أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

هنري هايلاند جارنت: صوت الراديكالية السوداء في القرن التاسع عشر

كان "هنري هايلاند جارنت" (1815-1882م) Henry Highland Garnet أحد أكثر القوميين السود نفوذًا في فترة ما قبل الحرب الأهليَّة الأمريكيَّة وبعدها. ويُمثّل "جارنت" نوعًا من القيادة الزنجيَّة خلال فترات مناهضة العبودية، وإعادة الإعمار التي لم تَحْظَ بالاعتبار الواجب.

وعلى الرغم مِن تتابع الدراسات التي تتحدّث عن القومية السوداء، لم يُعطَ سوى القليل من الاهتمام لدور "جارنت" الذي يستحقّ المرتبة الأولى باعتباره رائدًا قوميًّا راديكاليًّا؛ بسبب دفاعه عن الإقناع الأخلاقيّ، ومؤمنًا في الوقت نفسه بضرورة المقاومة.

شقَّ "جارنت" الطريق أمام دعاة إلغاء العبودية من الزنوج، كما أنه أبقَى شعلة الحرية مشتعلة بينما كانت الأمة الأمريكية مستغرقة بالتوسُّع والمنافسة حول امتداد الرقّ. إلى جانب قدرته على التعاطف مع العبيد في الجنوب بشكل كبير؛ نتيجة معاناته وهروبه السابق من العبودية في الجنوب؛ إذ عرف وذاق مرارة حياة العبيد. مثل هذه التجارب أشعلت في روحه الطموح والتصميم لقيادة الاحتجاج والعمل من أجل تحرير شعبه.

أولاً: النشأة والسمات والخبرات الشخصية:

وُلِدَ "هنري جارنت" عبدًا في 23 ديسمبر 1815م، في مقاطعة "كينت" Kent County، بالقرب من "نيو ماركت" New Market، بولاية "ماريلاند" Maryland. ويعود نسبه إلى شعب "الماندينجو" Mandingo، حيث كان جده زعيمًا إفريقيًّا، تم القبض على الجدّ خلال الحروب التي كانت تنشُب بين القبائل، وتَمَّ نقله كعبدٍ إلى ولاية "فيرجينيا".

ونجا "جارنت" من العبودية حينما قام بالهروب مع أسرته برفقة والده "جورج" George ووالدته "هنريتا ترستي" Henrietta Trusty في عام 1824م. وبعد الإقامة لفترة وجيزة بمقاطعة "باكس" Bucks County، بولاية "بنسلفانيا" Pennsylvania، استقرت الأسرة أخيرًا بولاية "نيويورك" New York؛ حيث قام والده "جورج تروستي" بتغيير اسم العائلة إلى "جارنت" Garnet. هذا وقد عمل والده بصناعة الأحذية وانضم إلى "الكنيسة الأسقفية الميثودية" Methodist Episcopal Church. وعاشت عائلة "جارنت" بين عائلات الطبقة العاملة الأخرى فيما أُطلق عليه لاحقًا "الجانب الشرقي الأدنى" Lower East Side.

كانت طفولة "هنري" مزيجًا من الفرص والتحديات. فما لبث أن التحق بالمدرسة "الإفريقية الحرة" African Free School، التي كانت واحدة من عدة مدارس تأسَّست داخل المدن الشمالية الشرقية مِن قِبَل فاعلي الخير من البيض. كان من بين زملائه في الفصل العديد من القادة السود الذين برزوا فيما بعد؛ مثل "ألكسندر كروميل" (1819-1898م) Alexander Crummell و"صمويل رينجولد وارد" (1817-1866م) Samuel Ringgold Ward و"جيمس ماكيون سميث" (1813-1865م) James McCune Smith. ومثل كل السود الأحرار خلال حقبة ما قبل الحرب، كان "جارنت" دائمًا مُعرَّضًا لخطر القبض عليه مِن قِبَل صائدي العبيد. وبينما كان "هنري جارنت" في البحر يعمل طباخًا بإحدى المراكب، نجا والداه بصعوبة من صائدي العبيد، الذين قاموا بسرقة وتدمير أثاث منزلهم.

عانى "جارنت" بعد ذلك من إصابة في ساقه لازمته طوال حياته. لكنَّه وجد العزاء والمواساة في الكنيسة والمواعظ الدينية، ومن هنا قام بالانضمام إلى "الكنيسة المشيخية الملونة الأولى في نيويورك"First Colored Presbyterian Church in New York فقد وجد هناك مجتمعًا من دعاة إلغاء العبودية.

وقد تزوج "هنري جارنت" في عام 1841م من "جوليا وارد ويليامز" Julia Ward Williams، وهي معلمة وناشطة ومطالبة بإلغاء العبودية. وفي عام 1843م أصبح "جارنت" بارزًا على المستوى الوطني؛ خاصةً عندما قام بإلقاء خطابٍ في اجتماع "المؤتمر الوطني للزنوج" National Negro Convention، والذي انعقد في "بوفالو" Buffalo. وفيه حثّ للعبيد على التمرُّد والمطالبة بحريتهم.

وفي عام 1864م، أصبح "جارنت" راعيًا "لـلكنيسة المشيخية في الشارع الخامس عشر" Fifteenth Street Presbyterian Church "بواشنطن" العاصمة. وهو ما أهَّله للقيام بإلقاء خطبة بمجلس النواب الأمريكي يوم الأحد 12 فبراير عام 1865م. وبالرغم من أنه لم يخاطب "الكونجرس" نفسه، إلا أنَّ خطابه كان الأول مِن قِبَل أمريكي مِن أصل إفريقي داخل "مبنى الكابيتول" Capitol Building.

هذا وقد انتقل "جارنت" إلى "بيتسبرج" Pittsburgh في عام 1868م؛ حيث عمل لفترة وجيزة كرئيس لكلية "أفيري" Avery College، وهي مدرسة للتعليم الديني للأمريكيين من أصول إفريقية.

في البداية كان "جارنت" مُعارضًا لحركة الاستعمار الإفريقي، وبحلول منتصف القرن التاسع عشر تحوَّل إلى داعم بقوة لهجرة الأمريكيين السود إلى ليبيريا. كذلك في ديسمبر 1881م عيَّنه الرئيس "جيمس جارفيلد" James Abram Garfield سفيرًا للولايات المتحدة لدى "ليبيريا". أخيرًا انتقل "جارنت" إلى الدولة الواقعة في غرب إفريقيا، لكنه تُوفِّي في 13 فبراير 1882م، أي بعد شهرين تقريبًا من وصوله إلى هناك.

ثانيًا: السياق الفكري والسياسي والتاريخي المعاصر لـ"هنري جارنت"

باعتبارها الذراع الرئيسي الناشط لحركة إلغاء العبودية؛ تأسست "الجمعية الأمريكية لمكافحة الرق" American Anti-Slavery Society في عام 1833م تحت قيادة "ويليام لويد جاريسون" William Lloyd Garrison. وبحلول عام 1840م، بلغ عدد الجمعيات المساعدة ألفين تقريبًا؛ حيث قامت هذه الجمعيات برعاية الاجتماعات، واتخاذ القرارات، والتوقيع على التماسات مناهضة العبودية؛ بهدف إرسالها إلى الكونجرس، ونشر المجلات، وتسجيل الاشتراكات، وطباعة الدعاية وتوزيعها بكميات كبيرة، وإرسال وكلاء ومحاضرين لنقل رسالة مناهضة العبودية إلى الجماهير في كلِّ مكان.

كان اختيار المشاركين في الجمعيات يتم بشكل أساسيّ من الدوائر الدينية، والخلفيات الخيرية، وكذلك من المجتمع الأسود الحر. ونتيجة للشهادات المريعة والخطابات البليغة للعبيد السابقين مثل "فريدريك دوجلاس" Frederick Douglass أو "ويليام ويلز براون" William Wells Brown كانت الاجتماعات العامة للجمعية أكثر فاعلية مما كانت عليه من قبل. وكثيرًا ما قُوبِلَتْ أنشطة الجمعية المناهضة للعبودية بمعارضة عامة وعنيفة أحيانًا، وهو ما ظهر من غزو الحشود للاجتماعات، ومهاجمة المتحدثين، وحرق المطابع.

