أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

مستقبل الدور الإريتري في القرن الإفريقي في ضوء التحولات الراهنة

 

يبدو أننا بصدد هندسة "قرن إفريقي جديد" تتشكل ملامحه عقب التحولات الجذرية التي طرأت على المشهد الجيوسياسي الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي منذ توقيع اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا في يوليو 2018م، والتي ترتب عليها إعادة صياغة توازنات المنطقة من جديد في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية التي تشهدها المنطقة خلال هذه المرحلة.

وفي ضوء تزامنها مع تحولات إقليمية ودولية لافتة؛ أبرزها: صعود رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى السلطة في أبريل 2018م، ووصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وإعادة صياغة الاستراتيجية الأمريكية تجاه إفريقيا التي ترتكز بشكل أساسي على مواجهة النفوذ الصيني في القارة. إضافة إلى التطورات الجارية في المنطقة، وفي المحيط الإقليمي؛ ومن أبرزها: الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير من السلطة، ووصول العلاقات الأمريكية الإيرانية إلى درجة من التعقيد والتوتر المبالغ فيه.

ولعل أبرز ملامح القرن الإفريقي الجديد هو عودة إريتريا إلى محيطها الإقليمي والدولي كلاعب سياسي مهم في المنطقة، والتي يبدو من خلال تحركاتها خلال الفترة الأخيرة رغبتها في لعب دور إقليمي بارز في المنطقة، خاصة بعد سنوات طويلة من العزلة والتهميش على الصعيد الإفريقي والدولي. وبالرغم من تعدُّد فرص إريتريا لتبوء مكانة إقليمية مهمة في المنطقة، ربما يصطدم هذا الطموح الإريتري بعدد من التحديات التي تعرقله خلال المرحلة المقبلة.

 

أولًا: المصالحة الإقليمية وتوازنات القوى في المنطقة

بادرت إثيوبيا في ثوبها الجديد تحت ولاية رئيس الوزراء آبي أحمد بعقد مصالحة تاريخية مع إريتريا أنهت عقدين من القطيعة في العلاقات والصراع المعلن والخفي بين البلدين، والتي كان لها أثرها الملحوظ في تحريك المياه الراكدة في المشهد السياسي في منطقة القرن الإفريقي. فقد صاحَبَها حركة نشطة للدبلوماسية الإثيوبية في أخذ زمام المبادرة نحو تسوية كافة النزاعات والصراعات بين دول المنطقة، عكستها الجولات المكوكية التي قام بها آبي أحمد إلى دول القرن الإفريقي على رأسها إريتريا والقمم التي جمع فيها بعض قادة دول المنطقة مثل إريتريا والصومال، والتي حملت نتائج طيبة أدَّت إلى التقارب الإريتري-الصومالي، وفتح قنوات اتصال بين جيبوتي وإريتريا لتطوير العلاقات الثنائية، ووسط محاولات سودانية منذ إتمام المصالحة الإثيوبية الإريترية للحاق بركب التطورات الإقليمية في المنطقة.

فمع الإعلان عن مبادرة السلام من جانب آبي أحمد وموافقة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي عليها، تكون إريتريا قد حققت شروطها للسلام مع إثيوبيا؛ والتي جاء في مقدمتها تطبيق إثيوبيا لقرار ترسيم الحدود بين البلدين الصادر من لجنة دولية في أبريل 2002م، والذي يقضي بإعادة منطقة بادمي إلى السيادة الإريترية، أضف إلى ذلك سحب القوات الإثيوبية من الأراضي الإريترية، وهي شروط تسببت في استمرار توتر العلاقات الإثيوبية الإريترية طوال السنوات الماضية وحرمت الطرفين من الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل تسوية القضايا العالقة بينهما.

ومن هنا جاء الإعلان المشترك للسلام والصداقة بين إريتريا وإثيوبيا في 9 يوليو 2018م ليتضمن عدة نقاط مهمة؛ هي: إنهاء حالة الحرب بين البلدين، وفتح حقبة جديدة من السلام والصداقة، والسعي نحو إقامة تعاون وثيق بين البلدين سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا وأمنيًّا بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الإثيوبي والإريتري. واستئناف نشاط وحركة التجارة والنقل والعلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتنفيذ قرار عودة بادمي Badmy إلى إريتريا، والسعي المشترك نحو ضمان السلام والتنمية والتعاون الإقليمي في المنطقة.

