أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

من كانم إلى صوكوتو: موجز التاريخ السياسي للسودان الأوسط

   أ. مصطفى أنجاي (*)

راج استعمال مصطلح «السودان» أو «بلاد السودان» في الأدبيات التاريخية والجغرافية الإسلامية- بعد احتكاك المسلمين بالشعوب الإفريقية القاطنة في جنوب الصحراء الكبرى-، تمييزاً لهم عن الشعوب البيضاء القاطنة في الصحراء الكبرى أو «بلاد البيضان».

 

أولاً: السودان الأوسط: التسمية وإشكالات الضبط:

وعلى الرغم من الإشكالات الواردة على المصطلح؛ فإنّه قد ساد وانتشر في الكتابات العربية، ومنها انتقل إلى كتابات علماء المنطقة، حيث وردت لفظة «السودان» في عناوين كثيرٍ من مؤلفاتهم(1)، وقد احتفظت الأدبيات الكلونيالية بالمفهوم التاريخي للمصطلح في الكتابات العربية والمحلّية.

لقد أدرك الجغرافيون والمؤرّخون العرب- منذ فترة قديمة- أنّ المجال السوداني متعدّد الخصائص، ولعلّ هذا هو السرّ في انتشار مصطلح «بلاد السودان» بصيغة الجمع عندهم؛ بدلاً من «بلد» بصيغة الإفراد، وعليه؛ فقد حاولوا تقسيم المجال السوداني إلى أقسام مختلفة، والاعتبار الذي اعتمدوه في التقسيم ليس جهويّاً؛ بل سوسيو– سياسي؛ لأنّهم لم يتعاملوا مع الفضاء الجغرافي مجرّداً عمّا يتجسّد فيه من تشكيلات بشرية وسياسية(2)، ولذلك تجدهم في الغالب يقسمون المنطقة إلى ممالك، فيتحدّثون عن غَانَة وتكرور وملي وكوكو والزغاوة والبجة والحبشة والزنج... حتى إنّ الرحالة الحسن الوزان أوصل هذه الممالك إلى خمس عشرة مملكة(3).

لا يعني هذا أنّ البعد الجهوي لم يكن حاضراً عند الكُتّاب العرب؛ ولكن المقصود أنّ التقسيم الجهوي (الغربي، والأوسط، والشرقي) للمنطقة بدأ يتبلور ويأخذ الصبغة الاصطلاحية في الأدبيات الكلونيالية، ومنها توغّل إلى البحث التاريخي المعاصر، فحسب الدراسات التاريخة المعاصرة؛ يقع «السودان الأوسط» في المناطق المحيطة بحوض بحيرة تشاد، وقامت فيها ممالك: (كانم - برنو، وإمارات الهوسا، ومملكة باغرم، ووداي، وصوكوتو)، وتشمل حاليّاً أجزاء من دول: تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون وإفريقيا الوسطى.

 

ثانياً: السودان الأوسط: الأرض والسكان:

إنّ وقوع السودان الأوسط بين جزأي القارة: «الشمالي» الذي يقطنه العرب والبربر، و«الجنوبي» الذي يقطنه السودان.. بالإضافة إلى وقوعه بين الجزأين «الغربي» و«الشرقي»، أهّله لأن يؤدي دوراً كبيراً في التجارة الإقليمية والعالمية في العصر الوسيط.

وعلى الرغم من عدم توفّر السودان الأوسط على مناجم الذهب، كالسودان الغربي، فإنّ موقعه الاستراتيجي، وفضاءه الطبيعي، سمحَا له بأن يشهد قيام دولٍ مركزية قوية، بسطت سيطرتها على آلاف الكيلومترات، ووفّرت لسكّانها الرفاهية الاقتصادية والحياة الكريمة، كممالك: كانم وبرنو، ووداي، وباغرم، وإمارات الهوسا المختلفة... هذا على مستوى الفضاء الطبيعي.

أمّا على مستوى الشعوب التي سكنت السودان الأوسط؛ فإنّ المصادر التاريخية لا تمدّنا بمعلوماتٍ كافية عن تاريخ الاستيطان ومساره في المنطقة، وبرغم ذلك؛ فإنّ المعطيات الأركيولوجية تتضافر لتأكيد أنّ السودان الأوسط من أقدم المناطق الحضارية بالقارة الإفريقية، وقد أهّله لذلك ما يتمتّع به من مزايا طبيعية ومناخية جعلته صالحاً للاستيطان والتحضّر، ويعتبر توفّره على «الواحات الصحراوية» في الشمال، و«بحيرة تشاد» في الجنوب، بما تقدّمه من أسباب البقاء والاستقرار، على رأس هذه المزايا.

 

وسنكتفي هنا بعرضٍ موجز لأهمّ الشعوب التي كان لها دورٌ محوريٌّ في التاريخ السياسي للمنطقة:

شعب الساو:

شعب «الساو أو الصو» من أهمّ وأقدم الشعوب التي سكنت بالسودان الأوسط.

وهناك اختلافٌ كبير في أصوله، ويُعتقد أنّ شعب «الساو» هم أسلاف شعب «كوتوكو» الموجودين حاليّاً في تشاد، حيث إنّ «كوتوكو» يستخدمون لفظة «ساو» للدّلالة على أسلافهم، وحسب الروايات المحلّية؛ فإنّ «ساو» كانوا منذ ق1ه/ ق7م مستقرّين في منطقة كوار، ومنها بسطوا سيطرتهم ابتداءً من ق4ه/ ق10م على كلّ الأقاليم الواقعة بين بحيرة فتري (جنوب دولة تشاد) وبلاد الماسا (شمال دولة كاميرون).

