أحمد رمضان عبد الجليل
باحث دكتوراه في الدراسات الإفريقية
تُمثل «الرسالية الأمريكية» المبدأ الجوهري الذي صاغ الهوية الوطنية للولايات المتحدة منذ نشأتها، وجعل منها كياناً يرى نفسه متمايزاً ومتميزاً عن سائر الأمم. ويفرض هذا التمايز والتميز عقيدةً راسخة وقناعةً عميقة بأن الولايات المتحدة تمتلك مهمة حضارية كونية تفرض عليها دوراً ريادياً في توجيه البشرية نحو قيم محددة، وقد تغذت الرسالية الأمريكية من جذور دينية بروتستانتية، وصُبغت بصبغة ليبرالية خلال عصر التنوير، وتحولت إلى إستراتيجية جيوسياسية للهيمنة العالمية، وخضعت لتحولات كبرى تحمل في ظاهرها نموذجاً أخلاقياً لنشر الديمقراطية وقيم حقوق الإنسان.
ويمكننا تعريف «الرسالية الأمريكية» بأنها: مصطلح يجمع بين «الاستثنائية» exceptionalism و «التكليف الإلهي» role God-given للقيام بمهام دينية وحضارية تجاه العالم أجمع، تستوجب هذه المهام إذعان وخضوع جميع الدول للولايات المتحدة الأمريكية والاعتراف لها بقيادة العالم والتحكم في مصيره.
أولاً: نشأة ومسار الرسالية الأمريكية:
1- الجذور اللاهوتية والنشأة الأولى:
تصل الجذور التاريخية للرسالية الأمريكية إلى القرن السابع عشر، وتحديداً مع وصول المهاجرين البيوريتانيين (التطهيريين) إلى سواحل نيو إنجلاند؛ ففي عام 1630م، وأثناء إبحار السفينة «أربيلا» نحو ماساتشوستس، ألقى القائد البروتستانتي «جون وينثروب» خطبته الشهيرة «نموذج للإحسان المسيحي»[1]، والتي تضمنت العبارة التي أصبحت حجر الزاوية في الفكر السياسي الأمريكي: «يجب أن نعتبر أنفسنا كمدينة فوق تل، وأنظار كل الناس مصوّبة نحونا»[2].
ويمكن القول إن هذه العبارة لم تكن مجرد استعارة بلاغية أو تصوّر ديني يعبّر عن مرحلةٍ عابرة؛ بل هي شعور تغلغل في العقل السياسي الأمريكي بأنها أمة مستثناة، وخلقت هوية وطنية تقوم على الإيمان بأنها أمة مختارة للقيام بمهام حضارية مقدسة.
2- عصر التنوير والرسالية الأمريكية:
بحلول القرن الثامن عشر، خضعت الرسالية لعملية تحوّل أيديولوجي كبرى؛ إذ امتزجت الجذور الدينية بمبادئ عصر التنوير الليبرالية، ولم تعد الأمة مختارة بقرار إلهي فحسب، بل أصبحت فريدة لأنها تأسست على مبادئ عقلانية وكونية[3].
ومنذ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1776م، كان الآباء المؤسسون- إلى جانب كونهم ثواراً يسعون إلى الاستقلال- رساليّين يؤمنون بمهمة مقدسة؛ حيث رأوا في أمريكا الجديدة منارةً للحرية ونموذجاً فريداً يجب أن يحتذي به جميع العالم، وكان «إعلان الاستقلال» بمثابة بيان رسالي يؤكد على إيمانهم بأنهم مكلفون بمهمة إلهية تحمل قيماً متميزة وفريدة[4].