ومن الجلي أن هذه التطورات التي شهدتها المنطقة خلال الشهور الماضية منذ يوليو 2018 تصبّ بشكل أكبر في مصلحة إثيوبيا التي شهدت صعودًا لشاب أربعيني -آبي أحمد- من قومية الأورومو لأول مرة في تاريخ البلاد والذي بدا أنه يحمل في جعبته مشروعًا إقليميًّا إلى جانب مشروعه الإصلاحي الداخلي يستهدف من خلاله تعظيم الدور والمصالح الإثيوبية في منطقة القرن الإفريقي من خلال تبنّي ما يُعرَف بدبلوماسية "تصفير المشكلات" مع دول الجوار، وفتح صفحة جديدة من العلاقات المبنية على التعاون وتعظيم المصالح المشتركة، ويرتبط ذلك بمبادرة آبي أحمد بشأن تعزيز التكامل السياسي والاقتصادي الإقليمي بين دول المنطقة، والتي يسعى من خلالها إلى ربط اقتصادات دول المنطقة بالاقتصاد الإثيوبي المتنامي الذي يعد من ضمن أسرع الاقتصادات نموًّا في قارة إفريقيا، وهو ما يعكس رغبة إثيوبيا في احتواء دول المنطقة لتكون لها الغلبة الإقليمية، وما يستتبع ذلك من جعلها بوابة رئيسية للمنطقة بالنسبة للقوى الكبرى، وباعتبارها قوة إقليمية فيها.

كما تكشف هذه التطورات في القرن الإفريقي عن تعويم وتصاعد أدوار بعض القوى الإقليمية في مقدمتها الإمارات والسعودية؛ حيث تولت الإمارات الوساطة من أجل تقريب وجهات النظر بين الإثيوبيين والإريتريين وبرزت التحركات الإماراتية قبل وأثناء عملية المصالحة من خلال زيارة محمد بن زايد إلى إثيوبيا، وضخ 3 مليارات دولار إلى الاقتصاد الإثيوبي، واستضافة القاعدة الإماراتية في ميناء عصب بإريتريا لآخر اجتماع في المحادثات بين مسؤولي البلدين، قبل أن يذهب الوفد الإريتري إلى العاصمة أديس أبابا على متن طائرة إماراتية. كما استضافت السعودية الرئيس الإريتري أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي في مدينة جدة أسفر عن توقيع اتفاق سلام بين الطرفين في سبتمبر 2018م. ويأتي ذلك في إطار رغبة إماراتية-سعودية في تعزيز حضورهما في منطقة القرن الإفريقي؛ لما تتمتع به من أهمية استراتيجية كبرى في أجندة البلدين اللتين تسعيان إلى تعظيم مصالحهما في المنطقة.

وتأتي تلك التغيرات في المنطقة متزامنة مع تصاعد التنافس الدولي على النفوذ والموارد الطبيعية فيها، وبالأخص تنامي التنافس الأمريكي الصيني في القرن الإفريقي، والمساعي الأمريكية نحو تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة، وفقًا لما جاءت به الاستراتيجية الأمريكية التي أصدرتها إدارة الرئيس ترامب في ديسمبر 2018م. وقد رحَّبت الإدارة الأمريكية بالمصالحة الإثيوبية الإريترية والتحولات الإيجابية في العلاقات بين دول المنطقة؛ حيث قام مساعد وزير الخارجية الأمريكية "دونالد يوكيو ياماموتو" بجولة في منطقة القرن الإفريقي في نوفمبر 2018م من أجل الترحيب بعملية المصالحة، وليعكس الرعاية الأمريكية لعملية إعادة صياغة توازنات القوى والتغييرات الإقليمية التي تشهدها المنطقة. إذ تبدو المبادرة الإثيوبية للسلام مع إريتريا بمثابة فرصة ذهبية لواشنطن في إعادة إحياء شراكة جديدة بين حليفين قديمين، وإنهاء حالة من العداء بينهما طوال السنوات الماضية؛ لما تمثله من تعزيز للدور الإثيوبي باعتباره الحليف الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، ومحاولة استعادة قنوات الاتصال بين واشنطن وأسمرة في ظل تنامي التنافس الدولي على المنطقة، وما تشهده من انخراط لبعض القوى الدولية على رأسها روسيا وإيطاليا وألمانيا الذي يعد ملمحًا بارزًا من ملامح القرن الإفريقي الجديد بعد عملية المصالحة الإقليمية.

