة (السياسي، الاقتصادي، القانوني، الأمني، والاجتماعي)، شهد المؤشر القانوني أكبر قدر من التراجع، بما يعكس تصاعد استخدام القوانين كأداة لتقييد العمل الصحفي، كما يوضح الشكل رقم (3).
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
ج- اتساع نطاق الأوضاع المتدهورة: للمرة الأولى، بات أكثر من نصف دول العالم (52.2%) مصنّفًا ضمن فئتي “الوضع الصعب” و”الوضع الخطير جدًّا”؛ فيما يتعلق بحالة الصحافة والحرية التي تتمتع بها، بعد أن كانت هذه الفئة لا تتجاوز 13.7% في عام 2002م.
د- تفاوتات حادة بين الدول: احتفظت النرويج بالمرتبة الأولى للعام العاشر على التوالي، بينما جاءت إريتريا في ذيل الترتيب (180) للعام الثالث على التوالي، في حين شهدت بعض الدول تحوُّلات ملحوظة مثل سوريا ما بعد الأسد، التي حققت أكبر تحسُّن بصعودها 36 مرتبة.
ه- انحسار الدول ذات الوضع “الجيد”: تراجع عدد السكان الذين يعيشون في دول تتمتع بحرية صحافة “جيدة” من 20% عام 2002م إلى أقل من 1% حاليًّا، ما يعكس تضاؤل المساحات الآمنة للعمل الصحفي عالميًّا.
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
في أوروبا وآسيا الوسطى، ورغم دخول “قانون حرية الإعلام الأوروبي” حيّز التنفيذ، لا تزال بعض دول الاتحاد الأوروبي تنتهك أحكامه، مع بقاء الصورة العامة متباينة؛ إذ تراجعت إستونيا من المرتبة الثانية إلى الثالثة نتيجة الضغوط السياسية، كما تظل دول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى خاضعة لأنظمة شديدة التقييد مثل بيلاروسيا وأذربيجان وروسيا وتركمانستان، التي تسجّل واحدة من أدنى المعدلات عالميًّا، خاصةً في المؤشر القانوني، بينما أظهرت أوكرانيا تحسنًا طفيفًا رغم استمرار الحرب.
وفي الأمريكيتين، تتزايد الضغوط على الصحافة في ظل قيادات سياسية تتبنّى سياسات أكثر تشددًا تجاه الإعلام؛ حيث تراجعت الولايات المتحدة 7 مراكز إلى المرتبة 64 نتيجة تصاعد الضغوط السياسية، بينما شهدت الأرجنتين (المرتبة 98 بتراجع 11 مركزًا عن العام الماضي) ارتفاعًا في الدعاوى القضائية ضد الصحافة. وفي السلفادور (143- تراجعت 8 مراكز)، أسهم قانون “العملاء الأجانب” لعام 2025م في تضييق الخناق على الإعلام ويجبر عدد من الصحفيين إلى العمل من المنفى.
في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، كما يبين التقرير، تُصنّف أوضاع حرية الصحافة في معظم الدول ضمن الفئتين “الصعبة” و”الخطيرة جدًّا”؛ حيث تعتمد الأنظمة السلطوية على القوانين كأدوات للسيطرة، إلى جانب فرض الرقابة والترويج للدعاية. وتُعدّ الصين نموذجًا بارزًا على ذلك؛ إذ تحتل المرتبة 178 وتضم أكبر عدد من الصحفيين المعتقلين في العالم؛ حيث يقبع 121 صحفيًّا خلف القضبان. كما تتخذ القيود أشكالًا أكثر تعقيدًا، كما الحال في الفلبين (المرتبة 114)؛ حيث تُستخدم اتهامات الإرهاب المرتبطة بسياسة “الوصم بالإرهاب” لاستهداف الصحفيين الذين يُحقّقون في قضايا حساسة للحكومة؛ حيث يتم اتهامهم بأنهم “تخريبيون” أو “إرهابيون”، وهي الوسيلة المُفضّلة لدى السلطات لإسكات الصحافة، وقد أصبحت قضية الصحفية فرينشي ماي كومبيو، المسجونة منذ ست سنوات، رمزًا لهذا القمع.
في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تُعدّ الأوضاع الأكثر تدهورًا على المستوى العالمي ككل، خاصة في ظل الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023م، التي أسفرت عن مقتل أكثر من 220 صحفيًّا فلسطينيًّا، بينهم ما لا يقل عن 70 بسبب عملهم الصحفي، ما يجعل الشرق الأوسط وشمال إفريقيا المنطقة التي تشهد أسوأ وضع لحرية الصحافة وفقًا لمؤشر عام 2026م؛ حيث صُنفت 18 دولة من أصل 19 دولة ضمن فئتي “خطير جدًّا” (11 دولة) أو “صعب” (7 دول).
مع ذلك، شهدت بعض دول المنطقة تحسنًا ملحوظًا، فقد ارتقت سوريا من المرتبة 177 عام 2025م إلى المرتبة 141 عام 2026م (+36)، وهو تحسُّن تاريخي بعد عام واحد من سقوط نظام بشار الأسد -كما أوردنا أعلاه- على الرغم من أن وضع حرية الصحافة في البلاد لا يزال “خطيرًا للغاية”، إلا أن نتائج جميع المؤشرات الـ5 تتحسن، مع تطور بشكل خاص في البُعد القانوني للمؤشر، والذي يقيس كما ذكرنا مدى حرية الصحفيين في العمل دون رقابة أو عقوبات قضائية أو قيود مفرطة على حرية التعبير، إضافة لإمكانية الوصول إلى المعلومات دون تمييز، وحماية المصادر الصحفية، وكذلك مدى وجود أو غياب الإفلات من العقاب في الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين.
في هذا المحور المُهِمّ من التقرير، يكشف المؤشر عن واقع حرية الصحافة في إفريقيا جنوب الصحراء باعتباره صورة مركبة يصعب اختزالها في اتجاه واحد؛ إذ تتقاطع فيه أنماط من التراجع مع مساحات محدودة من الانفتاح النسبي، وفي ظل التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، تتباين أوضاع العمل الصحفي من دولة إلى أخرى بشكل لافت.
من هذا المنطلق، نحاول في هذا الجزء تناول المشهد الصحفي في إفريقيا جنوب الصحراء من خلال مدخلين رئيسيين: يتطرق الأول (بشكل عام) لأبرز الاتجاهات والتحولات التي تعكس حالة الصحافة بالمنطقة، قبل الانتقال إلى قراءة أكثر تفصيلاً لعدد من النماذج المتباينة (المختارة)، سواء تلك التي تمثل مستويات متقدمة نسبيًّا في حرية الصحافة أو تلك التي تتصدر مؤشرات التراجع والانغلاق.
لم تشهد حرية الصحافة في إفريقيا جنوب الصحراء هذا القدر من الضغوط من قبل، في منطقة تعصف بها حالة من عدم الاستقرار السياسي تمتد من منطقة البحيرات العظمى إلى الساحل وصولًا إلى السودان؛ حيث تُعد الحروب وتجريم العمل الصحفي والتحديات الاقتصادية عوامل رئيسية تقود هذا التراجع.
وفي هذا السياق، يصنّف وضع حرية الصحافة بأنه “صعب” في 24 دولة من أصل 48، و”خطير جدًّا” في خمس دول هي رواندا (139 من أصل 180)، وإثيوبيا (148)، والسودان (161)، وجيبوتي (167)، وإريتريا (180) التي تحتل المرتبة الأخيرة عالميًّا للعام الثالث على التوالي -كما أوردنا مسبقًا-؛ نتيجة إنكارها الحاد لحق المواطنين في الحصول على المعلومات.
علاوة على ذلك، يبرز المؤشر أن هناك اتجاهًا واضحًا في إفريقيا جنوب الصحراء يتمثل في توظيف قوانين الأمن القومي والأمن السيبراني ضد الصحفيين، خاصةً في دول الساحل التي شهدت تقلصًا في المجال المدني وتلاعبًا واضحًا (تحريفًا) في استخدام القوانين، كما في النيجر التي سجَّلت أكبر تراجُع في مؤشر 2026م؛ حيث هبطت 37 مرتبة إلى المركز 120، في حين تُواصل مالي (121) وبوركينا فاسو (110) التراجع، بما يعكس سلوكًا ممنهجًا في قمع الصحافة داخل دول تحالف الساحل.
وتلجأ الأنظمة العسكرية إلى احتجاز الصحفيين تعسفيًّا بتُهَم مثل نشر معلومات كاذبة أو الإضرار بمصداقية الدولة الوطنية أو تهديد النظام العام، مع استمرار احتجاز عدد من الصحفيين واختفاء آخرين، فضلًا عن لجوء السلطات إلى تعليق عمل وسائل الإعلام في محاولة للهيمنة على المحتوى الإعلامي وتوجيهه فقط لمصالح السلطة.
ولا يختلف الوضع كثيرًا في منطقة البحيرات العظمى؛ إذ يتكرر احتجاز الصحفيين بذريعة الأمن القومي، كما في الكونغو الديمقراطية وبوروندي، بينما لا تزال رواندا تحتجز عددًا من الإعلاميين بتُهَم التحريض. وعلى الرغم من أن تنزانيا كانت تُعد سابقًا من الدول المتقدمة نسبيًّا في حرية الصحافة، فإنها تراجعت 22 مرتبة، بما يعكس تدهور بيئة العمل الصحفي وتشديد القيود التشريعية، في حين شهدت بوروندي تطورًا إيجابيًّا محدودًا بالإفراج عن إحدى الصحفيات رغم الحكم الجائر بحقها.
وبموازاة ذلك، تواصل الأوضاع الأمنية والاقتصادية التأثير سلبًا على حرية الصحافة؛ إذ تدهورت المؤشرات الأمنية في دول مثل الكونغو الديمقراطية؛ حيث يواجه الصحفيون في شرق البلاد مخاطر الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، ما يدفعهم إلى النزوح أو المنفى. كما أدَّت الحرب في السودان إلى شبه اختفاء للصحافة المستقلة، مع اضطرار الصحفيين إلى مغادرة البلاد هربًا من الاعتقال والتعذيب. ومن جهة أخرى، تواصل إثيوبيا فرض قيودها على الإعلام تحت مبررات أمنية.
وإجمالاً، تظل الهشاشة الاقتصادية لقطاع الإعلام تحديًا رئيسيًّا، خاصةً في منطقة الساحل؛ حيث تراجعت موريتانيا رغم تعهداتها بدعم الحق في المعلومات، نتيجة بطء تنفيذ الإصلاحات وضعف الموارد المالية، في حين تمثل كل من غانا وجنوب إفريقيا استثناءً نسبيًّا؛ إذ تحتلان مراكز متقدمة ضمن فئة “الوضع المُرضي” لحرية الصحافة رغم التحديات الاقتصادية، كما يبين الشكل التالي:
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
وفيما يتعلق بتصنيف بلدان إفريقيا جنوب الصحراء في ضوء مؤشر حرية الصحافة، من الأكثر حرية إلى الأقل، فيوضحها الجدول أدناه كما يلي:


موقع إفريقيا جنوب الصحراء ضمن التصنيف العالمي لحرية الصحافة- تقرير مراسلون بلا حدود 2026م
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
يتضح من الجدول رقم (1) أن هناك تباينًا لافتًا في أوضاع حرية الصحافة داخل دول إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تتصدر دول مثل جنوب إفريقيا وناميبيا وسيشل وغانا المراتب الأولى على المستوى الإقليمي، مع تمركزها نسبيًّا ضمن الشريحة المتقدمة عالميًّا، وهو ما يعكس وجود بيئات إعلامية أكثر انفتاحًا واستقرارًا مقارنة بباقي دول الإقليم.
في المقابل، تتراجع غالبية الدول إلى مستويات متوسطة أو متدنية، خاصةً في مناطق الساحل والقرن الإفريقي والبحيرات العظمى؛ حيث تتقاطع التحديات الأمنية والسياسية مع القيود القانونية، بما ينعكس سلبًا على أوضاع العمل الصحفي. ويصل هذا التدهور إلى ذروته في حالات مثل إريتريا التي تتذيل الترتيب العالمي، إلى جانب السودان وجيبوتي وإثيوبيا، بما يعكس بيئات شديدة التقييد للصحافة.
وفي ضوء هذا التباين، لا يقتصر المشهد على مجرد اختلاف في الترتيب، بل يكشف عن خريطة إقليمية تتداخل فيها عوامل الاستقرار السياسي، وطبيعة النظم الحاكمة، وحدود استخدام الأُطر القانونية في تنظيم الإعلام.
في إطار السعي إلى فهم أكثر دقة لواقع حرية الصحافة في إفريقيا جنوب الصحراء، تبرز أهمية التوقف عند نماذج متباينة داخل المنطقة، سواء الدول التي تحقق مستويات متقدمة في حرية الصحافة أو تلك التي تُسجّل تراجعًا ملحوظًا وفقًا لمؤشر حرية الصحافة، بما يتيح تكوين رؤية أوضح لاتجاهات هذا المجال في المنطقة، وذلك على النحو التالي:
وفقًا لتقرير «مراسلون بلا حدود» حول حرية الصحافة 2026م، تحتل جنوب إفريقيا المرتبة 21 عالميًّا، ما يجعلها من بين الدول الأكثر تقدمًا في إفريقيا جنوب الصحراء على هذا المؤشر -رغم ما تواجهه من تحديات-؛ حيث تتمتع بإطار دستوري يضمن حرية الصحافة، إلى جانب تقاليد راسخة في الصحافة الاستقصائية، ما يجعل المشهد الإعلامي لديها متنوعًا وحيويًّا وقادرًا على كشف قضايا الفساد المرتبطة بنُخَب سياسية واقتصادية.