وفي عام 1839م انقسمت المنظمة الوطنية بسبب الاختلافات الأساسية في النهج المتَّبع: كان "جاريسون" وأتباعه أكثر راديكالية من الأعضاء الآخرين. شجبوا دستور الولايات المتحدة باعتباره داعمًا للعبودية، وأصرُّوا على تقاسم المسؤولية التنظيمية مع النساء. شكَّل الجناح الأقل راديكالية، بقيادة الأخوين "تابان" Arthur and Lewis Tappan، و"صمويل كورنيش" Samuel E. Cornish، و"هنري جارنت"؛ الجمعية الأمريكية الأجنبية المناهضة للعبودية Foreign Anti-Slavery Society، والتي دعت إلى الإقناع الأخلاقي والعمل السياسي، والتي أدَّت مباشرة إلى ولادة "حزب الحرية" Liberty Party في عام 1840م.

وبسبب هذا الانقسام في القيادة الوطنية لدعاة إلغاء العبودية، تم تنفيذ الجزء الأكبر من النشاط في أربعينيات وخمسينيات القرن التاسع عشر مِن قِبَل الدولة والجمعيَّات المحليَّة؛ حيث دخلت قضية مناهضة العبودية إلى التيار الرئيسي للسياسة الأمريكية من خلال "الحزب الجمهوري" Republican Party (الذي تأسَّس عام 1854م). وتم حل "الجمعية الأمريكية لمكافحة الرق" (AASS) رسميًّا في عام 1870م، بعد الحرب الأهلية والتحرُّر.

كما شهد عام 1843م مرحلة جديدة من الحياة الأمريكية امتدت من عام 1830م وحتى عام 1861م. كذلك ازدهرت روح جديدة من المذهب القومي بعد الثورة. فقد ظهرت أهمية الحرية حديثًا في قلوب الناس وحياتهم. لكنها مع الأسف كانت الحرية للجميع باستثناء العبيد. وترتب على هذا الإحساس الجديد مواجهة تحدّ جديد؛ وبخاصةً داخل الكنيسة. فقد تعرَّضت الكنيسة لخرق كان آخذًا في الاتساع؛ حيث طالَب البعض بالتحرر الفوري، في الوقت الذي قام فيه آخرون بالدفاع عن العبودية كسلعة إيجابية. وخلال هذه الفترة بتطوراتها المتداخلة برز "هنري هايلاند جارنت" كخطيب معروف في المقام الأول بخطبه المناهضة للعبودية. والذي لم يكن مجرد متحدِّث باسم المستعبدين، ولكنه كان كذلك ناشطًا على المستوى الحركي والقيادي داخل الحركة السوداء المناهضة للعبودية. فطوال حياته حسبما استدعت المواقف؛ قام بتعديل آرائه وفلسفته لاستيعاب التحوُّل الضروريّ في الإجراءات التي كانت تُمليها التغييرات المختلفة والمتلاحقة في الأحداث الوطنية والمحلية.

ثالثًا: إسهامات "هنري جارنت" الفكرية

في كتابه الضخم "خطاب إلى العبيد" Address to the Slaves عام 1843م، أوضح "جارنت" أن العبيد الأفارقة لن يكونوا أحرارًا ما لم يبدأوا في تحمُّل مسؤولية مصيرهم.

بقدر ما كان هذا الخطاب صادمًا، فقد مهَّد الطريق لعمل الأمريكيين الأفارقة لمقاومة العنصرية. وهذا لا يعني بالضرورة الدفاع عن العنف كوسيلة للمقاومة؛ حيث تحدَّث "جارنت" عن خطايا الولايات المتحدة، لكنَّه لم يستسلم لإمكانية أن يتمكن جميع الناس في النهاية من العيش في وئام.

هذا وقد قام "جارنت" بتحول أيديولوجي آخر خلال خمسينيات القرن التاسع عشر وأحداثه المضطربة؛ حيث تم إقرار قانون "العبد الهارب"؛ الذي وضع سياجًا شائكًا أحاط بحرية السود الأحرار في الشمال. فكانت الهجرة موضع نقاش بين السود؛ فبينما كان مناهضي العبودية يفكرون في جدوى الهجرة إلى إفريقيا، كان "جارنت" يضع خططًا جادة من خلال تأسيس "جمعية الحضارة الإفريقية". وعلى الرغم من أن "جارنت" لم يكن يؤمن بصلاحية الهجرة لجميع السود؛ حيث دعا أن يذهب عدد قليل من السود المهرة والمبشرين المسيحيين إلى إفريقيا لإنشاء المستوطنات؛ والتي "من شأنها أن تُظهر لبقية العالم أن السود كانوا قادرين على إنشاء والحفاظ على دول متحضرة".

ومن خلال سعيه للارتقاء العرقي؛ سعى لاستخدام نهج رباعيّ الجوانب: سياسي، واقتصادي، وأخلاقي، ومتحمس للوحدة الإفريقية. كما كان "جارنت" أحد الناشطين الأحرار لحركة "مؤتمر الزنجي"، وأحد الذين ساهموا بتحويل الفلسفة الزنجية بعيدًا عن الإقناع الأخلاقي باتجاه موقع أكثر نشاطًا سياسيًّا.

رأى "جارنت" كذلك أن العبودية كانت في جوهرها قضية اقتصادية. وأدرك في وقتٍ مبكرٍ أن البيض لن يتخلوا عن استعباد الأفارقة بهذه السهولة، وهو ما جعله ينضمّ إلى حركة "الإنتاج الحرّ"، وأصبح المتحدِّث باسم الحزب، والذي دعا إلى مقاطعة جميع السلع والخدمات التي ينتجها الرقيق. كما انتقلت استراتيجياته الاقتصادية إلى مشاركته في "جمعية الحضارة الإفريقية" التي كان أحد برامجها زراعة القطن في إفريقيا. حيث كان من المأمول أن يؤدي إنشاء زراعة ومعالجة كبيرة للقطن؛ إلى تقليص سوق القطن بشكل كبير في الجنوب. كذلك فإن زراعة محصول نقديّ كبير في القارة من شأنه أن يؤدي إلى توقف المشاركة الإفريقية في تجارة الرقيق الأوروبية.

غالبًا ما كان "جارنت" القس المشيخي، في صراعٍ دائمٍ مع الهيئة الحاكمة داخل كنيسته؛ حيث رفض المشيخيون اتخاذ موقف متشدّد ضد استعباد الأفارقة. فبينما اعتقد "جارنت" أن عليهم ذلك؛ رفضت الكنيسة التي لم تكن ترغب في تنفير أعضائها الجنوبيين، من خلال حرمانهم من ثروة الاستعباد. كما تعرَّض "جارنت للهجوم من الكنيسة وبعض المصلين بحجة استغلال منبره لأغراض سياسية. وبهوية إفريقية حقيقية لم يعترف "جارنت" بالفصل المصطنع بين الكنيسة والدولة.

كان إيمانه بالحرية كبيرًا؛ وبالقومية أكبر؛ ظهر من خلال شمول دعوته للمستعبدين في "كوبا"، والنهوض بالسود في كل مكان، لذا كانت دعوته للهجرة نتيجة لما آل إليه وضع السود داخل الولايات المتحدة بعد الحرب الأهلية الأمريكية؛ حيث أدرك بوضوح وذكر أنه لا يوجد شخص أسود حرّ إلا إذا كان جميع السود أحرارًا.

ويمكن تحليل توجهات "هنري جارنت" الفكرية من خلال النقاط التالية:

1- إلغاء العبودية:

بصفته أحد أعضاء "الجمعية الأمريكية لمكافحة الرق" American Anti-Slavery Society، في البداية أيَّد "جارنت" فكرة "الإقناع الأخلاقي" كوسيلة لتحقيق إلغاء العبودية؛ في "خطابه الذي ألقاه في الذكرى السابعة للجمعية في عام 1840م؛ حيث أشار "جارنت" إلى نقطتين أساسيتين؛ أولاً، بينما طلب من الله أن يساعد العبيد على التحرُّر، ناشد كذلك قلب وضمير أمريكا البيضاء لدفعهم نحو الإلغاء الكامل للعبودية. كما اقترح "جارنت" بمزيد من المؤتمرات الزنجية، وإثراء الأعمال الأدبية الداعية لإلغاء العبودية، والتي تهدف إلى إبراز محنة العبيد، وكذلك المطالبة بالإصلاحات السياسية والقانونية التي من شأنها إنهاء العبودية. هذا وقد كان يأمل في تحوُّل مسار أمريكا البيضاء نحو فهم أعمق للإنسانية، ومِن ثَمَّ تمكينهم من تحرير المجتمع الإفريقي الأمريكي ككل.

