أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

من الممالك الأفريقية .. مملكة صنغاي

 

أ.د. حسين سيد عبد الله مراد (*)

أسس مملكة الصنغاي شعب صُنغاي Songhay الذي يُنسب إلى قبيلة عُرفت بهذا الاسم، وكان لهذه القبيلة دور بارز واضح المعالم في تاريخ بلاد السودان الغربي، والتي يُطلق عليها الآن «غرب إفريقيا»، قامت إمارة صنغاي الأولى في إقليم دندي Dendi الذي يقع على نهر النيجر، ويُعد هذا الإقليم موطن هذا الشعب.

وقد استقبلت مواطن الصنغاي هجرات بربرية صنهاجية؛ إذ هاجر إليها بربر لمطة والطوارق الذين انصهروا مع السكان الأصليين (1)، كما استقبلت هجرات من قبائل زنجية من الماندنجو والفولاني، ويذكر السعدي هجرة يمنية قدمت إلى هذه المنطقة وأسّست أسرة «الأزواء» الحاكمة، وكان أول حكّامها «زا الأيمن» (2)، ويُرجع بعض المؤرخين أصولهم إلى اليمن، ويرى أن  (الأيمن) تحريف لـ  (اليمن)، والنسبة إلى العرب أمر مألوف ومشهور عند عدد كثير من الممالك السودانية؛ فقد ادّعاها ملك غانة، كما ادّعاها ملوك برنو الذين أقاموا مملكتهم قرب بحيرة تشاد (3)، وملوك إمارات الهوسا في شمال نيجيريا الحالية (4).

 

أسرة «الأزواء» (5) وتأسيس إمارة في صنغاي:

يرى بعض الباحثين أن أول مملكة منظمة ظهرت في منطقة الصنغاي ترجع إلى القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، وقد اتخذت من مدينة كوكيا Koukya عاصمة، وتقع هذه المدينة على نهر النيجر؛ على بعد مائة كيلو متر إلى الجنوب من مدينة جاو Gao (6).

وقد حكم هذه المملكة من أسرة «زا الأيمن» واحد وثلاثون ملكاً، منهم أربعة عشر ماتوا على الوثنية، والباقون كانوا على الإسلام، وأول من أسلم منهم «زا كُسي» Za kossoi ، وذلك في سنة 400هـ / 1009م، ويُطلق عليه في لغة صنغاي «مسلم دام»، وهذا معناه في لغتهم:  (أسلم طوعاً بلا إكراه) (7).

 

عوامل انتشار الإسلام في صنغاي:

يرجع انتشار الإسلام في صنغاي إلى العديد من العوامل؛ منها الصلات التجارية التي ربطت بين بلاد المغرب وبلاد السودان الغربي، تلك الصلات التي ترجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، يؤكدها العديد من النقوش الصخرية، وتبيّن هذه النقوش طريقاً يبدأ من وادي درعة بالمغرب الأقصى، وينتهي عند الدلتا الداخلية لنهر النيجر (8).

وبانتهاء الفتح الإسلامي لبلاد المغرب بدأت القوافل التجارية المغربية تتجه إلى السودان الغربي في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني للهجرة، وواجه التجار صعوبات؛ منها قلة الماء، وهذا ما دفع والي المغرب عبد الرحمن بن حبيب الفهري  (130 – 138هـ) إلى القيام بحفر ثلاثة آبار على طريق القوافل الذي يربط بين مدينة «تامدلت» جنوب المغرب الأقصى، ومدينة «أودغست» الواقعة الآن جنوب شرق موريتانيا (9).

وشارك التّجار الإباضيون الذين استقروا على أطراف الصحراء في واحات فزان وجبل نفوسة وورجلان، منذ القرن الثاني الهجري، في التجارة عبر الصحراء، واتسع نشاطهم بقيام الدولة الرستمية في تاهرت عام 160هـ / 766م.

