أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

من هو الزعيم التنزاني "بنيامين وليام مكابا" (1938-2020م)؟

تُوفِّي الرئيس التنزاني السابق "بنيامين مكابا" (يوم الجمعة الموافق 24 يوليو 2020م) في مستشفى بدار السلام؛ حيث كان يتلقَّى العلاج لمرضٍ لم يَكشف عنه البيان الرئاسي في تنزانيا ولا الرئيس الحالي "جون ماغوفولي" الذي أعلن عن الوفاة على شاشة التلفزيون الوطني، وحدّد فترة حداد سبعة أيام تُنَكَّس خلالها الأعلام([1]).

وقد حظي "مكابا" بمكانة كبيرة لدى العديد من الأفارقة الذين يذكرون فترة حكمه لتنزانيا من 1995 إلى 2005م بإعجابٍ وثناء، بينما تنظر إليه النسبةُ الكبيرة من التنزانيّين على أنه "أبٌ روحيّ للدولة"؛ نظرًا لقيادته البلاد خلال فترة حاسمة من التحوُّل الديمقراطي، ولجهوده في إصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد، والحدّ من انتشار فيروس نقص المناعة البشرية (HIV) في تنزانيا، بالإضافة إلى مساعيه لدعم عمليات السلام في منطقة شرق إفريقيا.

"سأذكره لحبّه الكبير للأمة (التنزانية)، ولتقواه وعمله الشاق، وجهوده في بناء الاقتصاد"؛ هكذا قال الرئيس "ماغوفولي" في تغريدة له على تويتر، وأضاف: "بالتأكيد فقدتْ الأمة ركيزة قوية"([2]).

الولادة والدراسة:

وُلِدَ "بنيامين وليام مكابا" (Benjamin William Mkapa) في 12 نوفمبر 1938م، وأبواه هما "وليام ماتواني" و"ستيفانيا نامبانغا"، في ماساسي تنزانيا (تعرف آنذاك بـ"تنجانيقا"). والتحق بالمدارس الكاثوليكية؛ حيث حصل عام 1956م من كلية "سانت فرانسيس" على شهادة تعادل دبلوم/شهادة المدرسة الثانوية في بعض الدول اليوم([3]).

وفي عام 1959م حصل على شهادة في الفنون من كلية جامعة "ماكيريري" الأوغندية في كمبالا، وهي مؤسسة أكاديمية مرموقة تميّزت إبَّان الكولونيالية الأوروبية بكونها الجامعة الوحيدة في كل دول شرق إفريقيا آنذاك (كينيا وأوغندا وتنجانيقا). وبينما كان يواصل دراسته هناك؛ نالت بلاده الاستقلال عن بريطانيا في 9 ديسمبر 1961م، وتخرّج من الجامعة عام 1962م بدرجة بكالوريوس الآداب في اللغة الإنجليزية([4]).

امتهان الصحافة والخدمات العامة:

عمل "بنيامين مكابا" في مجال الصحافة، وشغل مناصب مختلفة في الحكومة التنزانية لمدة تقارب ثلاثة عقود؛ فبعد مغادرته جامعة "ماكيريري" عاد إلى تنزانيا ليكون مسؤولاً إداريًّا في "دودوما"؛ المركز الإداري للبلاد.

وترقّى في غضون عام فقط إلى مسؤول المقاطعة، ثم مسؤول الخدمة الخارجية.

وفي عام 1963م حصل على درجة الماجستير في الشؤون الدولية من جامعة كولومبيا بالولايات المتحدة الأمريكية.

وتلتْ فترة حصوله على الماجستير سنوات شَغَل فيها مناصب صحفية، فأصبح في عام 1966م مدير تحرير جريدة "The Nationalist" و"Uhuru"، كما تقلد المنصب نفسه بعد ست سنوات في جريدتي "The Daily News" وThe Sunday News.