ثانيًا: وجَّه "جارنت" نداءً حماسيًّا طالب فيه بضرورة شمولية التحرُّر لجميع المستعبدين، فكيف يشعر هو وغيره بالحرية "بينما يرزح ثلاثة ملايين من شعبه تحت نَيْر العبودية؛ حيث الظلم والقمع".

فمنذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى ستينيات القرن التاسع عشر، كانت توجُّهاته تنصبُّ حول إلقاء مزيد من اللوم على أحفاد الآباء المؤسسين لأمريكا، والذين أوغلوا في استمراء العبودية. فقد كان يرى أن الآباء المؤسسين للدستور سمحوا بالعبودية كحلّ وسط مؤقت، بينما تركوا حلّ المسألة بالكامل للجيل الذي يليهم. وهو ما حاول إظهاره في عام 1840م في قوله: "نحن لا نشكك في صدق الهدف، والتفاني لتحقيق الحرية، وما قام به الآباء المؤسسون. لكننا نشكو بأشد العبارات من سلوك أبنائهم غير المؤهَّلين. فبإمكاننا أن نعفو عن الآباء المؤسسين لاعتبارات المرحلة التاريخية وضعف الطبيعة البشرية، لكننا والآن بعد أن بزغ نجم الحرية واستقرت الأوضاع، لم نشاهد غير أمة تدثرت برداء نفاقٍ حجب الحقوق والحريات عن الملايين من المواطنين الأمريكيين".

كان "جارنت يشعر بمرارة العبودية وحرارة وقسوة الحرية على حدٍّ سواء، وهو ما ظهر من خلال انتقاده للجيل الثاني للأمريكيين البيض؛ حيث أشار "ناثان هوجينز" Nathan Huggins في مقاله "هنري هايلاند جارنت: القومية، والتحليل الطبقي، والثورة" Henry Highland Garnet: Nationalism, Class Analysis, and Revolution؛ إلى أنه "عاش بين جيلين؛ جيل الآباء المؤسسين وجيل أبنائهم، فمع الآباء عانَى من عبودية مقيتة، ومع الأبناء عاش حرية منقوصة وبغيضة.

كان لديه إحساس عميق بالوعي الأسود، وهو ما ظهر نتيجة رفضه دعم الرأي السائد بأن الحركة التكاملية بين البيض والسود هي أفضل وسيلة للتحرُّر. فبالنسبة له؛ "لكي تسعى لتحرير نفسك، كن صاحب الضربة الأولى". ونتيجة لمعاناته المتكررة من نفاق البيض فيما يتعلق بالمساواة الاجتماعية، وخدمته كذلك في منظمات إلغاء العبودية، خلُص إلى أن البيض يتبنُّون دومًا في مواقفهم مبادئ أبوية أو عنصرية، لذا شعر بضرورة الحاجة إلى مجتمع يسيطر عليه السود داخل ولاية "نيويورك". نتيجة لذلك دعا العديد من الأمريكيين الأفارقة البارزين في ولاية "نيويورك" إلى مثل هذا الاجتماع الذي انعقد في "تروي" Troy بولاية "نيويورك" في منتصف يونيو عام 1840م. والذي كان الغرض الرئيسي منه؛ هو مناقشة مسألة حق الاقتراع للأمريكيين من أصل إفريقي.

وبينما تلقى "جارنت" انتقادات من التيار المؤيد لـ"جاريسون"، الذين جادلوا بأن المؤتمرات المنفصلة هي تكريس آخر وجديد لمزيد من الفصل العنصري، وهو ما قد يتسبّب في إلحاق الضرر بالقضية الإفريقية الأمريكية بالكامل، وهو ما جعل "جارنت" يقوم بالرد على هذه الادعاءات بقوله بأن: "الصعوبات المتعلقة بالاقتراع الإفريقي الأمريكي كانت تستلزم الفصل. فمن الآن وصاعدًا، يتوجب علينا أن نكون أكثر تشددًا، والمطالبة بمزيد من الاستقلال الزنجي".

وبسبب دعوته لتنظيم المؤتمر ومعارضته كذلك لتيار "جاريسون"؛ بدأت تبرز وتنمو مكانته الوطنية؛ حيث كان عدد كبير من المنشقين عن "الجمعية الأمريكية لمكافحة الرق" أعضاءً كذلك في "حزب الحرية" Liberty Party، بما في ذلك "جارنت" نفسه. وعلى الرغم من شروعه في الدعوة لمؤتمرات سوداء يقودها نخبة من الأمريكيين الأفارقة، إلا أن "جارنت" لم يقطع العلاقات مع "حزب الحرية". وواصل دعوته للحزب بضرورة ممارسة مزيد من الضغط على الهيئة التشريعية داخل "نيويورك"؛ من أجل إزالة العوائق أمام حق الاقتراع للأمريكيين من أصل إفريقي.

وبينما اعتبر "جارنت" العبودية في الجنوب وشقيقها التوأم التمييز ضد الأمريكيين الأفارقة الأحرار في الشمال، فئتين مختلفتين من الاضطهاد؛ نتيجة لذلك اقترح نفس سُبُل الانتصاف لتظلمه. فخلص إلى استخدام العمل السياسي لتحقيق هدف الإلغاء، وتخفيف التمييز العنصري للأمريكيين الأفارقة الشماليين الأحرار، وسعى إلى تغيير القوانين من خلال الضغط على الحكومات المحلية للولايات. أما بالنسبة لقضية العبودية في الجنوب؛ فقد سعى لإلغائها من خلال المطالبة بالتعديل الدستوري. بالإضافة إلى استخدامه للمؤتمرات الزنجية، و"الجمعية الأمريكية والأجنبية لمكافحة الرق" American and Foreign Anti-Slavery Society -التي انشقت عن "جمعية مكافحة الرقّ الأمريكية"-، وأدب المقاومة، والمحاضرات، والدعم من الخارج لتحدِّي نظام العبودية، والتخفيف من التمييز العنصري في الشمال.

كان من غير الواضح لماذا وضع "جارنت" الكثير من الثقة في العملية التشريعية. جزء من التبرير استناده في خطة عمله إلى الحقوق غير القابلة للتصرُّف التي حددها الدستور وإعلان الاستقلال. علاوة على ذلك، أعرب عن أمله في أن يذهب الجيل الثاني من الأمريكيين البيض إلى إعطاء الأمريكيين من أصل إفريقي حقوقهم التي كفلها لهم الدستور. منع هذا التفكير "جارنت" من الترويج لفكرة العنف لتحقيق التحرر في ذلك الوقت. وعرض لهذا الإيمان غير العادي بفاعلية من خلال النشاط السياسي، ففي خطاب ألقاه أمام مؤتمر "حزب الحرية" في عام 1842م قال: "لا أستطيع أن أتحمل فكرة أن الخلاص من العبودية سيكون نتاجًا لمسلك العنف. لا، لن تصم بلادنا آذانها عن صرخات المظلومين. ذلك بغض النظر عن وصايا الله ومصالح البلاد العليا؛ فلا يزال من المبكر الحديث عن صراع وصدام ينهي العبودية، وقد لا يكون ذلك ضروريًا أو مطلوبًا".

في غضون عام من خطابه بمؤتمر "حزب الحرية"، قبل "جارنت" بفكرة العنف كوسيلة لتحقيق التحرر. ومن بين العديد من العوامل التي أدَّت إلى تغيير رأي "جارنت"؛ كان نفاد صبره هو الأبرز على الإطلاق. كانت الفترة الزمنية التي احتاجها لتغيير موقفه قصيرة نسبيًّا، وهو ما يمكننا من الاستنتاج بشكل مقبول أن الوتيرة البطيئة نحو الإلغاء، والتي امتدت بين التصديق على الدستور في عام 1789م والدعوة إلى "مؤتمر الزنوج الوطني" National Negro Convention في عام 1843م، قد يكون لها التأثير الأكبر على "جارنت" لتغيير تكتيكاته.

