أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ماذا يعني انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس (G5)؟.. دلالات وتداعيات

بسمة سعد

باحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية – مؤسسة الأهرام

في خطوة تصعيدية، اتخذت مالي قرارًا مفاجئًا في 16 مايو 2022 بالانسحاب من مجموعة دول الساحل الخمس "G5"، ومن كل أجهزتها وهيئاتها، بما في ذلك القوة المشتركة لمكافحة الإرهاب؛ وذلك في ظل مرحلة تُعدّ من أصعب وأدقّ المراحل التي تمرّ على مالي، بل وكذلك على منطقة الساحل الإفريقي سواء على المستوى السياسي أو الأمني، عظَّمت من حجم التحديات التي تواجهها باماكو ودول منطقة الساحل في ضوء تـأجيل مالي الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كان من المقرر انعقادها في فبراير 2022م، بالإضافة إلى توتُّر العلاقات المالية الفرنسية الأوروبية، وانسحاب القوات الفرنسية والأوروبية من مالي، وإعادة تمركز قواتها في النيجر وباقي دول الساحل الإفريقي، وانخراط موسكو في مالي كسبيل لملء الفراغ الأمني، وتحوّل مالي ومنطقة الساحل لإحدى ساحات  الصراع الروسي الفرنسي الأوروبي، لا سيما عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى تنامي النشاط الإرهابي، وهو ما يدفع للتساؤل حول:

ما يحمله قرار انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس من دلالات؟، وما يفرضه من تداعيات؟

انطلاقًا مما سبق تهدف الورقة إلى مناقشة دوافع ودلالات اتخاذ مالي قرار الانسحاب من مجموعة الساحل الخمس، وتداعيات هذا القرار؛ سواء على تكتُّل مجموعة الساحل الخمس أو على مستوى الإقليمي للمنطقة.

أولًا: دوافع ودلالات انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس (G5)

ساهمت أسباب عدة في تعميق الفجوة وتوتر العلاقات بين مالي وحلفائها الأفارقة؛ مما أدَّى في نهاية المطاف إلى إعلان انسحابها من تكتل مجموعة الساحل الخمس، سواء وفقًا للمنظور المالي أو وفقًا لمعطيات السياق السياسي والأمني في منطقة الساحل؛ أولها؛ احتجاج المجلس العسكري على عدم السماح لمالي بترأس "مجموعة دول الساحل الخمس"؛ حيث كان من المفترض أن تَستضيف باماكو مؤتمرًا لقادة دول الساحل (موريتانيا وتشاد وبوركينا فاسو والنيجر) في فبراير 2022م، وتأجَّل لمدة ثلاثة أشهر لادّعاء دولة عضو في مجموعة الساحل-من دون أن توضّح باماكو هويتها لكن من المرجّح أن تكون النيجر- عدم استقرار الداخل المالي عقب سيطرة المجلس العسكري على السلطة([1])، مما دفع مالي للحديث عن انصياع بعض دول المجموعة المعارضة لتولّي مالي رئاسة المجموعة، إلى تعليمات دولة من خارج الإقليم تسعى إلى عزل مالي عن محيطها الإفريقي([2])، بل والعالم، مما أفقد المجموعة استقلاليتها([3])؛ وذلك في إشارة ضمنية إلى فرنسا في ضوء الخلاف المالي الفرنسي الأخير، وهو ما يُشير إلى تعاظم الفجوة بين مالي وحلفائها الأفارقة، لا سيما مع محيطها الإقليمي في منطقة الساحل، على ضوء ما تشهده الساحة السياسية والأمنية المالية من تطورات متسارعة.