ويُعتقد أّنّه تمّ طرد «الساو» إلى الجنوب زمن تأسيس مملكة كانم، وأنّ سلاطين برنو عملوا على القضاء عليهم، الأمر الذي تمكّنوا منه زمن السلطان إدريس ألوما (ق11ه/ ق17م)، وهذه الفترة توافق زمن اختفاء «الساو» كشعبٍ واحدٍ منظّم من تاريخ المنطقة، حيث لم يعد لهم وجود.

شعب الزغاوة:

على خلاف شعب الساو؛ لا يزال لـلزغاوة وجودٌ مستمّر للآن بدولتَي تشاد وغرب السودان.

اختلف المؤرخون اختلافاً كبيراً في تحديد أصل «الزغاوة»، حيث يُرجع بعضهم «الزغاوة» إلى الحميريّين عرب الجنوب، ويعود بهم البعض إلى البربر، ويرى آخرون أنّهم زحفوا من هضبة دارفور غربي دولة السودان، واستقرّوا في حوض بحيرة تشاد، وأسّسوا مملكة عُرفت باسمهم، امتدّت من تخوم الواحات الليبية إلى الحدود الغربية لدارفور.

كان العرب على اتصالٍ كبيرٍ بشعب «الزغاوة»؛ لاستيطانهم في طرق القوافل التجارية العابرة للصحراء من ليبيا ومنطقة وادي النيل، إلى منطقة بحيرة تشاد والسودان الغربي، ولذلك ورد اسمهم عند كثيرٍ من مؤرّخي وجغرافيي العالم الإسلامي، من أمثال ابن حوقل، واليعقوبي، والبكري، والإدريسي، وابن سعيد، وابن خلدون، وغيرهم.

على الرغم من أنّ مؤسّسي مدينة «كانم» المشهورة بالسودان الأوسط غير معروفين على سبيل التحديد؛ فإنّ من المؤكّد أنّ «الزغاوة» من أوائل سكّان هذه المدينة، فحسب المعلومات التي أوردها اليعقوبي وغيره: فإنّ «الزغاوة» كانوا حكّام كانم في ق2ه/ ق9م، حيث يقول في حديثه عن ممالك بلاد السودان: «وأمّا السودان الذين غرّبوا وسلكوا نحو المغرب، فإنّهم قطعوا البلاد، فصارت لهم عدة ممالك، فأول ممالكهم: الزغاوة، وهم النازلون بالموضع الذي يُقال له: كانم...».

وقد استمرّ حكم «الزغاوة» لمملكة كانم إلى فترة سيطرة السيفيين (أو السيفاويين) عليها سنة 1075م، فلجؤوا تحت ضغط الحكّام الجدد إلى الشرق(4).

شعب الكانمبو:

لفظة «كانمبو» تتضمّن معنى جغرافيّاً، لأنّها تعني: «أهل الغرب»، فهي مؤلّفة من كلمتين، Anem، وتعني: (الغرب)، و bou، وتعني: (أهل)، تجمع السابقة K بينهما(5)، ويسمّي الهوسا هذا الشعب: «بري بري»: Beriberi، وتعني في لغتهم (المغاربة)(6).

وهناك روايات مختلفة عن أصول «كانمبو»، من أشهرها تلك التي تعتبرهم من سلالة الملك اليمني سيف بن ذي يزن، فقد ورد في خطابٍ أرسله الملك عثمان بن إدريس الكانمي إلى السلطان برقوق المملوكي في مصر: «نحن بنو سيف بن ذي يزن»(7)، وينفي كثيرٌ من المؤرّخين هذه النسبة، ويعتبرون الشعب «الكانمبي» خليطاً من المجموعات الإثنيّة ذات الأصول النيلية والنيلو- تشادية، كما يعتبرهم آخرون من أصولٍ بربرية.

وقد حكمت مملكة كانم بعد قضائها على الزغاوة عام 468هـ/ 1075م، وفي فترة حكم السيفيين، في نهايات ق5ه/ ق11م، اعتنق ملوك كانم الإسلام، واجتهدوا في نشره في المملكة، وخاضوا في سبيل ذلك معارك كثيرة ضدّ القبائل الوثنية.

في القرن 8 الهجري/14 الميلادي؛ بدأ الضعف والهوان يدبّ في المملكة بسبب الاضطرابات الداخلية والخارجية، فاضطر بعض السيفيين إلى اللجوء لبرنو غربي بحيرة تشاد، وأسّسوا هناك مملكة برنو، التي قويت حتى بسطت سيطرتها على كانم، وأصبحت المملكة بعد استيعابها لكانم تُعرف بـاسم «مملكة برنو»، وقد استمرّت «مملكة برنو» في الوجود إلى نهايات ق13ه/ ق19م؛ حين اقتسمتها فرنسا وبريطانيا وألمانيا فيما بينها.

شعب الهوسا:

شعب «الهوسا» من أهمّ شعوب السودان الأوسط، وهم الآن- على مستوى الكثرة- ثاني أكبر شعب إفريقي بعد الشعب السواحلي، وتسكن قبائل «الهوسا» في مجالٍ جغرافيٍّ واسع، يمتدّ من الحوض الأوسط لنهر النيجر غرباً إلى برنو شرقاً.