وفي هذا الإطار، تبرز منصات مثل News24 وDaily Maverick، إلى جانب استمرار صحيفة Sunday Times كأكثر الصحف انتشارًا، غير أن اتجاه بعض المواقع لفرض اشتراكات مدفوعة أدى إلى تقييد الوصول إلى الأخبار لفئات غير قادرة على الدفع. ورغم هذا التنوع، تشهد البيئة الإعلامية توترات سياسية متزايدة؛ حيث تُستخدم حملات التضليل والتشهير، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، للضغط على وسائل الإعلام، سواء من جانب حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم أو حزب المقاتلين من أجل الحرية الاقتصادية، الذي يُعدّ الأكثر حدة في هجماته على الصحفيين.
يعكس المشهد الإعلامي في ناميبيا (المرتبة 23 عالميًّا بمؤشر حرية الصحافة) قدرًا ملحوظًا من التنوع والتعددية؛ حيث يعتمد الجمهور بشكل أساسي على هيئة الإذاعة الوطنية (NBC) إلى جانب قنوات خاصة مثلOne Africa TV، فيما تتصدر صحيفة The Namibian المستقلة قائمة الصحف الأكثر انتشارًا.
ويعمل الصحفيون عمومًا في بيئة تسمح بحرية نسبية دون تدخل مباشر من السلطات، رغم وجود بعض الضغوط السياسية ومحاولات التأثير على التغطية الإعلامية، خاصة من خلال التحكم في تعيينات مجالس إدارة بعض المؤسسات. ويكفل الدستور حرية الصحافة، مع دور نشط للقضاء في حمايتها، كما شهدت البلاد تطورًا تشريعيًّا بإقرار قانون الحصول على المعلومات في عام 2022م، رغم استمرار بعض الثغرات، لا سيما في حماية المصادر.
أما اقتصاديًّا، فتميل كفة الدعم والإعلانات لصالح وسائل الإعلام الحكومية، ما يُضعف استقلالية المؤسسات الخاصة، في وقتٍ تواجه فيه الصحافة المطبوعة أزمات مالية متزايدة، ورغم تسجيل بعض الهجمات اللفظية من مسؤولين، تظل بيئة العمل الصحفي في ناميبيا آمنة نسبيًّا مقارنةً بالعديد من دول المنطقة.
يشهد المشهد الإعلامي ككل في جيبوتي (المرتبة 167) حالة من الإغلاق شبه الكامل؛ حيث تهيمن وسائل الإعلام الحكومية مثل صحيفة La Nation ووكالة الأنباء ADI وهيئة الإذاعة والتلفزيون RTD، في ظل غياب تام لأيّ وسائل إعلام مستقلة داخل البلاد.
وتعمل بعض المنصات المعارضة من المنفى، مثل La Voix de Djibouti، ورغم ذلك تُواجِه حجبًا وتشويشًا مستمرين، إلى جانب تعمّد السلطات إبطاء الإنترنت للحد من الوصول إلى المعلومات. ويُحكَم هذا الواقع بسياق سياسي يفرض سيطرة كاملة على تدفق الأخبار، رغم النص الدستوري على التعددية، مدعومًا بإطار قانوني يضع قيودًا صارمة تصل إلى عقوبات سالبة للحرية، فضلًا عن عراقيل إدارية تمنع الترخيص لوسائل إعلام جديدة.
كما تُستخدم المبررات الاقتصادية لتفسير غياب الإعلام المستقل، رغم أن العوامل السياسية تبدو هي الحاكمة فعليًّا. وفي بيئة اجتماعية محافظة، تزداد الرقابة الذاتية، بينما يواجه الصحفيون تهديدات مستمرة تشمل المراقبة والاعتقال التعسفي، ما يجعل العمل الصحفي المستقل محفوفًا بالمخاطر.
وفقًا لمؤشر حرية الصحافة، تحتل إريتريا المرتبة الأخيرة عالميًّا (180)، بما يعكس واحدة من أكثر البيئات الإعلامية انغلاقًا وقمعًا في العالم. وفي سياق كهذا تعيش وسائل الإعلام في البلاد تحت سيطرة كاملة ومباشرة من الرئيس أسياس أفورقي، في ظل نظامٍ وُصِفَ دوليًّا بأنه شديد القمع، مع اتهامات صادرة عن تقارير أممية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ومنذ إغلاق المجال الإعلامي المستقل عام 2001م، لم يَعُد في البلاد أيّ صحافة حرة أو وسائل إعلام غير خاضعة للدولة؛ حيث تسيطر وزارة الإعلام بشكل كامل على كل ما يُنْشَر أو يُبَثّ عبر وكالة الأنباء الرسمية وعدد محدود من الصحف وقناة Eri TV، التي تعمل كمنصة لنقل خطاب النظام دون مساحة حقيقية للتعددية أو النقد.
وفي هذا المناخ، يظل الوصول إلى المعلومات محدودًا للغاية، بينما يعيش الصحفيون تحت تهديد دائم بالاعتقال أو النفي، مع وجود عدد كبير منهم في السجون منذ سنوات طويلة دون محاكمات، من بينهم الصحفي السويدي-الإريتري داويت إسحاق الذي اعتُقِلَ منذ عام 2001م وما يزال محتجزًا في ظروف غامضة.
كما تعاني البيئة بشكل عام من انعدام حرية التعبير وغياب سوق إعلامي مستقل، في ظل رقابة مشددة حتى على استخدام الإنترنت، ما يجعل أيّ محاولة للإعلام المستقل، مثل إذاعة (إرينا) التي تبث من المنفى، تعمل في ظروف من التشويش والمنع المستمر.
في ضوء هذه القراءة للدول الـ4 (الأفضل والأسوأ في إفريقيا جنوب الصحراء بحسب تقرير مراسلون بلا حدود 2026م)، والتي نبرز أهم ملامحها في الشكل رقم (4)، يتضح أن حرية الصحافة في المنطقة لا تتحرك في اتجاه واحد، بل تخضع لمسارات متباينة بحسب تفاعلات السياسة والأمن والاقتصاد في كل دولة؛ فبينما تُظهر تجارب مثل جنوب إفريقيا وناميبيا إمكانية بناء بيئة إعلامية أكثر توازنًا رغم التحديات، تكشف حالات مثل جيبوتي وإريتريا عن استمرار أنماط السيطرة والانغلاق.
ويؤكد ذلك أن تحسين واقع الصحافة في الإقليم لا يرتبط فقط بالنصوص القانونية، بل بمدى توافر إرادة حقيقية من النظم الحاكمة تسمح بتعدد الأصوات، وتدرك أن الإعلام الحر ليس تهديدًا للاستقرار، بل أحد شروطه الأساسية.
في المحصلة، وعقب قراءة متأنية لتقرير منظمة مراسلون بلا حدود في نسخته الـ25 (أبريل 2026م)، يتضح أن المشهد العالمي لواقع الصحافة يتجه نحو مسار مقلق يتجاوز الحدود الإقليمية؛ إذ تتقلص المساحات المتاحة للعمل الإعلامي ككل، بفعل تحولات سياسية وأمنية متسارعة، إلى جانب تنامي الاعتماد على أطر تنظيمية تُستخدَم أحيانًا لتقييد تدفق المعلومات بدلًا من صونه.
ولم يَعُد هذا التراجع حكرًا على النظم السلطوية، بل امتد بشكل ملحوظ إلى النظم الديمقراطية، كما أشرنا في نماذج عدة (بعض دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرهم). كذلك، لم تَعُد هذه الممارسات مجرد انعكاس لأزمات عابرة، بل غَدَت مؤشرًا مقلقًا على خلل أعمق في توازن العلاقة بين السلطة وحق المجتمعات في المعرفة، وهو ما يتجلّى في اتساع الفجوة بين النصوص الضامنة للحرية والتطبيق الفعلي لها على أرض الواقع.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز إفريقيا جنوب الصحراء كإحدى أكثر المناطق تأثرًا بهذه التحولات؛ حيث تتداخل الأزمات السياسية مع تحديات عدة تُقوِّض الاستقرار، بما يَفرض بيئة مُعقَّدة أمام العمل الصحفي. ومع ذلك، فإن التفاوت الواضح بين دول الإقليم يؤكد أن هذا المسار ليس حتميًّا، وأن فرص التحسن تظل قائمة متى توفرت إرادة حقيقية لتعزيز استقلال الإعلام وحماية الصحفيين.
ومِن ثَم، يبقى مستقبل حرية الصحافة في المنطقة مرهونًا بقدرة الدول على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات الاستقرار وحق الوصول إلى المعلومات، مع إدراك أن العمل الصحفي لا يُقوِّض أمن الدول كما يُتصوَّر، بل يُسهم في بناء مجتمعات أكثر استقرارًا ووعيًا بتحدياتها، ويدعم نشوء بيئة إعلامية أكثر انفتاحًا وأقل عُرْضة للتقييد.
Source: Adapted From: Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026).
………………………………..
مصدر مؤشر حرية الصحافة الصادر عن مراسلون بلا حدود- أبريل 2026م:
Reporters Without Borders “RSF”, “2026 RSF Index: Press Freedom at a 25-Year Low”, (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026), Available at: https://rsf.org/en/2026-rsf-index-press-freedom-25-year-low?data_type=general&year=2026
رابط مؤشر حرية الصحافة في إفريقيا- أبريل 2026م:
Reporters Without Borders “RSF”, “AFRICA- Conflicts and Pressure are Accelerating the Decline of Press Freedom (Paris: Reporters Without Borders “RSF”, Apr 2026), Available at: https://rsf.org/en/classement/2026/africa
للمزيد حول منهجيّة مؤشر حرية الصحافة وقراءة في نُسختيه 2024 و2025م، انظر:
The post مؤشر حرية الصحافة 2026: أين تقف إفريقيا جنوب الصحراء؟ ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
مؤشر الحرية الاقتصادية في نسخته (32) لعام 2026 يؤكد حاجة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى تنشيط الحرية الاقتصادية وتعزيزها.
The post إفريقيا جنوب الصحراء ومؤشر الحرية الاقتصادية 2026: قراءة تحليلية ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>تُعدّ الحرية الاقتصادية ركيزةً أساسية لكرامة الإنسان واستقلاليته وتمكينه الشخصي، كما تُقدّم نموذجاً للتقدم والنجاح الاقتصادي. ولا تقتصر تلك الحرية على توفير بيئة أعمال تُتيح ازدهار ريادة الأعمال والرخاء فحسب، بل تتجاوز ذلك كثيراً.
وبفضل آثارها الواسعة على مختلف جوانب التنمية؛ تُمكّن الأفراد والأسر من الاختيار والفرص، وتُعزّز الحريات الأخرى، وتُحسّن الأمن القومي، وتُسهم في نهاية المطاف في تحسين جودة الحياة بشكلٍ عام، وهي تعني في جوهرها حوكمة اقتصادية أفضل وأمناً أكبر. والحقيقة الواضحة هي أنها حجر الزاوية لمجتمع سليم يتمتع بأُسر نامية وأسواق نابضة بالحياة.
ولا تقتصر الحرية الاقتصادية على الكفاءة الاقتصادية فحسب، بل هي وسيلة فعّالة لتعزيز ازدهار الإنسان. والعمل ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل هو مصدر للمعنى والرخاء. تُعدّ الحرية الاقتصادية ركيزة أساسية لاقتصاد مزدهر يُكافئ الخدمة والابتكار، ويحترم الملكية الخاصة، ويُعزز بناء الأسرة واستقرارها. ينبغي للاقتصاد السليم أن يُشجع على الازدهار المكتسب وأن يُزيل العقبات التي تُعيق الفرص.
وكما يُظهر مؤشر الحرية الاقتصادية في نسخته (32) لعام 2026م[1]؛ فإن الحاجة إلى تنشيط الحرية الاقتصادية وتعزيزها لم تكن أشدّ منها اليوم.
ومن هذا المنطلق؛ تتناول المقالة استعراضاً تحليلياً لأداء منطقة إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م
يُعدّ توجه السياسات العامة ورؤيتها أمراً بالغ الأهمية للحرية الاقتصادية، نظراً للعلاقة الوثيقة بين تحسينها وتحقيق ديناميكية اقتصادية أعلى.
يكشف مؤشر 2026م، الذي يدرس تطورات السياسات الاقتصادية والظروف في 184 دولة خلال العام الماضي، عن اقتصاد عالمي، في مجمله، لا يزال «غير حر إلى حد كبير». على الرغم من تعافي متوسط مؤشر الحرية الاقتصادية العالمي من أدنى مستوى له منذ عام 2010م، والذي بلغ 58.6 نقطة في عام 2024م، فإنه لم يرتفع إلا بمقدار 0.2 نقطة ليصل إلى 59.9 نقطة خلال العام الماضي، مقارنةً بـالـ 59.7 نقطة المسجلة في مؤشر عام 2025م.
وعلى الصعيد العالمي، استمر تدهور الوضع المالي، فقد أدى ارتفاع العجز وتزايد الدين العام في العديد من الدول إلى تقويض نمو الإنتاجية الإجمالي، ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى مزيد من التراجع، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تباطؤ اقتصادي بدلاً من نمو قوي.
وكان تأثير الرسوم الجمركية التقييدية على الاقتصاد العالمي أقل بكثير مما كان يُخشى، وذلك في ضوء زيادة الاستثمار في قطاعات حيوية، مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي. كما أن عدم رد معظم الدول بفرض رسوم جمركية مماثلة قد عوض تأثير هذه الرسوم على التدفقات التجارية والنمو العالمي.
لن تكون العودة إلى الوضع السابق كافية، فإضافةً إلى آثار سوء إدارة المالية العامة؛ تواجه الدول العديد من التحديات الهيكلية طويلة الأمد في مجالات السياسات المتعلقة بالشفافية والكفاءة والانفتاح وفعالية الحكومة.