وقد يكون التغيير ناتجًا عن تطوُّر منطقيّ في فكر "جارنت": "إيمان متآكل في الاعتقاد بأن البيض سيحررون الأمريكيين من أصول إفريقية، وكذلك ما أصاب المرحلة من عقمٍ للنشاط السياسي". وربما يكون كلا الإخفاقين قد ساهما في تبرير "جارنت" بأن العنف كان أفضل وسيلة لتحقيق التحرر. بالإضافة إلى ذلك، فإن معاناة "جارنت" أثناء استعباده، واضطهاده من خلال عنصرية البيض الشماليين، ومعاناة الأمريكيين من أصل إفريقي بشكل عام، ربما دفعته إلى موقف أكثر تشددًا. وهو ما دفع "سترلينح ستوكي" Sterling Stuckey و"ناثان هوكينز" Nathan Huggins باستنتاج مفاده "أن قراءة [جارنت] لنداء [ديفيد ووكر] David Walker كانت أيضًا ذات تأثير حاسم على توجُّهه المتشدد".

في كتابه "هنري هايلاند جارنت: صوت الراديكالية في القرن التاسع عشر" Henry Highland Garnet: A Voice of Radicalism in the Nineteenth Century، يكشف "جويل شور" Joel Schor: "أنه بحلول عام 1843م، أصبح [جارنت] يعتقد أن الأحزاب السياسية كانت مجرد وسيلة واحدة ضمن وسائل التحرر. فبينما كان يميل إلى إلغاء العبودية من خلال الوسائل السياسية التقليدية، رأى أن ثلاثة ملايين من العبيد قد يشكلون تهديدًا قويًّا لمالكي العبيد".

كشف "جويل شور" كذلك عن تأثير آخر محتمل؛ ففي عام 1842م، أيَّد قرار المحكمة العليا للولايات المتحدة في قضية "بريج ضد بنسلفانيا" Prigg v. Pennsylvania حق الحكومة الفيدرالية في تكريس العبودية. وهو ما جعل "جارنت" يشعر بخيبة أمل من الحكومة الفيدرالية والمحكمة العليا وأعضاء حزبه السياسي، وربما أدَّى قنوطه ويأسه إلى قبول أكبر لإمكانية العنف كوسيلة لتحقيق التحرُّر.

2- القومية السوداء

في عام 1843م، اجتمع الأمريكيون الأفارقة من ولايات "نيو إنجلاند"، و"فيلادلفيا"، و"نيويورك" بـ"المؤتمر الوطني للسود" الذي انعقد في "بوفالو"، بولاية "نيويورك". وكان من بين الحضور أعضاء من "حزب الحرية"، وأعضاء من "الجمعية الأمريكية لمكافحة الرق"، وأعضاء آخرون من "الجمعية الأمريكية والأجنبية لمكافحة الرق"، وعدد من دعاة إلغاء العبودية البارزين، بما في ذلك "فريدريك دوجلاس"، و"هنري هايلاند جارنت"، و"ويليام لويد جاريسون".

غلب على المؤتمر التوجه نحو العمل السياسي بدلاً من "الإقناع الأخلاقي"، متأثرًا بمُثُل "حزب الحرية". في مقالته بعنوان "مؤتمرات الزنوج الوطنية في أربعينيات القرن التاسع عشر: الإقناع الأخلاقي مقابل العمل السياسي" National Negro Conventions of the Middle 1840's: Moral Suasion vs. Political Action، أوضح "هوارد بيل" Howard Bell العلاقة التاريخية بين حزب الحرية والناشطين المناهضين للعبودية: "بحلول عام 1840م، كانت سياسة الاقناع الأخلاقي تُستخدم على نطاق واسع من قبل العديد من الناشطين في الشمال. وحتى ذلك التاريخ، كان أولئك الذين يدافعون عن الإقناع الأخلاقي بوصفه أفضل وسيلة لإلغاء العبودية هم المجموعة المهيمنة. ولكن مع ظهور [حزب الحرية]، تحوَّل الكثيرون إلى العمل السياسي باعتباره أكثر فاعلية لتحقيق هذه الغاية. وبحلول عام 1843م، كان العديد من قادة الزنوج خارج [نيو إنجلاند] من المعجبين المتحمسين للحزب الجديد؛ نظرًا لإتاحته الفرصة لنوع من العمل كانوا قد حُرِموا منه في السابق. لذلك كان من المتوقع أن تُعقد العديد من المؤتمرات الوطنية في شمال ولاية [نيويورك] خلال منتصف الأربعينيات. والتي تأثرت بمُثُل حزب الحرية".

وتشبُّعًا بروح القومية السوداء، شغل العديد من المندوبين الأمريكيين الأفارقة مناصب رئيسية داخل المؤتمر، وهو ما دفع معظم المندوبين الأمريكيين من أصل إفريقي إلى اعتماد أجندة قومية سوداء. وهو ما انعكس كذلك على معظم قرارات المؤتمر البالغ عددها 28 قرارًا؛ حيث شجبت العبودية وقانون العبد الهارب، وشجبت كذلك كلاً من "الحزب الوطني اليميني"، و"الحزب الديمقراطي" بوصفها مؤسسات مؤيدة للعبودية.

وتُقدم ملاحظة "أوفاري" Earl Ofari حول جدول الأعمال دليلاً على وجود مؤتمر حقيقي للسود؛ حيث ذكر في كتابه "فليكن شعارك المقاومة: حياة وفكر [هنري هايلاند جارنت]" Let Your Motto be Resistance: The Life and Thought of Henry Highland Garnet: "أنه من الواضح أن المندوبين الذين وفدوا إلى المؤتمر كانوا معنيين بوضع برامج من شأنها تقرير مصير السود. فقد تركزت القرارات حول الاحتياجات الحقيقية للسود في الشمال".

كما كان اقتراح "جارنت" بإدراج مبدأ "حق العبيد في المقاومة" الاكثر إثارة للجدل؛ حيث كانت ذروة المؤتمر هي خطاب "جارنت" الذي تم نشره فيما بعد بعنوان "خطاب إلى عبيد الولايات المتحدة الأمريكية". هذا الخطاب الذي جعل "جارنت" من أبرز المدافعين الراديكاليين عن القومية السوداء، وبرز اسمه كزعيم ذي مكانة وطنية كبيرة.

كان خطابه إلى العبيد مثل معظم الخطب المحورية في ذلك الوقت، ورغم بساطة لغته؛ احتوى الخطاب على ثلاثة أمور أساسية: أولاً، ساوى بين الخطيئة وقبول العبودية؛ ثانيًا، نصح العبيد بأخذ زمام المبادرة من أجل حريتهم، وأخيرًا، دعا "جارنت" العبيد إلى مقاومة العبودية بأيّ وسيلة وجدوها مناسبة.

وعلى نحو مماثل يذكر "ويليام ماكادو" Wiliam McAdoo، في كتابه "القومية السوداء قبل الحرب الأهلية" Pre-Civil War Black Nationalism، أن "خطاب [جارنت] كان إيذانًا ببدء عصر القومية الثورية، فقد كان سببًا في تقويض الدور الفاسد لهؤلاء الليبراليين البيض؛ الذين قاموا على إدارة وتنظيم المؤتمرات السوداء والتجمعات الأخرى للسود".

هذا الرأي الذي أكده باحث آخر هو "ويليام بروير" William Brewer والذي يتفق مع انطباعات "ماكادو" عن الخطاب: "كان خطاب [جارنت] إلى العبيد علامة فارقة داخل حركة الإلغاء. فقد تحدث في السابق [جاريسون] وغيره من دعاة إلغاء العبودية بوضوح وبلا خوف بشأن مؤسسة العبودية، كما أعرب بعض الزنوج عن مثل هذه المشاعر في السابق. لكن لم يجرؤ أيّ زنجي على التعبير عن نفسه باللغة التي استخدمها [جارنت] في هذا الخطاب من قبل".