3- عقيدة القدر المتجلي والرسالية كفعل توسعي:
لم يدخل مصطلح «القدر المتجلي» أو «القدر المحتوم» Manifest-Destiny إلى الخطاب العام حتى عام 1845م، عندما كتب الصحفي جون لويس أوسوليفان: «إنّ قدرنا المحتوم هو أن ننتشر ونمتلك القارة بأكملها التي وهبها لنا القدر، لتطوير التجربة العظيمة للحرية والحكم الذاتي الاتحادي الموكلة إلينا». وقد امتدت النزعة التوسعية في القرن التاسع عشر، وظلت هذه النزعة تُشكل جزءاً أصيلاً من عقيدة القادة الأمريكيين، حيث يؤمنون بأن لهم حقاً إلهياً مُجازاً لغزو الأرض وطرد الشعوب غير المتحضرة وغير المسيحية؛ لأنهم لم يستغلوا الأرض التي مُنحت لهم استغلالاً كاملاً[5].
4- الرسالية الويلسونية والتحول نحو العالمية:
مع مطلع القرن العشرين، أدركت الولايات المتحدة الأمريكية تحولها إلى قوة صناعية وعسكرية كبرى، وكان لابد من إعادة صياغة الرسالية لتتلاءم مع دورها العالمي الجديد. وقد تمثل هذا التحول في «الرسالية الويلسونية» Wilsonianism، نسبةً إلى الرئيس وودرو ويلسون، الذي نقل أمريكا من سياسة العزلة النسبية إلى التدخل النشط في الشؤون الدولية[6].
وبعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، أخذت الرسالية الأمريكية بُعداً عالمياً، حيث أصبحت الولايات المتحدة قوةً عظمى بعد هاتين الحربين العالميتين، ودولةً رائدة في العالم تمتلك قدرات متنوعة وفريدة تمكنها من تنفيذ عقيدتها الرسالية. وفي فترة الحرب الباردة تبنّت دور حماية الديمقراطية واحتواء الشيوعية، ولجأت إلى سياسة الاستقطاب في سبيل تنفيذ عقيدتها الرسالية، ودائماً ما كانت تتدخل في الشؤون الخارجية للدول باسم هذه المُثل العليا؛ إذ كانت الحرب الباردة صراعاً بين أيديولوجيتين متنافستين، وفي إطار هذا التنافس؛ كانت الولايات المتحدة تقود العالم الحر ضد الاتحاد السوفييتي الشيوعي، وقد كان هذا صراعاً رسالياً مدفوعاً بالاعتقاد بتفوق الديمقراطية والرأسمالية على ما سواها، وهو ما دفعها إلى دعم نُظم استبدادية في سبيل نجاح هذه السياسة[7].
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، أصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد في العالم الذي يمتلك كل مقومات القوة، وتأكدت رغبتها في السيطرة على النظام العالمي الجديد، لذا تطورت الرسالية الأمريكية لتشمل بعض القضايا كحقوق الإنسان، وإطلاق الشعارات الديمقراطية، وفرض الانتقال المباشر إلى نظام السوق الحر. وأدركت الولايات المتحدة أن قيادتها للعالم لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية والاقتصادية فقط، بل لابد من تطوير شامل لكل القدرات، وفي مقدمتها القدرات التكنولوجية[8].
5- الرسالية الإمبريالية بعد 11 سبتمبر:
جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001م لتنتقل بالرسالية الأمريكية إلى مرحلةٍ أخرى جديدة، تبلورت فيما ما عُرف بـ«عقيدة بوش»، وساد الاعتقاد وفقاً لهذه العقيدة أو هذا المبدأ بأن الولايات المتحدة لا يجب أن تكتفي بنشر الديمقراطية، بل يجب أن تخلقها عبر القوة العسكرية وتغيير النظم السياسية. وكانت حرب العراق في عام 2003م التجسيد الأقصى لهذه الرسالية، حيث سادت القناعة بأن القيم الأمريكية هي قيم كونية يرغب فيها كلُّ البشر، وأنّ إسقاط الدكتاتوريات سيؤدي تلقائياً إلى نشوء ديمقراطيات ليبرالية موالية للغرب[9].