ومن بين الـ 176 دولةً- المتوافر عنها بيانات كاملة- المشمولة في المؤشر، سجلت أربع دول (مقارنةً بثلاث دول في العام السابق) درجات حرية اقتصادية بلغت 80 أو أكثر، ما يضعها ضمن فئة الدول «الحرة» اقتصادياً؛ وحصلت 27 دولةً على تصنيف «حرة إلى حد كبير» بتسجيلها درجات تتراوح بين 70.0 و79.9؛ واعتُبرت 58 دولةً أخرى «حرة إلى حد ما» على الأقل بدرجات تتراوح بين 60.0 و69.9.
وبذلك، يبلغ إجمالي عدد الدول التي تتمتع ببيئات مؤسسية تُمكّن الأفراد والشركات الخاصة من الاستفادة من درجة معتدلة على الأقل من الحرية الاقتصادية في سعيها لتحقيق مزيد من التنمية والازدهار الاقتصادي 89 دولةً، أي ما يزيد قليلاً عن نصف الدول الـ 176 المشمولة في مؤشر عام 2026م.
وعلى الجانب الآخر من الطيف، سجلت حوالي 50% من الدول المصنفة في مؤشر 2026 (87 اقتصاداً) درجات حرية اقتصادية أقل من 60. ومن بين هذه الدول، يُعتبر 57 اقتصاداً ضمن فئة «غير حرة في الغالب» (درجات من 50.0 إلى 59.9)، و30 دولةً، بما في ذلك الصين وإيران، تقع في فئة «القمع» الاقتصادي.
شهدت قائمة أفضل عشر دول تغييرات ملحوظة، فلا تزال سنغافورة تتصدر قائمة الاقتصادات الأكثر حرية في العالم، مظهرةً مستوى عالياً من المرونة والازدهار الاقتصادي. وتحتل سويسرا المرتبة الثانية، تليها أيرلندا، ثم أستراليا، ثم تايوان.
إلى جانب الأداء المتميز للولايات المتحدة، ارتفع تصنيف الحرية الاقتصادية للأرجنتين بمقدار 3.2 نقطة عن العام الماضي، ما يجعلها الدولة الأفضل أداءً في مؤشر عام 2026م.
ولا تزال هناك علاقة واضحة بين تحسين الحرية الاقتصادية وتحقيق ديناميكية اقتصادية أعلى، فضلاً عن تحسين الرفاهية العامة. وبغض النظر عن مستوى التنمية الحالي، يمكن للدول أن تُعزز نموها الاقتصادي بشكل ملموس من خلال اتخاذ خطوات لزيادة الحرية الاقتصادية عبر سياسات تُخفض الضرائب، وتُحسّن البيئة التنظيمية، وتفتح الاقتصاد أمام منافسة أكبر، وتكافح الفساد.
لا تزال هناك علاقة واضحة بين تحسين الحرية الاقتصادية وتحقيق ديناميكية اقتصادية أعلى، فضلاً عن تحسين الرفاهية العامة. يُعدّ مستوى المعيشة، مُقاساً بمتوسط دخل الفرد، أعلى بكثير في الدول الأكثر حرية اقتصادية. فالدول المصنفة «حرة»، أو «حرة إلى حد كبير» أو «حرة إلى حد ما» في مؤشر عام 2026م، تحقق دخلاً يزيد عن ضعف المتوسط في الدول الأخرى، وأكثر من ثلاثة أضعاف دخل الأفراد في الدول المصنفة «مكبوتة» اقتصادياً.
وعلى مستوى الركائز الفرعية الأربع، يحظى مؤشر «سيادة القانون» بأدنى الدرجات، ويعكس هذا الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية في العديد من البلدان. فبدون سيادة قانون راسخة، يجد أصحاب الأعمال ورواد المشاريع صعوبةً في التنبؤ بما يمكن توقعه عند اتخاذ القرارات الاقتصادية.
يبلغ متوسط أعلى معدل لضريبة الدخل الفردي في البلدان المشمولة بمؤشر 2026 حوالي 30%، ويبلغ متوسط أعلى معدل لضريبة الشركات حوالي 25%، أما متوسط العبء الضريبي الإجمالي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي فيبلغ حوالي 20%. ولا يزال الإنفاق الحكومي يتجاوز في المتوسط 30% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يتجاوز متوسط الدين العام الإجمالي حالياً 65%.
وكما هو الحال مع جميع العوامل الأخرى، قد يكون الفرق بين البلدان ذات الدرجات العالية والبلدان ذات الدرجات المنخفضة شاسعاً. ومن أبرز البلدان من حيث متوسط كفاءة التنظيم: سنغافورة، وسويسرا، وتايوان، والدنمارك، وفنلندا. أما أسوأ الدول تنازلياً، فهي سيراليون، وكوبا، وزيمبابوي، والسودان، وفنزويلا، وكوريا الشمالية.
يساهم تركيز سياسات الاستثمار في العديد من الدول على تشجيع الاستثمار القطاعي، بدلاً من الانفتاح العام للأسواق، في انخفاض مؤشر حرية الاستثمار العالمي إلى 53.4 فقط. أما مؤشر الحرية المالية العالمي، فهو ثاني أدنى مؤشر من بين مؤشرات الأسواق المفتوحة الثلاثة، حيث بلغ 48.1. وللأسف، فقد أصبح تدخل الحكومات في القطاع المالي متفشياً في العديد من الدول[2].
من بين خمس مناطق قسمها تقرير الحرية الاقتصادية لعام 2026م، جاءت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء في المرتبة الأخيرة بينهم، بدرجات (53.2)، وهي حرية «ضعيفة» مقارنةً بمتوسط عالمي بلغ (59.9) درجة، وهو «غير حر في الغالب».
شكل (1): مؤشر الحرية الاقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء مقارنةً بمناطق العالم المختلفة:

المصدر: رسم الباحث من بيانات تقرير مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م.
ولو قارنا هذا الأداء بعام 2025م، وفقاً للشكل التالي، فسنجد تحسناً عالمياً بلغ (0.2) درجة، في وقتٍ ظلت فيه درجة منطقة إفريقيا جنوب الصحراء ثابتةً دون تغيير، ويُعتبر هذا الثبات أفضل من التراجعات التي سبقت عام 2025م.
شكل (2): مؤشر الحرية الاقتصادية في إفريقيا جنوب الصحراء مقارنةً بالمتوسط العالمي بين عامي 2025 و2026م:

وهي في المتوسط (حرية ضعيفة) في إفريقيا جنوب الصحراء مقابل عالم (غير حر في الغالب)، كما يبين الشكل التالي. فمن بين 48 دولةً صنفها التقرير بأنها تقع جنوب الصحراء الكبرى؛ حققت دولتان «حرية شبه كاملة»، وحققت (5) بلدان «حرية معتدلة»، والسواد الأعظم من البلدان (26) دولةً (حرية ضعيفة)، و(14) دولةً (حرية معدومة)، ولم تتوافر بيانات عن دولة واحدة.
والاختلاف: أن دولةً واحدة زادت في منطقة الحرية شبه الكاملة وهي الرأس الأخضر، ودولة أخرى دخلت منطقة الحرية المعتدلة، بينما تراجعت أربعة بلدان من الحرية الضعيفة إلى الحرية المعدومة. والشكل التالي يبرز هذا الاختلاف.
شكل (3): تصنيف الحريات الاقتصادية في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء وتطورها بين عامي 2025 و2026م:

المصدر: رسم الباحث من بيانات تقرير مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م.
على مستوى الركائز الفرعية الأربع المكونة للمؤشر، والتي تتكون من اثني عشر مؤشراً فرعياً، كانت درجات المنطقة بعيدةً كل البُعْد عن المتوسطات العالمية، باستثناء المؤشر الفرعي «العبء الضريبي» ضمن ركيزة «حجم الحكومة»، كما تفوقت المنطقة على المتوسط العالمي في المؤشر الفرعي «الإنفاق الحكومي»، ضمن ركيزة «حجم الحكومة» أيضاً، وفقاً للشكل التالي.
شكل (4): المؤشرات الفرعية المكونة للركائز الفرعية الأربع بين إفريقيا جنوب الصحراء والعالم لعام 2026م:

المصدر: رسم الباحث من بيانات تقرير مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م.
ووفقاً للجدول التالي، فقد تحسن الأداء في أربعة مؤشرات فرعية بين عامي 2025 و2026م. فقد تحسنت ركيزة حجم الحكومة في المؤشرين الفرعيين «العبء الضريبي» و«الصحة المالية»، وتحسنت ركيزة «الكفاءة التنظيمية» في المؤشرين الفرعيين «حرية الأعمال» و«الحرية النقدية». بينما تراجعت باقي المؤشرات الفرعية وعددها ثمانية مؤشرات.

تصدرت موريشيوس (73) درجة دول المنطقة في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م، محتلةً المركز 21 عالمياً، ومدفوعةً بأداء جيد في المؤشرات الفرعية؛ حقوق الملكية والفعالية القضائية والعبء الضريبي والحرية التجارية. بينما حلت الرأس الأخضر (71.2) في المرتبة الثانية على مستوى الإقليم، والسادسة والعشرين عالمياً، بأداء قوي في المؤشرات الفرعية العبء الضريبي والإنفاق الحكومي والحرية النقدية، وقد دخلت المنطقة في تصنيف «الحرية شبه الكاملة» في عام 2026م. والدولتان وحيدتان في هذا التصنيف من بين 48 دولة ذكرها التقرير تقع جنوب الصحراء الكبرى، وبين 176 دولة تتوافر عنها بيانات كاملة في النسخة 32 من التقرير.
ثم جاءت بوتسوانا (67.7) في المرتبة الثالثة إقليمياً، والسابعة والأربعين عالمياً، ثم حلت سيشل (66.5) في المرتبة الرابعة إقليمياً والرابعة والخمسين عالمياً، وساوتومي وبرنسيب (60.6) في المرتبة الخامسة إقليمياً والخامسة والثمانين عالمياً، وفقاً للشكل التالي.
شكل (5): أفضل وأسوأ خمسة بلدان في إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م:

المصدر: رسم الباحث من بيانات تقرير مؤشر الحرية الاقتصادية لعام 2026م.
بينما لم تتوافر بيانات عن الصومال، وحلت السودان (32.6) في المركز الأخير إقليمياً، و173 عالمياً، وزيمبابوي (32.2) في المركز قبل الأخير إقليمياً و172 عالمياً.
يُعتبر مؤشر الحرية الاقتصادية أداةً بارزة، وإن كانت موضع جدلٍ متكرر، لقياس مدى توجه الحوكمة نحو السوق في الدول ذات السيادة. وبينما يستخدمه صانعو السياسات والمراقبون الدوليون على نطاق واسع لتقييم جودة المؤسسات؛ فقد تعرض للنقد فيما يتعلق بمنهجيته وأُسسه الأيديولوجية وآثار تصنيفاته.
من أبرز الانتقادات الموجهة للمؤشر انحيازه الأيديولوجي المتأصل نحو السياسات الاقتصادية النيوليبرالية. ويرى الباحثون أن المؤشر يُساوي بين «الحرية الاقتصادية» وتحرير الأسواق، وخفض الإنفاق الحكومي، وحماية حقوق الملكية الخاصة، غالباً على حساب الرفاهية الاجتماعية وحقوق المفاوضة الجماعية. ويرى النقاد أن المؤشر، من خلال منحه وزناً متساوياً لجميع المؤشرات الاثني عشر، يُغفل دقة اقتصاديات التنمية، حيث لعب تدخل الدولة تاريخياً دوراً حاسماً في التصنيع والحد من الفقر.
فضلاً عن اعتماده على التقييمات الذاتية، ولا سيما في فئتي «فعالية القضاء» و«نزاهة الحكومة»، وقد تتأثر هذه المقاييس النوعية بالتوجهات السياسية لجامعيها ومصادر البيانات المستخدمة، مما قد يؤدي إلى تحيزات في تقييم الدول التي لا تتوافق مع النماذج الديمقراطية الغربية. كما يُؤخذ على المؤشر افتراضُه أن اتباع نهج واحد يناسب الجميع في السياسة الاقتصادية مفيد عالمياً. فضلاً عن التشكيك في العلاقة بين تصنيفات المؤشر والازدهار الاقتصادي طويل الأجل، فبينما يفترض المؤشر أن ارتفاع الدرجات يؤدي إلى نموٍّ أكبر؛ تشير بعض الدراسات إلى أن العلاقة غير خطية، وأن التركيز المفرط على تحرير السوق قد يُفاقم عدم المساواة في الدخل.
إضافةً إلى ذلك، وُجّهت انتقادات للمؤشر بسبب تناوله لقوانين العمل، فمن خلال معاقبة الدول التي تتمتع بحماية عمالية قوية- باعتبارها «جموداً في سوق العمل»- قد يُشجع المؤشر دون قصد سياسات تُؤدي إلى ظروف عمل غير مستقرة.
ويلاحظ المراقبون أن المؤشر غالباً ما يتجاهل الآثار الخارجية للسياسات التي تحركها السوق، مثل التدهور البيئي أو تآكل المنافع العامة، والتي لا يشملها إطاره المكوّن من 12 ركيزة.
وقد فقدت النسخة (32) أيضاً، كالنسخة (31)، واحدةً من إحدى مزايا النسخة (30)، وهي توفير إمكانيات المقارنة والتطور، والتي كانت تُسهّل المقارنة والتعرف على تطوُّر الدولة من حيث المؤشر العام أو المؤشرات الفرعية، سواءٌ على نسخة الإكسيل Excel من الجداول أو نسخة الـ pdf، وقد أدى غياب هذه الميزة إلى إرهاق الباحثين في إجراء المقارنات اللازمة في مختلف الجوانب.