 

ثانيًا: إريتريا.. البحث عن دور إقليمي ودولي

ساد الصراع والنزاع علاقات إريتريا مع دول الجوار الجغرافي خلال العقدين الماضيين؛ مثل النزاع الحدودي بين إريتريا وإثيوبيا، وكذلك النزاع مع جيبوتي، واليمن، فضلًا عن حالة التوتر التي شابت العلاقات الإريترية السودانية في كثير من الوقت، واتهام الصومال للنظام الإريتري بمساندة حركة شباب المجاهدين في البلاد مما أدَّى إلى تعقد العلاقات بينهما. الأمر الذي فرض على أسمرة عزلة إقليمية ودولية، دعمتها بعض دول المنطقة على رأسها إثيوبيا والصومال، فضلًا عن تصاعد الانتقادات الغربية والمنظمات الحقوقية الدولية لما أسموه قمع النظام للشعب الإريتري وتراجع سجل حقوق الإنسان في البلاد بدرجة كبيرة مع تنامي خدمة التجنيد الإجباري في الجيش الإريتري. وقد زاد من وطأتها العقوبات الأممية ضد النظام الإريتري في ديسمبر 2009 ومضاعفتها في ديسمبر 2011.

وبالرغم من ظهوره بمظهر الرجل القوي الذي جنح إلى السلام؛ كان اتفاق السلام الذي وقَّعه الرئيس الإريتري أفورقي مع إثيوبيا بمثابة المنقذ له في ظل تردِّي الأوضاع السياسية والاقتصادية التي تشهدها إريتريا منذ سنوات عدة، كونه يسهم في استعادة منطقة بادمي المتنازع عليها مع إثيوبيا إلى سيادة بلاده بما يعزّز من موقعه في الداخل في ظل المعارضة الشديدة له، وفكّ العزلة الإقليمية والدولية المفروضة على أسمرة طوال العقدين الماضيين، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام المزيد من المشروعات والاستثمارات الأجنبية بما يسهم في انتشال الاقتصاد الإريتري من تعثره وتدهوره، كما يسمح للنظام الإريتري بحرية الحركة والاتصال على الصعيدين الإقليمي والدولي، ورفع العقوبات الدولية وحظر السلاح المفروض عليها مِن قِبَل الأمم المتحدة والتي نجحت في الحصول عليه بالفعل بعد إقرار مجلس الأمن الدولي بذلك في نوفمبر 2018م.

وفي ضوء التحولات الجوهرية التي تشهدها المنطقة؛ والتي من أبرزها: الأزمة الداخلية في إثيوبيا، والإطاحة بالرئيس البشير من حكم السودان في أبريل 2019م، وتصاعد التنافس الدولي والإقليمي في القرن الإفريقي، لا سيما التنافس الأمريكي الصيني، فضلًا عن تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران خلال الوقت الراهن وانعكاساته بالطبع على أمن واستقرار القرن الإفريقي والبحر الأحمر، مما يسهم في إعادة خلط الأوراق الإقليمية وخريطة التحالفات وتوازنات القوى في المنطقة، والتي لن تكون إريتريا بعيدة عنها.

وهو ما يفتح شهية أفورقي نحو المسارعة بعودة أسمرة للعب دور إقليمي بارز لتكون رقمًا مهمًّا في المعادلة الإقليمية، وما يطرأ على المشهد الإقليمي من تحولات سياسية وأمنية واقتصادية، والمساهمة في تسوية بعض النزاعات والصراعات في المنطقة مثل الخلاف بين مصر وإثيوبيا حول ملف المياه، وملف التنافس الإقليمي والدولي في المنطقة، بالإضافة إلى تسوية قضية إقليم أرض الصومال.

