أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

كيف تفكر جيبوتي؟ .. القيود والطموح

رغم أنَّ جيبوتي تُعْتَبر بمعايير الجغرافيا والسياسة "دولة صغيرة" ضعيفة وغير فعَّالة على صعيد النظامين الإقليمي والدولي، كما أنَّها تُعَدّ أصغر دولة في القرن الإفريقي، وهي تكاد تخلو من أيّ موارد طبيعية، فضلاً عن ذلك؛ فهي مُحاصَرَة بجيران كبار، وتقع بحكم الموقع الجغرافي الاستراتيجي على ممرَّات الشحن البحرية الرئيسية في العالم؛ إلَّا أنَّ جيبوتي التي تناساها العرب منذ أن دخلت جامعتهم منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكأنها هوت في ذاكرتهم الجمعية بهدوء إلى أعماق المحيط؛ استطاعت أن تُحوّل موقعها الفريد إلى مورد وعلامة تجارية مربحة.

وقد تمَّ تحقيق ذلك من خلال انتهاج أساليب الدبلوماسية الإبداعية، وتعزيز العلاقات مع مجموعة متنوعة من الدول والقوى الخارجية؛ بما يُعظّم من دورها الإقليمي والدولي. والطريف أن الدول الصغيرة منذ عهدٍ ليس ببعيد كانت تُعامَل على أنها أشياء هامشية في النظام الدولي.

 

مُحدِّدات الدور والمكانة

حصلت جيبوتي -التي كان يُطلق عليها أرض العفر والعيسى- على استقلالها عن فرنسا عام 1977م، وعلى الرغم من تقليص ‏الوجود العسكري الفرنسي في التسعينيات، إلا أنه لا تزال جيبوتي تُشكِّل أكبر قاعدة عسكرية بحرية لفرنسا في إفريقيا. ويُسند إلى ‏القوات الفرنسية (نحو 1400 فرد) مهام التدريب ومراقبة خليج عدن، كما أنها تتعاون بشكلٍ وثيق مع القوات الأمريكية.

ولكي ‏نفهم التجربة الجيبوتية في التنمية تجدر الإشارة إلى ثلاثة من المحدِّدات ترتبط ببنية نظامها السياسي:‎

أولاً: شخصنة السلطة: تشهد جيبوتي منذ الاستقلال نظامًا سياسيًّا أبويًّا شديد المركزية؛ ابتداءً من الرئيس المؤسس حسن غوليد أبتيدون، وحتى نقل السلطة إلى ابن أخيه ‏الرئيس عمر إسماعيل غيله. في عام 1999م، شهدت البلاد أول انتخابات متعددة الأحزاب، لكنها سرعان ما عادت إلى الوراء على أيدي ‏إسماعيل عمر غيله الذي تبنَّى نمط الدولة التسلطية؛ من خلال سلسلة من ‏الإجراءات التي قضت ‏أساسًا على وجود أيّ معارضة حقيقية.

وجدير بالذكر أن هذه الأبوية الجديدة هي شكل من أشكال الحُكم تتركز فيه جميع ‏السلطات بشكل مباشر في يد الزعيم الأوحد، وهو الأمر الذي يجعل التمييز بين المجالين العام والخاص أمرًا شديد الصعوبة ‏والغموض. وتعتمد سيطرة الرئيس غيلة على نظام الزبائنية السياسية أو القائد/الأتباع؛ حيث يتحكم في عملية إعادة توزيع ‏الإيرادات من القواعد العسكرية الأجنبية والموانئ للحفاظ على السيطرة والشرعية.

ثانيًا: تعد جيبوتي دولة ريعية: وهو ما يعني أنها تتلقى أموالاً من دول أخرى في مقابل‎ ‎استخدام‎ ‎ميناء جيبوتي، ‏وقيمة إيجار القواعد العسكرية، وعوائد علاقتها الاقتصادية والتجارية مع إثيوبيا. ومن المعروف أن الريعية -كما يحدّدها ‏حسين مهداوي- صفة تُطلق على الدولة التي تستمد كلّ أو جزءًا كبيرًا من إيراداتها الوطنية من إيجار الموارد المحلية إلى ‏العملاء ‏الخارجيين.