راوحت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء مكانها في أدنى الترتيب بين مناطق العالم في مؤشر الحرية الاقتصادية، فقد حققت في عام 2026م نفس درجة عام 2025م (53.2) درجة مقارنةً بمتوسط عالمي بلغ (59.9) درجة. ورغم أن هذا الخمول هو سمة عالمية؛ غير أنه من الملاحظ أن درجات المنطقة، على مستوى الركائز الفرعية الأربع ومؤشراتها الفرعية الاثني عشر، قد تراجعت في نحو ثمانية منها بينما تحسنت في أربعة فقط، وإن كان التحسن في تلك المؤشرات الأربعة قد تساوى مع التراجع في باقي المؤشرات الفرعية الثمانية، إلا أن هذا يدل على خلل هيكلي في أداء المؤشرات الفرعية التي من المفترض أنها معبّرة عن الحرية الاقتصادية.
كما أن التغير في تصنيف البلدان، بين درجات الحرية، لم يلفت انتباهنا إلا في دخول دولة أخرى وهي الرأس الأخضر في تصنيف «الحرية شبه الكاملة»، مع بقاء المنطقة في المجمل في تصنيف «غير حرة في الغالب» في عالمٍ «غير حر في الغالب».
ـــــــــ
المراجع:
[1] Anthony B. Kim, 2026 Index of Economic Freedom (Washington D.C: The Heritage Foundation, 2026).
[2] https://economicfreedom.heritage.org/pages/report
The post إفريقيا جنوب الصحراء ومؤشر الحرية الاقتصادية 2026: قراءة تحليلية ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
تبرز أهمية التقارير الدولية التي تُقدّم قراءات تحليلية لواقع توظيف الشباب في إفريقيا، ومن بينها تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م» Africa Youth Employment Outlook 2026 الصادر في فبراير 2026م، والذي يُسلّط الضوء على اتجاهات سوق العمل والفرص والتحديات المرتبطة به، بما يسهم في توجيه النقاش حول مستقبل سوق العمل- ولا سيما للشباب- في القارة الإفريقية.
The post تشغيل الشباب الإفريقي 2026: قراءة في الفرص الديموغرافية وتحديات سوق العمل ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مقدمة:
تقف إفريقيا اليوم عند لحظةٍ مفصلية في مسارها التنموي، في ظل تحولات ديموغرافية متسارعة جعلتها موطناً لأكبر كتلة شبابية نمواً في العالم، إذ تضم القارة نحو 532 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً، يمثلون نسبةً معتبرة من رأس المال البشري، المتوقع أن يسهموا في تشكيل سوق العمل العالمي خلال العقود المقبلة. وعلى خلاف الاتجاهات العالمية التي تشهد تراجعاً في أعداد الشباب؛ يُتوقع استمرار هذا النمو في القارة حتى سبعينيات القرن الحادي والعشرين، بما يمنحها فرصةً استثنائية لتحقيق قفزة تنموية قائمة على هذه الطفرة السكانية.
غير أن هذه الفرصة لا تنفصل عن تحدياتٍ معقدة تتعلق بقدرة الاقتصادات الإفريقية على استيعاب هذا الزخم البشري؛ فنجاح القارة في تحويل هذه الكتلة الشبابية إلى قوة إنتاجية يعتمد على مدى قدرتها على خلق فرص عمل كافية، وتحسين جودة العمل- خاصةً في القطاع غير الرسمي- إلى جانب تمكين النساء وتعزيز مشاركتهن الاقتصادية، كما تبرز أهمية تطوير نظم التعليم والتدريب لتتوافق مع التحولات المتسارعة نحو اقتصادٍ تقوده الخدمات والمهارات الرقمية.
وفي هذا السياق، يصبح مستقبل هذه الطفرة الشبابية مرهوناً بطبيعة السياسات والقرارات التي تُتخذ اليوم؛ فإما أن تتحول إلى عائد ديموغرافي يدعم النمو والازدهار، أو إلى تحدٍّ يفاقم من مشكلات البطالة والهشاشة الاقتصادية.
ومن هنا، تبرز أهمية التقارير الدولية التي تُقدّم قراءات تحليلية لواقع توظيف الشباب في إفريقيا، ومن بينها تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م» Africa Youth Employment Outlook 2026 الصادر في فبراير 2026م، والذي يُسلّط الضوء على اتجاهات سوق العمل والفرص والتحديات المرتبطة به، بما يسهم في توجيه النقاش حول مستقبل سوق العمل- ولا سيما للشباب- في القارة الإفريقية.
من هذا المنطلق؛ يحاول هذا المقال تقديم قراءة مفصلة لتقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي لعام 2026م»، وفقاً للمحاور الرئيسة الآتية:
أولاً: لمحة تعريفية حول تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م».
ثانياً: تقرير تشغيل الشباب الإفريقي 2026م.. قراءة مفصلة لأبرز ملامح واتجاهات سوق العمل:
خاتمة.. (إفريقيا وسوق العمل.. التحديات وإمكانات التحوّل).
يُعدّ تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م» أول إصدار ضمن سلسلة تقارير تهدف إلى تعميق فهم التحولات المتغيرة في سوق عمل الشباب داخل القارة الإفريقية، والذي أُعدّ بواسطة World Data Lab بالشراكة مع مؤسسة ماستركارد ووحدة أبحاث سياسة التنمية بجامعة كيب تاون، من أجل تقديم قراءة أكثر شمولاً لديناميات سوق العمل الإفريقي، بما يسمح برصد التحولات والتحديات التي تواجه إدماج الشباب في فرص عمل مستدامة داخل الاقتصادات الإفريقية.
وفي هذا الإطار، يُقدّم التقرير صورةً مفصلة لوضع تشغيل الشباب الإفريقي، حيث يوضح أن التوظيف بين الشباب يشهد نمواً ملحوظاً، لكنه ما يزال في معظمه داخل الاقتصاد غير الرسمي أو في قطاعات منخفضة الإنتاجية مثل الزراعة، التي لا تزال تهيمن على سوق العمل رغم التوسع التدريجي في قطاع الخدمات، كما يشير إلى تحوّل تدريجي في أنماط العمل نحو المدن، مع تسارع عمليات التوسع الحضري وما يرافقها من إعادة تشكيل لفرص العمل.
وفي الوقت نفسه، يُبرز التقرير أن ارتفاع مستويات التعليم بين الشباب يدفع باتجاه زيادة الالتحاق بوظائف قطاع الخدمات، لكن هذا التحول لا يزال يواجه فجوات هيكلية في مواءمة التعليم مع احتياجات السوق. كما يلفت الانتباه إلى انتشار العمل الحر بوصفه خياراً واسعاً، لكنه غالباً ما يكون هشّاً ويفتقر إلى الاستقرار والحماية.
ويؤكد كذلك أن العلاقة بين النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل للشباب ليست مترابطة أو تلقائية، إذ كثيراً ما يفشل النمو في خلق وظائف كافية أو عالية الجودة. وأخيراً، يوضح التقرير أن الضغوط السياسية والصدمات الاقتصادية التي تعصف بالقارة، تؤثر سلباً في قدرة دولها على توليد فرص عمل مستدامة للشباب، كما يظهر في الشكل رقم (1) الذي يلخص أهم محاور التقرير:
شكل رقم (1):

المصدر: بتصرف بحسب تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م»، النسخة الإنجليزية، فبراير 2026م.
في هذا الإطار، نشير إلى أهم ما ورد في تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م» من رؤى ومضامين، عبر رصد التحولات الرئيسية في سوق العمل الإفريقي وما تفرضه من فرص وتحديات تنعكس على واقع الشباب، وذلك على النحو التالي:
1- الانخراط المبكر في سوق العمل:
يعمل الشباب في إفريقيا في سن مبكرة وبمعدلات تفوق أقرانهم في باقي العالم، وهو ما يتعارض مع التصورات الشائعة؛ فمع حلول عام 2025م قُدّر أن نحو 57% من الشباب الأفارقة، أي ما يقارب 304 ملايين شاب، منخرطون في العمل، مقارنةً بنحو 48% في بقية دول العالم، مع توقع ارتفاع العدد إلى 437 مليوناً بحلول عام 2040م.
بينما تظل النسبة الإجمالية مستقرةً تقريباً عند 58%، وغالباً ما يبدأ الالتحاق بسوق العمل في سن مبكرة (15–17 عاماً)، قبل إتمام التعليم، وفي وظائف يغلب عليها الطابع غير الرسمي والمنخفض الأجر، خاصةً في القطاع الزراعي، ويعكس ذلك مستوى تعليمياً محدوداً بين هذه الفئة، حيث لم يُكمل نحو 42% من الشباب الأفارقة التعليم الابتدائي، بينما توقف 26% منهم عند المرحلة الابتدائية فقط.
وفي عام 2025م، كان عدد المراهقين العاملين (15–17 عاماً) قريباً من عدد الملتحقين بالتعليم، حيث يعمل 96% منهم في وظائف غير رسمية، ويعيش نحو 40% تحت خط الفقر الدولي البالغ 2.15 دولار يومياً، على أساس القوة الشرائية لعام 2017م، كما يعمل أكثر من نصفهم في الزراعة، وهو ما يوضح أن المشكلة لا تتمثل في ارتفاع البطالة بقدر ما ترتبط بطبيعة التشغيل نفسه.
علاوةً على ذلك، يسهم ضعف التعليم وغياب الحماية الاجتماعية في تسريع الانتقال المبكر من التعليم إلى العمل في الدول منخفضة الدخل، وهو انتقال قد يحد لاحقاً من فرص الالتحاق بوظائف رسمية ذات جودة أعلى. ومع ذلك، تشير التوقعات إلى أنه خلال العقد القادم، ومع تحسن مستويات التعليم وزيادة الإنتاجية الزراعية، قد يتجه مزيدٌ من الشباب إلى البقاء في التعليم لفترات أطول بدلاً من الدخول المبكر إلى سوق العمل.
2- التحول الهيكلي في أنماط التشغيل.. من الزراعة إلى قطاع الخدمات:
حتى عام 2025م، كان تشغيل الشباب الإفريقي لا يزال يتركز بشكلٍ كبير في قطاع الزراعة، الذي يُمثل 47% من الوظائف، حيث يعمل فيه نحو 143 مليون شاب إفريقي، إلا أن قطاع الزراعة يشهد معدل نمو أبطأ (بمقدار 1.3 مرّة بين 2015 وحتى 2040م) مقارنةً بقطاع الخدمات الذي ينمو بمعدل أسرع بكثير (2.4 مرّة)، وهذا يعني أنه بحلول عام 2033م من المتوقع أن يتجاوز قطاع الخدمات قطاع الزراعة لأول مرّة في تشغيل الشباب الإفريقي، بفارق يبلغ نحو 3.8 ملايين وظيفة إضافية، كما يوضح الشكل رقم (2):
شكل رقم (2):

إعادة تشكيل سوق العمل الإفريقي.. تراجع الزراعة لصالح قطاع الخدمات:
Source: «Africa Youth Employment Outlook 2026», (World Data Lab, Mastercard Foundation and University of Cape Town’s Development Policy Research Unit, Feb 10, 2026), P.4.
ويُعزى نمو قطاع الخدمات إلى مجموعة من العوامل، من بينها ارتفاع فرص الدخل، والتوسع الحضري، والتحولات الهيكلية الأوسع في الاقتصاد، حيث تتجه بعض الاقتصادات النامية إلى تجاوز مرحلة التصنيع التقليدي والانتقال مباشرةً من الزراعة إلى الخدمات، كما أن تزايد الطابع التجاري للزراعة، وتحولها من إنتاج معيشي متنوع إلى إنتاج محاصيل نقدية، يؤدي إلى زيادة الاعتماد على التجارة، وما يرتبط بها من خدمات مثل التجزئة وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
علاوةً على ذلك، تُعدّ وظائف الشباب الإفريقي في قطاع الخدمات ذات طابع أكثر رسميةً، حيث تبلغ نسبة العمل الرسمي نحو 20%، مقارنةً بـ 11% فقط في قطاع الصناعة، و2% فقط في قطاع الزراعة. وفي عدد من الدول الإفريقية التي شملها التقرير، يميل الشباب العاملون في قطاع الخدمات إلى تحقيق دخول أعلى مقارنةً بنظرائهم في الزراعة والصناعة، إذ تشير البيانات إلى أن العاملين في قطاع الخدمات كانوا يكسبون في عام 2024م ما يقارب 2.6 مرّة أكثر من العاملين في الزراعة.
3- محدودية الوظائف الرسمية ومعضلة استيعاب الشباب:
مع دخول عام 2026م، لا تزال أسواق العمل في معظم الدول الإفريقية تعاني من اختلالات هيكلية، حيث لا يُترجم النمو الاقتصادي إلى خلق عدد كافٍ من فرص العمل للشباب، ففي كل عام يدخل أكثر من 10 ملايين شاب إلى سوق العمل الإفريقي، إلا أن أنماط النمو الحالية لا تؤدي إلا إلى خلق نحو 3 ملايين وظيفة رسمية فقط، ولإتاحة فرص عمل كافية للداخلين الجدد إلى سوق العمل بحلول عام 2030م؛ ستحتاج منطقة إفريقيا جنوب الصحراء وحدها إلى خلق ما يُقدَّر بنحو 15 مليون وظيفة جديدة سنوياً.
ونظراً لأن نحو 10% فقط من الوظائف في إفريقيا تُعدّ وظائف رسمية؛ فإن ارتفاع معدلات التشغيل لا يُترجم بالضرورة إلى أمن اقتصادي أو استقرار وظيفي، فارتفاع نسب تشغيل الشباب الإفريقي لا يعكس جودة الوظائف، إذ يتركز معظم الشباب العاملين في أنشطة غير رسمية ومنخفضة الأجر. وعلى الرغم من ارتفاع معدلات تشغيل الشباب في دولٍ مثل مدغشقر وتنزانيا وإثيوبيا؛ فإن نحو 104 ملايين من أصل 304 ملايين شاب عامل في القارة- أي ما يقارب ثلثهم- يعيشون في أُسر مصنفة ضمن الفقر المدقع وفق خط الفقر العالمي، وفي الدول التي تسجل معدلات تشغيل أعلى ترتفع أيضاً نسبة الشباب العاملين الذين يعيشون في فقر مدقع.
