أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

مبادرة بناء الجسور.. ومدى تأثيرها على انتخابات 2022م في كينيا

مختار حسين هللولي

بمرسوم رئاسي جاء في الجريدة الرّسمية برقم 5154 شكّل رئيس الجمهوريّة فريقَ عملٍ مَهمته جَمْع آراء المواطنين، وتقديم مقترحات عملية تعالج القضايا الحسّاسة التي لطالما هدّدت النسيج الوطني عبر تاريخ البلاد.

في نوفمبر 2019م قدّم الفريق تقريرًا تمَّ تدشينه في القصر الجمهوري بحضور عددٍ من المسؤولين. أشار الفريق إلى جولاتٍ قام بها في جميع المقاطعات الـ47، ولقاءات مع أكثر من 400 من أعضاء المجالس النيابية المختلفة على المستوى الوطني والمحلّي، إضافةً إلى كبار المسؤولين في الدولة، ورؤساء منظمات المجتمع المدني، وغير ذلك من المكوّنات المؤثّرة.

كما بيّن الفريق تواصله مع أكثر من 7000 فرد من خلفيات إثنية ودينية وثقافية مختلفة؛ قدَّموا مقترحاتهم للخروج من الأزمات السّياسية التي تعرقل المسيرة التنمويّة في البلاد، وتهدّد الوحدة الوطنية والنّسيج الاجتماعي.

القضايا المحوريَّة:

حدّد التقرير أسباب عدم الاستقرار السياسي في كينيا، من أهمّها: نظام الانتخابات، التنافس الإثني على الرئاسة، والفساد الإداري والمالي.

ونتناول بعض تلك الأسباب بشيءٍ من التفصيل:

- عدم الشعور بقِيَمٍ وطنيةٍ مشتركة:

تناول التقرير الحديث عن أمور تعرقل الوحدة الوطنية، وتهدّد مستقبلها، على رأسها هشاشة الشعور بالانتماء إلى قِيَم وطنية مشتركة؛ بحسب التقرير يفتقر المواطن الكيني إلى الوطنية وحماسة الانتماء، ربما للمظلوميَّة التي سيطرت على نمط التفكير في كثيرٍ من المناطق المهمَّشة تعليميًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا. كما أن الحكومات المتعاقبة بعد جلاء الاستعمار لم تتصدَّ لهذه المشكلة بما تتطلبها من جديَّة.

ويقترح التقرير ترسيخ المبادئ الوطنيّة، وتضمين المناهج التعليمية ما يُعزّزها في نفوس النّاشئة، كما يقترح كتابة تاريخ المجموعات الإثنية والدينيّة المختلفة بحيث تنشأ الأجيال على القِيَم المشتركة بين هذه المجموعات، وتتعرف على تلاقح تلك الثقافات المتنوّعة وتصاهرها الذي أدَّى إلى ولادة الدولة الكينيّة بملامحها الحاليّة.

- وجود خلل في مفهوم واجبات وحقوق المواطنة:

حيث يرى التقرير أن المواطن الكيني تهمُّه حقوقه أكثر من واجباته، ويجب ترسيخ الشعور بالواجب تجاه الوطن وتقرير ذلك في إطار المناهج الدراسية. كما اقترح العمل بما جاء في الميثاق الإفريقي حول حقوق الإنسان وتضمينه المناهج الدراسية.

- التنافس الإثني على التمثيل السياسي:

شهدت السّاحة السّياسية صراعات دامية أحيانًا بين القبائل الكبرى على رئاسة الجمهورية، ما يُشكّل تهديدًا للاستقرار والأمن القومي. يقترح التقرير تعديلاً دستوريًّا فيما يخصّ نظام الانتخابات وإيجاد صيغة رسميّة للمعارضة؛ بحيث يكون رئيسها عضوًا في البرلمان بحكم منصبه، وإنشاء حكومة الظل لمحاسبة السّلطة التنفيذية، بالإضافة إلى إجراء إصلاحات فيها؛ بحيث يسمح للرئيس بترشيح عضو من حزب الأغلبية في البرلمان لمنصب رئيس الوزراء، على أن تكون له صلاحيات تنفيذية محدودة، ويحق للبرلمان سحب الثقة منه. ومن الإصلاحات المقترَحة العودة إلى مجلس الوزراء المختلط، يتكوّن من أعضاء البرلمان والتكنوقراطيين، وفي الحالة الأولى يتقاضى الوزير راتب عضو البرلمان فقط، وكذلك حال رئيس الوزراء، ومنها السماح لكلّ ذي خبرة تزيد عن 15 سنة أن يُعيَّن في مفوضيّة الانتخابات بدل أن تكون عضويتها محصورة في ممارسي مهنة المحاماة.

