أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

كيف تتحسّن إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى في حربها على الفساد؟

لقد كان تحديد مستوى الفساد في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من المواضيع المثيرة؛ حيث دائمًا ما ينتهي الأمر إلى شيئين: التشكيك في نوايا المؤسسات التي تُصْدِر مؤشرات الفساد السنوية، أو تأييد هذه المؤشرات بناءً على تجارب وتصورات مسبقة يحملها أصحابها تجاه دول إفريقية محددة.

على أن التمسّك بموقف الذين يرون عدم وجود التحسّن في مجال مكافحة الفساد في المنطقة، أو الذين يقولون: إن جُلّ الحكومات لا تقدّم أيّ جهد؛ قد يعني أننا نتجاهل الوقائع داخل مختلف دول المنطقة، ونتغاضى عن النجاحات التي تُحرزها في السنوات الأخيرة.

وقد اختار الاتحاد الإفريقي عام 2018م كعام "كسب المعركة ضد الفساد"، وأكّد على أهمية القضاء على الفساد بالتوقيع على معاهدات تعزّز في الدول الإفريقية التنميةَ والحكمَ الرشيد وسيادة القانون([1]).

ويمكن إيجاز أهمّ التطورات الأخيرة بشأن مكافحة الفساد على مستوى بعض الحكومات بإفريقيا جنوب الصحراء فيما يلي:

سيشل، بوتسوانا، الرأس الأخضر ورواندا: قصص نجاح إفريقية:

اكتسب عدد من الدول الإفريقية ذات الاقتصادات الصغيرة ثناءَ الكثيرين في السنوات العشر الماضية؛ ليس فقط لأنها أماكن سياحية جذّابة، ولكنْ لتقدُّمها من حيث الحوكمة والتنمية.

وقد أكّدت المؤشرات الدولية هذا التصوُّر الإيجابي؛ حيث أظهر تقرير مؤشر الفساد الأخير (عام 2019م) من منظمة الشفافية الدولية([2]) أنَّ البلدان ذات الاقتصادات الصغيرة، مثل سيشيل وبوتسوانا والرأس الأخضر، تتصدر المؤشر على المستوى الإفريقي، وأن كلاً من رواندا وناميبيا وموريشيوس وساو تومي وبرينسيبي والسنغال سجَّلت أيضًا تقدمًا ملحوظًا، وهو ما يتوافق مع تقارير نجاح الإصلاحات المتعلّقة بممارسة الأعمال والتجارات بهذه الدول في السنوات الأخيرة([3]).

وفيما يتعلق برواندا، فقد ساعد في تحسّنها تلك القوانين التي سنّتها البلاد بغرض مكافحة الفساد والتي تغطي حماية المبلّغين عن المخالفات والأعمال غير القانونية، واسترداد الأصول، وغسل الأموال، وتمويل الإرهاب. وقد صنّفها مؤشر الفساد لعام 2018م في المرتبة 48؛ وهو صعود من المرتبة 83 عام 2005م، و121 في عام 2006م.

وقد وسّع جزء من قوانين رواندا أيضًا تعريف الفساد ليشمل الرشوة؛ والفساد الجنسي، والاختلاس، واتخاذ القرارات على أساس المحسوبية والصداقة أو الكراهية، واستغلال النفوذ، والإثراء غير المشروع، واستخدام الممتلكات العامة لأغراض أخرى غير الأغراض المقصودة، وإساءة استخدام السلطة، والمطالبة أو قبول الأموال بلا مبرّر أو بشكل مفرطٍ. بل وأنشأت البلاد غُرفًا خاصةً ومتخصّصة على مستوى المحاكم المتوسطة لمحاكمة الفساد([4]).

