أدى رئيس جمهورية الكونغو برازافيل، دينيس ساسو نغيسو، اليمين الدستورية لولاية جديدة مدتها خمس سنوات، خلال مراسم أقيمت في مدينة كينتيلي شمال العاصمة برازافيل، وسط حضور رسمي وجماهيري واسع.
وجاء التنصيب بعد إعادة انتخابه في مارس بنسبة 94.8% من الأصوات، في انتخابات خاضها أمام ستة مرشحين غير معروفين نسبيًا، ما يمدد فترة بقائه في السلطة إلى نحو 42 عامًا في واحدة من أطول فترات الحكم بالقارة الأفريقية.
وقال رئيس جمهورية الكونغو، نغيسو، في خطاب التنصيب إنه لن “يخون الشعب الذي تحشد لتكريمه وإعادة تأكيد دعمه”، مضيفًا أن “زمن السجالات الانتخابية انتهى ليحل محله زمن الوحدة الوطنية”، ومؤكدًا أنه “رئيس لجميع الكونغوليين دون استثناء”.
ويأتي تنصيبه في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية، أبرزها ارتفاع الدين العام مقارنة بالناتج المحلي، إضافة إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، رغم امتلاك البلاد احتياطيات نفطية كبيرة.
ويمثل استمرار رئيس جمهورية الكونغو، نغيسو في الحكم نموذجًا لظاهرة أوسع في أفريقيا، إذ يُعد ثالث أطول القادة الأفارقة بقاءً في السلطة، بعد رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغيما مباسوغو، ورئيس الكاميرون بول بيا.
ويعيد تنصيبه الجدل حول استمرار عدد من الرؤساء الأفارقة في الحكم لعقود طويلة في ظاهرة تعاني منها بلدان القارة يمكن توصيفها بـ”مرض ما بعد الاستعمار”، يرصد هذا التقرير أبرز نماذجها.
تعكس هذه النماذج، وآخرها جمهورية الكونغو، استمرار ظاهرة بقاء القادة الأفارقة في الحكم لعقود طويلة، غالبًا عبر تعديلات دستورية أو ضعف المنافسة السياسية. ويثير ذلك نقاشًا واسعًا حول مستقبل الديمقراطية في القارة.
رئيس جمهورية الكونغو.. حكم على مرحلتين
تولى ساسو نغيسو (82 عامًا) السلطة لأول مرة عام 1979، واستمر في الحكم حتى عام 1992 عندما خسر الانتخابات الرئاسية، لكنه عاد إلى السلطة عام 1997 عقب حرب أهلية قصيرة أطاحت بالرئيس باسكال ليسوبا. ومنذ ذلك الحين، يواصل قيادة البلاد دون انقطاع، مستندًا إلى شبكة تحالفات سياسية وعسكرية واسعة.
وخلال سنوات حكمه، أجرى ساسو نغيسو تعديلات دستورية عدة، أبرزها استفتاء عام 2015 الذي ألغى القيود على عدد الولايات وسن الرئيس، ما سمح له بالترشح مجددًا. كما استفاد من ضعف المعارضة وانقسامها، إضافة إلى سيطرة الدولة على المجال السياسي والإعلامي.
ورغم الانتقادات المرتبطة بطول فترة حكمه، يرى مؤيدوه أن استمراره أسهم في الحفاظ على الاستقرار السياسي في بلد شهد صراعات داخلية في التسعينيات. بينما يعتبر منتقدون أن طول البقاء في السلطة حدّ من فرص تداول الحكم وأضعف المؤسسات الديمقراطية.

تيودورو مباسوغو.. أطول الرؤساء بقاءً في الحكم
يتولى رئيس غينيا الاستوائية تيودورو أوبيانغ نغيما (83 عامًا) السلطة منذ عام 1979، بعدما أطاح بعمه فرانسيسكو ماسياس نغيما في انقلاب عسكري. ومنذ ذلك الحين، يواصل حكم البلاد، ليصبح أطول رئيس حالي بقاءً في السلطة في إفريقيا والعالم.
ورغم اعتماد التعددية الحزبية رسميًا في التسعينيات، ظل الحزب الديمقراطي الحاكم يهيمن على المشهد السياسي، فيما فاز أوبيانغ في جميع الانتخابات التي خاضها بنسب مرتفعة. كما عزز نفوذ عائلته داخل الدولة، إذ يشغل نجله منصب نائب الرئيس.

