أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

هل تستطيع إفريقيا "تصنيع" النمو؟

توبي لاوسون  - ذي أفريكا ريبورت[1]

ترجمة : محمد الزواوي

إن الإسراع في الانتقال إلى الاقتصاد القائم على الخدمات سيؤدي إلى تعرُّض بعض الاقتصادات الإفريقية إلى الانكشاف؛ فالتصنيع لا يزال لديه ما يقدّمه.

ولا تزال القارة السمراء تواجه تحديات التنمية؛ فقد كانت هناك دورات من النمو وإرساء الديمقراطية، وكذلك بعض المحاولات المعتدلة للإصلاح، لكنَّ المزاج العام بين الأفارقة هو أنه لا يزال هناك المزيد لفعله.

ومن المؤكد أن هناك تجارب محلية جيدة ومتنوعة داخل القارة، فعلى سبيل المثال تحاول إثيوبيا الخروج من صراع عِرْقِيّ سياسيّ صعبٍ يجعل البلاد هشَّة، كما أنها تهدف في الوقت ذاته إلى أن تصبح قوة صناعيَّة.

أما جنوب إفريقيا فلا تزال تعاني من الآثار المترتبة على عَقْد من حُكم الطبقة السياسية المهملة في البلاد التي تهاونت وفسدت؛ مما أدَّى إلى بطء التحوُّل الاقتصادي وارتفاع نِسَب البطالة.

واستطاعت نيجيريا أن تحقّق انتقالاً سلميًّا للسلطة من يد ائتلاف سياسي حكم البلاد لمدة 16 عامًا، لتتحول السلطة إلى ائتلاف من قُوَى المعارضة الذي وعَد بالتغيير.

ولكن للأسف لم تكن هناك أجندة اقتصادية واضحة ومتماسكة بجانب الإصرار على إحياء سياسات فاشلة؛ مثل إيجاد بدائل للواردات، وتثبيت سعر الصرف، بالإضافة إلى وجود مناخ مُعَادٍ للأعمال بشكلٍ عام، بما أدَّى بالبلاد إلى الركود التي خرجت منها أضعف وأكثر هشاشةً.

إن تركيز نظرنا على الساحة الاقتصادية يجعلنا نتحدث عن شيء واحد: إن إفريقيا بحاجة إلى معجزة نُمُوّ للتعامل مع عدد سكانها المتزايد في المناطق الحضرية، بالإضافة إلى استيعاب الشباب والعاطلين عن العمل بشكل متزايد.

و"معجزة النمو" تعني التقارب السريع للدخول مع الدول الغنية الموجودة في اقتصادات شرق آسيا، مثل كوريا الجنوبية وتايوان والصين.

وهناك شكوك حقيقية فيما يتعلق بقدرة إفريقيا على تكرار النجاحات الآسيوية، وفي هذا المقال سأعرض لبعض أسباب هذا التشكيك، وكيفية تحويلها إلى مميزات للدول الإفريقية، كما أقدّم توضيحًا لبعض السيناريوهات الأكثر تفاؤلاً.

لماذا يعتبر التصنيع شيئًا مهمًّا؟

لقد تغير الهيكل الاقتصادي العالمي كثيرًا منذ الثورة الصناعية، وأصبحت كثير من الخدمات –مثل: التمويل، والنقل، والعقارات، والتأمين والرعاية الصحية- مهيمنة نسبيًّا على الأنشطة الاقتصادية، وتضاءل التصنيع في القيمة الاقتصادية المضافة، وهذا الاتجاه حقيقي في إفريقيا كما هو الحال في بقية دول العالم.

ولكن من منظور التنمية؛ فإن ذلك يمثل مشكلة لعدة أسباب؛ فقطاع الخدمات ربما لا يتسامح مع بعض الميزات المرتبطة بالتنمية بالنسبة للبلدان ذات الدخل المنخفض، وأولى تلك الميزات "المؤيدة للتنمية" هو توظيف العمالة غير المهرة.

وكما شهدت إفريقيا طفرات في النمو في الماضي، ستفعل ذلك في المستقبل. ودائمًا ما كان هذا النمو قائمًا على الطلب المتزايد على الصادرات الإفريقية -مِن قِبَل البلدان المرتفعة الدخل، والصين مؤخرًا-، وبخاصة المنتجات الزراعية الأولية -المحاصيل المربحة مثل الكاكاو والشاي والمطاط-، والموارد الطبيعية –مثل: النفط الخام والماس والنحاس-. ويتمثل التحدي في أن هذه الصادرات مُعرَّضَة بدرجة كبيرة للتأثر بالعوامل العالمية؛ مثل تقلُّب الأسعار وصدمات الطلب.