وفي عام 1974م عيّنه الرئيس "يوليوس نيريري" -الأب المؤسس لدولة تنزانيا الحديثة- متحدّثه الرسميّ، وأصبح بعد ذلك بعامين المدير المؤسس لوكالة أنباء تنزانيا (Shirika la habari Tanzania).

وقد منحت هذه الخبرات والمناصب سابقة الذِّكر الزعيم "مكابا" فُرَصَ الانخراط بشكل أعمق في السلك الدبلوماسي والمجال السياسي؛ إذ أصبح في وقت لاحق مُشرِّعًا، وخدم في مناصب وزارية، وعُيِّن سفير تنزانيا لدى دول عديدة.

ففي عام 1976م كان المفوّض السامي لتنزانيا إلى نيجيريا، ووزير خارجية تنزانيا مرّتين (من 1977م إلى 1980م، ومن 1984م إلى 1990م)، ووزير الإعلام والثقافة من 1980م حتى 1983م، والمفوض السامي إلى كندا من 1982م إلى 1983م، وسفير تنزانيا لدى الولايات المتحدة من 1983م حتى 1984م، وانتُخِبَ مرتين في الجمعية الوطنية لدائرة "نانيومبو" - مقاطعة "ماساسي" (في عام 1985م ثم عام 1990م). إضافة إلى تقلّده منصب وزير الإعلام والإذاعة من 1990م حتى 1992م، ووزير العلوم والتكنولوجيا والتعليم العالي من 1992م حتى 1995م([5]).

رئاسته لتنزانيا:

لقد أدَّت الانتقادات من مختلف الأطراف السياسية في تنزانيا ضد حزب (Chama Cha Mapinduzi = CCM) الحاكم إلى ضرورة تعديل دستور البلاد في مايو 1992م؛ وذلك لمنح مساحة أكبر للمعارضين، ولتوفير نظام سياسي متعدد الأحزاب. وفي عام 1995م أُجريت أول انتخابات وطنية بموجب هذا النظام الجديد وفاز فيها "بنيامين مكابا" مرشح حزب "CCM" والمدعوم من الزعيم "جوليوس نيريري"؛ فكان "مكابا" ثالث رؤساء تنزانيا([6]).

وفي حين واصل "مكابا" خلال فترات حكمه إصلاحات أسلافه الاقتصادية؛ فقد واجه تحديات كبيرة، بما فيها أزمة الاقتصاد التي بدأت في منتصف التسعينيات، واستمرت إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وشحّ إمدادات الغذاء بسبب "أزمة اللاجئين" القادمين إلى تنزانيا من رواندا وبوروندي والكونغو الديمقراطية؛ الأمر الذي أجبر حكومته على طلب مساعدة دولية لرعاية اللاجئين([7]).

فلا غرابة إذًا؛ أن لعب "مكابا" دورًا محوريًّا في تحويل تنزانيا الغنية بالذهب والغاز من نظام التنمية الاشتراكي (المعروف بـ ujamaa في تنزانيا) إلى اقتصاد السوق الحرّ، وأصلح القطاع العام غير النشط، وخصخص الشركات المملوكة للدولة، ووسَّع قاعدة تحصيل الضرائب.

"من خلال الانسحاب من أنشطة الإنتاج المباشر، سيكون لدى الحكومة مزيد من الموارد لتعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، والبنية التحتية الاقتصادية، وتنمية رأس المال البشري وأداء الأدوار التقليدية للدولة، وخاصة الحفاظ على القانون والنظام"؛ هكذا قال "مكابا" بعد أسابيع قليلة من وصوله إلى السلطة([8]).

وبالفعل، ساعدت تلك السياسات في حلّ بعض المشاكل الاقتصادية، وتقليل الفساد في القطاعات العامة، وتحفيز نمو القطاع الخاص، وحازت على دعم "البنك الدولي" و"صندوق النقد الدولي"، كما أدَّت إلى إلغاء بعض ديون تنزانيا الخارجية.