إضافةً إلى ذلك، يعمل نحو 90% من الشباب الإفريقيين العاملين (273 مليوناً) في وظائف غير رسمية. وبينما توفر بعض هذه الأنشطة- مثل ريادة الأعمال الصغيرة- قدراً من المرونة والاستقلالية؛ فإن الغالبية العظمى من العاملين في القطاع غير الرسمي تفتقر إلى العقود الرسمية، والحماية الاجتماعية، واستقرار الدخل، فضلاً عن محدودية فرص التقدم المهني.
من ناحيةٍ أخرى، يُبرز التقرير تحدّياً آخر يتمثل في نقص المهارات الملائمة لاحتياجات سوق العمل، فعلى الرغم من التحول التدريجي في اقتصادات إفريقيا بعيداً عن الزراعة نحو قطاعَي الخدمات والصناعة، اللذين يتطلبان مهارات متخصصة، فلا يزال مستوى التأهيل التعليمي محدوداً كما ذكرنا مسبقاً، إذ لم يُكمل سوى نحو 9% من الشباب التعليم العالي حتى عام 2025م، ويجعل هذا الواقع غالبية الشباب الأفارقة غير مستعدين لمتطلبات سوق عمل متغير.
ولا تقتصر المشكلة في بعض الدول على قلة الخريجين فحسب، بل تمتد إلى أوضاع من حصلوا على تعليم جامعي، ففي دول شمال إفريقيا مثل مصر والجزائر والمغرب، تصل نسبة البطالة أو الخمول بين الحاصلين على تعليم عالٍ إلى نحو 30%. ويرتبط ذلك بعدة عوامل، من أبرزها ضعف قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل كافية، وعدم توافق المهارات المكتسبة في التعليم مع احتياجات سوق العمل، إلى جانب الفجوة بين تطلعات الخريجين وطبيعة الوظائف المتاحة.
ورغم هذه التحديات؛ تمتلك القارة الإفريقية فرصةً ديموغرافية مهمة مع تدفق ملايين الشباب إلى سوق العمل في وقتٍ يشهد فيه العالم، خاصةً في مناطق أخرى، تراجعاً في أعداد الشباب، وتتزامن هذه الفرصة مع التحول العالمي نحو اقتصادٍ تقوده الخدمات، ولا سيما الخدمات الرقمية التي تفتح آفاقاً جديدة للتوظيف.
4- التحضر وإعادة توزيع الفرص داخل سوق العمل:
في هذا المحور يشير التقرير إلى تزايد فرص العمل في المناطق الحضرية، مع تسارع وتيرة التحضر بين الشباب في إفريقيا، حيث تتركز وظائف قطاعَي الخدمات والصناعة في المدن، ففي عام 2015م، كان نحو 35% من الشباب الإفريقي، أي ما يعادل 85 مليون شاب، يعملون في المناطق الحضرية، بينما تشير التقديرات إلى ارتفاع هذه النسبة إلى 38% في عام 2025م، بما يعادل 115 مليون شاب.
وتُعدّ جيبوتي الأعلى من حيث توظيف الشباب في المدن، حيث يعمل نحو 9 من كل 10 شباب في المناطق الحضرية، إلى جانب تسجيلها أعلى نسبة لتوظيف الشباب في قطاع الخدمات. في المقابل؛ تتركز وظائف الشباب في المناطق الريفية في دول مثل بوروندي (90%)، والنيجر (89%)، ومالاوي (84%)، ومدغشقر (83%)، والكونغو (81%)، حيث يهيمن القطاع الزراعي على التشغيل.
علاوةً على ذلك، فإن التركيبة السكانية الحضرية في إفريقيا أصبحت أكثر شباباً، مدفوعةً بدرجة أكبر بمعدلات الخصوبة مقارنةً بالهجرة، إذ يُتوقع أن تسهم الهجرة بنحو 30% فقط من نمو السكان في المدن بين عامي 2010 و2060م.
وفي السياق نفسه، يشير التقرير إلى أن الشباب يواجه في المناطق الريفية صعوبات أكبر في الحصول على وظائف ذات أجور جيدة وفرص للارتقاء الاقتصادي، ما يدفع بعضهم إلى الانتقال نحو المدن بحثاً عن مصادر دخل أكثر ربحية. وندلل على ذلك بإحدى الدراسات التي أوردها التقرير عن تنزانيا، والتي تبين أن الشباب الذين انتقلوا إلى المدن تزيد احتمالية حصولهم على وظائف بأجر بأكثر من ثلاثة أضعاف، ويرتبط هذا التحسن أساساً بالانتقال من الزراعة إلى أنشطة أخرى.
وإجمالاً، يكشف الانتقال من الريف إلى الحضر عن تفاوت واضح في توزيع فرص العمل بين القطاعات، ففي عام 2025م، لم تتجاوز نسبة العمالة الزراعية للشباب في المدن 15%، مقابل 59% من وظائف الصناعة و65% من وظائف الخدمات، ما يعكس التركز الحضري القوي لهذين القطاعين.
وقد شهدت دولٌ مثل نيجيريا ورواندا والسنغال والكاميرون وجامبيا تحولات ملحوظة نحو زيادة نسبة تشغيل الشباب في المدن خلال العقد الماضي، تراوحت بين 7% و21%، ففي نيجيريا مثلاً، ارتفعت نسبة الشباب العاملين في المناطق الحضرية من 34% عام 2015 إلى 55% عام 2025م. وفي رواندا والسنغال، يعكس هذا التحول نمطاً من التحول الهيكلي، حيث ينتقل العمال من الزراعة التقليدية مباشرةً إلى ما يُعرف بـ«الصناعات بلا مداخن» مثل السياحة، والبستنة (زراعة النباتات والخضروات وحتى النباتات الطبية)، والتصنيع الزراعي، والخدمات المرتبطة بها، وهي قطاعات مرتبطة بالأسواق الحضرية وقادرة على استيعاب العمالة الشابة دون توسع كبير في التصنيع التقليدي.
وفي الكاميرون، ولا سيما في أقصى الشمال، كان التحول نحو العمل في الحضر مدفوعاً جزئياً بالنزاعات، حيث أثّر تمرد جماعة بوكو حرام في حوض بحيرة تشاد في سبل العيش الريفية من خلال تقليص الإنتاج الزراعي، وتقييد التجارة عبر الحدود، وحظر حركة الدراجات النارية، ما أدى إلى تسريع الهجرة من الريف إلى المدن، ودفع الشباب إلى الانخراط في وظائف حضرية غير رسمية، مثل الخياطة والتطريز وخدمات الطعام والتجارة الصغيرة، باعتبارها إستراتيجيات للبقاء أكثر من كونها مساراً لنمو اقتصادي مستدام.
وفي نيجيريا، يتسارع التحضر مدفوعاً بالضغط الديموغرافي، لكنه يتزامن مع أزمة حقيقية في خلق فرص العمل، إذ لم تتمكن أسواق العمل الحضرية من توفير وظائف رسمية كافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب، ما يدفع الكثير منهم إلى الانخراط في أنشطة غير رسمية مثل البيع الجائل والقيادة التجارية (قيادة مركبات مقابل أجر في أنشطة النقل والخدمات)، وجميعها آليات مؤقتة للتكيف وليست مسارات توظيف مستقرة.
ويعكس هذا الوضع اختلالاً بين وتيرة التوسع الحضري وقدرة الاقتصاد على استيعاب العمالة بشكلٍ منتج، وتشير هذه التحولات إلى أن انتقال وظائف الشباب نحو المدن لا ينبغي أن يُفهم فقط كفرصة، بل كإشارة إلى ضرورة إعادة توزيع الفرص الاقتصادية بشكلٍ أكثر توازناً، فبدون تبنّي إستراتيجيات تنموية إقليمية تدعم خلق فرص العمل في المدن والمناطق الريفية؛ سيظل التحول نحو قطاعَي الصناعة والخدمات مقتصراً على المراكز الحضرية الكبرى، ومن شأن تعزيز التنمية المحلية وتوسيع نطاق الاستثمار خارج العواصم أن يضمن استفادة شريحة أوسع من الشباب من هذا التحول، بدلاً من تعميق الفجوات المكانية في سوق العمل.
5- العمل الذاتي والاقتصاد غير الرسمي.. بين الانتشار والهشاشة:
خُصّص هذا الجزء من التقرير لفئة العاملين لحسابهم الخاص، الذين يمثلون النسبة الأكبر من إجمالي العمالة في إفريقيا جنوب الصحراء، حيث يشكلون نحو 78% من إجمالي العمالة في المنطقة، وتنعكس هذه الأنماط أيضاً على تشغيل الشباب الإفريقي، إذ كان 3 من كل 4 شباب تتراوح أعمارهم بين 25 و29 عاماً يعملون لحسابهم الخاص أو في وظائف مؤقتة بأجر حتى عام 2023م، وذلك بمتوسط 18 دولةً في إفريقيا جنوب الصحراء.
وعلى الرغم من وجود اتجاه عالمي يشير إلى انتقال الشباب من العمل الذاتي إلى الوظائف المؤقتة بأجر؛ فإن إفريقيا جنوب الصحراء تُعدّ استثناءً، حيث شهدت زيادةً طفيفة في العمل الذاتي بين الشباب، وهو ما يُعزى جزئياً إلى الضغوط الديموغرافية الناتجة عن تزايد أعداد الشباب داخل القارة كما أوردنا أعلاه.
ويُعرَّف «العاملون لحسابهم الخاص» بأنهم عمالٌ مستقلون لا يوظفون آخرين. بينما تشمل «المشروعات متناهية الصغر» تلك التي تضم من 2 إلى 9 موظفين. وفي هذا السياق، وبالتحديد في عام 2019م، أجرت منظمة العمل الدولية أول دراسة عالمية واسعة النطاق حول التشغيل الحر بحسب المنطقة وحجم المنشأة، ووجدت الدراسة أن العمل الذاتي يساهم في المتوسط بنحو 50% من إجمالي العمالة في إفريقيا جنوب الصحراء، بينما تمثل المشروعات متناهية الصغر نسبة إضافية تبلغ 35%.
وتُعدّ إفريقيا جنوب الصحراء من أعلى المناطق عالمياً من حيث نسبة العمل الذاتي، ولا تتفوق عليها سوى جنوب آسيا. ويُظهر التقرير أن قطاع الزراعة يسهم بأعلى نسبة من العاملين لحسابهم الخاص، إذ يتكون أكثر من 50% من إجمالي العمالة الزراعية– الرسمية وغير الرسمية– من عمال مستقلين، معظمهم من صغار المزارعين، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 90% عند إضافة المشروعات متناهية الصغر.
كما أن مساهمة العمل الذاتي غير الرسمي والمشروعات متناهية الصغر في إجمالي العمالة في قطاعَي الصناعة والخدمات تظل كبيرة، وإن كانت أقل نسبياً، إذ تتراوح بين 55% و65%، مع استحواذ تجارة التجزئة على نسبة كبيرة من الوظائف.
وتكشف هذه البيانات أن تحسين ظروف العمل الذاتي يمكن أن يُحدث تحوّلاً مهماً في أوضاع معيشة الشباب، وهناك فرصة لتطوير وتنفيذ أنظمة دعم موجهة للشباب العاملين لحسابهم الخاص، تشمل الوصول إلى التمويل، والتدريب على إدارة الأعمال، وآليات دمجهم في الاقتصاد الرسمي، بما يساعد على تحويل العمل الذاتي الهش إلى مشروعات صغيرة أكثر استقراراً وإنتاجية.
وفي هذا المنحى، قامت رواندا (17% من تشغيل الشباب الإفريقي في الوظائف الرسمية) وغانا (9%) بتطبيق مثل هذه الإستراتيجيات، حيث دعمت حكومة رواندا أكثر من 31,000 أسرة لإنشاء مشروعات من خلال التدريب الريادي وتوفير رأس المال الابتدائي، كما يهدف البرنامج الوطني لريادة الأعمال والابتكار في غانا إلى إنشاء ما لا يقل عن 10,000 مشروع مستدام سنوياً من خلال التدريب والتمويل والإرشاد.
بالإضافة إلى ذلك، طبقت كلٌّ من كينيا (9%) وإثيوبيا (12%) وتونس (25%) برامج للضمان الصحي والحماية الاجتماعية تستهدف العمال في القطاع غير الرسمي والعاملين في الزراعة، رغم أن هناك حاجةً أكبر لتعزيز الاستفادة من هذه البرامج وتقليل معدلات الانسحاب منها.
6- الضغوط السياسية والاقتصادية وأثرها في مستقبل تشغيل الشباب:
خُصّص الجزء الأخير من «تقرير تشغيل الشباب الإفريقي 2026م» للأزمات التي تعاني منها العديد من الاقتصادات الإفريقية، وبالتحديد فيما يتعلق بالديون المرتفعة وتأثيرها في سوق العمل، حيث كانت 20 دولةً إفريقية إما في حالة تعثّر في سداد الديون أو معرضة لخطر مرتفع للتعثر حتى مارس 2025م، وهو أكبر معدل من هذا النوع على مستوى جميع مناطق العالم.
وفي هذا الإطار، أثرت مستويات الدين المرتفعة بشكلٍ كبير في مستقبل بعض الاقتصادات (الهشة ولو بشكلٍ جزئي)، كما أن سياسات الضبط المالي الهادفة إلى خفض العجز في الميزانية (وبالتالي الدين العام) كان لها تأثيرات ملحوظة على أسواق العمل، فقد أدت سياسات زيادة الإيرادات العامة، من خلال رفع الضرائب المباشرة وغير المباشرة، إلى انخفاض صافي الأجور والرواتب، في حين ارتفعت تكلفة المعيشة.