ثالثًا: هذا النظام السياسي القائم على المحسوبية والزبائنية السياسية: يفسّر ذلك -ولو جزئيًّا- مرونة جيبوتي غير العادية، ونمط ‏استجاباتها السياسية في تحركاتها الخارجية. لقد أفضت السياسة الخارجية التي يديرها الرئيس كما هو الحال في نماذج أخرى ‏مثل رواندا إلى توليد رأس مال سياسي واقتصادي، وإن كان يتَّسم في بعض الحالات بعدم اليقين وعدم القدرة على ‏الاستدامة.


أبعاد الحركة الخارجية

وعليه فإن قوة ونفوذ جيبوتي يتجاوز حقيقة كونها ظاهريًّا دولة صغيرة وتؤدي أدوارًا تابعة في النظام ‏الدولي؛ فقد استطاعت جيبوتي عبر السنين تضخيم تأثيرها ونفوذها في محيطها الخارجي؛ من خلال بعثاتها الدبلوماسية حول العالم، وحضورها ‏الدبلوماسي في المحافل الدولية، ولا سيما الاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية ومجموعة الدول الفرنكوفونية. كما حاولت جيبوتي التوسُّط في الأزمات الإقليمية، خاصة في الصومال.

ويمكن ‏النظر إلى أدوار جيبوتي الإقليمية وسياستها الخارجية من خلال أربعة منظورات متمايزة:

 أولاً: أنها تُشكّل بوابة إثيوبيا ‏للوصول إلى البحر. وتُعدّ إثيوبيا -الدولة الحبيسة التي يبلغ عدد سكانها 108 ملايين نسمة أو يزيد- المستخدم الرئيسي لميناء ‏جيبوتي؛ حيث يمر نحو 70٪ من تجارتها عبر جيبوتي.

وثانيًا: يقابل هذا الجسر الثنائي بين إثيوبيا وجيبوتي دور أوسع ‏طرحته "رؤية 2035" الرسمية لجيبوتي، بحسبانها بوابة إقليمية للمنطقة الأوسع. ويستند هذا إلى نموذج النمو الناجح لـ‏‏"مدن الموانئ" مثل دبي وسنغافورة. وعليه يتم الترويج لجيبوتي باعتبارها مركزًا إقليميًّا ولوجستيًّا لمنطقة القرن الإفريقي.

أما المنظور الثالث فهو يقوم على ‏إحياء مكانة جيبوتي كمركز لوجستي بحري لإعادة شحن الحاويات. كان هذا الأمر شديد الوضوح عندما تم افتتاح المنطقة الحرة عام 2008م‏ لميناء حاويات دوراله‏، الذي كانت تديره موانئ دبي العالمية قبل أن ينشب خلاف بينها وبين الحكومة الجيبوتية.

ويتمثّل المنظور الرابع في الدور الفريد لجيبوتي الذي تقوم به تحت شعار لافتة "قاعدة عسكرية للإيجار". كيف يمكن لدولة صغيرة مثل جيبوتي أن تنجح في استضافة ستّ قواعد أجنبية؟ لقد استفادت جيبوتي إلى أقصى حدّ من الفرص التي ‏تتيحها التغييرات في النظام الدولي: مع إطلاق "الحرب العالمية على الإرهاب"، رحبت هذه الدولة الصغيرة أولاً بقاعدة ‏أمريكية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ثم مع تصاعد عمليات مكافحة القرصنة جاءت اليابان، ثم تبعتها إيطاليا، كما تحتفظ كل من ‏ألمانيا وإسبانيا أيضًا بوجود عسكري هناك.