"أطلقت جهوده عقدين من النمو الاقتصادي المطرد والمصداقية المالية وانخفاض التضخم في تنزانيا"؛ هكذا قال "إيدان إياكوز"، المدير التنفيذي لهيئة المجتمع المدني "تواويزا شرق إفريقيا"([9]).

مزاعم تزوير الانتخابات والفساد:

لم يسلم "بنيامين مكابا" من الانتقادات والاتهامات رغم إنجازاته العديدة؛ فقد أُعيد انتخابه لفترة ولاية ثانية وأخيرة في أواخر عام 2000م وسط مزاعم بتزوير الانتخابات في إقليم "زنجبار" شبه ذاتيّ الحكم، ونتج عن ذلك مظاهرات عنيفة بما فيها مظاهرة يناير 2001م التي أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 40 شخصًا وإصابة 100 آخرين، كما شهدت زنجبار تصعيدًا في "أنشطة التمرّد"([10]).

بل وانتُقِدت حكومة "مكابا" بأنها لم تقُمْ بما يكفي من حيث تحذير السكان من التهديد الوشيك لتسونامي المحيط الهندي في أواخر عام 2004م الذي قُتِلَ فيه 10 أشخاص في دار السلام([11]).

وإذا كان "مكابا" قد وضع ركائز برامجه على الحرب على الكسب غير المشروع أثناء حملته الانتخابية، إلّا أن فترة حكمه شابها مزاعم الفساد وسوء إدارة الأموال العامة؛ فقد أنفق 15 مليون جنيه إسترليني على طائرة رئاسية، وحوالي 30 مليون جنيه إسترليني على معدات الطيران العسكرية في وقت كانت تنزانيا تكافح من أجل الحدّ من مستويات الفقر([12]).

ووُجِّهت إليه تهمة الإشراف على عقود في قطاع التعدين تم توقيعها أثناء إدارته وانتفع هو وأسرته منها([13]).

وبالرغم من أن "مكابا" قد نفى كل تلك المزاعم([14])، إلا هناك من أشار إلى أن الحكومات المتعاقبة في تنزانيا لا تُبْدِي أيّ رغبة في التحقيق مع "مكابا" ودائرته الداخلية؛ لأن رؤساء هذه الحكومات ينتمون إلى الحزب نفسه الذي انتمى إليه "مكابا".

الوساطة من أجل السلام وتعزيز التكامل الاقتصادي بشرق إفريقيا:

كان "بنيامين مكابا" من أشدّ الداعمين للتكامل الاقتصادي الإفريقي، ولذلك خطت كتلة "جماعة شرق إفريقيا" أسرع خطواتها عندما كان "مكابا" رئيسًا لتنزانيا. وسهّل لمواطني دول منطقة شرق إفريقيا الإقامة والقيام بأعمال تجارية داخل تنزانيا دون مضايقة، وهو بذلك قد اقتفى أثر أستاذه "يوليوس نيريري" الذي أخَّر استقلال "تنجانيقا" لكي تتَّحد مع كينيا وأوغندا لتأسيس دولة واحدة([15]).

"لقد أحب الشعر وقرأ كثيرًا، وأيَّد الوحدة الإفريقية ودعا إليها. لقد كان منشغلاً بقضايا السود في كل مكان"؛ هكذا قال "والتر بغويا"، صديق "مكابا" القديم وناشر مذكراته([16]).

اشتهر "بنيامين مكابا" أيضًا بقيادته جهود وساطة السلام في شرق إفريقيا، والتي تعود بدايتها إلى أواخر عام 1978م عندما دخلت تنزانيا في "حربٍ" مع الرئيس "عيدي أمين" في أوغندا المجاورة؛ إذ كلّفه الرئيس التنزاني "نيريري" مَهمّة توحيد الفصائل الأوغندية المتنافسة، وأثبت "مكابا" جدارته بالمهمة؛ حيث مهّد الطريق أمام إقامة مؤتمر موشي للوحدة عام 1979م -رغم صعوبة الوضع وتناحُر قادة الفصائل. فأدّى المؤتمر إلى تأسيس "جبهة التحرير الوطنية الأوغندية" التي شكَّلت حكومة ما بعد "عيدي أمين"([17]).