وقد أشرفت هذه الدولة على التجارة الصحراوية، واهتمت بها، وحفرت الآبار للقوافل، وأرسلت الجنود بصحبة التجار لتأمينهم (10)، وكان أكثر المسافرين للتجارة من السودان الغربي في عهد الدولة الرستمية يتجهون إلى مدينة جاو (11)، وقد أسهمت جهود هؤلاء التجار الإباضيين في نشر الإسلام في صنغاي وتعريفه للأهالي.

كما ارتبطت الدولة الرستمية بعلاقات دبلوماسية مع إمارة صنغاي خلال القرن الثاني الهجري، تذكر المصادر الإباضية أن الحاكم الثاني للدولة الرستمية عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم  (171 - 208هـ) قد منع ابنه «أفلح» من السفر إلى مدينة كوكو Kaw Kaw  (جاو Gao) عاصمة صنغاي (12)، وهذا يعني أن الصلات الدبلوماسية كانت متزامنة مع الصلات التجارية، وترجع إلى القرن الثاني الهجري، كما أن طلب «أفلح» السفر إلى مدينة كوكو يعني أن هناك وفوداً رسمية اتجهت إلى صنغاي وأراد «أفلح» ابن الحاكم أن يرأس أحد هذه الوفود، وحين آل الأمر في الدولة الرستمية إلى أفلح بن عبد الوهاب  (208 - 258هـ) سعى إلى دعم العلاقة مع مملكة صنغاي، فأرسل سفارة رسمية إلى تلك البلاد على رأسها محمد بن عرفة الذي تولّى مناصب رفيعة في الدولة الرستمية، وقد سُرّ ملك صنغاي من هذا الوفد وهيئته وهديته (13).

لقد ساعدت هذه المعاملات التجارية والدبلوماسية بين المغاربة وصنغاي، والتي ترجع إلى القرن الثاني الهجري، في انتشار الإسلام في تلك البلاد، فقد كانت ظاهرة اقتران الإسلام بالتجارة ظاهرة معروفة في إفريقيا جنوب الصحراء، ذكر توماس أرنولد في كتابه  (الدعوة إلى الإسلام) أن التجارة والإسلام متلازمان في القارة الإفريقية، فقد اعتنق تجار مملكة صنغاي الإسلام بالإضافة إلى بعض سكانها قبل الحكام ورجال الحاشية نتيجة اتصالهم بأقرانهم من بلاد المغرب، وكان التجار يرون في انتشار الإسلام جنباً إلى جنب مع نشاطهم التجاري تدعيماً لهذا النشاط (14).

واستمر الانتشار التدريجي للإسلام بين رعايا صنغاي، وحين أصبح المسلمون يشكّلون جماعة كبيرة داخل مجتمع صنغاي؛ تحوّل الملك زا كُسي إلى الإسلام في بداية القرن الخامس الهجري - كما ذكرنا من قبل -، وبإسلام هذا الملك أصبح الإسلام ديناً رسمياً في صنغاي منذ عام 400هـ / 1009م.

ثم تأتي شهادة البكري والتي دوّنها في كتابه عام 460هـ / 1068م لتؤكّد تعمق الإسلام بين الحكام والمحكومين حتى أصبح مرجعاً أساسياً لنظام الحكم؛ إذ يقول: «إن ملكهم مسلم، ولا يملّكون غير المسلم» (15)، ويعني هذا أن كلّ أفراد الحكومة الصنغاية وحكام الأقاليم والمدن كانوا من المسلمين، وادّعى هذا الحاكم ارتباطه بالخلافة العباسية؛ مؤكداً أن خليفة بغداد أرسل إليه سيفاً ودرعاً ومصحفاً، وهو ما يعني تولّيه الحكم (16).