فعلى صعيد التحركات الإقليمية، وفي إطار رغبة الرئيس أفورقي نحو الانفتاح السياسي وتعزيز علاقاته مع دول المنطقة من خلال توقيع اتفاقيات تعاون وشراكة معها، بهدف إضفاء شرعية سياسية لنظامه إقليميًّا ودوليًّا، والمساعي الإريترية إلى الظهور كقوة إقليمية إلى جانب إثيوبيا في منطقة القرن الإفريقي، فقد نشط الحراك الدبلوماسي الإريتري إقليميًّا بشكل ملحوظ وتوالت الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الإريتريين ومسؤولي دول المنطقة عقب إتمام عملية المصالحة الإقليمية مثل إثيوبيا والصومال وكينيا وجنوب السودان.

كما تسعى إريتريا إلى الانخراط سريعًا في التفاعلات الإقليمية في القرن الإفريقي، وبدء مرحلة جديدة من الدبلوماسية الإريترية التي تسعى للعب دور دبلوماسي إقليمي في المنطقة لحل الأزمات، فقد قامت إريتريا بالموافقة على الانضمام للهيئة الحكومية للتنمية IGAD وتحمل مسؤوليتها في مجموعة شرق إفريقيا.

وعلى صعيد علاقاتها بدول المنطقة؛ تبدو الرغبة الإريترية في توسيع علاقاتها مع دول الجوار؛ حيث تسعى أسمرة إلى تعزيز علاقاتها مع جنوب السودان على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وفي ضوء التطورات في السودان قام وزير الخارجية الإريتري بزيارة رسمية إلى السودان التقى خلالها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي، في تطور جديد على صعيد العلاقات الإريترية السودانية التي شهدت توترات عدة خلال حكم البشير، وربما يعكس التخوفات لدى النظام الإريتري من تصدير الانتفاضة الشعبية إلى الداخل الإريتري في ظل الاحتقان وسياسات القمع التي ينتهجها النظام الإريتري ضد معارضيه في البلاد، وفي نفس الوقت فتح قنوات اتصال جديدة مع النظام الجديد في سودان ما بعد البشير.

وعلى جانب آخر، تنظر إريتريا إلى الصومال باعتبارها ساحة مهمة لتعزيز دورها ونفوذها الإقليمي كطرف فاعل في القرن الإفريقي؛ حيث توالت الزيارات المتبادلة بين زعماء ومسؤولي البلدين خلال الفترة السابقة، كما أشارت بعض التقارير إلى اتفاق أفورقي على إرسال جنود إريتريين لدعم الحكومة الصومالية في إطار التفاهمات بين الأطراف الثلاثة "إثيوبيا وإريتريا والصومال"؛ حيث عرض أفورقي وآبي أحمد على فرماجو تقديم دعم عسكري والمساهمة في حماية النظام الصومالي عقب مغادرة قوات الاتحاد الإفريقي في 2020. وهو أمر نفته وزارة الإعلام الإريترية في 26 ديسمبر 2018م.

ولكن في الوقت نفسه تعمل أسمرة على تطوير علاقتها بإقليم أرض الصومال وهو ما تجلَّى في زيارة الوفد الإريتري إلى إقليم أرض الصومال في محاولة إريترية لإجهاض وتعطيل التقارب السياسي بين الصومال وجيبوتي، والضغط على نظام الرئيس الجيبوتي إسماعيل جيلة بتغيير موقفه بشأن النزاع الحدودي مع إريتريا، في ظل الصراع المكتوم بين البلدين والمستمر بسبب ملف النزاع الحدودي بينهما، فضلًا عن تنافس الطرفين في القدرة على التأثير على مجريات الأوضاع في المحيط الإقليمي بالمنطقة؛ ما دفَع الطرفين إلى المسارعة نحو تطوير علاقاتهما مع الصومال من أجل توطيد النفوذ الإقليمي في القرن الإفريقي.

وعلى الجانب الاقتصادي؛ تمتلك إريتريا مقومات اقتصادية جيدة والعديد من الموارد والثروات الطبيعية، فضلًا عن إطلالتها على البحر الأحمر عند المدخل الجنوبي "مضيق باب المندب"، كما أنها تمتلك بعض الموانئ البحرية أبرزها ميناء عصب وميناء مصوع، ومن ثم فهي تسعى نحو تنشيط تلك الموانئ وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية إلى أراضيها علاوة على الانخراط في عملية التكامل الاقتصادي الإقليمي في المنطقة بما ينعكس على مستقبل الحالة الاقتصادية للدولة الإريترية ومشروعات التنمية والبنية التحتية بها.