أما بالنسبة لثاني الأسباب فربّما يُعدّ الدافع الرئيسي لاتخاذ مالي قرار الانسحاب من التكتل الساحلي، هو الخلاف المالي الفرنسي الأوروبي المتصاعد خلال الأشهر الأخيرة عقب اعتماد فرنسا استراتيجية جديدة لإعادة تموضع قواتها العسكرية في منطقة الساحل تضمّنت سحب قواتها من مالي، مما وضع مالي أمام خيار حتمي بضرورة البحث عن حليف استراتيجي جديد بديلًا لباريس، فكانت مجموعة "فاغنر" الروسية المنافس الرئيسي لفرنسا وأوروبا في منطقة الساحل، وذلك دون حتى رجوع مالي لمجموعة الساحل الخامس للتشاور حول التعاقد مع مجموعة "فاغنر"، وهو ما اعتبرته دول الساحل بمثابة إخلال بالمواثيق المنظِّمة للمجموعة الإقليمية، ودفَع مالي للغياب عن كثير من نقاشات المجموعة([4]). كما أن استعانة مالي بمجموعة "فاغنر" فاقَم الخلاف المالي الفرنسي الأوروبي إلى أن وصل لحد إنهاء باريس والدول الأوروبية قوتي "بارخان" و"تاكويا" في فبراير 2022م([5])، ثم إعلان المجلس العسكري المالي برئاسة الكولونيل "عاصمي جويتا" في مايو 2022م إلغاء الاتفاقيات الدفاعية الموقّعة بين باماكو وفرنسا وشركائها الأوروبيين، بما في ذلك اتفاقية الدفاع المشتركة التي وُقِّعت في 16 يوليو 2014م، واتفاقيات وضع القوات "سوفا"([6]).

ثالثها؛ المخاوف الإفريقية من انتقال عدوى الانقلابات العسكرية التي شهدتها عدد من دول الإقليم -بما في ذلك مالي وبوركينافاسو- إليها، يُمكن الاستدلال عليها -على سبيل المثال- بمحاولة الانقلاب الفاشلة في النيجر في مارس 2021م([7])، لذا وجدت بعض دول المجموعة أن الخيار الأمثل لتغيير الوضع في مالي هو تكثيف الضغوط على المجلس العسكري المالي لتسريع وتيرة المسار الانتقالي وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة تُعيد الحكم إلى المدنيين؛ مما يفسِّر جزئيًّا السبب وراء فرض قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا عقوبات قاسية على مالي في يناير 2022م عقب تأجيل المجلس العسكري المالي المسار الانتخابي لسنوات، شملت إغلاق الحدود مع مالي داخل المنطقة دون الإقليمية، وتعليق التجارة باستثناء المنتجات الأساسية، وقطع المساعدات المالية، وتجميد أصول مالي في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا([8]).

رابع الأسباب التي عزَّزت من موقف مالي من الانسحاب من مجموعة الساحل الخمس، ما يواجهه التكتل من مشكلات، ترى مالي أنها أضعفت التكتل وأثّرت على قدراته وفعاليته على مواجهة الجماعات الإرهابية، كضعف الموارد البشرية والتمويل، لا سيما عقب تعرُّض بعض دول الساحل لانقلابات عسكرية (مالي وبوركينافاسو) عززت من المخاوف الغربية من تمويل جيوش الساحل، تبعها اندلاع الحرب الأوكرانية التي أعادت توجيه مسار التمويل الغربي، خاصة الأوروبي المتجاوز 256 مليون يورو إلى أوروبا([9])، إلى جانب ضعف الدعم اللوجستي، والتنسيق بين الدول الأعضاء، ناهيك عن أن الاضطرابات السياسية التي تواجهها بعض دول المجموعة ساهمت في تغليب الهواجس الأمنية الداخلية على نظيرتها الإقليمية، وما لذلك من تأثير على عمل ودور المجموعة؛ كسحب تشاد نحو 600 جندي في أغسطس 2021م، يمثلون حوالي نصف عدد قواتها في المجموعة في ضوء ما تواجهه القوات التشادية من هجمات مِن قِبَل العناصر التشادية المتمردة([10])، وهو ما يُستدل عليه بإشارة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة إلى تعرُّض منطقة الساحل الإفريقي خلال مارس 2022م فقط إلى نحو 407 حوادث أمنية([11]).

 هذا بالإضافة إلى ما تتعرَّض له دول المجموعة من اتهامات بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان؛ كالقتل خارج نطاق القضاء، والاعتقالات التعسفية، والاحتجاز، والمعاملة السيئة، وذلك وفقًا لما كشفه تقرير للمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان([12]).