6- الرسالية في عهد ترامب:
مثّل وصول دونالد ترامب إلى السلطة عام 2016م القطيعة الأوضح مع تقاليد الرسالية الأمريكية، ولم يعد ترامب يتحدث بلغة «المدينة فوق التل» أو «الرسالة الحضارية»، بل تبنّى خطاباً واقعياً، واعتبر الحديث حول الاستثنائية الأمريكية حديثاً زائفاً، فبينما رأى الرؤساء السابقون أن الاستثنائية سمة دائمة ومتأصلة في الهُوية الأمريكية؛ يرى ترامب أنها حالةٌ مشروطة، أي أن الأمة حتى تصبح استثنائية لابد من الحصول على ثروة وسلطة أكثر من غيرها. واستبعد ترامب الترويج للديمقراطية والحرية في الخارج، وتقليص دعم حقوق الإنسان، مقابل التركيز على إبرام الصفقات وتحقيق المكاسب المباشرة[10].
ثانياً: أثر التحول في الرسالية الأمريكية في عهد ترامب على السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا:
تُمثل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القارة الإفريقية في عهد الرئيس دونالد ترامب قطيعة تاريخية مع التقاليد السياسية والدبلوماسية التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فبينما استندت الإدارات السابقة إلى مفهوم «الرسالية الأمريكية التقليدية»، القائمة على نشر القيم الليبرالية والديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات للقوة الناعمة، برزت في عهد ترامب «رسالية جديدة» تتسم بالانغلاق القومي والواقعية الصدامية الصفقاتية. هذه الرسالية الجديدة تعيد تعريف الدور الأمريكي ليس كمنارة عالمية للقيم، بل كقوة سيادية تسعى لاستعادة «عظمة» مفترضة من خلال المنافسة وتأمين الموارد الإستراتيجية في مواجهة الخصوم الجيوسياسيين، ولا سيما الصين وروسيا.
وفي هذا الإطار؛ نجد أن هذه «الرسالية الجديدة» تستند إلى «دين مدني أمريكي»[11]، أعاد ترامب صياغته ليتوافق مع شعار «اجعل أمريكا عظيمة مرّةً أخرى». في خطاب تنصيبه عام 2025م، قال ترامب: – إنه في ظل قيادته- «ستصبح أمريكا قريباً أعظم وأقوى وأكثر تميزاً من أيّ وقتٍ مضى»[12]. وفي سياقٍ متصل؛ لم تعد إفريقيا مشروعاً للتنمية البشرية، بل أصبحت ساحةً لاختبار القدرة الأمريكية على استعادة الهيمنة المادية وتأمين سلاسل التوريد الحيوية[13].
مظاهر التحول في سياسة ترامب تجاه إفريقيا وفق الرسالية الجديدة:
يصف البعض سياسة ترامب بأنها تمثل عودة إلى «نظام عالمي قديم» كان سائداً قبل الحرب العالمية الأولى، حيث كانت القوى العظمى تتصارع على مناطق النفوذ بعيداً عن قيود القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف. وقد صاغ البعض مصطلح «مذهب دونرو» Donroe Doctrine لوصف هذا المزيج من «مبدأ مونرو» الذي ساد في القرن التاسع عشر، والذي يؤكد السيادة الإقليمية ودبلوماسية ترامب العدوانية[14].