 وتؤكّد شواهد القبور التي اكتُشفت في منطقة ساني Saney ، التي تقع على بعد أربعة أميال من مدينة جاو، ِقدمَ الإسلام في صنغاي، وانفعال سكانها المسلمين بمظاهر هذا الدين وشعائره، وأقدم نقش عُثر عليه في هذه المنطقة يعود إلى عام 481هـ / 1088م لسيدة مسلمة لا تنتمي إلى الأسرة الحاكمة تُدعى «مكية بنت حسن الحاج» (17)، فاسم صاحبة الشاهد يبيّن مدى التأثر بالإسلام وشعائره، فهذا الاسم جاء تيمناً بمدينة مكة التي تضم بيت الله الحرام قبلة المسلمين، ويتضح من اسم أبيها أنه ظفر بحج بيت الله الحرام بمكة المكرمة، والراجح أنه أنجب ابنته هذه بعد أداء فريضة الحج، وأطلق عليها هذا الاسم تبركاً بمكة، وعلى هذا يكون الأب قد أدى فريضة الحج في النصف الأول من القرن الخامس الهجري تقريباً، وهذا يؤكّد ما ذهبنا إليه من قِدم الإسلام في صنغاي (18).

باعتناق «زا كُسي» الإسلام أصبحت صنغاي مملكة إسلامية، وقد قام هذا الحاكم بتأسيس أول عاصمة لمملكته في مدينة «جاو» التي اشتهرت بعدة مسمّيات، أهمها: جاو، وكوكو، وغاو، وكاغ، وتقع هذه المدينة عند بداية الثنية الثانية لنهر النيجر، وهو يبعد عنها بأكثر من ستة كيلو مترات (19).

ويحيط الغموض بتاريخ صنغاي منذ اعتناق زا كُسي للإسلام، من أوائل القرن الخامس الهجري وحتى الربع الثالث من القرن السابع الهجري، وقد خضعت صنغاي في هذا القرن لدولة مالي الإسلامية.

 

علاقة صنغاي بدولة مالي:

مرت علاقة صنغاي بدولة مالي بمراحل مختلفة، تمثّلت في الخضوع، تم التمرد والخروج عن طاعة مالي، ثم العودة إلى الخضوع، وأخيراً الاستقلال.

خضعت صنغاي لدولة مالي  (أسسها سندياتا الذي كان يُسمّى: ماري دياتا أو ماري جاطة) (20) في فترة حكم منسا (21) علي  (670 - 685هـ / 1255 - 1270م)، وقد عُرف منسا علي بالتقوى والصلاح، وزار مصر في طريقه للحج عام 658هـ / 1259م زمن الظاهر بيبرس  (658 – 678هـ / 1260 - 1277م).

ومن أبرز أعمال هذا المنسا بَسْط نفوذ مالي على دولة صنغاي الناشئة، غير أن العاصمة «جاو» قد امتنعت على مالي، ولضمان خضوع صنغاي لمالي أخذ منسا علي رهائن؛ هما علي كولن وأخوه سلمان نار  (ابنا ملك صنغاي زا ياسِبَيْ) (22).

بعد وفاة منسا علي مرّت دولة مالي بفترة من الاضطراب السياسي، دامت زهاء عقدين، وانتهت باستيلاء ساكورة Zakoura على الحكم، وهو من موالي الأسرة الحاكمة، ويُعد من أعظم حكّام دولة مالي، حيث تمكّن في فترة حكمه  (684 – 700هـ / 1285 - 1300م) من استرجاع هيبة الدولة، فقام بإخضاع صنغاي التي خرجت عن الطاعة في فترة الاضطرابات، واستولى على العاصمة «جاو» التي امتنعت على أسلافه (23).

ثم خرجت صنغاي مرة أخرى عن طاعة دولة مالي، بعد أن خضعت من قبل مرتين في عهد منسا علي وساكورة، وهذا ما جعل منسا موسى  (712 - 738هـ / 1312 - 1337م) يقوم بإخضاعها من جديد، وكان ذلك عقب عودته من رحلة حجّه عام 725هـ / 1325م، ونجح في الاستيلاء على عاصمة صنغاي مدينة «جاو»، واستعاد الرهائن وأحكم الرقابة عليهما (24).

 

أسرة «سُنّي» وتأسيس مملكة صنغاي:

تمكّن الرهينة الصنغاية علي كولن، بعد تخلّصه هو وأخوه من الأسر، من تأسيس مملكة في صنغاي عام  (735 هـ / 1335م)، متخذاً لقباً جديداً هو «سُـنِّي»، وقد استمر خلفاؤه في الحكم والتوسّع على حساب ممتلكات مالي التي دبّ فيها الضعف والانحلال، وتوسّع السُّنِّي «سليمان دام» على حساب ممتلكات مالي، بل دخل عاصمتها وقام بتخريبها.