واستخدام لفظة «الهوسا» بالمفهوم العِرقي- بوصفه اسماً لمجموعة إثنية معيّنة- حديثٌ نسبيّاً؛ لأنّ هذه اللفظة كانت تحيل إلى معنى لغوي وثقافي وجغرافي؛ أكثر من كونه عِرقيّاً، حيث كانت تُطلق على الشعوب التي تتكلّم لغة الهوسا، أو الشعوب القاطنة في الممالك القديمة لبلاد الهوسا، وهي: (زمفرة وكبي وغوبر)(8).

وحول أصل شعب «الهوسا»؛ توجد نظريات متعدّدة، أوصلها الباحث مهدي آدمو إلى أربع، منها: أنّهم من أصول عربية قادمة من بغداد بالعراق، أو أنّهم كانوا من سكّان الصحراء الكبرى قبل تصحّرها، ولمّا جفّت الأرض زحفوا إلى الجنوب واستقرّ بهم المقام في هضبة بوشي، ومنها بسطوا سيطرتهم على ما عُرف فيما بعد ببلاد الهوسا. ويرى آخرون أنّهم كانوا يقطنون الضفّة الغربية لبحيرة تشاد، وكانوا يمتهنون الصيد، ولمّا بدأت البحيرة في التقلّص قرّروا البقاء واعتماد مهنة الزراعة، وحسب هذه النظرية؛ فإنّ الموطن الأصلي للهوسا هو: كانو ودورا ورانو... ومنها امتدّوا نحو الغرب والشمال(9).

مارس الهوسا دوراً كبيراً في التاريخ السياسي للسودان الأوسط، حيث أسّسوا وسطَ إمبراطورية السنغاي في الغرب، وإمبراطورية كانم - برنو في الشرق، سبع إمارات قويّة، استطاعت- في الغالب- المحافظة على استقلاليتها وسيادتها برغم وقوعها بين قوّتين إقليميتين عظيمتين، وهذه الإمارات هي: (كانو، وكتسينا، وزمفرا، وزاريا، وغوبر، وبيرام، ودورا)، وقد بقيت في الوجود- على الرغم مما تعرّضت له من محاولات السيطرة- إلى ق13ه/ ق19م، عندما ألحقها المجاهد الفلاني عثمان دن فودي في إطار دولةٍ موحّدة وقوية عُرفت بإمبراطورية صوكوتو.

شعب الفلاني:     

الشعب «الفلاّني» أحد أهمّ الشعوب الإفريقية التي أدت دوراً محوريّاً في التاريخ السياسي والحضاري لبلاد السودان، غرباً ووسطاً وشرقاً، وليس من المبالغة القول بأنّهم- على مستوى الانتشار- يحتلّون المرتبة الأولى في بلاد السودان؛ لأنّ لهم وجوداً جغرافيّاً يمتدّ من سواحل المحيط الأطلسي غرباً إلى بلاد النوبة شرقاً.

اختلفت أقوال علماء الأجناس والآثار والمؤرخين واللغويين وآراؤهم حول مسألة (أصل الفلانيّين), قديماً وحديثاً, ولم يتوصلوا إلى قولٍ مقنعٍ علميّاً يُعتمد عليه (حسب علمنا)، فهناك مَن يرجعهم إلى طائفة من بني إسرائيل (اليهود)، وهناك مَن يرى بأنّهم من الروم، والبعض ينسبهم للفراعنة والنوبة أو الحبشة, وهناك مَن ينسبهم إلى الحِمْيَريّين، بينما يرى آخرون أنهم من سلالة التابعي الجليل: عقبة بن نافع الفهري (أي من العرب)، والبعض يعتبرهم من الأصل البربري(10).

يُعتقد أنّ الشعب الفلاني إنّما استقرّ في البداية بالسودان الغربي بمنطقة فوتا تورو، ومنها تدفّقت هجراتهم إلى السودان الأوسط فالسودان الشرقي، ولا يُعرف على وجه الدقّة تاريخ وصول الفلاّن إلى السودان الأوسط، ولكن يُعتقد أنّ وجودهم بدأ يتعزّز في بلاد الهوسا في فترة الهيمنة المراكشية على مملكة السنغاي في السودان الغربي، حيث أخذوا يزحفون نحو الشرق، وانتشروا كرعاة بين القرى الزراعية، ونشطت مجموعةٌ أخرى منهم في التجارة، وما شارف ق10ه/ ق16م على النهاية حتى قويت شوكتهم، وأصبحوا نشطين في كلّ ميادين الحياة اقتصاديّاً وسياسيّاً واجتماعيّاً وفكريّاً...(11).

ولقد تمكّن الشعب «الفلاني» في ق13ه/ ق19م من تأسيس خلافة قويّة، استطاعت أن تبسط نفوذها في معظم مناطق السودان الأوسط، حيث تمكّنت من توحيد إمارات الهوسا المختلفة تحت ظلّ دولةٍ مركزية موحّدة، عاصمتها صوكوتو، وقد ظلّت الخلافة الصوكوتية في الوجود إلى أن وقعت على يد الاحتلال البريطاني في بداية القرن العشرين.