لكنَّ الفائدة هي أن بعض القطاعات الفرعية للتصنيع -مثل مصانع النسيج والملابس- يمكن أن تستوعب بسهولة العُمَّال من القطاع الزراعي المنخفض الإنتاجية الذين ليس لديهم خبرة سابقة، دون تكبُّد تكاليف باهظة في تدريبهم.

وهناك ميزة ثانية مؤيدة لتنمية التصنيع تتمثل في القابلية للتبادل؛ فمخرجات المنشآت الصناعية مثل ماكينات صناعة الورق أو المعامل الكيميائية يمكن بسهولة التجارة فيها وتصديرها، على عكس خدمات أخرى؛ مثل المواصلات، أو الرعاية الصحية التي تمتلك مخرجات لا يمكن تقييمها أو تحويلها بسهولة.

كما لا تزال هناك ميزات أخرى مؤيدة للتنمية متأصلة في قطاع التصنيع: على سبيل المثال، حصة القطاع من العمال في الاقتصاد الكلي، وإنتاجية العمل، ونطاق الابتكار التكنولوجي ونشره.

النقطة الأعمق هي أن قطاع التصنيع كان أكثر قطاعات الاقتصاد اتساقًا تاريخيًّا لتحقيق نُمُوّ سريع في التصنيع والعمالة والدخل.

ومما يدعو إلى القلق؛ أنَّ معظم الاقتصادات الإفريقية تتحوَّل من التصنيع إلى خدمات بمستوى دخل أقل بكثير مما كانت عليه في آسيا والغرب، وهي ظاهرة وُصِفَتْ بـ "التسرُّع في التخلُّص من التصنيع"؛ بحسب تعبير الاقتصادي داني رودريك وآخرين.

التكنولوجيا والتصنيع:

يتخذ هيكل الأنشطة الاقتصادية المتغير في إفريقيا شكلين متميزين يحددان طبيعة التحدِّي.

أولاً: يبتعد الناس عن الزراعة ذات الإنتاجية المنخفضة، ويميلون إلى العمل الحر بنفس القدر من الإنتاجية أو المشاريع الصغيرة غير الرسمية.

قد يكون هذا بسبب نُدْرَة وظائف المصانع ذات الإنتاجية العالية، أو بسبب العديد من المشكلات الخاصة بكل بلد؛ مثل البنية التحتية السيئة، وبيئة السياسة العامة.

 ثانيًا: أصبحت فرص الانتقال إلى خدمات ذات إنتاجية أعلى محدودة، وأصبحت التكنولوجيا هي الجاني.

على سبيل المثال، من الأسهل نسبيًّا للمزارعين الذين ينتقلون إلى المدن أن يتقنوا العمل في المصانع كثيفة العمالة؛ مثل صناعة الجلود، لكن ليس من السهل على نفس المجموعة من العمال أن يتقنوا برمجة الكمبيوتر، أو حتى التفاعل مع تطبيق "أوبر" كسائق.

إن تهديد التكنولوجيا الجديدة على التوظيف حقيقيٌّ، لكن من المهم عدم نشر الخوف أو الاستسلام لليأس؛ فالتكنولوجيا هي أهم عامل في إثراء الإنسان.

كانت المرحلة الأولى من الثورة الصناعية مدعومة باختراع محرّك البخار، وأدَّى تطبيق هذا الاختراع في جميع أشكال الآلات ليس إلى تغيير الإنتاج فقط، ولكن أيضًا إلى ثورة في النقل والتجارة سريعة التوسع.

وبالمثل كان اختراع تقنيات الإنتاج الضخم (خط التجميع)، الذي مكَّن الشركات من توسيع نطاق إنتاجها إلى حد كبير من خلال خفض التكاليف، وتوسيع أسواقها من خلال المنافسة السعرية. وقد جلبت المرحلة الثالثة من الثورة الصناعية أجهزة الكمبيوتر، وغيرها من تكنولوجيات الاتصال، والتي كان لها آثار تحويلية عن طريق وحدات الإنتاج.

 يعتقد العديد من الخبراء أن المرحلة الجديدة التي ندخلها ستشهد أن معظم الإنتاج الصناعي سيكون آليًّا، وسيكون لذلك تأثير سلبي على وجهات التصنيع المزدهرة في إفريقيا.

الإصلاحات والقيود:

يشير النمط التاريخي إلى أن التقنيات الجديدة ستوفّر فرصًا أكبر بكثير، وليس هناك دليل مقنع على أن إفريقيا ستكون مختلفة، لكنَّ الاقتصادات الإفريقية تُوَاجِه بعض الرياح المعاكسة قبل أن تتمكّن من استغلال تلك الفرص للنمو والازدهار بشكل أفضل.

