أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ما الذي يحدث في جمهورية "موغابي" ؟

بقلم أ. عبدالحكيم نجم الدين

منذ شهرين تقريبا, كانت عناوين وتقارير عما يجري في زيمبابوي, الدولة التي حظيتْ في سابق السنوات بلقب "جوهرة أفريقيا", تفيد بأن شيئا ما يحدث في البلاد.

ولكن, ما الذي يحدث في زيمبابوي!؟

 بموجب تصريحات المسؤولين وأصحاب الشركات ونشرات الإعلام المحلي في زيمبابوي, فإن الأمور ليست على ما يرام. بالرغم من أن اقتصادها شهد شيئا من الانتعاش في أوائل العام 2010، بعد معاناتها من التضخم الجامح والعنف السياسي لما يقرب من عقد, إلا أن موجة المعاناة عادتْ مرة أخرى.

الاستيلاء على أراضي البلاد في العقد الماضي, والجفاف وعدم انتظام هطول الأمطار مؤخرا، كل ذلك ساهم في تدمير الإنتاج الزراعي. كما أن  انخفاض أسعار السلع الأساسية والانهيار في تدفقات رأس المال أدى إلى وجود القليل من المال في البنوك وفي خزائن الحكومة. بل رئيس البلاد "روبرت موجابي"، غير قادر لدفع أجور الموظفين الحكوميين.

بسبب كل ما تعانيه زيمبابوي, فقد شهدت في الأسابيع الأخيرة سلسلة من الاحتجاجات ضد سياسة حكومتها الاقتصادية, وهي احتجاجات شارك فيها عدد كبير من المواطنين, مع إشارة مراقبين أن البلاد لم تشهد مثلها منذ السنوات. وأدى إضراب وطني إلى إيقاف الأعمال وإغلاق المحلات.

 

مشاكل اقتصادية

تقدّر ديون زيمبابوي الداخلية والخارجية بـ 10،8 مليار دولار. وكان الدَّين العام يبلغ 5،6 مليار دولار؛ ما بين المؤسسات المالية المتعددة الأطراف (2،2 مليار دولار)، ونادي باريس (2،7 مليار دولار)، وغيرها (700 مليون دولار).

قدمّتْ البلاد في العام الماضي، خطة ستسلكها لسداد ديونها الخارجية, وخاصة تلك ديون المؤسسات المالية الدولية. وبموجب هذه الخطة التي أثارت الشك والإعجاب، فإن ديون المؤسسات المالية الدولية الثلاث - وهي البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي والبنك الإفريقي للتنمية – من المؤكد أن يتم سدادها مرة واحدة. ولكنّ زيمبابوي فشلت في سدادها في الموعد النهائي وهو 30 يونيو.

"حتى الآن، لم ندفع أي شيء"، على حدّ تعبير محافظ بنك الاحتياطي الزيمبابوي, جون مانغوديا, لوسائل الإعلام المحلية. وأضاف: "هذا هو السبب في إجرائنا لعملية إعادة الاتفاق مع المؤسسات المالية الدولية. هذا كله جزء من تدابير إعادة الاتفاق وبناء الثقة."

أما صندوق النقد الدولي, فقد أفاد في يوم الخميس (الموافق 14 يوليو), بأنه "لا يوجد برنامج مالي تجري مناقشته مع البلد في الوقت الحالي."

ما زالت زيمبابوي تأمل تسديد ديونها للمؤسسات الثلاث كي تتمكن من الاقتراض مرة أخرى، ولكن صندوق النقد الدولي يؤكد أن هناك حاجة لوجود إصلاحات هيكلية أولا قبل أن تتمكن هذه البلاد من الحصول على أي مزيد من المال.

حاولت الحكومة إصدار سياسيات "مربكة" حيث كشفت عن خططها لتقديم "مذكرات السندات" للتخفيف من أزمة العملة، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الخطة هي جهد غير معلَن لإعادة الدولار الزيمبابوي، والذي تم التخلي عنه في عام 2009 عندما كان أحد العملات الأدنى قيمة في العالم.

ولجأت البنوك إلى تقييد سحب المواطنين اليومي على مئة (100) دولار - بينما يملكون نقودا في حساباتهم. وأدى هذا النقص في العملة الصعبة أيضا إلى فرض قيود على واردات العديد من السلع، وأصحاب المحلات المحلية يشتكون عدم قدرتهم على دفع أجور مورديهم. وسوق التصدير للموارد الطبيعية أيضا في حالة جمود, كما أن الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2015 انخفض بنسبة 23٪ في البلاد.

 

الاقتتال السياسي

ربما قد يكون حجم المعاناة الاقتصادية في الدولة الجنوب أفريقية خفيفا, لولا مساهمة الاقتتال السياسي المستمر فيها. فالرئيس روبرت موجابي هو الوحيد الذي يقود زيمبابوي منذ أن حققت البلاد حكم الأغلبية في عام 1980، وهذا الرئيس يبلغ اليوم 92 سنة من العمر. مما أدى إلى مناورات وخلافات داخل حزبه "الاتحاد الوطني الإفريقي الزيمبابوي" حول من سيخلفه بعد وفاته.

في السنوات الأخيرة, وبعد كل التعديلات التي قام بها حزب موغابي الحاكم عدة مرات، لبحث اختيار خليفة موغابي, إلا أنه لم يعلن حتى الآن عن دستور الحزب وموقفه حول القضية.