 

ثالثاً: دخول الإسلام وانتشاره في السودان الأوسط:

تؤكّد المُعطيات التاريخية أنّ أوّل اتّصال للإسلام بالسودان الأوسط كان في القرن الأوّل الهجري، حيث يذكر ابن عبد الحكم (ق3ه) والبكري (ق5ه): أنّ عقبة بن نافع في سياق فتوحاته المغربية؛ سار سنة 46ه/666م حتى افتتح ودّان، ثمّ واصل سيره إلى فزّان وافتتحها، وواصل السير باتجاه الجنوب، حتى وصل إلى قصبة كوار (في الشمال الشرقي لجمهورية النيجر)، فحاصرها شهراً ولم يفلح في اختراقها، فمضى إلى قصور كوار فافتتحها، حتى انتهى إلى أقصاها(12).

وبالرغم من أهمية هذه الحملة، بوصفها أول اتصال بين الإسلام والسودان الأوسط، فمن المحتمل أنّ مفعولها كان عابراً جدّاً؛ لأنّها لم ينتج عنها انتشارٌ كبير للإسلام، لا على المستوى الشعبي ولا النخبوي.

ويُعتقد أنّ الإسلام بدأ يزحف إلى الجنوب في ق2ه بعد استقرار بربر فزّان وكوار على الإسلام؛ لأنّ هؤلاء كانوا على علاقات تجارية ودبلوماسية جيّدة مع الحواضر الكبرى للسودان الأوسط(13)، وبدأ التحوُّل إلى الإسلام في المنطقة الجنوبية للسودان الأوسط فرديّاً، عن طريق الاتصال مع التجار المسلمين القادمين من الصحراء، مع بقاء المجتمع في عمومه غير مسلم، وحسب الشهادات التي أدلى بها البكري (ق5ه/ ق11م): فإنّ المجتمع الكانمي، الذي كان يسيطر على منطقة بحيرة تشاد، كان وثنيّاً؛ إذْ يقول: «وبلد كانم أربعون مرحلة، وهم وراء صحراء بلاد زويلة، لا يكاد أحدٌ يصل إليهم، وهُم سودان مشركون»(14)، ولا ينفي ذلك وجود أفراد معتنقين للإسلام، وقد أشار البكري نفسه إلى أنّ قوماً من الأمويين استوطنوا كانم عند محنتهم مع العبّاسيين، وهم «على زيّ العرب وأحوالها»(15).

وقد بدأ الإسلام ينتشر ويتوسع، وتزداد سرعة انتشاره في المنطقة، مع تحوّل عرش مملكة كانم من الزغاوة إلى السيفيين، ويعدّ محمد بن جبل بن عبد الله (1085-1097م) أوّل ملك مسلم اعتلى عرش كانم، وكان معروفاً قبل إسلامه باسم «حُمى» أو «هومه جيلمه»، وخلفه ابنه «دوناما بن هومه» على السلطة، وهو أوّل مَن حجّ من ملوك كانم، وقد اجتهد السيفيون في نشر الإسلام وتوطيد دعائمه والتمكين له في منطقة بحيرة تشاد اجتهاداً كبيراً، وإليهم يرجع الفضل في تعميمه على شرائح المجتمع الكانمي كافّة.

أمّا في بلاد الهوسا: فإنّ دخول الإسلام إليها كان متأخراً نسبيّاً، فأولى الشهادات التاريخية عن دخول الإسلام لهذه البلاد تؤرخه بمنتصف ق8ه/ ق14م، وذلك في عهد ياجي سركين كانو (1349-1385م)، عن طريق التجار الونغريين القادمين من مالي، وعلى الرغم من أنّ هذه أقدم إشارة لحضورٍ إسلاميّ في بلاد الهوسا؛ فإنّ بعض الباحثين يرون أنّ الإسلام وصل إليها قبل ق8ه/ ق14م؛ لأنّ الأسرة الحاكمة لكانم اعتنقت الإسلام- كما سبقت الإشارة- منذ أواخر ق4ه/ ق11م، وقد كانت علاقة الهوسا مع كانم اقتصاديّاً وسياسيّاً وطيدة، يستحيل معها أن تبقى بلاد الهوسا بمعزلٍ عن الإسلام إلى غاية ق8ه/ ق14م(16).

وقد تعزّز الوجود الإسلامي في بلاد الهوسا بعد خضوع كثيرٍ من إماراتها لسيطرة السنغاي في عهد الملك أسكيا محمّد في ق10ه/ ق16م(17)، كما أنّ كثيراً من علماء تنبكتو وجنّى، وغيرها من الحواضر الغربية، هاجروا إلى بلاد الهوسا بعد تعرّضهم للأذى والاضطّهاد والتضييق، سواء في فترة محنتهم مع سني علي بير، أو بعد السيطرة المراكشية على السنغاي، ومن أهمّ هؤلاء العلماء الذين كان لهم دورٌ كبيرٌ في نشر الإسلام في بلاد الهوسا: أحمد بن عمر أقيت؛ جدّ العلامة أحمد بابا التنبكتي المشهور(18).

وبالرغم من وصول الإسلام إلى كثيرٍ من إمارات الهوسا، بشكلٍ أو بآخر في ق8ه/ ق14م، فإنّ تأثيره بقي سطحيّاً ومحصوراً على نخبة معيّنة من التجّار والسياسيين، وعليه؛ يمكن القول بأنّ انتشار الإسلام في كلّ ربوع بلاد الهوسا، وعلى مستوى الشرائح الاجتماعية كافّة، إنّما كان في ق13ه/ ق19م على يد الخلافة الصوكوتية بقيادة المجاهد عثمان دن فوديو وأخيه عبد الله ومَن خلَفهما في الحكم، إلى سقوط الخلافة على يد الاستعمار البريطاني في بداية القرن العشرين.

