أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

من يجرؤ على تحدي الرئيس في إفريقيا؟

 

 

 تُعطي الثقافة السائدة في مجتمعاتنا الإفريقية زعيم الجماعة سلطات كبرى؛ حيث يجسِّد مفهوم السلطة بكل معانيها. ولعل ذلك يفسِّر لنا قلة نظم اللادولة في المجتمعات التقليدية التي اختفت فيها ظاهرة ارتباط السلطة بشخص أو عائلة حاكمة. فالغالب الأعم هو وجود جماعة حاكمة تلتفُّ حول الزعيم القائد الذي يكتسب شرعيته من احترام تراث الأجداد ومعتقداتهم الدينية، أو أنه أخذ السلطة غلابًا، وفي كلتا الحالتين كان المخيال العام يُضْفِي على شخص الحاكم مسحة كاريزمية خارقة.

وهنا نتذكر نماذج شاكا زولو في الجنوب الإفريقي أو كاباكا البوغنده في الشرق الإفريقي.

وفي مرحلة ما بعد الاستقلال تم تأسيس ظاهرة الزعامة الكاريزمية التي جعلت الدولة تتوارى خلف شخص الرئيس المنقذ. ولنتأمل معًا ألقاب جيل الرؤساء المؤسسين في إفريقيا في ستينيات القرن العشرين؛ ألم يكن كوامي نكروما هو المسيح الأسود وروح إفريقيا النابضة؟ كما أضحى نيريري "مواليمو" أي معلم تنزانيا الأكبر. وبالمثل كان كينياتا "امزي" أي: كبير العائلة في كينيا، ولم يكن خافيًا الخلط بين كينياتا وقبيلته الكيكويو وبين كينيا التي أضحت بمثابة دولة القبيلة الكبيرة.

ولعل المثال الأكثر طرافة هو الذي تقدِّمه خبرة دولة الكونغو الديموقراطية "زائير سابقا"؛ حيث قام الرئيس موبوتو وأجهزة دعايته بالترويج لقُدُراته الخارقة؛ حيث غيَّر اسمه ليصبح: "موبوتو سيسي سيكو كوكو نجابندا وازابنجا"، أي: المقاتل المغوار الذي ينتقل من نصر إلى نصر مخلِّفًا النار وراءَه.

وقد ارتبطت شخصنة السلطة في الواقع الإفريقي بجيلٍ آخر من الحُكام العسكريين الذين انقضُّوا على السلطة غصبًا. وتعطي غامبيا في ظل حكم يحيى جامع مثالاً واضحًا لهذه الظاهرة؛ فلقد جاء الرجل إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري عام 1994م، وسرعان ما أصبح واحدًا من أكثر القادة الأفارقة قمعًا وتسلطية. حاول بكل ما أُوتِي من قوة تأسيس نمط من الحكم الشخصي مستندًا إلى نظرية الحق الإلهي؛ حيث قام بتغيير اسم الدولة ليصبح "جمهورية غامبيا الإسلامية"، وادعى بأن مصيره في يد الله، وإذا قُدِّرَ له أن يحكم بلاده لمدة مليار سنة، فإنه سوف يفعل لأنها مشيئة الله تعالى.

ارتدى الرئيس جامع عباءة الإسلام في دولة أغلب سكانها مسلمين، كما صوَّر نفسه بأنه "المُخلِّص" أو "المنقذ" لشعبه، فالاسم الرسمي للرئيس هو: "معالي الشيخ البروفسور الحاج الدكتور يحيى عبد العزيز غونكونغ جيموس جامع". وقد زعم قدرته على علاج كثير من الأمراض.

لا تزال فكرة تقديس الرئيس، وشخصنة الحكم باقية في كثير من المجتمعات الإفريقية ، ولا سيما تلك التي فشلت في تقييد فترة ولاية الرئيس. لعل ما يؤكد ما نقول هو قيام القضاء البوروندي في أول مارس 2018م بتوجيه تهمة التآمر على رئيس الدولة لثلاثة من مسئولي نادي رياضي في البلاد. لعل الخطيئة الكبرى التي ارتكبها هؤلاء الرياضيون أنهم نظَّمُوا مباراة كرة قدم في مواجهة فريق الرئيس بيكرونزيزا. قام أعضاء الفريق المنافس وقد أخذتهم الحماسة بمهاجمة الرئيس أثناء استحواذه بالكرة والتعامل معه بخشونة، بل وطرحه أرضًا غير مرة. لقد وقع هؤلاء في المحظور ولم يدركوا أن المعارضة ولو كانت من خلال فريق كرة قدم لا يمكنها تحدِّي الرئيس الذي لا يُقْهَر.

 لا تزال ثقافة الحكم الشخصي، والخلط بين الرئيس والدولة سائدة كما كان يحلو لرئيس زيمبابوي السابق روبرت موجابي أن يقول بأنه هو وزيمبابوي سواء بسواء؛ إنه الدولة. ويشير تقرير صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية في 23 فبراير 2018م أن المضي قدمًا نحو إضفاء مزيد من المؤسسية على عملية الخلافة السياسية في إفريقيا؛ من خلال تقييد مدة الولاية الرئاسية؛ لا يزال تعترضه عقبات جمة.