وفي بعض الحالات أدى ذلك إلى احتجاجات اجتماعية، كما حدث في كينيا مع الرفض النهائي لمشروع قانون المالية المقترح في عام 2024م. وفي حين تؤثر إجراءات زيادة الإيرادات بشكلٍ مباشر في العاملين في القطاع الرسمي من خلال ارتفاع الاستقطاعات الضريبية؛ فإن العاملين في القطاع غير الرسمي يتأثرون بشكلٍ غير مباشر عبر ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الخاضعة للضرائب.
ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي، تتجه الحكومات بشكلٍ متزايد إلى أسواق الدين المحلية، مما يزيد من خطر مزاحمة القطاع الخاص، وبالتالي إبطاء النمو الاقتصادي العام وتقليل فرص خلق الوظائف.
فعلى سبيل المثال: تم خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي في كينيا لعام 2025م من قِبَل البنك الدولي نتيجة ارتفاع مستويات الدين، وارتفاع أسعار الفائدة، وتراجع الائتمان الموجه للقطاع الخاص. وبالمثل، ظهرت مخاوف في أوغندا من أن ارتفاع تكاليف خدمة الدين يضغط على الموارد المخصصة لقطاعات حيوية مثل التعليم والصحة، رغم استمرار الحكومة في الحصول على قروض جديدة. وفي غانا، أدى تزايد صعوبة الحصول على السلع والخدمات الأساسية إلى تعزيز تطلعات الهجرة لدى الشباب.
كما أدت التحولات الجيوسياسية الكبرى، مثل تراجع التعاون الدولي وزيادة القيود التجارية، إلى ارتفاع مستويات عدم اليقين العالمي وإبطاء النمو الاقتصادي. علاوةً على ذلك، قامت الولايات المتحدة بخفضٍ كبير في المساعدات الإنمائية الرسمية في أوائل عام 2025م، مع قيام اقتصادات أخرى مرتفعة الدخل باتباع النهج ذاته لزيادة الإنفاق الدفاعي، وقد أثرت هذه الإجراءات سلباً في القطاع الصحي في الاقتصادات الإفريقية، حيث يُتوقع أن تنخفض المساعدات الصحية بنسبة تصل إلى 40%، بما يؤدي إلى فقدان مباشر للوظائف، إلى جانب تدهور النتائج الصحية وارتفاع معدلات الوفيات.
على نحوٍ آخر، يُبرز التقرير كيف يؤثر عدم الاستقرار السياسي في أسواق العمل داخل إفريقيا، على سبيل المثال: أدت الانقلابات في مالي (2020 و2021م)، وبوركينا فاسو (2022م)، والنيجر (2023م)، إلى تداعيات اقتصادية وتشغيلية عميقة، شملت فرض عقوبات اقتصادية وتعليق المساعدات الدولية، إضافةً إلى تعطيل قطاع الزراعة الذي يُعدّ مصدراً رئيسياً لتوظيف الشباب في هذه الدول.
وقد أدت كذلك إلى تفاقم انعدام الأمن الغذائي وتقليص فرص العمل المتاحة للشباب، كما أن انسحاب هذه الدول من المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) في يناير 2025م مثَّل تراجعاً في مسار التكامل الإقليمي والتجارة، بما يؤثر في هذه الدول غير الساحلية وعلى منطقة غرب إفريقيا بشكلٍ أوسع.
ويُبرز الشكل رقم (3) العوامل المتداخلة التي تؤثر في أزمة فرص العمل في إفريقيا، من خلال تفاعل الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية والتحولات الديموغرافية والاستقرار السياسي:
شكل رقم (3):

أزمة فرص العمل في إفريقيا.. تفاعل العوامل الاقتصادية والجيوسياسية والديموغرافية:
Source: «Africa Youth Employment Outlook 2026», (World Data Lab, Mastercard Foundation and University of Cape Town’s Development Policy Research Unit, Feb 10, 2026).
ومن أجل تهيئة بيئة مواتية لفرص عمل الشباب، ينبغي للدول الإفريقية- كما يوصي التقرير- إعطاء الأولوية للإدارة المالية الرشيدة، وإستراتيجيات معالجة الديون، ووضع سياسات تحمي الإنفاق العام في قطاعَي الصحة والتعليم من الصدمات الخارجية وتكاليف خدمة الدين المرتفعة. كما يتعين على صانعي السياسات تعزيز الاستقرار السياسي والتكامل الإقليمي للحدّ من المخاطر الكلية التي تؤثر بشكل مباشر في فرص تشغيل الشباب داخل السوق الإفريقي.
ختاماً، وفي ضوء ما يُقدّمه تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م»، تبدو القارة الإفريقية أمام وضع مركّب، يجمع بين فرصة ديموغرافية واسعة النطاق وتحديات هيكلية ممتدة في بنية سوق العمل. فعلى الرغم من استمرار ثقل القطاع غير الرسمي ومحدودية الوظائف المستقرة؛ يكشف التقرير عن تحولات تدريجية لافتة، أبرزها اتساع قطاع الخدمات، وتزايد التحضر، وتنامي الارتباط بالأنشطة الاقتصادية الحديثة، بما يعيد تشكيل طبيعة الفرص المتاحة أمام الشباب.
وفي النهاية، تشير معطيات التقرير- في مجملها- إلى أن قضايا تشغيل الشباب الإفريقي لا يمكن فصلها عن البيئة الاقتصادية الكلية، بما تحمله من ضغوط مالية وصدمات خارجية، إلا أن ذلك لا يعني غياب هوامش المناورة، فهناك مسارات قابلة للتعزيز، تقوم على تطوير التعليم وربطه باحتياجات السوق، ودعم التكامل الإقليمي، وتوسيع قاعدة القطاعات الإنتاجية، خاصةً تلك المرتبطة بالتحول الحضري والخدمات. ومن ثَمَّ، فإن ما يطرحه التقرير لا يقوم على تصوّر مغلق أو متشائم للأزمة؛ بقدر ما يعكس مرحلةً انتقالية تتحدد نتائجها النهائية بمدى قدرة الدول الإفريقية على تحويل التحولات الجارية إلى فرص نمو أكثر استدامة.
———————
مصدر تقرير «توقعات تشغيل الشباب الإفريقي 2026م»:
Africa Youth Employment Outlook 2026, (World Data Lab, Mastercard Foundation and University of Cape Town’s Development Policy Research Unit, Feb 10, 2026), Accessible at: متاح على الرابط
The post تشغيل الشباب الإفريقي 2026: قراءة في الفرص الديموغرافية وتحديات سوق العمل ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>
يأتي هذا المقال محاولاً تقديم قراءة في تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م لتفكيك مسارات التحول الرقمي في إفريقيا، وبيان أبعاده المؤسسية والتنموية، واستكشاف ما يتيحه من فرص وما يطرحه من تحديات أمام إعادة تشكيل أنماط الحوكمة في القارة.
The post التحول الرقمي في إفريقيا.. قراءة في ضوء تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>مقدمة:
يشهد التحول الرقمي في إفريقيا تحولاً متدرجًا، لم يعد يقتصر على تحسين البنية التحتية للاتصال، بل امتد ليشمل رقمنة القطاعات الحيوية داخل الإدارة العامة ومنظومة تقديم الخدمات. وفي هذا السياق، تبرز الرقمنة القطاعية باعتبارها مساراً مهماً لتعزيز كفاءة الدولة، وتحسين جودة الخدمات المقدمة، ودعم مسارات التنمية الشاملة؛ إذ باتت الحكومات الإفريقية تدرك بشكلٍ متزايد أن تطوير مجالات مثل التعليم، والزراعة، والطاقة، والمالية، والعدالة، والصحة، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتبنّي تكنولوجيات رقمية متكاملة وقابلة للتشغيل البيني.
غير أن مسار الحوكمة الرقمية والتحول الرقمي في إفريقيا لا يزال يتسم بالتفاوت، في ظل استمرار اعتماد العديد من المؤسسات على نظم تقليدية وقواعد بيانات مجزأة وبنية تحتية رقمية محدودة، وهو ما يجعل الإصلاحات القطاعية، في كثيرٍ من الأحيان، عاجزةً عن تحقيق تحوّل حقيقي، ما لم تُدعَم بتقدم موازٍ في قطاعات أخرى.
في ضوء ذلك، يأتي هذا المقال محاولاً تقديم قراءة في تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م لتفكيك مسارات التحول الرقمي القطاعي في إفريقيا، وبيان أبعاده المؤسسية والتنموية، واستكشاف ما يتيحه من فرص وما يطرحه من تحديات أمام إعادة تشكيل أنماط الحوكمة في القارة، وذلك وفقاً للمحاور الرئيسة الآتية:
أولاً: تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م.. الخلفية والبنية.
ثانياً: تفكيك مضامين التقرير.. التحول الرقمي عبر القطاعات الحيوية.
خاتمة: (نحو نموذج حوكمة رقمي إفريقي).
يصدر تقرير «الحوكمة الإلكترونية في إفريقيا 2026م.. الرقمنة عبر مختلف القطاعات» عن مركز الدراسات الإفريقية Center for African Studies التابع لجامعة المدرسة العليا للاقتصاد HSE University في موسكو، وهو مركز بحثي أُسس عام 2020م استجابةً لتزايد أهمية القارة الإفريقية في توجهات السياسة الخارجية والانخراط الاقتصادي لروسيا. ويختص المركز بإجراء بحوث تحليلية تركز على الأسواق الإفريقية، مع تقييم ما يرتبط بها من مخاطر مالية وقانونية وسياسية، بما يدعم صناع القرار ويعزز فهم طبيعة التفاعلات الاقتصادية والسياسية مع القارة.
أما من حيث البنية- أو أبرز المحاور- فيتناول التقرير مجموعة من الأبعاد التي تعكس مسار التحول الرقمي في إفريقيا ودوره في دعم الحوكمة وتعزيز كفاءة مؤسسات الدولة، حيث يبدأ بعرض كيفية توظيف التقنيات الحديثة في تحسين تعبئة الموارد المالية المحلية من خلال رقمنة الإدارة المالية، بما يسهم في زيادة الشفافية وتعزيز الإيرادات العامة. ثم ينتقل إلى مسألة التحول من النظم الورقية إلى النظم الرقمية في التحقق من الهوية، باعتبارها ركيزةً أساسية لتقديم الخدمات الحكومية بكفاءة وضمان وصولها إلى المواطنين. كما يناقش التقرير دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في إدارة قطاع الطاقة، من حيث تحسين كفاءة التشغيل وتعزيز الاستدامة.
وفي السياق الزراعي، يسلط الضوء على استخدام الأدوات الرقمية في دعم المزارعين وبناء نظم زراعية أكثر قدرةً على التكيف مع التحديات، خاصةً المناخية منها. ولا يُغفل التقرير قطاع العدالة، حيث يتناول رقمنة المحاكم والخدمات القانونية، بما يسرّع إجراءات التقاضي ويعزز الوصول إلى العدالة. وفي القطاع الصحي، يُبرز التقرير أهمية استخدام البيانات والتقنيات الرقمية في تحسين جودة الخدمات الصحية وتوسيع نطاقها. بينما يركز في قطاع التعليم على العلاقة التبادلية بين التكنولوجيا والتعليم، سواءٌ من خلال إعداد كوادر متخصصة في تكنولوجيا المعلومات أو توظيف هذه التكنولوجيا في تطوير العملية التعليمية. وتتكامل هذه المحاور لتقديم رؤية معمقة حول دور التحول الرقمي في إفريقيا إعادة تشكيل أنماط الحوكمة والتنمية.
في هذا السياق، نسعى إلى تسليط الضوء على أبرز ما تناوله تقرير الحوكمة الإلكترونية لعام 2026م بشأن القارة الإفريقية- وهو المُخصَّص بأكمله للتحول الرقمي في إفريقيا- وذلك من خلال قراءة أهم محاوره الآتية:
يلعب النظام الضريبي دوراً محورياً في دعم التنمية الاقتصادية في إفريقيا، إذ يرتبط بتوفير السلع العامة، وإعادة توزيع الدخل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وترسيخ المساءلة الحكومية. وفي هذا المنحى، تُعدّ الإيرادات الضريبية أداةً أساسية لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية وعوائد الموارد الطبيعية، بما يعزز الاستقلال المالي للدول، وهو ما يتفق مع أجندة الاتحاد الإفريقي 2063م التي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدول على تعبئة مواردها المحلية. ورغم أن هذا المسار يُمثل خياراً واعداً؛ فإن مستويات تعبئة الإيرادات لا تزال منخفضة نسبياً، ما يفتح المجال أمام إصلاحات في السياسات الضريبية وتحسين كفاءة الإدارة الضريبية.
وفي ظل هذه التحديات، برزت رقمنة الإدارة الضريبية كأحد المسارات الرئيسية لتحسين كفاءة التحصيل وتوسيع القاعدة الضريبية. وتشمل هذه الجهود إنشاء منصات إلكترونية لتسجيل الممولين وتقديم الإقرارات وسداد الضرائب، إلى جانب تطبيق أنظمة الإقرارات الضريبية الرقمية التي تسهم في تقليل الأخطاء وتسريع المعالجة وتعزيز قدرات الفحص عبر تحليل البيانات.
ولعل من أبرز هذه التجارب منصة iTax في كينيا، التي أطلقتها هيئة الإيرادات الكينية عام 2014م كنظام إلكتروني يمكن الدخول إليه في الإنترنت عبر المتصفح، بهدف تحديث وأتمتة وتبسيط إدارة الضرائب، وقد أصبح استخدامها إلزامياً منذ 2015م، وتضم أكثر من 8 ملايين دافع ضرائب نشط، وتعالج نحو 200 ألف إقرار ضريبي شهرياً، مع دمجها بخدمات الدفع عبر الهاتف المحمول بما يُسهّل سداد الضرائب.