بول بيا.. أربعة عقود في رئاسة الكاميرون
تولى بول بيا (93 عامًا) رئاسة الكاميرون عام 1982 بعد استقالة الرئيس أحمدو أهيجو، ومنذ ذلك الحين ظل في السلطة لأكثر من أربعة عقود. ويعد من أطول الرؤساء بقاءً في الحكم، كما يُعد الأكبر سنًا بين القادة الحاليين.
شهدت فترة حكمه تعديلات دستورية ألغت القيود على عدد الولايات الرئاسية، ما سمح له بالترشح مجددًا. ورغم الانتقادات المتعلقة بطول بقائه في السلطة، يواصل بيا الفوز في الانتخابات التي يخوضها.
وفي 4 أبريل الجاري، وافق برلمان الكاميرون، بأغلبية ساحقة على تعديل دستوري لإعادة منصب نائب الرئيس، وهو إجراء تقول الحكومة إنه سيضمن استمرارية الحكم. بينما ترى المعارضة أنه سيعزز السلطة التنفيذية.
وينص مشروع القانون على أن يتولى نائب الرئيس الرئاسة تلقائيًا في حال وفاة الرئيس بول بيا، أو استقالته، أو عجزه عن ممارسة مهامه.
ويثير استمرار بيا في الحكم جدلاً سياسيًا داخليًا، خصوصًا مع التحديات الأمنية التي تواجه البلاد، إلى جانب المطالبات المتزايدة بتجديد النخبة السياسية وتوسيع المشاركة الديمقراطية.

يوري موسيفيني.. من الاستقلال إلى الحكم الطويل
وصل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني (81 عامًا) إلى السلطة عام 1986 بعد صراع مسلح، ليصبح أحد أطول القادة الأفارقة بقاءً في الحكم. ومنذ ذلك الحين، فاز في جميع الانتخابات الرئاسية التي خاضها منذ اعتماد التعددية الحزبية.
شهدت أوغندا خلال حكمه تعديلات دستورية ألغت القيود المتعلقة بالعمر وعدد الولايات، ما سمح له بالترشح مرة بعد أخرى. كما حافظ موسيفيني على نفوذ قوي داخل المؤسسة العسكرية.

إسياس أفورقي.. الرئيس الوحيد لإريتريا
يتولى إسياس أفورقي قيادة إريتريا منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، ليكون الرئيس الوحيد الذي عرفته البلاد منذ نشأتها. وقد عزز قبضته على السلطة في ظل نظام سياسي مغلق دون انتخابات رئاسية.
وترتبط فترة حكمه بتوترات إقليمية مستمرة، خاصة مع إثيوبيا، إضافة إلى انتقادات دولية تتعلق بالحريات السياسية وغياب المؤسسات المنتخبة.

إسماعيل عمر جيله.. ربع قرن في جيبوتي
يتولى إسماعيل عمر جيله (78 عامًا) رئاسة جيبوتي منذ عام 1999، بعدما خلف الرئيس السابق حسن جوليد أبتيدون. ومنذ ذلك الحين، فاز في جميع الانتخابات الرئاسية التي خاضها، وكان آخر بعد أيام من فوز رئيس جمهورية الكونغو بولاية جديدة.
شهدت فترة حكم جيله تعديلات دستورية ألغت القيود على عدد الولايات، ما أتاح له الاستمرار في السلطة. كما حافظ على هيمنة حزبه السياسي على البرلمان.
ويعد جيله أحد أطول القادة بقاءً في الحكم في أفريقيا، إذ يؤكد أنصاره أنه نجح في الحفاظ على الاستقرار السياسي وتحقيق نمو اقتصادي نسبي في بلد يتمتع بموقع استراتيجي مهم على مضيق باب المندب.
في المقابل، تتهم منظمات حقوقية ومعارضون الرئيس الجيبوتي بتقييد المعارضة السياسية والحد من حرية الصحافة، وهو ما تنفيه السلطات، مؤكدة أن الانتخابات جرت وفق الأطر القانونية والدستورية.

بول كاغامي.. الاستقرار مقابل الانتقادات
تولى بول كاغامي (70 عامًا) السلطة فعليًا في رواندا بعد عام 1994، قبل أن يصبح رئيسًا رسميًا عام 2000. ومنذ ذلك الحين، واصل قيادة البلاد، مع فوزه المتكرر في الانتخابات.
وجاء كاغامي على خطى رئيس جمهورية الكونغو في حرب أهلية، لكن بلاده شهدت خلال حكمه إصلاحات اقتصادية وتنموية لافتة، ما جعلها نموذجًا للنمو في أفريقيا. إلا أن فترة حكمه الطويلة أثارت انتقادات تتعلق بتقييد المنافسة السياسية.
ويعكس استمرار كاغامي في السلطة نموذجًا مختلفًا نسبيًا بين القادة الأفارقة طويلي الحكم، حيث يجمع بين تحقيق نمو اقتصادي واضح، وبين جدل مستمر حول مستقبل تداول السلطة.

وتعكس هذه النماذج، وآخرها جمهورية الكونغو، استمرار ظاهرة بقاء القادة الأفارقة في الحكم لعقود طويلة، غالبًا عبر تعديلات دستورية أو ضعف المنافسة السياسية. ويثير ذلك نقاشًا واسعًا حول مستقبل الديمقراطية في القارة.
وبين من يرى في طول البقاء عامل استقرار، ومن يعتبره عقبة أمام التغيير السياسي، يبقى انتقال السلطة السلمي أحد أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية في أفريقيا، خاصة مع استمرار بعض الرؤساء في الحكم منذ عقود.











