وتُعد أسرة «سُنّي» هي الأسرة الثانية التي حكمت صنغاي بعد أسرة «زا الأيمن» (25)، وحكم صنغاي من هذه الأسرة عشرون حاكماً لمدة قرن ونصف القرن، ومن أهم حكام هذه الأسرة سُنّي علي  (869 - 898هـ / 1464 - 1498م) الذي يُعد الأشهر من ملوك صنغاي، وهو الملك التاسع عشر في ترتيب ملوك أسرة سُنّي.

 سعى سُنّي علي منذ أن تولّى مقاليد السلطة إلى إرساء وبناء الدولة، وقام بإنشاء جيش قوي ومدرّب، ومجهز بالعتاد والعدة، بالإضافة إلى تجهيز أسطول بحري، وبهذا الجيش والأسطول انتصر في كلّ المعارك التي خاضها (26).

وتعد غزوات سُنّي علي للأقاليم والمقاطعات التي كانت تحت سيادة مملكة مالي من أهم غزواته التوسّعية، حيث استطاع ضم معظم ممتلكات مالي (27)، وامتدت هذه المملكة غرباً إلى أعالي النيجر والسنغال، ووصلت من الشمال الغربي إلى أدرار، لكنه أخفق في التوسّع جنوباً حين أخفق في الاستيلاء على مملكة موش الوثنية Mossi، وبهذه التوسّعات أصبح سلطانه نافذاً على إمبراطورية كبيرة محورها نهر النيجر (28).

كان الإسلام خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري، أي في فترة حكم سُنّي علي، قد أصبح ديناً متغلغلاً في مملكة صنغاي، خصوصاً أن اعتناق أول حكّام صنغاي للإسلام قد مرّ عليه أربعة قرون ونصف القرن.

وقد حدث صدام قوي بين علماء مدينة تنبكت وسُنّي علي الذي كان مخلصاً للديانة التقليدية الوثنية لصنغاي، وسعى إلى عمل توازن بين الإسلام والوثنية، فقد كان مسلماً لكنه لم يحسن إسلامه، ولم يهجر يوماً التقاليد الوثنية لصنغاي، لهذا الأمر وصفه السعدي: بـ «الظالم الأكبر»، ويذكر أيضاً أنه كان «فاسقاً متعدياً متسلطاً، تسلّط على العلماء والصالحين بالقتل والإهانة والإذلال» (29)، لهذه التصرفات والسلوكيات جعله العلماء في عداد الوثنيين (30).

وفي ظروف غامضة توفي سُنّي علي، وبعد وفاته قام الأمراء وقادة الجيش بتولية ابنه أبي بكر الملقب بسُنّي بار على عرش المملكة عام 898هـ /1491م، ولم يرق هذا الاختيار أحد القادة البارزين، وهو القائد محمد بن أبي بكر الذي كان يرغب في ولاية عرش صنغاي، لذلك خرج هذا القائد على سُنّي بار بعد شهور قليلة من ولايته لعرش صنغاي؛ متذرعاً بضعف إسلام هذا الملك ودعاه إلى تصحيح عقيدته (31).

 

نهاية حكم أسرة «سُنّي» لصنغاي وبداية حكم أسرة «الأساكي»:

وأمام رفض سُنّي بار لدعوة القائد محمد بن أبي بكر اندلعت الحرب بينهم، وهُزم جيش حاكم صنغاي في موقعة غرب مدينة جاو (32)، وبهذا الانتصار استولى محمد بن أبي بكر على الحكم في صنغاي، وانتهت حقبة من تاريخ هذه المملكة، وبدأت حقبة جديدة للمملكة عُرفت بحقبة «الأساكي»، حيث حمل محمد بن أبي بكر هو وخلفاؤه لقب «أسكيا»، وظلت أسرة الأساكي تحكم صنغاي لمدة قرن  (898 - 1000هـ / 1492 - 1591م) حتى مجيء الغزو السعدي الذي أنهى حكم هذه الأسرة، وقضى على مملكة صنغاي نهائياً.