لماذا المبادرة؟

بمقتضى الدستور تُجْرَى الانتخابات العامة في جميع أرجاء كينيا مرة كل خمس سنوات، بإشراف من المفوضية الانتقالية للانتخابات والحدود. لم تكن هذه المهمة سهلة على المفوضية، على اختلاف في توجهات شعب كينيا على امتداد تاريخه السياسي والديمقراطي، فقد اتُّهِمَتْ دائمًا بالانحياز في قراراتها المتعلقة بالانتخابات تمهيدًا وإدارة في مواسم انتخابية مختلفة، ففي 2007م شهدت الساحة السياسية الكينية اضطرابًا شديدًا إثر رفض المعارضة للنتائج التي أعلنتها المفوضية، مدعيةً أنها زوَّرتها لصالح الحزب الحاكم، فدخلت البلاد في دوَّامة من الفوضى راح ضحيّتها آلاف النازحين والجرحى والقتلى، لولا تدخل المجتمع الدولي السريع والجادّ لما استعادت كينيا عافيتها المؤقتة والمتقطّعة. حينها، ظن الجميع أن تشكيل حكومة وحدة وطنية سيحلّ المشكلة السياسية للأبد، لكن سرعان ما عادت الأمور أسوأ مما كانت في انتخابات 2013م ثم 2017م بما شهدتاه من معارك قضائية انتهت بخيبة المعارضة السياسية رغم انتظامها وإبلائها بلاءً حسنًا في انتخابات هذين العامين.

إنّ اللعبة السّياسية في كينيا تخضع للضغوطات القَبَلِيَّة قبل كلّ شيءٍ؛ فقادة الأحزاب والائتلافات السياسية أشبه ما يكونون بزعماء قَبَلِيِّين، وهنا مكمن الخطر؛ إذ يتمتعون بتأييد قَبَلِيّ يُمكّنهم من تحريك الشّارع تحقيقًا لمطالبهم، مثل ما حصل في 2007 و2013م. وتدرك النخبة القبلية المسيطرة على المشهد السياسي ضرورة احتواء المعارضة لإطالة احتفاظها بالسلطة.

بعد انتخابات 2017م وما صاحَبَها من معارك قضائية وإعلامية وتوترات اقتصادية وسياسية واجتماعية، فاجأ زعيم الائتلاف المعارض رايلا أمولو أطنغا المهتمِّين بالشأن السياسي بتصالحه مع الرئيس أهورو كينياتا دون علم بقية رموز المعارضة في مشهد عُرِفَ إعلاميًّا بـ"المُصَافَحَة"، ثارت أوساط في الائتلاف، ثم سرعان ما هدأت؛ ربما لتأكُّدها أن القرار له ارتباط بقوًى خارجية ترى إيقاف المشاكسات السياسية، والعمل على استقرار البلاد، وزيارة رايلا الأخيرة إلى الولايات المتحدة والاحتفاء به هناك خيرُ دليلٍ على وجود الإرادة الخارجيّة.

أدرك رايلا، وبعد محاولات عديدة، أن التركيبة القبائلية الحالية لن توصّله إلى القصر الجمهوري، وذلك رغم أن قبيلة "جلوا" التي ينتمي إليها ويتزعمها سياسيًّا كثيرة العدد حسب التعداد السكّاني الأخير؛ ذلك لأن القبائل الهامشية الأخرى هي التي ترجح كفة أحد القطبين، وتحالف "غيما" الذي يضم قبائل البنتو يُشَكِّل حجر عثرة أمامه. نرى أن هذه الظروف هي التي ألجأته للتصالح مع الرئيس. وبحنكته السياسية المعروفة شرع رايلا بُعَيْدَ المصافحة في طَبْخ مبادَرة سُمِّيت "مبادرة بناء الجسور"؛ من خلالها يقترح حلاً للمشكلة السياسية التي يلخّصها في إقصاء المعارضة والتهوين من دورها.