وفي إفريقيا؛ يُترجَم هذا المذهب إلى محاولة طرد الخصوم غير الإقليميين، مثل الصين، من المجالات الإستراتيجية الحيوية، بالإضافة إلى الإستراتيجيات الأخرى التي تعزز مكانة الولايات المتحدة وسياستها. وتتجلى مظاهر التحولات في السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا وفقاً لهذه الرسالية الجديدة في عدة جوانب:
أ- تقليص المعونات والتركيز على الصفقات:
كانت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID الأداة الرئيسية للرسالية الأمريكية التقليدية في إفريقيا، حيث استمرت لعقود طويلة في تقديم الدعم التنموي والإنساني في إفريقيا، من خلال تعزيز الصحة والتعليم وحماية حقوق الإنسان والاستجابة للأزمات ومكافحة الفقر. إلا أنه بحلول عام 2025م، ومع اعتماد مبدأ «أمريكا أولاً» كمبدأ أساسي في السياسة الخارجية الأمريكية، طلب وزير الخارجية ماركو روبيو إجراء مراجعة لمعرفة البرامج التي تتوافق مع رؤية الإدارة الأمريكية للسياسة الخارجية، وأعلن بعدها عن إنهاء 83% من برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مع نقل البرامج المتبقية تحت إشراف وزارة الخارجية. ويتجلى هذا التراجع عن الالتزام بالمبادئ بشكلٍ أكبر من خلال انسحاب الإدارة الأمريكية من بنك التنمية الإفريقي وصندوق التنمية الإفريقي، والذي سيؤدي إلى خفض مساهمات الولايات المتحدة بمقدار 555 مليون دولار[15].
ب- تأمين المعادن الحرجة أو الحيوية مقابل الأمن:
تختلف تعريفات المعادن الحرجة أو الحيوية Critical Minerals من دولةٍ لأخرى. ففي الولايات المتحدة، عرّف قانون الطاقة لعام 2020م المعادن الحيوية بأنها: تلك المعادن الضرورية للأمن الاقتصادي أو القومي للولايات المتحدة، والتي يكون لسلسلة إمدادها قابلية للانقطاع، وتؤدي وظيفة أساسية في تصنيع منتج ما، ويترتب على غيابها عواقب وخيمة على الأمن الاقتصادي أو القومي للولايات المتحدة. وبحلول عام 2024م، بلغ عدد المعادن المصنفة «حيوية» في الولايات المتحدة 50 معدناً. تعتمد الولايات المتحدة اعتماداً كلياً بنسبة 100% على الواردات لـ12 معدناً حيوياً. أما بالنسبة لـلمعادن الأخرى فتعتمد على الواردات بنسبة تزيد عن 50%[16].
وحتى تؤمّن الاحتياجات الأمريكية المتزايدة من هذه المعادن؛ ركزت إدارة ترامب في ولايتها الثانية في علاقاتها مع إفريقيا على التأمين المستقبلي لهذه المعادن الضرورية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية الأمريكية. وبرزت جمهورية الكونغو الديمقراطية في صدارة هذه المهمة، حيث ناقشت الولايات المتحدة اتفاقية محتملة لتبادل المعادن مقابل الأمن بينها وبين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا. وتأكيداً على ميل ترامب إلى نهج المصالح المتبادلة في السياسة الخارجية؛ اقترحت الولايات المتحدة إجراء مفاوضات لعقد اتفاق سلام بين البلدين، يتضمن حوافز اقتصادية للأطراف الثلاثة من خلال سلسلة من الاتفاقيات الثنائية لتبادل المعادن، حيث تعهدت واشنطن بضمانات أمنية مقابل حصص مضمونة من الكوبالت والليثيوم[17].
ودعماً لهذا المسار؛ شهد الرئيس ترامب، في 5 ديسمبر 2025م، التوقيع الرسمي لاتفاق سلام بين الرئيسين فيليكس تشيسيكيدي وبول كاغامي في واشنطن. والذي يهدف إلى تحييد الجماعات المسلحة، وضمان أمن المناطق الغنية بالمعادن[18]. كما تضمن الاتفاق «إطار التكامل الاقتصادي الإقليمي» Regional Economic Integration Framework REIF الذي يركز على البنية التحتية العابرة للحدود لاستخراج ومعالجة المعادن[19]. وفي 2 فبراير 2026م، أعلن الرئيس ترامب عن إطلاق «مشروع فولت» Vault، الذي يُعدّ مبادرةً تاريخية لإنشاء وتنظيم «الاحتياطي الإستراتيجي للمعادن الحرجة» داخل الولايات المتحدة[20].