وتجدر الإشارة إلى أن "جارنت" لم يدعُ العبيد بالتحديد إلى التمرد. لكنه بشكل أساسيّ قدَّم مساهمتين متميزتين لأدبيات المقاومة: الأولى، هي تطوير نظرية المقاومة للعبيد؛ والثانية، هي تطوير نظرية المقاومة غير المحدودة، والتي لم تضع سقفًا محددًا لطرق المقاومة التي تناسب وضع العبيد. ومع ذلك لم يكن "جارنت" مبتكرًا لفكرة مقاومة العبيد؛ فقد سبقه "نداء ديفيد ووكر" (1829م) David Walker's Appeal، و"بيان روبرت يونج الإثيوبي" (1829م) Robert Young's Ethiopian Manifesto، والتي تعد من الوثائق المتشددة التي سبقت تاريخ "خطابه إلى العبيد". والذي استعار فيه بثلاثة أفكار من نداء "ووكر": (1) كانت العبودية شرًّا لا ينبغي نسبته إلى الله؛ (2) وأن الله دومًا في جانب المظلومين؛ (3) كما قد تعمد مالكو العبيد إبقاء السود في حالة من الانحطاط وعدم المعرفة.

نستخلص من ذلك أن الأصول الأيديولوجية لدعوة "جارنت" للمقاومة استندت إلى أفكاره عن القومية السوداء. حيث تبرز القومية السوداء عند "جارنت" من خلال دعوته إلى وحدة السود بالاجتماع كوحدة واحدة لكسر أواصر القمع المشتركة.

كان أحد أهم المصادر الأساسية لقوميته السوداء هو كراهيته للعبودية والقمع؛ ورفضه معاملة السود على اعتبار أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. فقد كانت تجاربه السابقة عاملاً مؤثرًا في مشاعره التي جاءت في طليعة تفكيره القومي الأسود حيث: (1) هروبه من العبودية بولاية "ماريلاند"؛ (2) وتشتت عائلته على يد صائدي العبيد في مدينة "نيويورك"؛ (3) وتجاربه العنصرية في "أكاديمية نويز" Noyes Academy بولاية "نيو هامبشاير" New Hampshire. هذه التجارب التي جعلته مدفوعًا للعمل من أجل تحرير المظلومين.

كما كان أحد المصادر المهمة التي ساهمت في تشكُّل فكر "جارنت" حول القومية السوداء؛ هو إدراكه أن مصير الأمريكيين الأفارقة الشماليين الأحرار والعبيد الجنوبيين لم يكن مختلفًا في الواقع. فالشمال كان يعتمد على إنتاج المزارع في الجنوب؛ حيث إنتاج القطن والسلع الأخرى. وفي الشمال كانت تجربة السود الأحرار قاسية كذلك؛ حيث عانوا من الاضطهاد والتهميش والتمييز بسبب لونهم الأسود. وهو ما جعل "جارنت" يعبّر عن هذه المحنة والقرابة الروحية بين السود في الشمال والجنوب من خلال خطابه للعبيد: "بينما أنتم [العبيد] تتعرضون للقمع، كنا نحن [الأمريكيون الأفارقة الأحرار] نشارككم الآلام، فمن غير الممكن أن نكون أحرارًا بينما أنتم مستعبدون، فعبوديتكم هي قيدٌ في يد كل حر".

أدى ادماج "جارنت" لهذه الروح الإفريقية المشتركة بالتحرر السياسي والاجتماعي إلى خلق استراتيجية تحرير قوية ومتشددة. فعلى مدار حياته المهنية كان يرى أن التحرّر الحقيقيّ ذو شقين: روحيّ وجسديّ. ولم يكن هذا الفهم جديدًا تمامًا، فقد جمع كلٌّ من "جابريل بروسر" (1776-1800م) Gabriel Prosser و"دنمارك فيسي" (1767-1822م) Denmark Vesey و"نات تورنر" (1800-1831م) Nat Turner بين الروحانية الإفريقية والبعد الراديكالي للمسيحية بهدف دفع العبيد للتمرد. فبينما وضع الرجال الثلاثة هذا الاتحاد الفكري موضع التنفيذ، كان "جارنت" الأقرب إلى صياغة الفكرة بشكل إبداعيّ؛ حيث أخذت شكلاً قوميًّا جمع فيه بين النظرية الثقافية والسياسة حسب وصف "هوجينز".

هذا وقد أثار خطاب "جارنت الكثير من الجدل، بسبب تطرّقه إلى جوهر حركة الإلغاء. وهل كانت حيلة الإقناع الأخلاقي هي الأفضل لمواصلة الكفاح، أم من الأجدى الاتجاه إلى العنف؟ عارض "فريدريك دوجلاس" خطاب "جارنت"؛ نظرًا لشعوره بوجود "قوة خشنة في كل من العنوان والمتحدث". وخشي "دوجلاس" من أن يؤدي تبنّي الخطاب إلى إشعال تمرُّد جماهيريّ من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية على حركة الإلغاء. وطالب باستمرار تبنّي الإقناع الأخلاقي لفترة أطول قليلاً.

كان "دوجلاس" مثل "جارنت" يعلم أن هناك سخطًا شديدًا قد تشكَّل من وعي العبيد يمكن أن يتسبّب في إشعال ثورة. لكنَّ الاختلاف في تفكير الرجلين كان حول النتائج التي قد تترتب على هذا التمرد. فبينما كان "يتوقع "جارنت" مكاسب إيجابية لثورة كهذه، رأى "دوجلاس" أن الثورة بمثابة كارثة فورية، مثل هزيمة العبيد الساحقة في السابق. واستنتج العديد من المؤرخين أن كلا الرجلين ربما كانا يمتلكان نفس العقلية من التفكير؛ "دوجلاس" في المنظور القصير و"جارنت" على المدى الأطول.

وفي السنوات التي أعقبت الخطاب، أيَّدت العديد من مؤتمرات الزنوج الوطنية فكرة التحرُّر الراديكالي. وبعد عدة سنوات من بيانه الأول الذي أدان فيه خطاب "جارنت"، تراجع "دوجلاس" عن رأيه السابق، وأبدى وجهة نظر تتفق مع خطاب "جارنت" في حديثه إلى جمهور مناهض للعبودية في بوسطن في عام 1849م.

مصدر آخر للقومية السوداء عند "جارنت" كان تركيزه على تاريخ الأفارقة؛ حيث عمل تركيزه على إنجازات السود على محاربة أساطير الدونية، وإعطاء الأفارقة والأمريكيين من أصل إفريقي إحساسًا بالفخر وبالهوية السوداء. في خطابه أمام "جمعية الإناث الخيرية في تروي" Female Benevolent Society of Troy، بولاية "نيويورك" عام 1848م، ركز "جارنت" على إبراز تاريخ إفريقيا القديم؛ حيث ألقى "جارنت" اللوم على العبودية، وبأنها ساهمت بشكل رئيسي في تدمير الحضارة الإفريقية بقوله: "يبدو أن هناك إجماعًا عالميًّا على سرقة مجد إفريقيا".

وفي السياق نفسه أشاد "جارنت" بإنجازات إفريقيا القديمة مؤكدًا أنه خلال مجد إفريقيا؛ كانت أوروبا أقل تقدمًا بقوله: "في ذلك الوقت عندما كان هؤلاء الممثلون لعرقنا يملأون العالم بالدهشة، كان أسلاف الأنجلو ساكسون الفخورين الآن من بين أكثر الشعوب والعائلة البشرية تدهورًا. فقد أقاموا في كهوف تحت الأرض، إمَّا عراة أو متدثرين بجلود الوحوش البرية؛ حيث أصبح الليل قبيحًا بسبب صيحاتهم الجامحة، وأظلم النهار بالدخان المتصاعد من الموائد الدموية التي قدّموا عليها الذبائح البشرية".