وشارك "مكابا" أيضًا بعد مغادرته السلطة في مساعي التوافق والمصالحة عام 2008م في كينيا بقيادة الأمين العام السابق للأمم المتحدة "كوفي عنان" بعد انتخابات 2007م المثيرة للجدل – وهي جهود أنهت أعمال العنف التي أعقبت تلك الانتخابات. كما توسّط "مكابا" في محادثات بين حكومة الرئيس الراحل "بيير نكورونزيزا" والمعارضة في بوروندي عام 2016م كانت تهدف إلى إنهاء أزمة سياسية طويلة([18]).

ولعل ما يُلَخِّص فلسفة "بنيامين مكابا" عن السلام والوحدة الإفريقية والاهتمام باللاجئين من دول الجوار، قوله: "شرق إفريقيا جزيرةُ سلامٍ واستقرار محاطةٌ بحيٍّ مليءٍ بالحرب وعدم الاستقرار والاضطرابات.. لا يمكننا الشعور بالأمان في جهودنا التنموية إلا عندما يكون الحيّ سلميًا ومستقرًّا".


[1]- Charles Kombe. (July 2020). Tanzania’s Former President Benjamin Mkapa Dies at 81. https://bit.ly/2Xer2s7

[2]- . تغريدات للرئيس التنزاني جون ماغوفولي على موقع تويتر, بتاريخ: July 23, 2020, https://bit.ly/2WZXMVA

[3] - East, Roger. Richard Thomas (2003). Profiles of People in Power: The World's Government Leaders. Routledge. p. 513.

[4] - Encyclopedia.com. Mkapa, Benjamin 1938-. https://bit.ly/3hEB51i

[5] - مصدر سابق: Encyclopedia.com. Mkapa, Benjamin 1938

[6] - Abdi Latif Dahir. (July 25, 2020). Benjamin Mkapa, Ex-President of Tanzania, Dies at 81. https://nyti.ms/3f1fluS

[7] - Encyclopedia. Tanzania: Challenges into the 21st century. https://bit.ly/2ZYr7lc

[8] - Kakusa, M. W. (1999). Restructuring of the port industry in Tanzania: privatisation of the Tanzania Harbours Authority. World Maritime University Dissertations 316.

[9] - Nuzulack Dausen. (July 23, 2020). Tanzania's former president Mkapa, regional peacemaker, dies. Reuters, https://reut.rs/3jOqfYz

[10] - مصدر سابق:

Encyclopedia. Tanzania: Challenges into the 21st century.

[11] - المصدر السابق.

[12] - Hencke, David (27 July 2002). "Short defends personal jet for Tanzania's president". The Guardian UK, https://bit.ly/2PaxfAV

[13] - Bob Karashani. (May 11, 2019).  Magufuli orders Kiwira coal mine take back. The EastAfrican, https://bit.ly/39wHIzD

[14] - Khalifa Said. (Nov 13, 2019).  Former President Benjamin Mkapa bares it all his memoir 'My Life, My Purpose'. The Citizen Tanzania, https://bit.ly/2BvOER6

[15] - Joachim Buwembo. (July 26, 2020). Nyerere legacy evident in Mkapa's choice as future leader. The EastAfrican, https://bit.ly/3g3b0IH

[16] - مصدر سابق:

Nuzulack Dausen. (July 23, 2020). Tanzania's former president Mkapa, regional peacemaker, dies. Reuters

[17] - مصدر سابق:

Joachim Buwembo. (July 26, 2020). Nyerere legacy evident in Mkapa's choice as future leader. The EastAfrican

[18] - Bob Karashani. (July 26, 2020). East African Community mourns Benjamin Mkapa - mediator, economic architect. The EastAfrican, https://bit.ly/3f1oPWV

 

كتاب الموقع