أمضى أسكيا محمد الكبير السنوات الأولى من حكمه في توطيد سلطانه، فقام بتنظيم المملكة، واهتم بالنظام الإداري، وأنشأ مقاطعات ومدناً جديدة، وعيّن عليها حكاماً، وأنشأ جيشاً وأسطولاً دائمين، واهتم بالقضاء ونصّب قضاة في المدن الكبرى والمراكز، واهتم برعاية العلم والعلماء، وشجّع ازدهار اقتصاد مملكته فاهتم بالتجارة، ونظّم الأسواق، وخفض الضرائب (33).

وبعد أن نظّم شؤون المملكة ودعم استقرارها خرج لأداء فريضة الحج عام 902هـ / 1496م، واصطحب معه مجموعة من أعيان كلّ قبيلة، بالإضافة إلى كبار العلماء والقضاة في دولته، والتقى في أثناء حجه علماء مصر، وبخاصة العالم جلال الدين السيوطي الذي نصحه بما يجب أن يكون عليه الحكم.

وفي مكة المكرمة اشترى بساتين أوقفها على الحجّاج القادمين من بلاده (34)، وبعد أداء الفريضة عاد إلى مملكته بالسودان الغربي مزوّداً بالشرعية الإسلامية، كما أنه حصل من شريف مكة على لقب «خليفة السودان» (35).

بعد عودة أسكيا محمد من حجّه إلى عاصمته جاو عام 903هـ / 1497م؛ وضع خطة لتوسيع مملكته وتدعيم ملكه باسم الجهاد الإسلامي، وخرج في عام 904هـ / 1498م لفتح مملكة موش الوثنية التي لم تخضع من قبل، وعرض الإسلام على ملكها، ولما رفض حاربه وانتصر عليه، وعلى إثر هذه الحرب اعتنق كثير من أهل موش الإسلام، ولم يعودوا خطراً يهدّد مملكة صنغاي (36)، كما امتدت الحدود الجنوبية للمملكة.

وامتدت الفتوحات في الغرب حين أضاف ما بقي من أملاك مالي عام 907هـ، ووصلت حدود المملكة إلى ساحل المحيط الأطلسي، ويزعم بعض الباحثين أن مملكته امتدت شرقاً حين نجح في الاستيلاء على إمارات الهوسا  (شمال نيجيريا الحالية)، لكن من المؤكّد أنه لم يستول على هذه البلاد، أما في الشمال فقد امتدت حدود مملكته إلى مناجم الملح في تغازة (37). 

 

خلفاء الأسكيا محمد الكبير  (935 – 1000هـ / 1529 - 1591م):

اعتلى عرش صنغاي تسعة أساكي من أبناء أسكيا محمد وأحفاده، باستثناء الأسكيا «محمد مر بنكن» ابن أخيه، وقد آل الحكم في صنغاي إلى الأسكيا موسى  (935 - 937هـ / 1529 - 1531م) بعد أن عزل أبيه أسكيا الحاج محمد، وشهدت فترة حكمه فتناً واضطرابات من المعارضين له، ولم تشهد فترة حكمه إنجازات على صعيد المملكة، وانتهى حكمه على أيدي إخوته الذين تخلّصوا منه بالقتل (38).

وتولّى عرش المملكة عقب مقتل أسكيا موسى ابن عمه الأسكيا «محمد مر بنكن بن عمر كُمَزاغ»  (937 - 943هـ / 1531 - 1537م)، وقد شهدت صنغاي في عهده تطوراً ونهضة في عدة مجالات، وبخاصة الجيش، فقد كوّن جيشاً كبيراً في العتاد والعدة (39).

وانتهى حكم هذا الأسكيا بالعزل؛ إذ عزله أسكيا إسماعيل بن الحاج محمد الكبير  (943 - 946هـ / 1539 - 1549م)، ولا توجد أحداث تُذكر في فترة حكمه، والتي دامت أقل من ثلاث سنوات (40).