جنوب إفريقيا والتحقيق مع الرئيس السابق "جاكوب زوما":

تشهد جنوب إفريقيا في الوقت الراهن عدة قضايا فساد عالية المستوى في محاكمها؛ الأمر الذي يؤكد موقف الرئيس الحالي "سيريل رامافوسا" بعدم التدخّل في أعمال الوكالات والأقسام القضائية أو التضييق عليها في ممارسة مهامّها. وقد كانت من أكبر قضايا الفساد في البلاد فضيحة "السيطرة على الدولة" التي أدَّت إلى استقالة الرئيس "جاكوب زوما" في فبراير 2018م([5]).

وإذ أشار مؤشر الفساد الأخير إلى أنّ جنوب إفريقيا هي الاقتصاد الكبير الوحيد من بين الدول الإفريقية العشرة الأعلى ترتيبًا في المؤشر، وأنها تحتلّ المرتبة الأولى بين الاقتصادات الخمسة الأولى في إفريقيا؛ فقد رحب الكثيرون أيضًا بمساعي تنفيذ قانون تمويل الحملات السياسية في جنوب إفريقيا؛ لأنها ستقلل من الممارسات الفاسدة في وقت الانتخابات.

من الجدير بالذكر أن شرطة جنوب إفريقيا قبضتْ في 17 يونيو على المشتبه بهم في عملية احتيالٍ أدّت إلى انهيار بنك " VBS Mutual Bank" عام 2018م، وهو حتى الآن أهم الاعتقالات البارزة المتعلقة بالفساد في حكومة الرئيس "رامافوسا"([6]).

نيجيريا والجهود الراكدة منذ 2017م:

قامت التعديلات التي أجراها الرئيس النيجيري "محمد بخاري" في انتخابات 2015م على برامجه لمكافحة الفساد، وحظي لذلك بتأييد الكثيرين الذين رأوا أن سلفه "غودلاك جوناثان" غير مهتمّ بمحاربة الممارسات الفاسدة في حكومته. غير أن هناك من يرون أن الرئيس "بخاري" لم يستوفِ بشكلٍ كبيرٍ توقعات الناخبين في هذا المجال، وأنه لم يَعُدْ يهتمّ بمحاربة الفساد، وخاصة منذ فوزه بفترة ولايته الثانية والأخيرة عام 2019م، حيث لم تسجّل البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية سوى زيادة هامشية في درجات مؤشر الفساد.

وفي حين يصف معارضو "بخاري" معركتَه لمكافحة الفساد بأنها تستهدف فقط شخصيات المعارضة، وأنه يتجاهل حوادث الفساد الكبيرة داخل حكومته؛ فقد انتقدت الحكومة النيجيرية تقرير مؤشر الفساد الأخير (2019م) من منظمة الشفافية الدولية؛ حيث احتلت فيه نيجيريا مرتبة 146 من بين 180 دولة، ووصفتْ التقرير بأنه "لا أساس له"، ولا دليل على صحته([7]).

أنغولا والتحقيق مع عائلة "دوس سانتوس":

أثبت الرئيس الأنغولي "جواو لورينسو" أنه يستحقّ الشعور الإيجابي الذي رافق مجيئه إلى السلطة عام 2017م عندما أعلن حملة شرسة ضد الفساد في البلاد بعد 38 عامًا من المحسوبية تحت قيادة الرئيس السابق "خوسيه إدواردو دوس سانتوس"([8]).

وقد أكّد تقرير مؤشر الفساد الأخير أن أنغولا تتحسن في مجال مكافحة الفساد؛ حيث قفزت البلاد فيه بنحو 50 في المئة مقارنة بمؤشر 2018م؛ وقد عزّز ذلك التحسُّن مختلف التحقيقات التي أطلقتها إدارة الرئيس "لورينسو"، والدعم الشعبي الذي يحظى به منذ ظهور "تسريبات لواندا" في يناير 2020م.