وسأعرض هنا بعض المقترحات لوضع الأمور في نصابها الصحيح، والقيود الموجودة فيها.

الاقتراح الأكثر وضوحًا هو أن تقوم إفريقيا بإعادة ضبط عملية التصنيع؛ فيعتقد بعض الاقتصاديين أن التصنيع المنظّم يحمل في طياته ميزات التقارب غير المشروط –أي: أنك لا تحتاج إلى وجود كل شيء في البداية لتحصل في النهاية على تصنيع يحقق نموًّا في الدخل، ومِن ثَمَّ فإنك بحاجة إلى التخلُّص من بعض القيود الملزمة.

وأعتقد أن هناك مزايا لهذا العرض، بالرغم من أنني أتشكّك بشأن مصداقيته على المدى البعيد؛ فالإصلاح يمكن أن يكون تصاعديًّا ولا يُشترط أن يأتي مرة واحدة، ولكن ذلك الإصلاح لا بد أن يكون صالحًا في الوقت ذاته للفترات طويلة الأمد.

يمكن اعتماد سياسات مثل المناطق الاقتصادية الخاصة، وتخفيض قيمة العملة، والترويج العام للصادرات؛ لتوفير الدعم للقاعدة الصناعية.

وهناك بعض الأدلة على أن الاستهداف المحدَّد للقطاعات أو المنتجات غير فعَّال؛ بسبب عدم استقرار التخصُّص في التصدير.

وهذا هو السبب في أن هذه التدخلات تحتاج إلى أن تكون قائمة على السوق والتنافسية، وتندرج في خطة إصلاح طويلة الأجل.

وفي حين أن التصنيع منخفض المهارات الكثيف العمالة يُمثّل نقطة دخول طبيعية للبلدان النامية للتصنيع؛ إلا أنه لا يجب أن يكون مصيرًا حتميًّا عندما لا تكون الظروف مناسبة لذلك.

لقد مكَّنت التكنولوجيا من بناء سلاسل القيمة ذات البُعد العالمي، ويمكن للبلدان أن تدخل في نماذج مختلفة اعتمادًا على مزاياها التصنيعية والميزات النسبية لها، فعلى سبيل المثال بدأت إثيوبيا بتصنيع قليل المهارة؛ مثل مصانع النسيج والملابس، في حين اختارت رواندا الدخول على مستوى أعلى من المهارة في صناعة الهواتف الذكية، وكلا النهجين يُمثّل تجارب طبيعية مثيرة للاهتمام، وينبغي ملاحظة النتائج بعناية شديدة.

أخيرًا، هناك حاجة إلى إنشاء مسار نُمُوّ تقوده الخدمات؛ حيث إن التكاليف المرتفعة للأجور ورأس المال تمثل بالفعل مشكلات خطيرة تدفع للعودة إلى التصنيع على نطاق واسع، وهناك بعض الأدلة على أن الأفارقة يُفضّلون العمل الحرّ على أعمال المصانع في بعض السياقات.

ولكي تسهم الخدمات في مضاعفة النمو الاقتصادي؛ يجب أن يتم غلق فجوة الإنتاجية والمهارية بين الشركات الإفريقية والعالمية؛ ويتعين على الشركات إيجاد مصادر لنمو الإنتاجية، مثل ممارسات الإدارة الجيدة.

كما يُعَدُّ قطاع تكنولوجيا الإنترنت الناشئ في إفريقيا أحد الأمثلة الواضحة التي تحصل على الكثير من التمويل؛ فالكثير من الشركات العاملة في ذلك القطاع ترغب في العمل في مجالات تقنيات التمويل أو المنتجات الذكية الصغيرة لسوق المستهلكين أو التجارة الإلكترونية، ربما لأن حواجز الدخول أقل في هذه القطاعات.

ومن المؤكد أن الجميع لن ينجح في الوقت ذاته؛ فالمستهلك الإفريقي لا يزال لديه قوة شرائية ضعيفة، وأعتقد أن معظم تلك الشركات الأفضل لها أن تحصل على قيمة مضافة عن طريق التبادل التجاري بين بعضها البعض.

وفي النهاية لا بد من التأكيد على ضرورة جَعْل تراكم المعرفة والتقنية وتطوير رأس المال البشري بمثابة الأولوية للدول الإفريقية الراغبة في تحقيق طفرات تنموية.

 


[1] نشر في 25 أكتوبر 2019م، على:  https://www.theafricareport.com/18924/can-africa-manufacture-growth/

 

كتاب الموقع