ثانيًا: تداعيات انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس (G5)

بمجرد إعلان مالي قرار انسحابها من مجموعة الساحل الخمس، تبادَر إلى الذهن تساؤل حول التداعيات المحتملة جرّاء اتخاذ مالي هذا القرار سواء على مستوى مجموعة الساحل، أو على المستوى الإقليمي، والتي يُمكن توضيحها كالتالي:

1- انعكاسات انسحاب مالي على مجموعة الساحل الخمس 

جاء تشكيل مجموعة دول الساحل الخمس في 16 فبراير 2014م بهدف تعزيز روابط التنمية الاقتصادية والتعاون الأمني، وعلى وجه الخصوص محاربة الجماعات الإرهابية المنتشرة في منطقة الساحل الإفريقي؛ كولاية داعش في غرب إفريقيا وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين؛ إلا أنه في ضوء ما تواجهه المجموعة من تحديات كالسالف الإشارة إليها، وغياب مؤسسي المجموعة بوفاة الرئيس التشادي "إدريس ديبي"، ومغادرة الرئيس الموريتاني "محمد ولد عبد العزيز" الحكم بعد انتخابات فاز فيها "محمد ولد الشيخ الغزواني"، إلى جانب الإطاحة بالرئيس المالي "إبراهيم بوبكر كيتا" في انقلاب عسكري، وكذلك الإطاحة بالرئيس البوركنابي "ابليز كومباوري" في انقلاب عسكري، في حين غادر رئيس النيجر "محمد ايسوفو" الحكم عقب انتخابات فاز فيها وزيره الأول "محمد بازوم"([13])، يأتي انسحاب مالي ليكون بمثابة الضربة القاضية للمجموعة على المستويين الهيكلي والعملياتي.

وتتسم مالي بأهمية جيواستراتيجية، لا سيما في إطار التنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب؛ حيث إنه بانسحاب مالي تفقد المجموعة ميزة الترابط الجغرافي، ومِن ثَمَّ لا ترتبط موريتانيا بأيّ حدود برية مع بقية دول الساحل، هذا إلى جانب أن مهام القوة العسكرية المشتركة للمجموعة تتم برًّا عبر الحدود المشتركة للدول، وما لذلك من انعكاسات على دور المجموعة في مواجهة الإرهاب، كما تتشارك الحدود المالية مع ثلاث دول من المجموعة (موريتانيا، النيجر وبوركينا فاسو)، وبالتالي تُعدّ مالي دولة محورية في العمليات العسكرية المشتركة، بالإضافة إلى أنها نقطة ارتكاز مهمة للجماعات الإرهابية سواء التابعة لتنظيم القاعدة  أو لتنظيم الدولة ([14])، وهو ما يدفع للتساؤل حول مستقبل التكتل على المدى القريب أو المتوسط في ظل غياب مالي، ومدى تماسكه.

2- تداعيات انسحاب مالي على النشاط الإرهابي

على الرغم من الدور المحدود للمجموعة في إطار مواجهة الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل، إلا أنه من المؤكد أن انسحاب مالي من المجموعة سيكون له انعكاسات داعمة لنشاط الجماعات الإرهابية في المنطقة؛ حيث تقع القيادة العسكرية للمجموعة في مالي  بالقرب من العاصمة باماكو، فيما تتفرع عنها 3 قطاعات عسكرية([15])، تتركز أولها في منطقة ليبتاكو-جورما المعروفة بمثلث الموت والواقعة على الحدود مع بوركينافاسو والنيجر، في حين تتركز ثاني القطاعات على طول الحدود بين مالي وموريتانيا، بينما تتركز ثالثها على طول الحدود بين النيجر وتشاد. ويُعدّ أهمها على الإطلاق القطاع العسكري المتمركز في منطقة ليبتاكو-جورما([16])؛ نظرًا لكونها أكثر المناطق خطورة فيما يتعلق بنشاط الجماعات الإرهابية، بالإضافة إلى أن هناك تنسيقًا قائمًا ومشتركًا بين مالي وموريتانيا في إطار ما يُعْرَف بتكتُّل "دول الميدان" الذي يضمّ كذلك النيجر والجزائر([17])، يُخَفِّف من التداعيات السَّلبية لانسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس.