انتقادات:

بينما يتحمّس الساسة لتبنّي تقرير فريق العمل، يرى بعض المحللين أن المبادرة مشروع نخبوي تحاول فيه الأسر السياسية إعادة كتابة تاريخ البلاد بما يناسب نظرتها الاستعلائية على الشعب، وأن ما جاء في تقرير الفريق صراحة من ضرورة كتابة تاريخ شامل للبلاد تفوح منه رائحة السعي للتلاعب بتاريخها، وأنّها خدمة لرغبة الرئيس الحالي في التمسّك بالسلطة تحت مسمى رئيس الوزراء، ورايلا أطنغا رئيسًا يقاسمه بعض الصلاحيات.

لا يمكن أن تتجنَّب البلاد التجاذبات السياسية التي شهدتها أيام حكومة الوحدة الوطنية حول الاختصاصات؛ فلذلك حتمًا ستتكرر تلك النزاعات في ظلّ تنفيذ التقرير، ولا يخفى على مُتَابِع ما في ذلك من تعطيل العمل الحكومي.

تعديلات دستورية:

مع احتدام الحديث عن التقرير في وسائل الإعلام، وحيرة السَّاسَة في التعاطي معه تلوح في الأفق تعديلات دستورية يقترحها التقرير حلاً للمعضلة السياسية في البلاد؛ منها: إنشاء منصب رئيس الوزراء بصلاحيات تنفيذية محدودة تتمثل في رئاسة أعمال الحكومة، ويكون في نفس الوقت رئيسًا للأغلبة البرلمانية. لكن تبقى لرئيس الجمهورية معظم الصلاحيّات.

انتهت صلاحية فريق العمل المكوّن من 14 عضوًا برئاسة يوسف حاجي وزير الدفاع السابق في 14 أكتوبر، ثم في نوفمبر وإثر تلقّيه المسودة النهائية من الفريق؛ أعلن الرئيس تمديد عملها لتوزّع نُسَخ التقرير على أوسع نطاق لإخضاعها لملاحظات الجمهور يستقيها الفريق من لقاءات جماهيرية تُعْقَد في المدن.

تسييس العملية:

لا شك أن هذه المبادرة تدور حول انتخابات 2022م، وتحاول هندسة نتائجها بما تراه مُرْضِيًا للمعارضة. لهذا تشهد البلاد انقسامًا حادًّا حتى داخل الائتلاف الحاكم؛ لأن نائب رئيس الجمهوريّة الحالي "وليام روتو" وأعوانه يتوجسون خِيفةً من التقارب بين رايلا وأهورو، ويعتبرونه حائلاً دون طموحات روتو في الرئاسة في 2022م.

 كان نواب البرلمان الموالون له إلى وقت قريب ضد العملية برُمّتها، وصرَّحوا في لقاءاتهم الجماهيرية أنها خدعة لإنشاء مناصب للفاشلين سياسيًّا في تلميح إلى زعيم المعارضة "رايلا أطنغا". لكن روتو يفهم ما تعني له علاقته برئيس الجمهورية وما يستفيده منها، وخاصة إذ تحوم حوله كثيرٌ من قضايا الفساد آخرها صفقة الأسلحة المزورة التي تقدّر بـ40 مليار شلن كيني، والتي يُحْبَس وزير الرياضة السابق على ذِمّتها، وقتل فرد من الشرطة الإدارية حيث وُقِّعَت الصفقة بمكتب روتو أثناء دوامه العملي.

ختامًا:

مبادرة "بناء الجسور" تبحث عن ديمقراطية خاصَّة تتناسب مع البيئة السّياسية والاجتماعية في كينيا، فمجرّد التفكير في الحيد عن الديمقراطيّة الغربيّة أمر إيجابي، ويبقى الأمر الأهمّ في ترك المبادرة تستكمل مراحلها بعيدة عن تصفية الحسابات بين الجهات السّياسيّة المختلفة.

وإذا استطاعت كينيا أن تضع ما جاء في تقرير الفريق موضع التنفيذ، وتمكّن القائدان من إبقاء العلاقات بينهما جيدة وبعيدة عن التوتر؛ تكون قد وضعت قدميها على الطريق نحو الاستقرار السّياسي والاقتصادي.

كتاب الموقع