كان مصدر آخر مهم للقومية السوداء عند "جارنت"؛ وهو تأكيده على ضرورة الاستنارة، والحاجة إلى المثقفين الأمريكيين من أصل إفريقي. فمن الركائز الأساسية للقومية العرقية: حبّ المعرفة والحاجة إلى طبقة قيادية متعلمة. وكان "جارنت" من بين الشخصيات التي كانت تتمتع بقدرة فكرية كبيرة في عصره، فقد اقترح أن يستخدم الأمريكيون من أصل إفريقي التعليم كوسيلة للارتقاء بقوله: "إن المؤسسات الجيدة على الأرض تتكيف جيدًا مع تطور العقل". لذا فإن القوة الفكرية كانت مصدرًا رئيسيًّا للقومية السوداء عند "جارنت".

3- القومية السوداء والعدالة الاقتصادية

تعبير آخر مهمّ شكَّل الفكر القومي الأسود عند "جارنت"؛ وهو تركيزه على هدف العدالة الاقتصادية. فمن خلال تبنّيه لآراء "ديفيد ووكر" التي ذكرها في ندائه الشهير؛ رأى "جارنت" أن الأفارقة لم يتأثروا كثيرًا بحبّ القوة ومفهوم الجشع الذي كان عليه الأوروبيون؛ فهذه الميول هي التي دفعت الأوروبيين إلى نهب ثروات القارة الإفريقية واستعباد شعبها. في الواقع كان مفهوم الجشع الاقتصادي أحد أسباب القوى الدافعة لتجارة الرقيق. واستنتج "جارنت" أنه من خلال هذه التجارة "تم إثراء الأمم العظيمة".

كما جمع "جارنت" بين العناصر الاقتصادية والقومية والمسيحية لأفكاره من أجل وضع أساس لفكرته التي تعارض الاستخدام القسري للبشر من أجل الربح؛ حيث رأى أن نظام العبودية وضع قيمة عالية للأفارقة بسبب أدائهم المتفوق في العمل اليدوي؛ حيث "يمكن لشخص أسود واحد أن يقوم بعمل مثل أربعة هنود". وهكذا تأسس التحيز ضد الإفريقي على أساس لون البشرة ودافع الربح. وقد أوضح أن صناعة القطن ونظام العبودية يوفران احتياجاتهما المتبادلة: "فالأول يحتاج إلى قوة عاملة رخيصة، في حين أن الأخير يوفرها. ولأن حياة كلا المؤسستين كانتا تعتمد على الدعم السياسي والاقتصادي، جعل [جارنت] كذلك معارضته ذات استراتيجية سياسية واقتصادية".

جمع "جارنت" كما فعل "ديفيد ووكر"؛ بين العدالة الاقتصادية ورفاهية العالم بأَسْره. ونظرًا للتأثير الاقتصادي الكبير لأمريكا، كانت ممارستها للظلم ذات تأثير عالمي تقريبًا؛ حيث كان رفض الروح الشريرة للرأسمالية شرطًا أساسيًّا وضروريًّا لقيام نظام عالمي جديد. واستشهد "جارنت" بالوضع في الجنوب الأمريكي كمثال على غياب العدالة الاقتصادية: "من بين ثمانية ملايين شخص في الجنوب، يمتلك ثلاثمائة ألف فقط الغالبية العظمى من الأراضي". كتب "جارنت" في صحيفة "نجمة الشمال" والتي يملكها "فريدريك دوجلاس" عن الديمقراطية الاقتصادية العالمية: "قد تنكسر سلاسل آخر عبد وتسقط على الأرض متحطمة، بينما تبقى هذه الطبقة المستغلة تتحكّم في مصير الأمم ومقدَّرات الشعوب، وقتها سيسود الحزن. وحينما تأتي اللحظة التي يتم فيها زوال هذا الشر الواسع الانتشار والوحشي، سوف يندلع فجر جديد، وسيستريح العالم إلى الأبد".

وبين عامي 1847م و1849م اقترح "جارنت" مقاطعة اقتصادية للبضائع التي يتم إنتاجها عن طريق السُخرة. كان إيمانه كبيرًا بـ"قضية الإنتاج الحُر" Free Produce Cause (وهو الاسم الذي تم إطلاقه ليعبّر عن المقاطعة الاقتصادية للسلع التي يُنتجها العبيد)، وهي واحدة من أفضل الوسائل التي يُمكن من خلالها ممارسة الضغط على الولايات المتحدة لحظر تجارة الرقيق. وفي عام 1850م، قام "جارنت" بتدويل النضال الاقتصادي من خلال السفر إلى "لندن" للحصول على الدعم لـ"قضية الإنتاج الحر".

كما تحدث "جارنت" لمدة عامين إلى مجموعات مختلفة في جميع أنحاء الجزر البريطانية، والتي تهتم بالدفاع عن كل من مؤيدي إلغاء العبودية وقضايا الإنتاج الحرّ. فقد كان مطلوبًا بشدة كمتحدث مؤيد لإلغاء العبودية، ومؤمنًا بقضية الإنتاج الحر. وأمام تجمُّع أُقيم داخل "لندن" في أغسطس عام 1850م، أخبر "جارنت" الإنجليز أن استخدامهم لسلع العبيد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بشر العبودية.

4- القومية السوداء والوطنية

بالإضافة إلى تعزيز قضايا إلغاء الرق والإنتاج الحر، انتهز "جارنت" الفرصة البريطانية لإدانة "جمعية الاستعمار الأمريكية" (ACS)؛ وذلك أثناء حديثه إلى "الجمعية الأمريكية والأجنبية لمكافحة الرق" في عام 1851م، حيث شنَّ هجومًا عنيفًا على "جمعية الاستعمار الأمريكية".

وتحت رعاية "الكنيسة المشيخية المتحدة في اسكتلندا"United Presbyterian Church of Scotland ، ذهب "جارنت" إلى "جامايكا" كمُعلِّم ومُبشِّر. هذا وقد أتاحت تجربة "جامايكا" بين عامي 1853 و1856م الفرصة لـ"جارنت" لتعديل وجهات نظره المناهضة للاستعمار، وكذلك تطوير فكرته عن الهجرة الانتقائية. والتي كانت تهدف إلى تجنيد الأمريكيين الأفارقة المَهَرة لإعادة التوطين الطوعي بين الثقافات التي يغلب عليها السود. وبهذا يستفيد كلا الطرفين بموجب هذه الخطة؛ فبينما استفادت المجتمعات الاستيطانية من مهارات ودوافع المهاجرين، أُتيحت الفرصة للمستوطنين لإظهار وبلوغ إمكاناتهم، وهي الفرصة التي حُرموا منها داخل أمريكا.

كان "جارنت" متأثرًا بشكل إيجابي بالتجربة السوداء في "جامايكا"؛ حيث السماح للسود بتملك الأراضي، والسماح لهم كذلك بالمشاركة في الشؤون الحكومية المحلية. وسرعان ما كون تصوُّره الخاص حول هجرة الأمريكيين الأفارقة إلى "جامايكا" للاستفادة من فرص تقدُّم السود التي لم تكن متوفرة في أمريكا. وبينما بدأ "جارنت" في تجنيد الأمريكيين الأفارقة لإعادة توطينهم داخل "جامايكا"، لم يغيّر وجهة نظره حول سياسة الهجرة بشكل كبير. فكان لا يزال يعتقد أن الاستعمار هو فكرة شريرة أطلقتها "جمعية الاستعمار الأمريكية" لتخليص البلاد من سكانها السود بالكامل. وهكذا كان "جارنت" متسقًا مع استراتيجيته الانتقائية للهجرة، باحثًا عن "منفذ لأفراد مختارين بعناية؛ من خلال امتلاك المهارات اللازمة لهذا الغرض".

عاد "جارنت" إلى "بوسطن" في فبراير 1856م. وقد أدَّت رغبته في البحث عن وطن في الخارج إلى تنشيط حركة الهجرة داخل الولايات المتحدة خلال الفترة ما بين 1850 و1861م. فبحلول عام 1850م كان هناك شعور بين الأمريكيين الأفارقة بأنهم لا يستطيعون التقدم داخل أمريكا. وهو ما أوضحه "شور": "بأن [قانون العبد الهارب] The Fugitive Slave Law، الذي تم تخفيفه عن طريق تمرير قوانين الحرية الشخصية، قد وضع عبء إثبات حرية الفرد على عاتق المتهم. كما بدت قضية [دريد سكوت] Dred Scott لعام 1857م التي أعلنت أن الزنجي لا يحق له المطالبة بجنسية الولايات المتحدة، وهو ما يُعَدّ إنكارًا تامًّا وقاطعًا لإنسانيتهم. وعلى الرغم من أن العديد من الزنوج تطلعوا إلى الحزب الجمهوري باعتباره الأمل السياسي الباقي لهم، حيث نما الحزب بمعدل هائل في أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، إلا أن التزامه بحقوق الزنوج اقتصر على المناطقية".