ج- تطوير ممرات نقل إستراتيجية لمواجهة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية:
في إطار المنافسة مع الصين؛ ركزت إدارة ترامب في ولايتها الثانية على الاستثمار في تطوير ممرات نقل إستراتيجية لمواجهة مبادرة الحزام والطريق؛ حيث أدركت الولايات المتحدة الأهمية الإستراتيجية للمرات في كسر الاحتكار الصيني لسلاسل توريد المعادن الحيوية، وتوفير طرق تصدير أسرع لأمريكا والغرب. ومن أهم هذه الممرات:
▪ ممر لوبيتو Lobito Corridor: يُعدّ من أكثر الممرات أهميةً لدى الولايات المتحدة الأمريكية، ويربط الممر ميناء لوبيتو على المحيط الأطلسي في أنغولا بمناطق التعدين الغنية في مقاطعة كاتانغا بجمهورية الكونغو الديمقراطية، ومنطقة حزام النحاس Copperbelt في زامبيا. تتركز أهمية هذا الممر في الوصول السريع والمباشر إلى المعادن الحيوية، مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم، والتي تُعتبر عماد صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المتقدمة[21].
▪ ممر الحرية Liberty Corridor: يُعدّ هذا الممر أحد أهم الممرات التي تعكس التوجه الأمريكي المتصاعد نحو تأمين سلاسل التوريد العالمية، وهو ممر يربط منطقة «نيمبا» Nimba الغنية بخام الحديد عالي الجودة في غينيا، بميناء في منطقة «ديديا» Didia بليبيريا. ويعتمد المشروع بشكل أساسي على تحديث وتوسعة خط السكك الحديدية الحالي يكيبا-بوكانان Yekepa–Buchanan، ويضمن الممر وصولاً مستقراً لخام الحديد فائق الجودة الضروري للصناعات الثقيلة وصناعة الصلب[22].
ويمكن القول إن: بعد سنوات من هيمنة مبادرة «الحزام والطريق» الصينية على مشهد الاستثمار في إفريقيا، أدركت الولايات المتحدة ضرورة تقديم بديل إستراتيجي ملموس، وهو ما تجسد في إطلاق مشاريع الممرات الدولية، وعلى رأسها «ممر لوبيتو» و«ممر الحرية»، وذلك ليمنح الولايات المتحدة نفوذاً هائلاً في مواجهة الصين، ووصولاً غير مسبوق للموارد الطبيعية.
ثالثاً: ردود فعل القادة الأفارقة حول التحول والتغيير في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إفريقيا:
تباينت وجهات النظر الإفريقية حول التحول في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الدول الإفريقية. فمنهم من رأى أن الاتجاه نحو الصفقات والمبادرة في تقديم وطرح المبادرات التجارية هي الطريق الأقرب نحو إقامة علاقات مع واشنطن. ودعم هذا الاتجاه الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، حيث قام بزيارة إلى البيت الأبيض في يوليو 2025م لعرض الصفقات التجارية، والتي من شأنها تعزيز العلاقات بين الجانبين[23].
بينما أدت السياسات التمييزية ضد المهاجرين الأفارقة، وغيرها من الضغوط الاقتصادية، إلى بروز نهجٍ آخر، تمثل في توترات مع القوى الإفريقية الكبرى كجنوب إفريقيا، التي ترى في النهج الأمريكي تهديداً لمصالحها وتطلعاتها القيادية في القارة، وهو ما دفع الرئيس سيريل رامافوزا إلى اتخاذ موقف يستند على المعاملة بالمثل في التجارة والاستثمار، وهو ما تأكد من حديثه أمام غرفة التجارة الأمريكية، حيث أكد رامافوزا أن جنوب إفريقيا تسعى للمعاملة بالمثل في توسيع وجود شركاتها في أمريكا كما تتوسع الشركات الأمريكية في جنوب إفريقيا[24]. كما أوضح رامافوزا أن الرسوم الجمركية التي تفرضها واشنطن تعطل سلاسل التوريد، ولا بد من وضع ضوابط للرسوم الجمركية. وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى تبنّي حملات إعلامية تتهم حكومته بالإبادة الجماعية والعنف ضد المزارعين البيض، وهو ما دفعه للقيام بجولات دبلوماسية للرد على هذه الاتهامات[25].