وتولّى حكم مملكة صنغاي بعد ذلك أسكيا إسحاق  (946 - 956هـ / 1539 - 1549م) أخو الأسكيا السابق، والذي عُدّ أكثر الأساكي قوة وشجاعة، وقد واجه مطامع الدولة السعدية في المغرب بحزم وقوة (41).

وخلفه في الحكم أخوه الأسكيا داود  (956 - 990هـ / 1549 - 1582م) الذي يُعد أكثر الأساكي ثقافة وعلماً، فقد كان يتحدّث اللغة العربية، كما كان عارفاً وحافظاً لكثير من سور القرآن  الكريم، وتذكر المصادر الكثير عن كرمه وصلاحه (42).

بعد رحيل الأسكيا داود تولّى ابنه الأسكيا محمد الثالث الحكم  (990 - 995هـ / 1582 -1586م)، وبداية من فترة حكم هذا الأسكيا بدأت صنغاي تعاني الضعف والانحلال وعدم الاستقرار، ولم تكن لهذا الأسكيا أعمال، لذلك عُزل، وآلت مقاليد الحكم إلى أخيه الأسكيا «محمد بان» الذي وافته المنية عام 996هـ / 1588م، ثم تولّى الحكم أخوه إسحاق الثاني  (996 - 991هـ / 1588-1591م)، وشهدت فترة حكمه صراعاً على الحكم مع أخيه «بلمع محمد الصادق»، وقد كلّف هذا الصراع مملكة صنغاي كثيراً من الرجال والعدة والعتاد (43).

وفي ظل هذه الأوضاع الداخلية السيئة واجهت صنغاي الغزو السعدي عام 999هـ / 1591م بقيادة القائد جودر الذي هزم جيش الأسكيا، وبعد الهزيمة عزل الأسكيا إسحاق الثاني، وتولّى مقاليد الحكم الأسكيا «محمد كاع» الذي اعتقله الجيش السعدي في عام 1000هـ / 1591م (44)، وبهذا سقطت مملكة صنغاي الإسلامية.

ويرجع سقوط هذه المملكة إلى الانقسام والصراع الذي نشب بين أبناء الأسرة الحاكمة منذ أواخر عهد مؤسسها أسكيا محمد الكبير، وأدى هذا الانقسام إلى انضمام بعض أبناء الأساكي إلى المراكشيين في أثناء الغزو، وأخيراً كان لحسن تنظيم الجيش المغربي، وتفوّق سلاحه باستخدام المدافع والبنادق (45)، أثر كبير في سقوط مملكة صنغاي.

وبذلك انتهت مملكة صنغاي الإسلامية، والتي تُعَدّ إحدى الصفحات الناصعة والزاهرة في تاريخ غرب إفريقيا الإسلامي، بفضل الدور الحضاري الذي قامت به في غرب إفريقيا. 

 

الإحالات والهوامش:

(*) أستاذ التاريخ الإسلامي - معهد البحوث والدراسات الإفريقية – جامعة القاهرة.

(1) فاي منصور علي: أسكيا الحاج محمد وإحياء دولة السنغاي الإسلامية 889 – 935هـ، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، الطبعة الأولى، ص 13 ، 14.

(2) السعدي: ملوك السودان أهل سنغي وقصصهم وأخبارهم وسيرهم وغزواتهم وذكر تنبكت ونشأتها ومن ملكها من الملوك، طبعة هوداس، مطبعة بردين، مدينة انجي، 1898م، ص 3 ، 4.

(3) إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، 1970م، ص 49.

(4) حسين مراد: دولة كانو الإسلامية تطورها السياسي والحضاري، نشرة دورية محكمة، يصدرها معهد البحوث والدراسات الإفريقية، العدد 47، القاهرة 1997م.

(5) لقب «الأزواء»، ومفرده «زا»، وهو لقب نسبة لأسرة يمنية هاجرت لإفريقيا، وأول من حكمها «زا الأيمن».

(6) جون هونويك: الإسلام في إفريقيا الاستوائية، ترجمة عبد الرحمن الشيخ، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2010م، ص 370.