وفي السياق ذاته بدأ العديد من المفكرين القوميين السود البارزين في ابتكار مشاريع مختلفة للهجرة. في مقالته "التنافس بين [فريدريك دوجلاس] و[هنري هايلاند غارنت]" The Rivalry between Frederick Douglass and Henry Highland Garnet (1979م)، أوضح "جويل شور": "أن [دوجلاس] لم يكن يحبّذ الهجرة، واصفًا الأمريكيين الأفارقة الذين غادروا أمريكا بأنهم خونة. بينما [جارنت] كان يؤمن بحل وسط بين فكرة الهجرة القسرية لـ[جمعية الاستعمار الأمريكية] وفلسفة [دوجلاس] الرافضة للهجرة بشكل كامل؛ حيث اقترح [جارنت] سياسة انتقائية للهجرة". وهو ما عبَّر عنه بقوله: "أتردد في القول بأن رأيي قد تغيّر مؤخرًا بشكل كبير فيما يتعلق بمخطط الاستعمار الإفريقي، أليس من الأفضل أن أراك شخصًا حرًّا في ليبيريا على أن أراك عبدًا داخل الولايات المتحدة؟".

ومن هنا أصبحت سياسة "جارنت" للهجرة حجر الزاوية لفلسفة "جمعية الحضارة الإفريقية"The African Civilization Society. والتي أسَّسها "جارنت" مع آخرين في عام 1858م، كان من بين أهدافها "دعم المستوطنات الإفريقية للمبشرين السود من أجل تعليم السكان المحليين، وإرشادهم لإجراء بعض التحسينات الزراعية، وتثقيفهم ضد حماقة المشاركة في تجارة الرقيق".

أوجز "جارنت" المقترحات الخاصة بالجمعية في خطاب ألقاه في "معهد كوبرز" Coopers Institute بولاية "نيويورك" عام 1860م. حيث بدأ بالإدلاء ببيان موجز حول وضع الأمريكيين من أصل إفريقي. قال: "إن الأمريكيين من أصل إفريقي هم شعب موهوب بطبيعته، وبسبب التحيُّز ضدهم لم يتمّ توظيف أو الاستفادة من مواهبهم. وسوف تقوم [جمعية الحضارة الإفريقية] بإزالة هذه الحواجز من خلال اكتشاف مجالات يستطيع السود من خلالها ممارسة مواهبهم وطاقاتهم بحرية سواء في أرضنا الأصلية، أو في أمريكا الوسطى، أو في هايتي، أو في أيّ من جزر الهند الغربية الحرة، أو في إفريقيا حيث أسلافنا".

استفاد "جارنت" من جهود معاصره "مارتن ديلاني"، زميل الهجرة القومي الأسود، ورفيقه بجمعية الحضارة الإفريقية، والذي تفاوض بشأن معاهدة تهدف إلى توطين الزنوج بالأراضي الإفريقية، هذا وقد حقَّقت سياسة الهجرة الخاصة بـ"جارنت" نجاحًا معتدلاً. فبحلول عام 1861م، تدهورت خطط "جمعية الحضارة الإفريقية" بشكل كبير. كان من بين الأسباب البارزة لفشلها "التخلي الإفريقي عن معاهدة [ديلاني] للأراضي، وحرب اليوروبا في منطقة الاستيطان المتوقعة، والمشاحنات التي لا نهاية لها في المجتمع الأسود الحر. ومع ذلك  نجح مشروع "جمعية الحضارة الإفريقية" في وضع الأساس لـمشاريع عموم إفريقيا المستقبلية.

5- القومية السوداء فيما يتعلق بالثيوديسيا Theodicy

كان فكر "جارنت" الثيوديسي (الثيوديسيا أو نظرية العَدالةُ الإلهيَّة أو عِلْمُ تَبْرِير العَدالَةِ الإلهِيَّة أو إثْبات العَدالَةِ الإلهِيَّة؛ فرع محدد من الثيولوجيا والفلسفة يهتم بحل مشكلة الشر) مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بتفكيره القومي الأسود. كان لدى "جارنت" إيمان قوي بإله "أحاط بقدرته وعلمه جميع خلقه". كان لديه ثقة لا تتزعزع في هذا الإله.

إذًا كيف استطاع "جارنت" الجمع بين إيمانه بإله كُلّيّ القدرة، لكنه في الوقت نفسه سمح ببدء العبودية؟ وبين إيمانه بإله رحيم، يسمح باستمرار العبودية؟ استطاع "جارنت" تطوير مفهومه القومي الأسود من خلال تفسيره الثيوديسي للعبودية. حيث أرجع "جارنت" أصول العبودية إلى الجشع الأوروبي. فوفقًا لـ"جارنيت" أُتيحت الفرصة للرجال والنساء للاختيار بين الخير والشر وهو ما اصطلح عليه بـ"الإرادة الحُرة".

كانت فكرته عن "الإرادة الحرة"؛ أن الأوروبيون قد أساءوا حين اختاروا إنشاء نظام العبيد والحفاظ عليه. وبناءً عليه أصبحت العبودية مؤسسة راسخة؛ حيث اختارت الكنيسة البيضاء قبول العبودية على أساس فكرة الدونية الإفريقية أو الأبوة الحميدة. كما ذهب بعض اللاهوتيين البيض إلى حدّ بناء أنظمة لاهوتية وأخلاقية لتبرير المؤسسة ودعمها. وهو ما عبَّر عنه "جارنت" بقوله: "بينما وقفت الكنيسة صامتة؛ كان صوت الحرية يبكي: حرِّروا عبيدكم. وتضرعت الإنسانية بالدموع لخلاص أطفال إفريقيا".

كان "جارنت" معاديًا للغاية لوجهة النظر الداعية للرضا عن الذات بشكل مطلق. وهو ما لاحظه "أوفاري" بأن: "أفعال [جارنت] كانت دائمًا محددة باحتياجات حركة إلغاء العبودية. لذلك فقد اعتبر التدريب الديني وسيلة وليس هدفًا في حدّ ذاته، وبأنه شرط ضروريّ لبناء الشخصية والقوة والانضباط. وبالنظر إلى الدين باعتباره شيئًا يمكن أن يخدم [البشرية]، كان بالإمكان استخدامه كوسيلة للتعبير عن الذات والارتقاء بالسود. فقد أراد التوفيق بين النظرية والممارسة داخل الكنيسة. واعتبر أن أحدهما بلا معنى من دون الآخر. فبينما كان هدفه استخدام الكنيسة في النضال من أجل التحرُّر، كان يرى كذلك أن الإخلاص لله معادلاً للتكريس من أجل النضال". ورأي كذلك أن "المسيحية البيضاء كانت تقوم فقط على تعليم العبيد طاعة أصحابهم والخضوع التام لمؤسسة العبودية".

كما  عبّر "جارنت" عن إحباطه وأمله في الكنيسة من خلال مقال قام بنشره في عام 1848م بصحيفة "نجمة الشمال"؛ حيث قال: "نستطيع أن نلقي بكثير من اللوم -ونحن مطمئنون- على الكنيسة بوصفها السبب في الفساد الذي أصاب نفوس السود، ونتيجة لعجز الكنيسة عن القيام بدروها؛ بتقديم يد المساعدة والشفاء النفسي؛ والمحافظة على تلاحمنا وترابطنا حينما كنا مشتتين؛ ذهبنا نحن السود لنفعل ذلك بأنفسنا". فبينما كان يُلقي باللوم على الكنيسة، انتقد المجتمع الإفريقي الأمريكي نفسه.