بينما تمثل الاتجاه الثالث في صمت الولايات المتحدة عن أيّ تجاوزات تخص حقوق الإنسان؛ مقابل منح الشركات الأمريكية وصولاً حصرياً إلى المعادن الإستراتيجية. وهو ما نلاحظه في حالة الكونغو، وهو ما دفع المنظمات الحقوقية إلى الحديث عن الثقوب السوداء في هذه الاتفاقيات التي تخص التجارة والاستثمار في المعادن، والمتمثلة في انتهاكات حقوق الإنسان، والتأثير على البيئة، وتلوث المياه بالمواد السامة، وتهجير القرويين نتيجة الأعمال في التعدين[26].
خاتمة:
يُعدّ عام 2025م نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ العلاقات الأمريكية الإفريقية، حيث انتقلت واشنطن من نهج الرسالية الذي ساد لعقودٍ من الزمن- والذي ارتكز على تصدير القيم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان والمساعدات الإنسانية- إلى عقيدة «الواقعية الصفقاتية» المستندة إلى مبدأ «أمريكا أولاً». هذا التحول ليس مجرد تغيير في الخطاب الدبلوماسي، بل هو إعادة هندسة شاملة لإستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025م، التي باتت تنظر إلى إفريقيا كساحة للمصالح الاقتصادية الوقتية، ومخزن للموارد الإستراتيجية، بدلاً من كونها شريكاً في التنمية المستدامة.
تعكس ردود أفعال القادة الأفارقة تجاه هذا التحول مزيجاً معقداً من البراغماتية الاقتصادية، والمخاوف من فقدان الدعم الإنساني، والسعي المحموم نحو «الاستقلالية الإستراتيجية» التي تتجاوز التبعية التاريخية للمانحين.
………………………………..
[1] جيكر موللر، فاهرنهولتز، معين الإمام (مترجم)، الصراع على الله في أمريكا، (الرياض: العبيكان للنشر، 2010)، ص284.
[2] علي عبد الهادي المرهج، الفلسفة البراجماتية- أصولها ومبادئها (مع دراسة تحليلية في فلسفة مؤسسها تشارلس ساندرس بيرس)، (بغداد: دار الكتب العلمية، 2008)، ص61.
[3] Donald E. Pease, American Exceptionalism, oxfordbibliographies, 16 December 2021, Available at: https://www.oxfordbibliographies.com/display/document/obo-9780199827251/obo-9780199827251-0176.xml
[4] عبد العزيز سليمان أنور، محمود محمد جمال الدين، تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين، (القاهرة: دار الفكر العربي، 1999)، ص (62-63).
[5] Kevin M Cunningham, The Folly of Manifest Destiny: Filibustering in Antebellum America, Michigan State Journal of History, (Michigan: College of Social Science, Department of History, Volume 6, 2014), p.84.
[6] Lloyd E. Ambrosius, Wilsonianism and transatlantic relations, Journal of Transatlantic Studies (Routledge, Vol.16, No.4, 2018), pp.356-357.
[7] جهاد عودة، النظام الاجتماعي والإستراتيجي الأمريكي المأزوم، (القاهرة: دار كنوز للنشر، 2014)، ص288.
[8] جمال سند السويدي، آفاق العصر الأمريكي: السيادة والنفوذ في النظام العالمي الجديد، (أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2014)، ص (200-202).
[9] David Hoogland Noon, Cold War Revival: Neoconservatives and Historical Memory in the War on Terror, American Studies, (Vol.48, No.3, Fall 2007), pp.83-84.