 

رابعاً: الممالك الإسلامية في السودان الأوسط:

سنقتصر هنا- بسبب كثرة هذه الممالك- على ما يأتي(19):

مملكة كانم - برنو:

تُعدّ مملكة «كانم - برنو» أولى بنية سياسية ذات مرجعية إسلامية في السودان الأوسط، تأسّست في منطقة بحيرة تشاد، وامتدّت في أوج عظمتها من حوض النيجر غرباً إلى دارفور شرقاً، ووصلت في الشمال إلى فزّان بجنوب ليبيا، وبالإضافة إلى أنّها تغطّي معظم أراضي تشاد المعاصرة؛ فإنّها تضمّ أجزاء من كاميرون وليبيا ونيجيريا وإفريقيا الوسطى.

 يُرجِع كثيرٌ من المؤرخين تاريخ تأسيس مملكة «كانم - برنو» إلى ق1ه/ ق8م، وإذا أخذنا بالاعتبار تاريخ سقوطها على يد الاستعمار، في نهايات ق13ه/ ق19م، فيمكن القول بكلّ اطمئنان بأنّها عمّرت قرابة اثني عشر قرناً، وعليه؛ فليس من المغالاة القول بأنّها: من أطول الممالك التي عرفتها بلاد السودان- في العموم-.

ويمكن التمييز في تاريخ مملكة «كانم - برنو» بين عهدين:

- العهد الكانمي: من التأسيس في ق1ه/ ق8م؛ إلى الربع الأخير من ق8ه/ ق14م.

- العهد البرنوي: من نهاية العهد الأوّل؛ إلى سقوط المملكة على يد القوى الاستعمارية في ق13ه/ ق19م (1893م).

ويمكن التمييز بين فترتين للحكم أيضاً:

- فترة حكم الزغاوة: من التأسيس إلى سنة 1075م.

- فترة حكم السيفيين: من التاريخ السابق إلى سقوط المملكة.

وقد كانت المملكة في الفترة الأولى- حسب الإفادات المصدرية- وثنيةً، غالبيةُ سكّانها مشركون، وفي الفترة الثانية أصبح الإسلام دين الدولة، وأساس الحكم والسياسة.

سبقت الإشارة إلى أنّ محمد بن جبل بن عبد الله- المعروف بـ«حُمى»- هو أوّل سلطان كانمي اعتنق الإسلام وحوّله إلى دينٍ رسميّ للمملكة، ومنذ ذلك الحين أخذت المملكة في الصعود والتوسّع في كلّ الجهات، خصوصاً في عهد دوناما دباليمي (1221-1259م) الذي استطاع أن يؤسّس جيشاً قويّاً قوامه أربعون ألف فارس، خاض به حركات فتحٍ وتوسّع كبيرة، حيث ضمّ إلى مملكته منطقة فزّان في جنوب ليبيا، ومنطقة كانو في بلاد الهوسا في الغرب، ومنطقة ودّاي في الشرق، ومنطقة أدماوا في الجنوب.

وبسبب المعارك التي خاضها «دوناما دباليمي» ضدّ القبائل الوثنية؛ فقد اجتمعت هذه الأخيرة تحت قيادة قبيلة «البولالا» من أجل إسقاط كانم، وبعد وفاة دوناما وضعف السلاطين بعده، ونشوب الصراعات الداخلية، تمكنت «البولالا» في 1387م من السيطرة على العاصمة «انجيمي»، وتأسيس دولة واسعة الأطراف، تمتدّ من «بحيرة فتري» إلى «بحيرة تشاد»، ليكون هذا الحدث مشكّلاً لنهاية العهد الكانمي.

لم يستسلم السيفيون لسيطرة قبائل البولالا على مملكتهم، بل لجؤوا بعد الهزيمة النكراء إلى «برنو»، وحاولوا من هناك أن ينظموا صفوفهم لاستعادة «كانم»، الأمر الذي نجحوا فيه في عهد الماي إدريس بن عائشة (1502-1526م)، وبرغم ذلك؛ فإنّ السيفيين فضّلوا البقاء بمركز حكمهم ببرنو؛ لأنّ أرضها كانت أصلح للزراعة والرعي.

يُعدّ السلطان إدريس ألوما (1570-1602م) أكبر ملك لكانم - برنو، وقد وصلت المملكة في عهده لأوج عظمتها، وقد أدّت الإصلاحات القانونية والاقتصادية والتربوية، التي قام بها السلطان إدريس ألوما، إلى تحقيق نهضةٍ شاملة للمملكة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً وعمرانيّاً.

بعد السلطان إدريس ألوما؛ بدأت مملكة كانم - برنو في التدهور في ق13ه/ ق18م، وقد تزامن ضعفها مع قيام قوّةٍ إسلامية جديدة في بلاد الهوسا على يد القبائل الفلانية بقيادة عثمان دن فوديو، الذي استطاع سنة 1808م من السيطرة على عاصمة كانم، اضطّر معها سلطان كانم الماي أحمد بن علي (1791-1808م) من الاستعانة بالعالم الكانمي الجليل محمد الأمين الكانمي لقيادة المقاومة ضدّ الخلافة الصوكوتية.