وفي السياق ذاته، تُمثل تجارب أخرى لدولٍ مثل غانا ورواندا وإثيوبيا وتنزانيا نماذج لفعالية التحول الرقمي في إفريقيا، حيث تُعدّ المدفوعات الإلكترونية ركيزةً أساسية في هذا التحول، إذ يتيح التكامل مع البنوك والمنصات الرقمية تحويل المستحقات مباشرةً إلى الخزانة العامة، في سياقٍ يشهد انتشاراً واسعاً لخدمات الأموال عبر الهاتف المحمول في إفريقيا جنوب الصحراء، التي تستحوذ على نحو 43% من إجمالي الحسابات عالمياً، ويسهم هذا الانتشار في تسهيل سداد الضرائب بسرعة وأمان عبر الهواتف المحمولة، بما يعزز مسار التحول الرقمي في إفريقيا للإدارة الضريبية في القارة.
ورغم هذه التطورات؛ لا تزال عملية الرقمنة داخل إفريقيا تواجه تحديات عديدة، أبرزها اتساع حجم الاقتصاد غير الرسمي وغياب الحوافز الكافية للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، مثل الحصول على الائتمان والعقود الحكومية والحماية الاجتماعية، وهو ما يحد من فعالية التحول الرقمي في إفريقيا في رفع الإيرادات. كما يواجه هذا التحول عائقاً آخر يتمثل في ضعف الجاهزية الرقمية لدى شريحة واسعة من الممولين، خاصةً في المناطق الريفية، حيث يفتقر كثيرٌ من الأفراد إلى المهارات اللازمة لاستخدام المنصات الإلكترونية والدفع الرقمي، في ظل بقاء مستويات المشاركة الإلكترونية منخفضة في معظم الدول الإفريقية، ما يعكس استمرار الفجوة الرقمية كأحد أبرز التحديات البنيوية أمام رقمنة الإدارة الضريبية.
يواجه قطاع الطاقة في إفريقيا تحديات هيكلية عميقة لا تقتصر على محدودية القدرة الإنتاجية، بل ترتبط بدرجة أكبر بضعف كفاءة الإدارة، وهشاشة التنسيق، وعدم عدالة توزيع الكهرباء على المستويين الوطني والإقليمي. ففي عام 2023م، كان نحو 45% من سكان إفريقيا جنوب الصحراء يفتقرون إلى الوصول إلى الكهرباء، في حين تتجاوز نسبة الوصول 99% في دول شمال إفريقيا باستثناء ليبيا (73%) والسودان (66%). ورغم الجهود المبذولة؛ فإن التقدم في تقليص هذه الفجوة لا يزال بطيئاً، إذ حصل 35 مليون شخص على الكهرباء في العام نفسه، مقابل زيادة سكانية بلغت 30 مليون نسمة، ما يعني أن الفجوة تقلصت بشكل محدود. وتتركز أكبر فجوات الوصول إلى الكهرباء عالمياً في نيجيريا (86.6 مليون شخص)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (79.6 مليون شخص)، وإثيوبيا (56.4 مليون شخص)، التي تُمثل معاً أكثر من ثلث المحرومين من الكهرباء في العالم.
ولا تتوقف الأزمة عند حدود الوصول، بل تمتد إلى جودة واستقرار الإمدادات، حيث تعاني حتى المناطق المرتبطة بالشبكات من انقطاعات متكررة، خاصةً خلال ساعات الذروة. ويعود ذلك إلى تقادم البنية التحتية وضعف كفاءة الإدارة، وهو ما ينعكس في تعرض نحو 71% من الشركات في إفريقيا جنوب الصحراء لانقطاعات كهربائية في عام 2024م، مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ 45%. كما تؤدي الشبكات غير الكفؤة والربط غير القانوني إلى فقدان نحو ربع الكهرباء المنتجة، بخسائر تتجاوز 3 مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن الاعتماد الواسع على مولدات الديزل مرتفعة التكلفة والملوثة.
في هذا السياق، تبرز الرقمنة كأداة عملية لمعالجة هذه التحديات وتحسين كفاءة القطاع، ويأتي انتشار العدادات الذكية كأحد أبرز مظاهر التحول الرقمي في إفريقيا، إذ تتيح هذه العدادات قياس الاستهلاك بدقة وفي الوقت الفعلي، مما يساعد على تقليل الفاقد، والكشف عن الاستهلاك غير القانوني، وتحسين نظم الفوترة والتحصيل، كما تمنح المستهلكين قدرةً أكبر على متابعة استهلاكهم وترشيده، خاصةً عند ربطها بأنظمة الدفع المسبق والتطبيقات الرقمية. وتُظهر البيانات تفاوتاً واضحاً في انتشار هذه العدادات بين الدول الإفريقية، حيث تتقدم دولٌ مثل مصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا في تبنيها مقارنةً بدول أخرى لا تزال في مراحل أولية، وهو ما يعكس فجوة رقمية داخل القارة نفسها.
وحول توزيع العدادات الذكية على نطاق القارة الإفريقية، فيوضحها الشكل أدناه كما يلي، علماً بأن هذه الأرقام تشير إلى إجمالي عدد العدادات الذكية المثبتة في ذلك البلد:
شكل رقم (1):
توزيع العدادات الذكية داخل القارة الإفريقية- تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م:

Source: Adapted from: Andrey Maslov (Ed.), «E-Governance in Africa 2026: Digitalisation Across Sectors», (Moscow: HSE Center for African Studies, 2026), P.55.
وإلى جانب ذلك، تسهم الرقمنة عموماً في تعزيز استقرار الشبكات عبر تحسين سرعة الاستجابة للأعطال، وخفض التكاليف من خلال تقليل الفاقد، وتعزيز الشفافية عبر إتاحة بيانات دقيقة لصناع القرار، كما تدعم نماذج جديدة لإدارة الطاقة، خاصةً في المناطق غير المخدومة من خلال الشبكات الصغيرة والطاقة الشمسية المنزلية. وفي المجمل، تشير التقديرات إلى أن تبنّي هذه الحلول- وفي مقدمتها العدادات الذكية- يمكن أن يوفر نحو 10 مليارات دولار سنوياً بحلول عام 2030م، بما يعزز كفاءة واستدامة قطاع الطاقة في إفريقيا.
وعلى الرغم من المزايا الواضحة للتحول نحو الرقمنة في قطاع الطاقة؛ فإن هذه العملية تطرح جملة من التحديات الهيكلية التي ينبغي للحكومات والشركات المعنية أخذها في الاعتبار، إذ يتطلب تنفيذ تقنيات مثل العدادات الذكية، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة الاتصالات، وبرمجيات إدارة الشبكات- مثل أنظمة SCADA (وهي أنظمة للتحكم الإشرافي وجمع البيانات، تتيح مراقبة الشبكات الكهربائية وإدارتها في الوقت الفعلي) وADMS (أنظمة متقدمة لإدارة توزيع الكهرباء وتحسين كفاءته)- استثمارات مالية ضخمة، وهو ما يُمثل عبئاً كبيراً على المرافق الكهربائية في العديد من الدول الإفريقية التي تعاني بالفعل من قيود مالية حادة، فعلى سبيل المثال: بلغت تكلفة إنشاء نظام وطني متكامل لـ SCADA في كينيا نحو 96 مليون دولار أمريكي.
في حين يتطلب تعميم العدادات الذكية على جميع المستهلكين استثمارات إضافية بعشرات الملايين من الدولارات. ولا تقتصر التحديات على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتشمل متطلبات تطوير البنية التحتية الداعمة، خاصةً في مجال الاتصالات، مثل شبكات الألياف الضوئية أو الشبكات الخلوية أو الأقمار الصناعية أيضاً، ما يزيد من كلفة المشروعات ويجعل تنفيذها في كثير من الحالات مرهوناً بالدعم الحكومي أو التمويل الدولي أو الشراكات مع القطاع الخاص.
وإلى جانب ذلك، يبرز تحدٍ آخر يتمثل في عدم مواكبة الأطر القانونية والتنظيمية للتطور التكنولوجي المتسارع، ولا سيما فيما يتعلق بحماية البيانات، ومعايير التشغيل البيني، وأمن المعلومات، فضلاً عن تنظيم آليات مثل فصل الخدمة عن المتعثرين، وهو ما يفرض ضرورة تطوير بيئة تنظيمية مرنة وقادرة على استيعاب التحول الرقمي في إفريقيا في قطاع الطاقة.
إضافةً إلى ما سبق؛ تواجه عملية الرقمنة نقصاً في الكوادر البشرية المؤهلة، حيث تحتاج الأنظمة الرقمية إلى خبرات في مجالات تحليل البيانات، والأمن السيبراني، وإدارة الشبكات الذكية، وهي مهارات لا تزال محدودة داخل العديد من المرافق التقليدية، إذ يمكن للهجمات الإلكترونية أن تستهدف أنظمة التحكم والشبكات الذكية وتعطل الخدمات الحيوية، كما حدث في هجوم الفدية الذي استهدف شركة City Power في جوهانسبرغ عام 2019م، وأدى إلى شلل جزئي في خدمات الكهرباء.
استناداً إلى ما ورد في هذا المحور؛ يوضح الشكل رقم (2): كيف يمكن لتقنيات الرقمنة أن تسهم في الحد من فاقد الطاقة، من خلال تحسين كفاءة القياس والمتابعة اللحظية للاستهلاك، وتعزيز القدرة على كشف الأعطال والتجاوزات، بما يدعم إدارة أكثر كفاءة وفعالية لشبكات الكهرباء.
شكل رقم (2):
تقنيات الرقمنة والحد من فاقد الطاقة- تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م:

Source: Andrey Maslov (Ed.), «E-Governance in Africa 2026: Digitalisation Across Sectors», Op.Cit.
يُمثل القطاع الزراعي أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الإفريقي، إذ تعتمد عليه غالبية الدول في مجالات الزراعة والغابات وصيد الأسماك وتربية الماشية. ويُسهم هذا القطاع في المتوسط بنحو 30–40% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الإفريقية، مع تباين واضح بين الدول، حيث ينخفض في دولٍ مثل بوتسوانا إلى 2%، بينما يرتفع في دولٍ مثل سيراليون وتشاد ليصل إلى 55–60%. وإلى جانب كونه قطاعاً اقتصادياً رئيسياً، يُعدّ- أي قطاع الزراعة- المصدر الأهم للتشغيل في القارة، إذ يعمل به ما يصل إلى 70% من إجمالي القوى العاملة.
وعلى سبيل المثال: يسهم القطاع الزراعي في تنزانيا بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما يوظف حوالي ثلاثة أرباع السكان في سن العمل، في حين تصل مساهمته في جزر القمر إلى 36.6% من الناتج المحلي الإجمالي مع تشغيل نحو 70% من السكان.
وفي سياق هذا القطاع الحيوي للاقتصاد الإفريقي، تُمثل الرقمنة والتحول الرقمي في إفريقيا ركيزةً أساسية لتعزيز كفاءة الزراعة واستدامتها، حيث تتيح تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة وأنظمة التحكم الآلي إمكانيات واسعة لتحسين الإنتاجية وتقليل الفاقد وتعظيم كفاءة استخدام الموارد، كما تسهم تقنيات مثل نظم المعلومات الجغرافية والطائرات المسيّرة وأنظمة الري الذكي في رفع كفاءة الإنتاج دون الحاجة إلى التوسع الأفقي في الأراضي، بما يدعم التحول نحو الزراعة الدقيقة ويمنح صغار المزارعين أدوات متقدمة للتنبؤ بالمحاصيل ومراقبة صحة التربة والنباتات.
وفي الوقت ذاته، تبرز أهمية الرقمنة في إدارة توزيع الموارد الزراعية، إذ توفر المنصات الرقمية المركزية، المدعومة بأنظمة تتبع لحظية لسلاسل الإمداد، آليةً فعّالة لتحسين إدارة المدخلات المدعومة مثل الأسمدة والبذور، من خلال قصر الوصول على الجهات المسجلة وتتبع حركة هذه المدخلات من الإنتاج أو الاستيراد وحتى الاستخدام النهائي. ويسهم هذا النهج في تقليل الهدر، والحد من التسريب والتهريب، وتحسين كفاءة النقل، فضلاً عن تمكين الجهات التنظيمية من الوصول إلى بيانات آنية تدعم الرقابة وتحليل الأسواق واتخاذ قرارات أكثر دقة، بما يعزز من الدور الإستراتيجي للرقمنة في تطوير القطاع الزراعي الإفريقي.
وتُظهر التجارب الإفريقية نجاحات ملموسة في هذا المجال، كما في حالة نيجيريا، حيث أسهم برنامج دعم الأسمدة عبر المحافظ الإلكترونية ضمن «برنامج دعم النمو الزراعي» GESS خلال الفترة 2012–2014م في زيادة استخدام الأسمدة بنسبة 16%، ورفع الإنتاج الزراعي بنسبة 47%، وتحسين الإنتاجية بنحو 38%. وعلى النهج نفسه، أطلقت كينيا برنامج القسائم الإلكترونية للأسمدة عام 2025م، بينما طورت رواندا نظام Smart Nkunganire الذي يعتمد على منطق التتبع الرقمي والدعم الموجّه.
وفي تنزانيا، أُطلق في ديسمبر 2024م نظام إلكتروني تابع لشركة الأسمدة التنزانية بهدف تحسين كفاءة توزيع الأسمدة المدعومة وتقليل التكاليف اللوجستية، إلى جانب تشغيل بوابة «نظام معلومات الأسمدة» التابعة لهيئة تنظيم الأسمدة الحكومية، والتي تتابع سلسلة الإمداد من الاستيراد حتى التوزيع والاستخدام، وتوفر بيانات دقيقة لدعم الرقابة ومكافحة التهريب.