يُضاف إلى ما سبق أن التحقيقات المكثفة لا تزال جارية مع أفراد من عائلة "دوس سانتوس" وخاصة مع "إيزابيل" التي اتُّهِمَتْ في بلادها وعدة دول أخرى بالاختلاس وغسيل الأموال والاستيلاء على ممتلكات الدولة([9]).

زيمبابوي واعتقال نائب الرئيس السابق ووزيرين:

يرى العديد من المسؤولين في المملكة المتحدة وأوروبا الذين أيّدوا الرئيس الزيمبابوي "إمرسون منانغاغوا" إبَّان الانقلاب الأخير الذي أطاح بـ "روبرت موغابي" عام 2018م، أن زيمبابوي بحاجة إلى شخصية "قويّة" لإنقاذ اقتصاد البلاد. غير أن هناك من الزيمبابويين من أظهروا استياءهم من حكومة "منانغاغوا"، وأبدوا شكوكهم في التغيير والإصلاح اللذين تعهّد بهما([10]).

وقد حظي الرئيس "منانغاغوا" مؤخرًا بإشاداتٍ حول خطواته في مقاضاة المسؤولين المتهمين بالفساد سواء في حكومة سلفه أو داخل إدارته؛ حيث عيّن في يوليو 2019م فريقًا جديدًا لقيادة لجنة مكافحة الفساد في زيمبابوي؛ وتم اعتقال "بريسكا موبفوميرا" (وزيرة السياحة السابقة تحت إدارة منانغاغوا) بسبب سبع تُهمٍ تتعلق بدورها في اختفاء 94 مليون دولار من صندوق معاشات تقاعدية أشرفتْ الوزيرة عليها إبَّان شغلها منصب وزيرة العمل في عهد "موغابي"([11]).

وفي أوغسطس 2019م قُبض على "فيليكيزيلا مفوكو"، النائب الثاني للرئيس "موغابي" من 2014-2017م، لتُهَم الفساد. كما أن التحقيقات جارية أيضًا مع "أوبادييا مويو" وزير الصحة الذي اعتُقل في 19 من يونيو الجاري (2020) بسبب التهمة الموجهة إليه حول صفقة بقيمة 60 مليون دولار لشراء أطقم فحوصات فيروس كورونا والمعدات الطبية.

السجن 20 عامًا لرئيس الديوان الرئاسي في الكونغو الديمقراطية:

في حكم تاريخي بجمهورية الكونغو الديمقراطية، حكمت المحكمة العليا على فيتال كامرهي "رئيس الديوان الرئاسي في البلاد" بالسجن 20 عامًا مع الأشغال الشاقة؛ وذلك لتهمة اختلاس ما لا يقل عن 48 مليون دولار من أموال المشاريع المخطَّط لها في أول 100 يوم لرئاسة الرئيس "فيليكس تشيسكيدي"([12]).

وإذ أسعد الحُكْم جميع سكان الدولة الواقعة في وسط إفريقيا، حيث تابعوا الجلسة على شاشة التلفزيون الوطني يوم السبت (20 يونيو 2020م) بشكل مباشر، خاصة وأن "كامرهي" كان رئيس الجمعية الوطنية للبلاد (من 006م إلى 2009م) ومن أكبر داعمي الرئيس الحالي "تشيسكيدي" في انتخابات 2018م الأخيرة؛ فإن القضية سترسل للمسؤولين الكونغوليين إشارة واضحة بنهاية أيام نهب أصول الدولة دون محاكمة ولا عقاب، وستساعد الرئيس "تشيسكيدي" أيضًا على كسب الدعم المحلي والدولي؛ لوعده بقمع الكسب غير المشروع وممارسات الفساد التي طالما عرقلت التنمية في البلاد.

وعلى ما سبق، يمكن القول بأن العديد من الدول الإفريقية تبذل جهودها ولو نسبيًّا لمكافحة الفساد؛ حيث بدأت الحكومات الإفريقية تُولِي اختلاسَ أموال العامة ونهبَ أصول الدولة اهتمامًا خاصًّا كي تتمكن من تنفيذ برامجها ومساعي تحويل اقتصاداتها والوفاء بوعودها للمواطنين.