ومنذ هذا الوقت؛ أصبح محمّد الأمين الكانمي، على الرغم من عدم انتمائه إلى الأسرة السيفية، هو الحاكم الحقيقي لأجزاء كانم التي لم تقع في سيطرة الفوديين، وبعد وفاة محمّد الأمين الكانمي تقلّد ابنه عمر مقاليد الحكم، وبرغم محاولة السيفيين استعادة الحكم من يد عمر؛ فإنّهم لم يفلحوا في ذلك؛ حتى سقوط المملكة في يد القوى الاستعمارية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) التي اقتسمت الأراضي التابعة لكانم - برنو فيما بينها.

إمارات الهوسا:

إمارات الهوسا من أهمّ البنى السياسية للسودان الأوسط؛ لما مارسته من أدوارٍ محورية، خصوصاً في المجال الاقتصادي والثقافي، قامت هذه الإمارات في المنطقة الكائنة بين الحوض الأوسط لنهر النيجر غرباً، وبحيرة تشاد شرقاً، وهي تاريخيّاً منطقة وسطى بين مجال نفوذ مملكة السنغاي في الغرب ومملكة برنو في الشرق، الأمر الذي حدَّ من فرص توسّع هذه الإمارات، وجعلها دائماً مطمعاً لهاتَين القوّتين العظيمتَين(20).

الحدود التاريخية لإمارات الهوسا تضمّ أجزاء واسعة من دولتَي النيجر ونيجيريا المعاصرتين، وبالرغم من أنّ شعب الهوسا كان هو الشعب الغالب- تاريخيّاً- في المنطقة المشار إليها؛ فإنّ عدداً كبيراً من الشعوب غيرهم استوطنت فيها لأغراضٍ كثيرة، اقتصادية وسياسية وثقافية، كالفلان والكانمبو، والطوارق، والزرما...

وبسبب شحّ الشهادات المصدرية لا يُعرف على وجه الدقّة تاريخ تأسيس إمارات الهوسا، ويحتمل أنّها لم تقم معاً في نفس الوقت؛ على الرغم من أنّ أسطورة التأسيس تجعل قيامها متزامناً، لأنّها تزعم بأنّ الأمير «بياجدّة» قدم من بغداد، واستقر بكانم - برنو، حيث زوّجه الماي ابنته، وعلى إثر خلاف بينه وبين الماي نزح إلى الغرب في بلاد الهوسا، وعندما وصل مدينة «دورا» قتل أفعى كبيرة، كانت تمنع السكّان من الوصول إلى مصادر الماء، ما دفع ملكة «دورا» إلى التزوّج به، ويعود الفضل إلى أولادهما السبعة في تأسيس إمارات الهوسا.

وبالرغم من أنّ هذه الأسطورة من أشهر أساطير التأسيس؛ فإنّ بعض الباحثين ينطلق منها للقول بأسبقية إمارات الهوسا على قدوم الأمير بياجدة؛ بدليل أنّه تزوّج بملكة «دورا»؛ ما يدلّ على وجود كيان سياسي منظّم قبله.

حدّد الباحث هـ. ر. بلمر تاريخ وصول «باغودة بن بياجدة» إلى كانو بسنة 999م، وإن كان هذا التاريخ تقريبيّاً؛ فإنّه يمكن الانطلاق منه للقول بأنّ إمارات الهوسا أو بعضها على الأقل كانت قائمة في نهايات ق4ه/ ق10م(21).

بسبب شحّ المصادر؛ لا نعرف كثيراً اليوم عن تطوّرات المسار السياسي داخل إمارات الهوسا، كلّ ما يمكن قوله هو: أنّها كانت مستقلّة بعضها عن بعض، وأنّ كلّ واحدةٍ كانت تحاول السيطرة على الأخرى، وهذا ما كان يدفعهم- أحياناً- إلى الدخول في تحالفات مختلفة مع القوى السياسية المجاورة، خصوصاً برنو في الشرق، والسنغاي في الغرب.

سبقت الإشارة إلى: أنّ الإسلام تسرّب إلى بلاد الهوسا من الشرق عن طريق البرنو، ومن الغرب عن طريق السنغاي، وأنّ أقدم شهادة مكتوبة تَعدّ منتصف  ق9ه/ ق14م هي فترة وصول الإسلام للمنطقة، وبالتحديد لإمارة كانو، وتعزّز الوجود الإسلامي بهجرة العلماء من حواضر السودان الغربي بعد السيطرة المراكشية عليها- كما سبق-.

أثارت إمارات الهوسا، لما تتمتّع به من موقعٍ استراتيجيٍّ، أطماع القوى المجاورة، ونحن نعرف، بناءً على المعلومات التي أدلى بها الرحالة المغربي الحسن الوزان، أنّ بلاد الهوسا سقطت في سيطرة السنغاي في عهد الملك أسكيا محمّد(22)، كما أنّ من المعلوم أنّ مملكة برنو في عهد الماي إدريس ألوما سيطرت على بعض بلاد الهوسا، إلاّ أنّ هذه المحاولات الخارجية لاحتلال الهوسا لم تصمد كثيراً بفضل جهود «محمّد كانتا» سلطان «كبّي»، الذي استطاع أن يُجهض مشروعات القوى الخارجية، وأن يوحّد كلّ إمارات الهوسا تحت رايةٍ واحدة، ولكن هذه الوحدة لم تطل هي الأخرى؛ لأنّ إمارات غوبر وزمفرة وأهير تحالفت- في حدود سنة 1600م- ضدّ إمارة «كبّي»، واستطاعت القضاء على احتلال الكَنتيين لأراضيها(23).