مع ذلك, كان المتوقع أن نائبة الرئيس السابقة جويس موجورو هي التي ستتولى المنصب الرئاسي بعد رحيل الزعيم موغابي, حتى فُوجِئ الجميع في عام 2014 بظهور مزاعم تترأسها زوجة الزعيم "غريس موغابي " وحلفائها من الحزب الحاكم, أنّ جويس موجورو تخطط لاغتيال موغابي. ومن ثم انتهت صفحة جويس موجورو من رئاسة البلاد. لكن هذه المزاعم نفسها مهّدت الطريق لنائب الرئيس الحالي ايمرسون منانجاجوا لأن يكون خليفة موغابي، إلا أن زوجة الزعيم غريس مرة أخرى اتهمتْ هذا الأخير بتدبير حادث لمحاولة قتل ابنها "شاتونغا".

 وهكذا صارت الصراعات السياسية تدور بين فريقين داخل حزب واحد: فريق التمساح بقيادة منانجاجوا, وفريق قدامى المحاربين الذين شاركوا في حرب تحرير البلاد وغيرهم من "جيل 40" – كما يسمون أنفسهم - بقيادة زوجة الرئيس غريس.

يرى عدد من المحللين أن القول والحكم الفصل في التوترات الجارية سيعود إلى قوات الأمن الزيمبابوي. نظرا لدورها في دعم نظام موغابي على مدى 20 عاما الماضية، مع استعدادها لاستخدام العنف ضد معارضي الرئيس.

 

احتجاجات عارمة

في ذكرى الـ36 لاستقلال زيمبابوي في يوم 19 إبريل, ووسط المشاكل الاقتصاية والاقتتال السياسي, خرج المواطنون إلى شوارعهم متظاهرين, وذلك بعد أن نشر قسّ زيمبابوي يدعى ايفان ماواريري، شريط فيديو على موقع يوتيوب وهو يرثى حالة البلاد والأزمات التي تواجهها، وقام بدعوة كل أبناء البلاد إلى اتخاذ إجراءات لتحسين الوضع.

تردد صدى رسالة الفيديو في جميع أنحاء زيمبابوي وتداولها الناس على المواقع الاجتماعية بوسم (#ThisFlag) ، حتى وإن كانت الحكومة وصفتها بأنها جزء من "أجندة رعاه الغرب لتغيير النظام".

طالب المتظاهرون من الرئيس روبرت موغابي محاكمة وزرائه الفاسدين, ودفعَ أجور موظفي الخدمة المدنية في الوقت المناسب المحدد, وإزالة الحواجز التي نصبتها الشرطة من الشوارع. بدلا من ذلك، اعتقلت الشرطة القسّ صاحب الفيديو واتهمته بمحاولة الإطاحة بالحكومة, ثم أفرجت عنه من قبل المحكمة. ولكن المواطنين والمنظمات المدنية ما زالوا يواصلون احتجاجهم.

في خطوة غير متوقعة, قامت جمعية المحاربين الزيمبابويين القدماء، والتي كانت ركيزة أساسية لدعم موغابي لعقود من الزمن، بتنديده يوم الخميس الماضي، واصفة إياه بـ "الديكتاتوري" , "المتلاعب" و "الأناني".

وأكّد المتقاعدون المحاربون القدماء بأنهم توقفوا عن دعم حملات موغابي السياسية، متهمين إياه بالتخلي عنهم لصالح شباب الحزب (ZANU PF).

وفي حدّ تعبير المتحدث باسم الجمعية, العقيد “بيتا غوفهيا” – وهو نفسه من قدامى المحاربين: “لن يفوز موغابي في الانتخابات”، مضيفا أنه “يتأسف جدا لمستشاريه، فهم يضللونه لأنهم ليسوا على اتصال مع أرض الواقع.”

وأضاف: “نحن لا نملك المدير القادر على إدارة الاقتصاد في هذا البلد، وهذا هو السبب في أننا نصرّ على ضرورة رحيل موغابي. نحن لم نقاتل لتكون السلطة مركزا على شخص واحد, ونحن لم نقاتل كي تستفيد عائلة واحدة من اقتصاد هذا البلد”.

 

الأوضاع الصحية

لقد تضررت الخدمات الصحية – على وجه الخصوص - في زيمبابوي بسبب انهيار الاقتصاد وسياسات البنوك. وهناك حظر على واردات السلع, وموظفي الخدمة المدنية، بما في ذلك الممرضات انضموا إلى الإضراب في الأسبوعين الماضيين بعد أن فشلت الحكومة في دفع رواتبهم.

ووفقا لإحدى الوكالات, فإن 90٪ من مؤسسات الرعاية الصحية لا تملك الأدوية الأساسية في مخزونها، وهناك نقص حاد في العقاقير المضادة للفيروسات، والتي من المفترض أن تكون مجانا لمرضى فيروس نقص المناعة البشرية في المستشفيات العامة.

إن النظام الطبي في الفوضى, مما يجعل ما يقرب من ثلثي مرضى زيمبابوي لا يسعون للحصول على العلاج الذي يحتاجونه لأنهم لا يستطيعون تحمل التكاليف، وفقا لوزارة المالية والتنمية الاقتصادية.

بل المواطنون الأكثر ثراء في البلاد أيضا يحسون بهبوب رياح الأزمة. إذ أطباء القطاع الخاص يطالبون الدفع نقدا من المرضى الذين يملكون التأمين الطبي.

وفي حال استمرار هذه الأزمات الاقتصادية والصراعات السياسية والاضطرابات الاجتماعية في زيمبابوي دون حل مناسب في الوقت المناسب, فقد تتداعي الأمور فيؤدي إلى فرار ومغادرة الزيمبابويين إلى خارج البلاد وإلى دول مجاورة كجنوب أفريقيا.

كتاب الموقع