 سرعان ما أصبحت جيبوتي بمثابة "معمل تجارب بحري وعسكري دولي" أفرز ‏شبكات جديدة من التعاون البحري والعسكري وآليات للمراقبة والتجسس، سواء من قبل قوات الناتو (وعلى رأسها الولايات المتحدة ‏وفرنسا والاتحاد الأوروبي)، أو بينها وبين القوى ‏الآسيوية المتعددة. ويلاحظ أن هذا الاتجاه تسارع بشكل كبير ‏في السنوات الماضية مع تعزيز العلاقات مع الصين فيما يتعلق بطريق الحرير البحري‏ وإنشاء أول قاعدة بحرية ‏صينية في دوراليه عام 2017م.

 خصائص النموذج الجيبوتي في التنمية

لقد تم بناء نموذج جيبوتي التنموي على أساس دبلوماسية الاستجابات السريعة لعدد من الفرص التاريخية التي أسهمت في تطوير بنيتها الاقتصادية التي ترتكز على قطاعات النقل والخدمات اللوجستية والمناطق الحرة.

وعلى الرغم من إشكاليات عبء الديون؛ فقد قدمت جيبوتي في العقدين الماضيين نمطًا كلاسيكيًّا من "النمو المدعوم"؛ حيث دفعت عوامل عدة من الداخل والخارج جيبوتي لكي تنجو بنفسها من حلقة الفقر المميتة.

ولعل من أكثر السمات المميزة لـ"نموذج جيبوتي للتنمية ما يلي:

 - الموانئ والمناطق الحرة  التي لديها القدرة على تعزيز أو الاستفادة من الإمكانات التجارية غير المستغلة، ولا سيما على المستوى الإقليمي؛‎‎ والمساعدة في تطوير مرافق النقل البحري/ الجوي، سواء من خلال إدارة أو بناء الموانئ البحرية / الجوية. جذب استثمارات كبرى في قطاعات متعددة من الاقتصاد بالتنسيق مع شركاء دوليين، ابتداء بالموانئ والخدمات اللوجستية وانتهاء بالسياحة والتصنيع. ولعل ذلك هو ما أسهم في تطوير المنطقة الحرة الجديدة باستثمارات صينية. بالإضافة إلى الدخول في التزامات تمويل طويلة الأجل (على أساس امتيازات لمدة 25 سنة أو أكثر). مع الالتزامات بتنمية رأس المال البشري المحلي، من خلال برامج تدريبية واسعة النطاق، واستراتيجيات التوظيف التي تفترض أن تعمل المشروعات الاستثمارية بالكامل تقريبًا من قبل السكان المحليين في غضون بضع سنوات.

دفع نموذج جيبوتي الآخرين في دول الجوار إلى محاولة تبنّي نفس النهج التنموي. ولعل أبرز مثال على ذلك هو تطلعات صوماليلاند، التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عام 1991م، وتبنيها سياسة تطوير الموانئ والتنمية التي تقودها المناطق الحرة، اعتمادًا على مينائها الاستراتيجي في بربرة، والذي يستخدم بالفعل كنقطة دخول إلى إثيوبيا. كما تتبع كينيا نفس المسار من خلال تدشين "ممر لابست" التنموي الذي يُعدّ أكبر مشاريع البنية التحتية وأكثرها طموحًا في شرق إفريقيا؛ حيث يربط بين كل من كينيا وإثيوبيا وجنوب السودان. ويتكون هذا المشروع الضخم من سبعة مشاريع بنية تحتية رئيسية تبدأ ببناء مرسى جديد في لامو؛ وشبكة من الطرق السريعة الإقليمية تربط بين المدن الكينية، وكل من جوبا في جنوب السودان وأديس أبابا في إثيوبيا، وخط أنابيب النفط الخام من لامو عبر إيزولو إلى جوبا؛ وخط أنابيب نقل المنتجات النفطية من لامو عبر إيزولو إلى أديس أبابا؛ وخطوط للسكك الحديدية مستوفية للمقاييس النموذجية بين لامو وجوبا، وبين إيزولو وأديس أبابا، ومن نيروبي إلى إيزولو؛ إقامة ثلاثة مطارات دولية: واحد في كل من لامو وإيزولو وبحيرة توركانا؛ وثلاث مدن سياحية: واحدة في كل من لامو وإيزولو وبحيرة توركانا؛ وإنشاء سد متعدد الأغراض عند شلالات جراندز على طول نهر تانا.