أما على الصعيد الدولي، وبعد النجاح في توقيع اتفاق السلام الإقليمي بين إثيوبيا وإريتريا والتنبؤات بانعكاساته الإيجابية على الوضع السياسي والأمني في القرن الإفريقي خلال الفترة المقبلة؛ فقد أدى ذلك إلى تسابق الجميع نحو المنطقة، بحيث أضحى موسمًا للسباق الدولي نحو إريتريا في ضوء التنافس الدولي على النفوذ والموارد ومحاولة إيجاد موطئ قدم في القرن الإفريقي. فبالرغم من توجيه أفورقي الاتهام للولايات المتحدة الأمريكية وبعض القوى الغربية بمسؤوليتها عن الحرب التي كان يخوضها ضد دول الجوار، إلا أنه في الواقع هو أكثر المستفيدين من التحولات في القرن الإفريقي؛ حيث جاءت الإشادة الدولية بالاتفاق الأخير لتعكس دلالة واضحة على فتح قنوات اتصال بين القوى الكبرى والنظام الإريتري، وهو ما برز في الزيارات المتعددة لمسؤولي الدول الغربية إلى أسمرة؛ فقد شملت جولة نائب وزير الخارجية الأمريكي "ياماموتو" إلى المنطقة في نوفمبر 2018م دولة إريتريا، كما زار نائب وزير الخارجية الإيطالي البلاد في ديسمبر 2018م سبقه زيارة رئيس الوزراء الإيطالي إلى إريتريا في أكتوبر 2018م بهدف دعم جهود السلام والتطبيع بين إريتريا وإثيوبيا، كما أعلنت إيطاليا دعمها تشييد سكة حديدية بين أسمرة وأديس أبابا من خلال دعم "دراسة الجدوى" الخاصة بالمشروع المقرر أن يمتد طوله إلى 706 كيلومتر بين العاصمتين، في حين تقوم الصين بعدد من المشروعات في إريتريا مثل الاستثمار في الطاقة الشمسية ودعم إنارة العاصمة أسمرة، بالإضافة إلى زيارة وفد روسي برئاسة نائب وزير الخارجية "ميخائيل بوغدانوف" لإريتريا في أكتوبر 2018م من أجل تعزيز العلاقات مع النظام الإريتري. الأمر الذي يعني كثافة التواجد الأجنبي في البحر الأحمر، وهو ما يمثل مصدرَ خطرٍ؛ نتيجة هذا التزاحم وتصاعد التنافس بين تلك القوى.

وترغب إريتريا في اختراق المنظمات الدولية، واستعادة مكانتها فيها بمساعدة ودعم بعض القوى الإقليمية والدولية، فقد قدمت الحكومة البريطانية في نوفمبر 2018م مشروع قرار أمام مجلس الأمن الدولي يرى برفع حظر استيراد الأسلحة لإريتريا، ورفع حظر سفر مسؤوليها، ورفع تجميد الأصول، وغيرها من العقوبات التي كانت مفروضة عليها بناء على قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1907) في عام 2009م تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة في 23 ديسمبر 2009م. كما نجح النظام الإريتري في الحصول على مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في أكتوبر 2018م بعد تصويت 160 دولة عضو لصالح انضمامها ضمن المقاعد الخمسة المخصصة لإفريقيا بمساندة إثيوبية. على الرغم من السجل الرديء للنظام الإريتري في مجال حقوق الإنسان.

ويمكن لإريتريا تعزيز دورها الإقليمي والدولي خلال الفترة المقبلة من خلال الانخراط في التعامل مع القضايا الإفريقية المهمة، والتعاطي بشكل جيد مع عدد من الملفات التي تتقاطع مع اهتمامات واستراتيجيات القوى الدولية الكبرى لا سيما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها ملفات الإرهاب والهجرة غير الشرعية وأمن البحر الأحمر.

 

ثالثًا: فرص وتحديات تواجه تعاظم الدور الإريتري في القرن الإفريقي

هناك فرصة سانحة أمام إريتريا لتسهيل اتصالها وانفتاحها على العالم الخارجي إقليميًّا ودوليًّا، والمضي قدمًا نحو لعب دور إقليمي للظهور كقوة إقليمية في القرن الإفريقي تتمثل في الاستفادة من التحولات المحورية التي تشهدها منطقة القرن الإفريقي عقب عملية المصالحة الإقليمية بين إثيوبيا وإريتريا، إلا أن هناك بعض التحديات والمعوقات التي من الممكن أن تقف حجر عثرة أمام تعاظم الدور الإقليمي الإريتري في المنطقة.