بدأت إمارات الهوسا في الضعف ابتداءً من ق13ه/ ق18م، وقد تزامن ذلك مع بداية صعود قوّةٍ إسلامية جديدة في المنطقة بقيادة العالم المجاهد عثمان دن فودي، وأمام تنامي نفوذ هذه القوّة الجديدة حاول ملك غوبير القضاء عليها، ما تسبّب في انفجار ثورةٍ إسلامية عارمة، قضت على إمارات الهوسا كلّها في بداية ق13ه/ ق19م.

خلافة صوكوتو:

تُعدّ خلافة صوكوتو أهمّ بنية سياسية ذات مرجعية إسلامية قامت في ق13ه/ ق19م في منطقة السودان الأوسط، تأسّست في المناطق التي كانت تغطّي بلاد الهوسا، بين الحوض الأوسط لنهر النيجر غرباً وبحيرة تشاد شرقاً، وضمّت أراضيها أجزاء من دول (نيجيريا والنيجر وتشاد وكاميرون) المعاصرة.

سبقت الإشارة إلى: أنّه بالرغم من دخول الإسلام في بلاد الهوسا؛ فإنّه بقي سطحيّاً غير متجذّر، حيث ظلّت القاعدة العامّة متمسّكة بدياناتها التقليدية، كما ظلّ بعض السلاطين برغم كونهم مسلمين ملتزمين بالتقاليد الوثنية، بل كان بعضهم- على غرار ملك غوبير نافاتا- كارهاً للإسلام ومضطهداً للمسلمين، حيث إنه اتّخذ تدابير للحدّ من التأثير الإسلامي في مملكته، كمنعه دخول الإسلام لمَن لم يُولد مسلماً، ومنعه ارتداء الحجاب للنساء، وارتداء العمامة للرجال...(24).

كان الشيخ عثمان دن فودي- على الرغم من هذه الاعتداءات على المسلمين- ينتهج أسلوب الدعوة والإرشاد والتعليم والنصح، من أجل بناء الوعي الاجتماعي، وتوفير أسباب النهضة والتغيير، وبرغم حملات الاستفزاز والتضييق التي تعرّض لها هو وأتباعه؛ فإنّه حافظ على هدوئه، واستمرّ في خطّ الإصلاح الاجتماعي السلمي الذي اتخذه لنفسه سبيلاً.

وبعد وفاة «نافاتا» خلَفه ابنه «يونفا»، وبالرغم من أنّه كان من تلاميذ الشيخ عثمان دن فودي؛ فإنّه خوفاً من تنامي تأثير حركة الشيخ قرّر اغتياله واستئصال حركته، وقد حاول عبثاً القيام بذلك، إلاّ أنّه أخفق في كلّ مرّة، وفي المقابل كانت شعبية الشيخ بوصفه رمزاً للمقاومة تزداد يوماً بعد يوم، فقرّر «يونفا» إثر ذلك استخدام القوّة، فسار مع مجموعة من جنده إلى مقرّ إقامة الشيخ بقرية «دغل»، ولكن الشيخ نجح في الانفلات والهجرة إلى «غودو» سنة 1804م.

ومن مهجره في «غودو»؛ قرّر الشيخ الصمود ضدّ وجه القوى الطاغية، والتحق به من شتّى بلاد الهوسا مجموعاتٌ من المسلمين المستضعفين الذين كانوا يتعرّضون للأذى والاضطّهاد، وتعاهدوا معه على الجهاد في سبيل الله، ونصبوه أميراً للمؤمنين.

أمّا ملك غوبير؛ فقد راح يجمع القوى المتحالفة من أجل التصدّي لهذه الثورة الإسلامية العارمة، حيث اتّجه مع هذه القوى المتحزّبة سنة 1804م نحو «غودو»، ولمّا علم عثمان دن فودي بمسيرهم نحوه، أرسل أخاه عبد الله دن فودي على رأس جيشه لصدّ ملك غوبير وأحلافه، والتقى الجمعان على ضفاف بحيرة «تابكين كوتو»، وكان النصر للمسلمين، وقد حاول يونفا في السنة الموالية 1805م الانتقام من المسلمين، ولكن محاولته باءت بالفشل.

وأمام تقلّب موازين القوى؛ حاولت قوّات الشيخ عثمان فتح غوبير عدّة مرّات، ولكنّها فشلت في اختراق الحصون القويّة للعاصمة ألكالاوا؛ إلاّ في سنة 1808م بقيادة محمد بللو بن الشيخ عثمان، وكانت (زاريا وكاتسينا وكانو) قد سقطت قبل ذلك في سيطرة الشيخ عثمان.

في عام 1809م أسّس الشيخ عثمان مدينة «صوكوتو» لتكون مركز حُكمه وعاصمةً جديدة لمملكته، وبعد أن استقرّ نفوذه على إمارات الهوسا، وضمَّ أنصارُه إلى مملكته أجزاء واسعة من مملكة برنو، اعتزل الشيخ السياسة ليتفرغ للتأليف والتعليم والبناء الفكري، حيث قسّم المملكة إلى: قسم شرقيّ تحت إدارة ابنه محمد بللو، وقسم غربيّ تحت إدارة أخيه عبد الله بللو، واكتفى هو بالزعامة الروحية والدينية للمملكة الجديدة(25).