(7) السعدي: مصدر سابق، ص 3.

(8) حسين مراد: الصلات بين بلاد المغرب والسودان الغربي خلال القرن 2 – 6هـ، مؤتمر الإسلام في إفريقيا، جامعة إفريقيا العالمية، نوفمبر 2006م، ص 374 ، 375.

(9) البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، بدون تاريخ،  ص 156، 157.

(10) محمد ناصر: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب إفريقيا، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، بدون تاريخ، ص 8.

(11) المرجع السابق والصفحة.

(12) الوسياني: سير أبي الربيع الوسياني، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم 9113 ح، ميكروفيلم 8452، ص 49.

(13) ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق محمد ناصر، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986م، ص 71.

(14) انظر:  Devidson, B: Old Africo, rediscoverd, London 1959, p.97.

(15) البكري: مصدر سابق، ص 183.

(16) المصدر السابق والصفحة.

(17) انظر: Fernando, Paolo: Histore contre Memoire Eplgraphic Chroniques, Publications de L’ institut des etudes Africannes, Rabat, 1993, P.18.

(18) حسين مراد: الصلات، ص 396.

(19) محمد بن عبد المنعم الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطـار، مؤسسـة ناصر الثقافيـة، بيروت - ط 2، 1980م، ص 502 ، 503. ومحمود كعت: تاريخ الفتاش، باريس 1913م، ص 45.

(20) عن «ماري جاطة» انظر: إبراهيم طرخان: دولة مالي الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1973م، ص 39 - 44.

(21) «منسا»: لقب يعني ملك.

(22) السعدي: مصدر سابق، ص 6 - 7.

(23) ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1956 – 1961م، ج 6، ص 414.

(24) السعدى: مصدر سابق، ص 5 ، 6.

(25) سينيكي مودي سيسكو: الصنغي من القرن الثاني إلى القرن السادس الهجري، تاريخ إفريقيا العام، اليونسكو باريس 1997م، ج 4، ص 203.

(26) محمود كعت: مصدر سابق، ص 5.

(27) المصدر السابق، ص 45.

(28) سينيكي مودي سيسكو: مرجع سابق، ص 204، إبراهيم طرخان: إمبراطورية صنغي الإسلامية، مجلة كلية الآداب جامعة الرياض، مجلد 8، 1981م، ص 20.

(29) السعدي: مصدر سابق، ص 64.

(30) محمود كعت: الفتاش، ص 44.

(31) محمود كعت: مصدر سابق، ص 55.

(32) محمود كعت: مصدر سابق، ص 53، والسعدي: مصدر سابق، ص 71.

(33) محمود كعت: مصدر سابق، ص 59.

(34) السعدي: مصدر سابق، ص 73 ، 73.

(35) المصدر السابق، ص 73.

(36) محمود كعت: مصدر سابق، ص 70، السعدي: مصدر سابق، ص 74.

(37) إبراهيم طرخان: إمبراطورية صنغي، ص 29 - 31.

(38) المصدر السابق، ص 86، وإبراهيم طرخان: إمبراطورية الصنغي، مجلة كلية الآداب جامعة الرياض، مجلد 8، الرياض 1981م، ص 33 ، 34 .

(39) السعدي: مصدر سابق، ص 86، وإبراهيم طرخان: إمبراطورية الصنغي، ص 33 ، 34.

(40) السعدي: مصدر سابق، ص 91 .

(41) المصدر السلبق، ص 100.

(42) المصدر السابق، ص 115، والأرواني: السعادة الأبدية بالتعريف بعلماء تنبكت البهية، تحقيق الهادي الدالي، جمعية الدعوة الإسلامية، طرابلس 2001م، ص 66.

(43) السعدي: مصدر سابق، ص 123 ، 125.

(44) السعدي: مصدر سابق، ص 152، وأبيتول: نهاية إمبراطورية الصنغي، تاريخ إفريقيا العام، اليونسكو 1997م، ج 4، ص 345 ، 346.

(45) إبراهيم طرخان: إمبراطورية صنغي، ص 48.

 

 

 

 

كتاب الموقع