بدايةً يمكن للرئيس أفورقي استغلال حالة التدافع مِن قِبَل القوى الدولية نحو إريتريا في تعزيز علاقاته مع تلك القوى، وطلب مساندتها له في الانضمام للمنظمات الدولية وفي التصدي للانتقادات الدولية التي تُوجّه لسياساته الداخلية خاصة في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية. بالإضافة إلى تسهيل دخول الاستثمارات الأجنبية إلى بلاده، وتطوير البنية التحتية الإريترية المتهالكة.

ومع الانفتاح الإقليمي لإريتريا على دول المنطقة، يمكنها الانخراط في تسوية بعض القضايا والنزاعات العالقة؛ سواء في إطار العلاقات الثنائية، أو تحت مظلة إقليمية من خلال الاتحاد الإفريقي أو الهيئة الحكومية للتنمية "إيغاد IGAD" لخلق دور إقليمي قوي لها في المنطقة.

وفي ظل احتمالية انضمام أفورقي إلى تحالف إقليمي جديد في المنطقة يضم إثيوبيا وإريتريا والصومال، إلا أنه من الممكن أن يؤول إلى الفشل في ظل الطموح الجامح لأفورقي في تعويم الدور الإريتري في المنطقة، وهو ما سوف ترفضه إثيوبيا التي تريد الجميع أن يدور في الفلك الإثيوبي بالمنطقة، مما يمكن أن يتسبّب في توترات تسود علاقات البلدين من جديد.

وفي المقابل، ثمة تحديات محتملة من شأنها التأثير على التطورات الإيجابية التي تعيشها المنطقة منذ توقيع اتفاق السلام الإثيوبي الإريتري، والعودة إلى المربع "صفر"؛ مما يهدد أمن واستقرار المنطقة، ومن ثم التدخل الخارجي في شئون المنطقة.

تظل شخصية الرئيس الإريتري مثار جدل بالنسبة للكثيرين مما يدفعهم إلى التنبؤ بتراجعه عن اتفاق السلام الإقليمي مع إثيوبيا، في حال ارتأى عدم حصوله على مكتسبات تُرضِي غروره، خاصة أن إريتريا تعتبر بمثابة دولة الرجل الواحد وليست دولة مؤسسات؛ فالرئيس وحده هو من يقرر الدخول في اتفاقيات السلام أو الانسحاب منها؛ حسب أهوائه.

كما أن استمرار الأزمات الداخلية في إثيوبيا وانفلات الأوضاع الأمنية قد تدفع "قومية التيجراي" إلى محاولة زعزعة اتفاق السلام بين البلدين في ظل تأكيد مستشار الرئيس الإريتري يماني قبرآب خلال مشاركته في اجتماع مع الجالية الإريترية في العاصمة السعودية الرياض في أبريل 2019م على أن إثيوبيا تحكمها ثلاث حكومات وأن آبي أحمد لا يسيطر على زمام الأمور، كما أن انقطاع الزيارات المتبادلة بين زعيمي البلدين منذ فترة بالتزامن مع قرار أسمرة إغلاق المعابر الحدودية مع إثيوبيا من جانب واحد قد يتسبّب في انتكاسة لاتفاق السلام بينهما.

ومع ذلك، تظل دوافع التقارب بين الطرفين الإثيوبي والإريتري أكبر وأقوى من احتمالات فشل اتفاق السلام بين البلدين؛ في ظل ما حقَّقه هذا الاتفاق من مكتسبات للطرفين على المستويين الإقليمي والدولي، وحاجة كل طرف منهما إلى تحقيق طموحاته الإقليمية في إطار بيئة مستقرة وليست صراعية، فضلاً عن الدعم الإقليمي والدولي الذي حظي به الاتفاق من أجل أمن واستقرار المنطقة؛ الأمر الذي يمكن معه التأكيد على عودة الدور الإقليمي لإريتريا في منطقة القرن الإفريقي خلال المرحلة المقبلة دون أية تحفُّظات أو عراقيل.

 

كتاب الموقع