وفي السياق نفسه حاول "جارنت" أن يربط بين فكرة العناية الإلهية، والتي تمثلت في إعطاء الأمل والثقة في القدرة والعدالة الإلهية، وفكرته عن المقاومة، من خلال دعوته للأمريكيين الأفارقة لتحدِّي العبودية والقمع. "فقد أعطت العناية الإلهية الأمل، بينما قدمت المقاومة الجهود الازمة لتحقيق هذا الأمل". وفي حين أن فكرة "جارنت" عن المقاومة تضمَّنت العنف، إلا أنه لم يقصد اللجوء الفوري إلى المقاومة العنيفة، بل قصد "جارنت" استخدام العبيد "كل الوسائل الأخلاقية والفكرية والمادية التي تصل بهم إلى النجاح"؛ لكسر نَيْر العبودية.

كما كان يرى "أن الكنيسة جزء لا يتجزأ من المجتمع السياسي والاجتماعي والاقتصادي"، وهو ما جعله يقوم بطرح فكرته عن المقاومة سياسيًّا واجتماعيًّا بشكل ديناميكي للغاية.

رابعًا: الدلالات الفكرية لـ"هنري جارنت"

لقد أوضحت دراسة أفكار "جارنت" بشيء من التفصيل؛ نطاق أنشطته المناهضة للعبودية، ومطالبته بالحقوق المدنية. كما تمت مناقشة تأثيرها على كل من البيض والسود. وللقيام بذلك بشكل صحيح، كان من الضروري تتبُّع تطوُّر التفكير الاحتجاجي في ضوء الظروف المتغيرة داخل المجتمع الأكبر ودراسة التعقيدات الحزبية بين كلٍّ من البيض والزنوج الذين طالبوا بإلغاء العبودية.

كان "جارنت" قد قبل تفسيرًا للدستور باعتباره وثيقة مناهضة للعبودية، وذلك لأغراض أيديولوجية؛ حيث هاجم آراء "جاريسون" و"فريدريك دوجلاس". ويُفسِّر جزءًا من هذا الاختلاف في التوجُّه مدى التباين داخل الدوائر المناصرة لإلغاء الرق بين كلا الرجلين. وفي بعض القضايا الأخرى كان "جارنت" صاحب رؤية أبعد وأشمل من "دوجلاس"؛ حيث شكَّل التنظيم السياسي والاختيار الحكيم للأيديولوجيا المساهمة الرئيسية والأولى لـ"جارنت".

كما كانت مساهمته الثانية من خلال دعوته إلى العصيان المدني، ومقاومة العبودية من جانب العبيد أنفسهم. وبعد أقل من خمس أعوام كانت ستمر وتتلاشى حداثة وصدمة موقفه، لكن على العكس فقد تزايدت أعداد مناهضي العبودية من السود والبيض الذين يقبلون حتمية المواجهة المسلحة لإنهاء العبودية. ومع تقلبات طفيفة، بدا أن الأحداث تُرجّح وجهة نظر "جارنت".

وفي حين أنه من غير الممكن أن تظهر في وثيقة واحدة القبول المباشر لوجهة نظره مِن قِبَل المعارضين من أقرانه، لكنَّ الثابت أنهم جاءوا في النهاية لقبول العمل السياسي والمقاومة الجسدية. لذلك من المحتمل أن تكون استراتيجيات "جارنت" عاملاً محددًا في تبنّيهم لهذه الأفكار.

كما أنه من المؤكد أن الحرب المكسيكية، وقانون "العبد الهارب"، وقرار "دريد سكوت"، لعبت دورًا رئيسيًّا في هذه العملية. ومع ذلك، كان التنافس بين أنصار "دوجلاس" و"جارنت" خلال خمسينيات القرن التاسع عشر شديدًا بشكل خاص عند قراءة صفحات حركات المؤتمرات الزنجية، وبدرجة أقل بكثير في منشورات "دوجلاس". وساعدت هذه الأزمات الدورية على إحداث تغيير في وجهات النظر بشكل كبير داخل القيادة الزنجية.

أخيرًا، تبقى مسألة الهجرة والجنسية الزنجية؛ حيث ظل هذا الموضوع آنذاك كما هو الحال الآن موضع خلاف. بينما كان دعاة إلغاء العبودية من الزنوج يدينون الاستعمار باعتباره ذريعة عنصرية، كان "جارنت" وحده تقريبًا الذي قاده تفكيره إلى آثار الدولة الصناعية السوداء في غرب وسط إفريقيا على الإلغاء والارتقاء بالولايات المتحدة. واستمد هذه الأفكار من خلال قراءته لخطط "لورد فويل بوكستون" Lord Fowell Buxton في كتابه The Colored American.

كما يشكل الإلغاء السياسي والتشدد والهجرة الطوعية مساهمة "جارنت" الرئيسية في الفكر الاجتماعي والاحتجاجي الزنجي خلال القرن التاسع عشر. حيث كانت مشاركته بعمق من خلال مجموعة متنوعة من أنشطة الحقوق المدنية المتزامنة تأكيدًا بأن أفكاره كانت استشرافية، ولم تكن يومًا مدفوعة باليأس.

ختامًا:

قدَّم هذا البحث لمحة موجزة عن السيرة الذاتية للمفكر "هنري هايلاند جارنت"، مع التركيز على تلك التجارب الحياتية التي أثْرَتْ أفكاره حول القومية السوداء. ومن أهم الدروس التي يمكن الاستفادة منها للذين يواصلون النضال من أجل المساواة حتى يومنا هذا؛ ألا توجد طريقة واحدة تحمل مفتاح التحرُّر الناجح. وأن هناك حاجة إلى العديد من الطرق الإبداعية لإنجاز هذه المهمة الهائلة للغاية. لقد بحث علماء اليوم عن هذه الطرق الإبداعية من خلال أعمال "ماركوس جارفي" Marcus Garvey، و"وليم دوبوا" W.E.B. DuBois، و"مارتن لوثر كينج" Martin Luther King، و"مالكوم إكس" Malcolm X، وحتى "توني براون" Tony Brown. فبينما كان لدى كل هؤلاء الأشخاص أفكار جيدة، إلا أنهم كانوا سيحققون نجاحًا أكبر لو اتبعوا الجهود متعددة الجوانب لـ"هنري هايلاند جارنت".

______________________________

أهم المراجع المستخدمة في البحث:

Brewer, William M. "Henry Highland Garnet." The Journal of Negro History 13.1 (1928): pp. 36-52

Brown, Ella Albert. "HENRY HIGHLAND GARNET." Negro History Bulletin 8.3 (1944): p. 62

Garnet, Henry Highland. "An address to the slaves of the United States of America." Libraries at University Nebraska-Lincoln (1843): pp. 1-10

Holmes, James Arthur. "Black nationalism and theodicy: A comparison of the thought of Henry Highland Garnet, Alexander Crummell and Henry McNeal Turner." (1998)

Kaplan, Sidney. The black presence in the era of the American Revolution: 1770-1800. New York Graphic Soc., 1973

MacMaster, Richard K. "Henry Highland Garnet and the African Civilization Society." Journal of Presbyterian History (1962-1985) 48.2 (1970): pp. 95-112

Marable, Manning. Let nobody turn us around: Voices of resistance, reform, and renewal: An African American anthology. Rowman & Littlefield, 2003

Reddick, L. D. "Henry Highland Garnet." Negro History Bulletin 5.2 (1941): p. 38

Reed, Harry. "THE SLAVE AS ABOLITIONIST: HENRY HIGHLAND GARNET'S" ADDRESS TO THE SLAVES OF THE UNITED STATES OF AMERICA"." Centennial Review (1976): pp. 385-394

Schor, Joel. "The Rivalry Between Frederick Douglass and Henry Highland Garnet." The Journal of Negro History 64.1 (1979): pp. 30-38

Seraile, William. "The Brief Diplomatic Career of Henry Highland Garnet." Phylon (1960-) 46.1 (1985): pp. 71-81

Shiffrin, Steven H. "The rhetoric of black violence in the antebellum period: Henry Highland Garnet." Journal of Black Studies 2.1 (1971): pp. 45-56

Stuckey, Sterling. Slave culture: Nationalist theory and the foundations of Black America. Oxford University Press, 2013

Walton Jr, Hanes, et al. "Henry Highland Garnet Revisited Via His Diplomatic Correspondence: The Correction of Misconceptions and Errors." The Journal of Negro History 68.1 (1983): pp. 80-92

كتاب الموقع