[10] Stephen Werthem, Robert Gervis & others (eds)Trump Against Exceptionalism: The Sources of Trumpian Conduct, in Chaos in the Liberal Order: The Trump Presidency and International Politics in the Twenty-First Century, (Columbia, Columbia University Press, 2018), p.129.
[11] Blake S. Hart, An Ever-Changing Errand into the Wilderness: The Relationship Between American Civil Religion And Exceptionalism, Bound Away: The Liberty Journal of History, (Vol.7: Iss.3, 2025), available at: https://digitalcommons.liberty.edu/ljh/vol7/iss3/1/
[12] Mark Ricce, Let This Be the Death Knell for American Exceptionalism, Journal of Transnational American Studies, (California: University of California Digital Library, Vol 16, Issue 1, 2025), p.85.
[13] Witney Schneidman & landre signé, The Trump administration’s Africa strategy: Primacy or partnership?, 20 Dec, 2018, Available at: https://www.brookings.edu/articles/the-trump-administrations-africa-strategy-primacy-or-partnership/
[14] Benn Steil, Trump’s New Old World Order, Council on foreign relations, 15 Jan 2026, Available at: https://www.cfr.org/articles/trumps-new-old-world-order
[15] Landry Signé, A new US-Africa blueprint for Trump amid China’s rise, May 27, 2025, P5, Available at: https://www.brookings.edu/articles/a-new-us-africa-blueprint-for-trump-amid-chinas-rise/
[16] Ede Ijjasz-Vasquez&others, Leveraging US-Africa critical mineral opportunities: Strategies for success, 29 September 2025, Available at: https://www.brookings.edu/articles/leveraging-us-africa-critical-mineral-opportunities-strategies-for-success/
[17] Landry Signé, OP. Cit, p.3.
[18] Abi McGowan & Mariel Ferragamo, Behind Trump’s Peace Efforts: A Strategic Focus on Critical Minerals, Council on foreign relations, 15 December, 2025, Available: https://www.cfr.org/articles/behind-trumps-peace-efforts-strategic-focus-critical-minerals
[19] DRC-Rwanda Peace Accord: Harnessing Critical Minerals for Security and Economic Integration in the Great Lakes Region, 2025, Novembre 9, 2025, Available at: https://debuglies.com/2025/11/09/drc-rwanda-peace-accord-harnessing-critical-minerals-for-security-and-economic-integration-in-the-great-lakes-region-2025/
[20] Gracelin Baskaran, Project Vault: A Minerals Security Backstop, Center for strategic studies, February 11, 2026, Available at: https://www.csis.org/analysis/project-vault-pillar-economic-security
[21] Trump Looks to Increase U.S. Business Ties with Africa, June 9, 2025, Available at: https://www.bhfs.com/insight/trump-looks-to-increase-u-s-business-ties-with-africa/
[22] Michael Walsh, The Liberty Corridor and American Commercial Diplomacy, Foreign Policy Research Institute, July 30, 2025, Available at: https://www.fpri.org/article/2025/07/the-liberty-corridor-and-american-commercial-diplomacy/
[23] Why Trump invited five African leaders to the White House, BBC site, 09 July 2025, available at: https://www.bbc.com/news/articles/c5ygqenwx78o
[24] Business ties with the United States strong and expanding – President, September 29, 2025, South African Government News Agency, available at: https://www.sanews.gov.za/south-africa/business-ties-united-states-strong-and-expanding-president
[25] President Ramaphosa Says South Africa And US Have ‘Everything To Gain’ From Closer Relations, May 27, 2025, Available at: https://www.eurasiareview.com/27052025-president-ramaphosa-says-south-africa-and-us-have-everything-to-gain-from-closer-relations/
[26] Elodie Toto, Scrutiny grows over DRC-US minerals deal, even as other African nations sign up, 12Feb 2026, Available at: https://news.mongabay.com/2026/02/scrutiny-grows-over-drc-us-minerals-deal-even-as-other-african-nations-sign-up/











