3- تعزيز الانخراط الروسي في مالي

إن انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس بما في ذلك قياداتها العسكرية المتمركزة على أراضيها السالف الإشارة إليها، سيفتح الباب على مصرعيه أمام موسكو لتعزيز انخراطها في مالي وتمركُّز قواتها في مناطق تمركز القيادات العسكرية لمجموعة الساحل في مالي؛ في محاولة لشغل الفراغ الأمني الذي سيخلفه انسحاب مالي من المجموعة، وبالتالي ستكون موسكو على مقربة من تطوُّر مسرح العمليات في كلٍّ من النيجر وبوركينافاسو، وهو ما سبَق أن أثار قلق دول مجموعة الساحل عقب استعانة باماكو بمجموعة "فاغنر" الروسية، كما يُنذر باحتدام الصراع الروسي الفرنسي الأوروبي في منطقة الساحل، بل ودخول دُول مجموعة الساحل على خطّ هذا الصِّراع، مما يُساهم في تعميق الفجوة بين مالي وباقي دول المنطقة.

خلاصة القول: تمر منطقة الساحل بمرحلة شديدة الخطورة، وتُعدّ من أصعب المراحل، ليس فقط في ضوء ما تواجهه من تحديات سياسية وأمنية فقط، ولكن لكون تلك التَّحديات تُعدّ بمثابة ورقة اختبار كاشفة لحجم التماسك والترابط والتنسيق بين دول المنطقة.

وعلى الرغم من تأكيد المجلس العسكري المالي عقب انسحاب مالي من مجموعة الساحل الخمس بأن العلاقات الثنائية مع دول المجموعة لا تزال قائمة، وبالتالي إبقاء نافذة للتشاور والحوار؛ إلا أن قرار الانسحاب يُعدّ بمثابة شرخ غائر في المصفوفة الساحلية وأحد تداعيات الصراع الروسي الأوروبي القائم في منطقة الساحل، الذي لن تتحمّل تكلفته سوى دول المنطقة وحدها.


[1] - انسحاب مالي من مجموعة دول الساحل الخمس ومن قوّتها العسكرية لمكافحة الجهاديين، فرانس24، 16 مايو 2022م:

https://cutt.us/0qokY

[2] - المرجع السابق.

[3] - مالي تنسحب من «دول الساحل الخمس»، الشرق الأوسط، 17 مايو 2022م: https://cutt.us/3mfPX

[4] - المرجع السابق.

[5] - مالي: الانسحاب العسكري الفرنسي "لا يعني خروج القوات الفرنسية من منطقة الساحل"، فرانس 24، 17 فبراير 2022م:

https://cutt.us/n2JPB

[6] - صدام محتمل: إعلان مالي إلغاء اتفاقيات التعاون العسكري مع فرنسا، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 17 مايو 2022م:

https://cutt.us/c8Pxw

[7] - النيجر تعلن إحباط "محاولة انقلاب" كانت تهدف إلى "تقويض الديمقراطية ودولة القانون"، فرانس 24، 31 مارس 2021م:

https://cutt.us/SRb7E

[8] - دول غرب إفريقيا تفرض عقوبات اقتصادية على مالي، سكاي نيوز عربية، 10 يناير 2022م: https://cutt.us/XaULj

[9] - الزبير الأنصاري، انسحاب مالي من "مجموعة دول الساحل".. أسباب ودوافع وتداعيات، الشرق، 17 مايو 2022م:

https://cutt.us/JPtNI

[10] - المرجع السابق.

[11] -المرجع السابق.

[12] - المرجع السابق.

[13] - في قرار مفاجئ.. مالي تعلن الانسحاب من مجموعة دول الساحل، سكاي نيوز، 16 مايو 2022م: https://cutt.us/UlChm

[14] - مالي تنسحب من «دول الساحل الخمس»، مرجع سبق ذكره.

[15] - الزبير الأنصاري، مرجع سبق ذكره.

[16] - المرجع السابق.

[17] - المرجع السابق.

 

كتاب الموقع