وعلى الرغم من استمرار فجوات المعرفة، وضعف الوصول إلى الخبرات الزراعية في المناطق الريفية الإفريقية، فإن التجارب الحديثة في توظيف أدوات التعليم الرقمي تشير إلى أن هذه التحديات- رغم طابعها الهيكلي- قابلة للمعالجة التدريجية، وأن التحول الرقمي في إفريقيا له قدرة حقيقية على إحداث أثر ملموس في هذا السياق المحلي، فقد أثبتت منصات التعلم عبر الهاتف المحمول، وخدمات الرسائل النصية، وروبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي فاعليتها في تجاوز العوائق الجغرافية، وتقديم إرشادات زراعية ملائمة للسياقات المحلية، وتمكين المزارعين من الوصول السريع إلى المعلومات والخبرات الفنية.
ومع ذلك، لا تزال الممارسات المجتمعية والتقليدية تحتفظ بدورٍ محوري في نقل المعرفة، وهو ما يعكس أن فعالية الأدوات الرقمية تتعزز بشكلٍ أكبر عندما تُدمج ضمن هياكل الدعم المحلي القائمة، بدلاً من أن تحل محلها.
يُمثل مبدأ سيادة القانون أحد الركائز الأساسية للحوكمة الفعّالة والتنمية المستدامة، حيث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدد من مؤشرات الازدهار مثل الدخل، وجودة البيئة، وحقوق الأقليات، والصحة، والتعليم، والمساواة، وهو ما ينعكس في الأطر الدولية والإقليمية، ولاسيما في الهدف الـ 16 من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة المتعلق بـ«السلام والعدالة والمؤسسات القوية»، وكذلك في أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، خصوصاً الطموح الثالث الذي يدعو إلى «إفريقيا التي تتمتع بالحوكمة الرشيدة والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والعدالة وسيادة القانون».
ومع ذلك، لا تزال العديد من الدول الإفريقية تواجه تحديات عميقة في هذا المجال، من أبرزها ضعف البنية التحتية، وصعوبة الوصول إلى الخدمات القانونية نتيجة العوائق الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية، إلى جانب تدني مستويات الثقة في المؤسسات القضائية، فضلاً عن بعض التداخل بين المعايير الدولية والأولويات الوطنية، وبين القضاء الرسمي المستند إلى إرث ما بعد الاستعمار وآليات العدالة العرفية التقليدية.
في هذا السياق، يبرز التحول الرقمي كأداة لا غنى عنها لإعادة تشكيل منظومات العدالة، من خلال توسيع نطاق الوصول إلى الخدمات القانونية، وتعزيز الشفافية، ورفع الكفاءة التشغيلية للمؤسسات القضائية. وفي هذا المنحى يصبح قطاع العدالة جزءاً من موجة التحول الرقمي في إفريقيا التي تسارعت خلال العقدين الأخيرين، مع إدخال أنظمة إدارة القضايا، ومنصات التواصل الإلكتروني، وأدوات الأتمتة الإجرائية. وقد ساهمت جائحة كوفيد-19 في تسريع هذا المسار، مبرزةً أهمية الحلول الرقمية لضمان استمرارية عمل المحاكم في أوقات الأزمات.
ورغم بعض هذه التطورات؛ لا يزال الوصول إلى العدالة في إفريقيا مقيداً بعوائق هيكلية واقتصادية واجتماعية، أبرزها ارتفاع تكاليف التقاضي، بما في ذلك الرسوم وأتعاب المحامين وتكاليف التنقل، إضافةً إلى التفاوت الجغرافي بين المناطق الحضرية والريفية، ففي حين تتركز المحاكم والخدمات القانونية في المدن؛ تعاني المناطق النائية من ضعف البنية التحتية وصعوبة الوصول إلى المؤسسات القضائية، مما يؤدي إلى تأجيل القضايا أو التخلي عنها، كما يسهم ضعف الوعي القانوني في تعميق هذه الفجوات، ويحد من قدرة المواطنين على استخدام النظام القضائي بفعالية.
وبشكلٍ مواز؛ يُقدّم التحول الرقمي حلولاً تدريجية لهذه التحديات، من خلال أنظمة إدارة القضايا الإلكترونية، وأدوات سير العمل الرقمي، والتقديم الإلكتروني للدعاوى، التي تعزز الكفاءة وتحد من التدخلات غير الرسمية. وتساهم هذه الأنظمة في تحسين الشفافية عبر تتبع مراحل القضايا وتوحيد الإجراءات، كما في تجارب دول مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، حيث يساعد الإسناد التلقائي للقضايا في تقليل التدخل البشري وتعزيز الرقابة المؤسسية والمجتمعية. كما تتيح الرقمنة للمؤسسات القضائية الوصول إلى بيانات لحظية حول حجم القضايا ومدد التقاضي، بما يدعم التخطيط المؤسسي ويعزز استقلال القضاء في مواجهة السلطة التنفيذية، خاصةً عندما تُبنى القرارات على بيانات دقيقة بدلاً من تقارير مجزأة.
كما يتيح التحول الرقمي في إفريقيا معالجة بعض المعضلات المتعلقة بالإرث الاستعماري، خصوصاً ما يتعلق باللغة باعتبارها عائقاً أمام العدالة. ورغم صعوبة الانتقال الكامل إلى اللغات المحلية داخل مؤسسات القضاء؛ توفر التقنيات الرقمية حلولاً وسيطة مثل الترجمة الآلية، والنسخ الرقمي، والواجهات متعددة اللغات، بما يسمح للمواطنين بالتفاعل مع النظام القضائي بلغاتهم الأصلية حتى مع استمرار الإجراءات الرسمية باللغات الموروثة من الحقبة الاستعمارية. وفي هذا الإطار، تُقدّم تنزانيا مثالاً مهماً، حيث أسهم نظام قائم على الذكاء الاصطناعي لتسجيل وترجمة جلسات المحاكم بين اللغة السواحيلية والإنجليزية في تحسين انسيابية الإجراءات وتقليل تراكم القضايا، بما يعكس الإمكانات العملية للتكنولوجيا في تعزيز كفاءة وعدالة النظام القضائي.
تشهد القارة الإفريقية في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً نحو الرقمنة في قطاع التعليم، مدفوعاً بتنامي دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في دعم مسارات «الاستثمار في رأس المال البشري»، غير أن هذا التحول الطموح يصطدم بواقع «الفجوة الرقمية»، التي لا تزال تُمثل أحد أبرز العوائق أمام تعميم التعليم الرقمي في إفريقيا، فعلى الرغم من الإمكانات التحويلية التي توفرها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات؛ فإن انتشارها في قطاع التعليم يواجه تحديات بارزة، في مقدمتها ضعف البنية التحتية الرقمية، ومحدودية الوصول إلى الإنترنت، حيث لا يزال عدد كبير من الأسر والمؤسسات التعليمية يفتقر إلى اتصال موثوق بالشبكة، الأمر الذي يقيّد قدرة الطلاب على الاستفادة من الموارد التعليمية الرقمية، ويُعمّق من أوجه عدم المساواة فيما يتعلق بالاستفادة من الفرص التعليمية.
وفي هذا الإطار، تكشف بيانات «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة – اليونسكو» عن حجم هذه الفجوة بوضوح، إذ إن أكثر من 92% من الأسر في إفريقيا جنوب الصحراء لم تكن تمتلك حاسوباً حتى عام 2020م، كما أن نحو 86% منها لم يكن لديه اتصال بالإنترنت، مقارنةً بمستويات أفضل نسبياً في شمال إفريقيا، علماً أن امتلاك الأجهزة الرقمية يتركز بشكلٍ كبير بين الفئات الأكثر ثراءً، ما يعكس اختلالاً واضحاً في تكافؤ الفرص التعليمية المرتبطة بالتكنولوجيا، حتى على مستوى التعليم العالي لا تتجاوز نسبة الطلاب الذين يمتلكون اتصالاً منزلياً بالإنترنت نحو 30%، في حين لا يمتلك سوى 42% منهم حواسيب شخصية، وهو ما يعكس محدودية الانتشار الفعلي للأدوات الرقمية داخل البيئة التعليمية.
ورغم تحديات التحول الرقمي في إفريقيا؛ تظل الرقمنة أداةً واعدة لإعادة تشكيل مستقبل التعليم في إفريقيا، خاصةً في ظل انتشار حلول منخفضة التكلفة مثل تطبيقات الهواتف المحمولة وخدمات الرسائل النصية، التي تسهم في توسيع نطاق الوصول إلى المعرفة، كما يُمثل الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، إلى جانب تنمية المهارات التكنولوجية لدى المعلمين والطلاب، مدخلاً أساسياً لتقليص الفجوة الرقمية وتحقيق تحوّل تعليمي أكثر شمولاً واستدامة.
وفي هذا الإطار، تبرز تجارب وطنية رائدة تسعى إلى توظيف الرقمنة بشكلٍ منهجي، كما هو الحال في رواندا، حيث قامت وزارة التعليم بوضع خطة رئيسية شاملة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التعليم عام 2015م، والتي تضمنت تطوير منصات تعليمية قائمة على الحوسبة السحابية لتوزيع الكتب الإلكترونية التفاعلية، مع إتاحة الوصول إليها دون اتصال بالإنترنت، ودعم استخدامها عبر أجهزة متعددة بسلاسة.
كما اعتمدت المؤسسات التعليمية مجموعة من أنظمة إدارة التعلم، مثل: مودل، وساكاي، وبلاك بورد، ومايكروسوفت تِيمز، وجوجل كلاس روم، والتي طُبّقت في عدد من الجامعات. وفي إطار تحديث البيئة الدراسية، أُطلقت مبادرات مثل برنامج «الفصول الذكية في رواندا»، الذي يهدف إلى تزويد المدارس بالأدوات متعددة الوسائط، والأجهزة اللوحية، وخدمات الاتصال بالإنترنت، بما يعزز من كفاءة العملية التعليمية ويواكب متطلبات العصر الرقمي.
وامتداداً لهذا التوجه؛ عززت رواندا رقمنة التعليم التقني والمهني عبر إنشاء مجلس التعليم والتدريب التقني والمهني TVET في عام 2020م، بهدف الارتقاء بجودة التعليم الفني والتدريب المهني، حيث يتولى هذا المجلس تنسيق البرامج الوطنية الموجهة لتطوير هذا القطاع، إلى جانب تقديم خدمات رقمية داعمة، من بينها نظام المعلومات الجغرافية لمدارس التعليم الفني، الذي يوفر قاعدة بيانات تفاعلية وشاملة حول مؤسسات التعليم والتدريب التقني في البلاد، بما يسهم في تحسين التخطيط واتخاذ القرار.
ضمن هذه المسارات الإفريقية الناجحة؛ تُمثل الرقمنة في التعليم بإفريقيا فرصةً نوعية لإعادة تشكيل منظومات التعلم وتجاوز القيود التقليدية التي طالما أعاقت اتساعه وجودته، لكنها في الوقت ذاته تكشف عن عقبات لا يمكن تجاهلها، فبين الإمكانات الواعدة والتحديات القائمة؛ يظل مستقبل التعليم الرقمي في إفريقيا مرهوناً بقدرة الدول على تحويل الرقمنة من أداة تقنية إلى مشروع تنموي شامل.
خاتمة (نحو نموذج حوكمة رقمي إفريقي):
في النهاية، وفي ضوء ما كشفه تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م، لا تبدو الرقمنة في إفريقيا كمسار خطي يسير بالوتيرة نفسها في كل الدول أو القطاعات، بل كعملية متشابكة تتقدم في مواضع وتتعثر في أخرى، وفقاً لثقل التحديات المحلية وقدرة المؤسسات على التكيّف، فبينما تكشف بعض التجارب عن قدرة لافتة على توظيف التكنولوجيا في تحسين الأداء الحكومي وتوسيع نطاق الخدمات؛ تظل فجوات البنية التحتية والمعرفة والتمويل حاضرة بقوة، تفرض إيقاعها على مسار التحول الرقمي في إفريقيا.
وهنا تحديداً؛ يتجلى أن المعضلة لا تتعلق فقط بإدخال أدوات رقمية جديدة، بل بإعادة التفكير في كيفية إدارة الدولة نفسها، وفي طبيعة العلاقة التي تربطها بالمجتمع. ومن هذا المنطلق؛ فإن ما ينتظر القارة ليس مجرد استكمال مشاريع رقمية، بل خوض تجربة أعمق تتعلق ببناء نموذج حوكمة قادر على استيعاب التكنولوجيا دون أن يفقد حساسيته للسياق المحلي، فنجاح الرقمنة لن يُقاس بعدد المنصات أو التطبيقات، بقدر ما يُقاس بقدرتها على تقليص الفجوات، وتوسيع الفرص، وإعادة توزيع الموارد بشكلٍ أكثر عدالةً.
وأخيراً؛ يظل الرهان الحقيقي معلقاً على ما هو أبعد من امتلاك الأدوات الرقمية، إنه رهان الدمج الواعي داخل مشروع تنموي متكامل، تُعاد فيه صياغة التكنولوجيا لتخدم أولويات القارة، وتنطلق من الداخل بوصفها استجابة لاحتياجاتها الحقيقية، لا امتداداً لنماذج وافدة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر التقرير:
Andrey Maslov (Ed.), «E-Governance in Africa 2026: Digitalisation Across Sectors», (Moscow: HSE Center for African Studies, 2026), Accessible at: https://shorturl.at/tnInY
The post التحول الرقمي في إفريقيا.. قراءة في ضوء تقرير الحوكمة الإلكترونية 2026م ظهر للمرة الأولى على قراءات إفريقية.
]]>