ومع ذلك، فقد حدّدت منظمة الشفافية الدولية في رسالتها إلى الاتحاد الإفريقي عام 2018م سبعة مجالات رئيسية يجب تركيز الجهود فيها عندما يتعلق الأمر بمحاربة الفساد في الدول الإفريقية([13])، وهي: ضرورة تمويل الجهود لتعزيز أنظمة مكافحة الفساد والمجتمع المدني القائمة؛ تصديق جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي على معاهدة مكافحة الفساد؛ تحقيق داخلي في مزاعم الفساد داخل المجلس الاستشاري للاتحاد الإفريقي ومعاقبة المخالفين؛ وضع معايير أخلاقية ومبادئ توجيهية للمشتريات؛ التعاقد المفتوح؛ وضع قوانين بشأن الأصول المسروقة، ومعالجة عائدات الفساد والجريمة وغسل الأموال، ومحاربة الشركات الوهمية بإنشاء سجلات عامة تضمّ أسماء مالكي الشركات الخاصة والعروض المتعلقة بالعقود العامة.


[1] - AU. (January 2018). African Union to Launch 2018 as the African Anti-Corruption Year. https://bit.ly/2YnYU6A

[2] - Corruption Perceptions Index 2019 (PDF file). Transparency International, https://bit.ly/2YYfbOT

[3] - Yomi Kazeem. (January 2020). Africa’s largest economies are still struggling to kick out corruption. Quartz Africa, https://bit.ly/3esoyfZ

[4] - Patrick Bizimana. (2019). An Africa success story: Anti-corruption efforts in Rwanda produce results. FCPA Blog, https://bit.ly/37V8aCc

[5] - حكيم نجم الدين. (2019). السيطرة على الدولة: "جاكوب زوما" وشبكة فساد عائلة "غوبتا". قراءات إفريقية, https://bit.ly/2Nj8KjZ

[6] - VBS fraud case: Eight suspects arrested in S.Africa's "biggest bank robbery". Qiraat African, https://www.qiraatafrican.com/en/new/vbs-fraud-case-eight-suspects-arrested-in-s-africa-s-biggest-bank-robbery

[7] - Dennis Erezi. (January 2020).  FG reacts to Nigeria’s position on global corruption index. TheGuardian Nigeria, https://guardian.ng/news/fg-reacts-to-nigerias-position-on-global-corruption-index/

[8] - حكيم نجم الدين. (2018). بعد عام في رئاسة أنغولا.. ما مدى نجاح الرئيس "جواو لورنسو" في حربه على الفساد؟. قراءات إفريقية, https://bit.ly/2Nnkhik

[9] - حكيم نجم الدين. (2020). تسريبات لواندا: كيف نهبت ابنة الرئيس الأنغولي السابق ثروة بلادها بمساعدة الشركات الغربية؟. قراءات إفريقية, https://bit.ly/2Z5SgRQ

[10] - Fadzayi Mahere. (August 2019). We were promised change – but corruption and brutality still rule in Zimbabwe. The Guardian UK, https://www.theguardian.com/commentisfree/2019/aug/19/corruption-brutality-zimbabwe-emmerson-mnangagwa-protesters

[11] - News24. (Sep 2019).  Zimbabwe ex-tourism minister facing graft charges freed on bail.

[12] -

Tom Wilson. (June 2020).  Congo president’s chief of staff sentenced to 20 years for corruption. Financial Times, https://www.ft.com/content/9f671621-0ce6-4bf6-a16e-2423753cd5a5

[13] - Transparency International. (July 2018). Letter to the African Union on African Anti-Corruption Day (PDF file): https://www.transparency.org/files/content/feature/Letter_to_the_African_Union_EN.pdf

 

كتاب الموقع