ومنذ عام 2015م تمكَّن خمسة من قادة الدول الإفريقية من إلغاء القيود المفروضة على مدة الرئاسة؛ مما جعل عدد البلدان التي تفتقر إلى وجود قيود على مدد الرئاسة تصل إلى 18 بلدًا. وعلى النقيض من ذلك، أيَّدت 21 بلدًا إفريقيًّا وجود قيود على مدة الولاية الرئاسية، كما توجد 15 دولة أخرى لديها تقاليد متعارف عليها في تقييد مدد الولاية الرئاسية.  ولا يخفى أن تقييد فترة حكم رئيس الدولة له تداعيات كبرى على طبيعة الحكم والاستقرار السياسي في الدول المعنية:

- من بين البلدان الإفريقية الـ21 التي أيَّدت وجود قيود على مدة الرئاسة، ظل الموظفون التنفيذيون في السلطة لمدة 4 سنوات في المتوسط. وعلى النقيض من ذلك، فإن متوسط استمرار القادة الأفارقة في الدول التي لا يوجد بها قيود على الولاية الرئاسية هو 22 عامًا

- تميل البلدان التي تفتقر إلى قيود على مدة ولاية الرئيس إلى أن تكون أقل استقرارًا؛ إذ يواجه ثلث هذه البلدان الـ18 نزاعات مسلحة. وعلى النقيض من ذلك، هناك بلدان فقط في حالة نزاع من البلدان الـ21 التي يوجد بها قيود على مدة ولاية الرئيس.

- توجد اختلافات إقليمية واضحة في مجال الالتزام بحدود الولاية الرئاسية:

* تقع ثمانية من البلدان العشرة التي تم فيها التراجع عن القيود التي تحكم مدة الرئاسة في منطقة وسط إفريقيا.

* يشهد القرن الإفريقي أعلى نسبة من الدول التي لا تلتزم دساتيرها بقيود زمنية على ولاية الرئيس.

*في المقابل قطعت إفريقيا الجنوبية وغرب إفريقيا أشواطًا كبيرة في التقيُّد بحدود الفترة الزمنية لولاية الرئيس.

*على الرغم من هشاشة الأوضاع، ولاسيما بعد أحداث الربيع العربي، فإن قوانين الحد الأقصى لولاية الرئيس موجودة الآن في معظم بلدان شمال إفريقيا.

لا شك أنَّ تطبيق مبدأ تقييد فترات ولاية الرئيس قد انعكس بشكل واضح على مسيرة التحول الديمقراطي الحديث في إفريقيا؛ إذ لا يخفى أنَّ هذا الإجراء الديمقراطي ارتبط بسياق إفريقي بالغ التعقيد؛ حيث إنه مثقل بفعل الإرث الاستبدادي للاستعمار وأوتقراطية مرحلة ما بعد الاستقلال.

وينبغي النظر في جوهر مبدأ تقييد الفترة الزمنية لحكم رئيس الدولة في ضوء ظروف إفريقيا الخاصة، وحالة سكانها. لقد برز هذا المبدأ في إطار أكثر شمولية للتحول السلمي والفعَّال لإنهاء فترة حكم القائد المسيطر، بهدف إرساء قواعد تداول السلطة وتعزيز مؤسسات الدولة.

ويمثل الالتزام بالقيود الزمنية لمدة الرئاسة أحد إنجازات الديمقراطيات الناهضة في إفريقيا، مثل حالات غانا وملاوي وجنوب إفريقيا وتنزانيا. لقد حلت المعارك القانونية والانتخابية في المشهد السياسي محل المواجهات العسكرية في هذه البلدان. والواقع أن أغلبية القادة الأفارقة في هذه البلدان سلموا السلطة عند إكمال مدة رئاستهم الدستورية.

ويلاحظ الناظر لموقف الاتحاد الإفريقي من مسألة تمديد فترة الرئاسة أنه تعامل معها بحذر واضح؛ أخذًا بعين الاعتبار القيود الموروثة في بنيته التنظيمية وحدود ولايته القارية. فثمة تعارض وتصادم بين الحاجة إلى إرساء سياسة قارية بشأن فرض قيود زمنية على فترة حكم رئيس الدولة وبين تطلعات بعض الزعماء الذين هم أعضاء في هذه المنظمة، ورغبتهم بالتمسك بأهداب السلطة لأطول فترة ممكنة. وعلى الرغم من كل الصعوبات والتحديات، فإن سنوات العقدين الماضيين شهدت تغييرًا كبيرًا في مضمون السياسة الإفريقية.

فقد يلجأ بعض القادة إلى تبنِّي وسائل مختلفة لتبرير استمرارهم في السلطة، وربما تزداد وتيرة الانقلابات العسكرية مرة أخرى، ولكن مِن المستبعَد جدًّا أن تعود عقارب التطور الديموقراطي إلى الوراء. ومن أجل فهم هذا الواقع الجديد نحتاج إلى منظور جديد للفهم؛ إذ يجب النظر إلى السياسة الإفريقية من خلال ضوابط ممارسة السلطة والقيود الرسمية المفروضة على الحاكم، ورفض مقولة أن القادة الأفارقة يحصلون بكل بساطة على أي شيء يريدونه.

 

 

كتاب الموقع