بعد الشيخ عثمان دن فودي؛ اعتلى عرش الدولة الفودية ثمانية خلفاء، أولهم: محمّد بللو بن الشيخ عثمان (1815-1837م)، وآخرهم: مايسو (1877-1904م)، وقد امتازت فترة حكمهم بالاضطرابات السياسية الناتجة عن الثورات غير المنقطعة للهوسا؛ مدعومين من قبل سلاطين برنو وباغرم وطوارق أهير...؛ ما أدّى إلى إضعاف الدولة المركزية، واستقلال الكثير من الولايات البعيدة.

لقد تزامن تأسيس خلافة صوكوتو مع بداية الاحتلال الأوروبي لإفريقيا، ولذا لم يُكتب للدولة الفودية أن تعمّر كثيراً، حيث سقطت سنة 1903م على يد القوّات البريطانية، التي لم تجد صعوبةً كبيرة في ذلك؛ لأنّ الثورات والاضطرابات الداخلية كانت قد أنهكت الخلافة أصلاً.

 

الاحالات والهوامش:

(*) باحث مالي- مدير مركز البحوث والدراسات الإفريقية (مبدأ)، وأستاذ سابق بجامعة الساحل.

(1) مثل: كتاب (الدرر الحسان في أخبار ملوك السودان) لبابا كور بن الحاج محمد، وكتاب (معراج الصعود إلى نيل حكم مجلوب السودان) لأحمد بابا التنبكتي، وكتاب (تاريخ السودان) لعبد الرحمن السعدي، وكتاب (تذكرة النسيان في أخبار ملوك السودان) لمجهول، وكتاب (كفاية ضعفاء السودان في بيان تفسير القرآن) لعبد الله بن فودي، وكتاب (زهور البساتين في تاريخ السوادين) للشيخ موسى كمر.

(2) ولعلّ في اختيار العرب مصطلح: «المسالك والممالك» عنواناً لعلم الجغرافيا، بدلاً من «الجغرافيا» الذي يعني «وصف الأرض» في اللغة اللاتينية، دعماً لما أشرنا إليه من أنّ العرب لم يتعاملوا مع الفضاء الجغرافي بوصفه معطى واقعيّاً فقط، بل بوصفه معطى بشريّاً وسوسيو- سياسي أيضاً، لأنّ كلمة (المسالك) التي تعني الطرق والمفاوز توحي بالبعد الواقعي المجرّد، وكلمة (الممالك) توحي بالبعد السوسيو- سياسي.

(3) وصف إفريقيا، الحسن الوزان، المعروف بـ«ليون الإفريقي»، دار الغرب الإسلامي، ط2، بيروت - لبنان، 1983م، جـ2، ص161. انظر: المسالك والممالك، للبكري، (1/270).

(4) تاريخ إفريقيا العام، مجلد3، إفريقيا من ق7- ق11، اليونسكو، ط2، لبنان- 1997م، ص491.

(5) les populations du Tchad, Page 33.

(6) التحولات التي أحدثها الإسلام في المجتمع الإفريقي من القرن 5-9هـ/11-15م، بشار الملاح، دار المنهل 2013م، ص64.

(7) المسلمون في غرب إفريقيا: تاريخ وحضارة، ص134.

(8) تاريخ إفريقيا العام، المجلد الرابع، ص276.

(9) السابق، ص (274-276).

(10) الفلانيون الشعب واللغة، د. علي يعقوب، مجلة قراءات إفريقية، العدد24، ربيع الآخر 1436ه، أبريل 2015م.

(11) دراسات في تاريخ شرق إفريقيا وجنوب الصحراء: مرحلة انتشار الإسلام، د عطية مخزوم الفيتوري، منشورات جامعة قاريونس بنغازي، ط1، 1998م، ص28.

(12) فتوح مصر وأخبارها، ابن عبد الحكم، دار الفكر، ط1، بيروت 1416هـ/1996م، ص211.

(13) تاريخ إفريقيا العام، المجلد الثالث، ص498.

(14) المسالك والممالك، البكري، (2/658)، دار الغرب الإسلامي، 1992م.

(15) المرجع السابق.

(16) تاريخ إفريقيا العام، المجلد الرابع، ص294.

(17) وصف إفريقيا، الحسن الوزان، (2/170).

(18) تاريخ إفريقيا العام، المجلد الرابع، ص296.

(19) أمّا مملكة باغرم ومملكة ودّاي: فإنّنا اضطررنا إلى تجاوزهما برغم أهمّيتهما؛ لأنّ تأثيرهما كان محدوداً.

(20) المسلمون في غرب إفريقيا: تاريخ وحضارة، ص146.

(21) تاريخ إفريقيا العام، ص (276-278).

(22)  وصف إفريقيا، الحسن الوزان، (2/161).

(23) Maurice Delafosse, Les noirs de l’Afrique, Edition Payot, Paris 1941, p.97-98.

(24) انظر: تاريخ إفريقيا السوداء، جوزيف كيزربو، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق 1994م، جـ 2/ ص (226-227).

(25) المسلمون في غرب إفريقيا: تاريخ وحضارة، ص194.

 

كتاب الموقع