 

التحديات وآفاق المستقبل

لا شك أنَّ التغيرات الإقليمية في منطقة القرن الإفريقي منذ صعود نجم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد باتت تُشكّل تحديًا لنموذج جيبوتي. في الواقع، يمكننا أن نرى تراجعًا في التأثير الإقليمي لجيبوتي منذ عودة الدفء للعلاقات بين إثيوبيا وإريتريا في عام 2018م. كما أدَّى الدور الذي قامت به دول الخليج العربية ولا سيما السعودية والإمارات في عملية السلام إلى تهميش دور جيبوتي.

على أية حال قد يؤدي تطوير العلاقات التعاونية بين أديس أبابا وأسمرة إلى استكشاف بدائل أخرى لوصول إثيوبيا إلى البحر مثل موانئ بربرة وعصب. من جهة أخرى فإنَّ تركز أكثر من ثلثي تجارة جيبوتي مع إثيوبيا مع تمويل معظم المشاريع الكبرى من قبل الصين قد يعني وقوف جيبوتي في وَجْه العاصفة مع وجود تحديات قد لا تقوى على تحمُّل ضغوطها.

تُعدّ العلاقة مع إثيوبيا كقوة إقليمية سلاحًا ذا حدين؛ فهي قد تكون مصدرًا لدينامية جيبوتي وفاعليتها، ولكنها في نفس الوقت قد تكون عامل خطر للمستقبل. إنَّ المعضلة التي تواجهها جيبوتي هي انعكاس لتناقض مُتأصِّل في استراتيجية حركتها الخارجية. لقد سعت بذكاء شديد إلى تنويع شركائها الخارجيين لتحفيز اقتصادها الهشّ، وهو ما جعلها أقرب إلى الصين التي حاولت بدورها ضَمّها لمبادرة طريق الحرير البحريّ.

منذ عام 2013م، استثمرت الصين بكثافة في موانئ جيبوتي والسكك الحديدية، ممَّا أدَّى إلى تحويلها بسرعة إلى مركز لوجستي رئيسي لمجموعة واسعة من الأنشطة التجارية والاستثمارية والبحرية الصينية على طول مبادرة طريق الحرير البحري.

على هذا النحو، تبدو حالة جيبوتي قابلة للمقارنة مع المحاور البحرية الأخرى على طريق الحرير الجديد في آسيا؛ والأكثر وضوحًا في هذا السياق حالة ميناء هامبانتوتا في سريلانكا؛ حيث أصبحت قضية الدَّيْن للصين قضية سياسية رئيسية. ففي عام 2017م، حصلت المجموعة التجارية الصينية وهي شركة مملوكة للدولة‏ على عقد إيجار لمدة 99 عامًا لإدارة واستغلال الميناء السريلانكي مقابل ‏جزء من ديون الدولة السريلانكية غير المسدَّدة للصين.

وليس بخَافٍ أن يَطرح هذا المثال شكوكًا واسعة حول كيفية إدارة الصين لأيّ حالات تَخَلُّف عن سداد الديون بالنسبة لمشاريع البنية التحتية في إفريقيا، ومن بينها بالقطع جيبوتي. إضافةً لما سبق فإنَّ تغيُّر طبيعة التحالفات الدولية والآثار الاقتصادية لأزمة جائحة كورونا قد تنعكس سلبًا على دور ومكانة جيبوتي الإقليمية، وهو ما يعيد مطالب الإصلاح السياسي الداخلية إلى الواجهة مرة أخرى، ولا سيما مع تراجع موارد الزبائنية السياسية.

 

كتاب الموقع