أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

الصراع الكيني - الجيبوتي على المقعد الإفريقي غير دائم بمجلس الأمن

ظهر خلال الشهر الماضي نموذج حيٌّ للمنافسات والتوازنات بين دول منطقة القرن الإفريقي، وذلك عقب اجتماع الدول الإفريقية في أديس أبابا لاختيار دولة إفريقية يُتَّفق عليها لتمثيل القارة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تصويت يونيو القادم.

وقد خُصِّص هذا المقعد غير الدائم بمجلس الأمن (للفترة من 2021-2022) لمنطقة شرق إفريقيا. ولم تُبْدِ أيّ دولة اهتمامها للمنصب في المنطقة سوى كينيا التي أعلنتْ ترشّحها عام 2018م، وجيبوتي التي أبدت نيَّتها للترشح بعد عدة أشهر من إعلان كينيا.

وكعادة الدول الإفريقية واستراتيجياتها في مجلس الأمن؛ يتم توحيد الصفوف داخل الاتحاد الإفريقي لاختيار دولة إفريقية واحدة يتم الاصطفاف خلفها ودعمها أثناء التصويت في مجلس الأمن. وفي المقابل تعمل الدولة المختارة نيابة عن الاتحاد الإفريقي وممثّلاً له لتحقيق المطالب الإفريقية المشتركة والدفاع عن جدول أعمال الاتحاد الإفريقي في مجلس الأمن.

وإذ صوتت المجموعة الإفريقية في اقتراع سري في أغسطس الماضي، وحصلت كينيا على 37 صوتًا مقابل 13 صوتًا لجيبوتي في التصويت الذي شارك فيها 51 من عدد 55 دولة عضوًا في المنظمة القارية؛ ما يعني تلقائيًّا اخيار كينيا وحصولها على التأييد القاري الإفريقي للسباق.

غير أن جيبوتي -التي خسرت ثلاث مرات في هذا التصويت الذي أجراه الاتحاد الإفريقي- تراجعتْ عن قبولها للنتيجة التي سبق أن اعترفت بها وأيَّدتْها، لتعلن فيما بعدُ عن أنها ستنقل حملتها إلى مجلس الأمن مباشرة للحصول على المقعد من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.

جيبوتي.. في طريقها لتجربة سلاحها الاستراتيجي

 لقد كتب محللون وخبراء الدبلوماسية عن الدور الذي تلعبه دولٌ بإفريقيا الشرقية في تقسيم الأصوات والمواقف داخل الاتحاد الإفريقي، بل وشكَّك آخرون في طبيعة "ولاء" دولٍ بالقرن الإفريقي تجاه الاتحاد الإفريقي وحقيقة اعترافها بمجهودات الكتلة القارية؛ لأن تجاهل جيبوتي للعُرف المتعارف عليه داخل الاتحاد الإفريقي (بالاتفاق على مرشح واحد)، وتشكيك البلاد في عملية اقتراع شارك فيها ثلاث مرات قد يهدِّدان وحدة الدول الإفريقية وتعاونها فيما بينها.

وقد فشلتْ الدولتان -جيبوتي وكينيا- خلال حملاتهما للمقعد في الاتفاق فيما بينهما، والإجماع على دولة واحدة يمكنها الترشح للسباق. وأيَّدت جيبوتي قرار مجلس وزراء الاتحاد الإفريقي في يناير الماضي (2019م) بالبتّ في الأمر من خلال اقتراع قبل نوفمبر 2019م، وهو ما تمّ فعله (في أغسطس 2019م) لحزم القرار.

ولأنّ الاتحاد الإفريقي الذي غالبًا ما يضمن تأييده النجاح للدولة المرشحة –نظرًا لعدد أعضائه المكوّن من 55 دولة، إلا أنه ليس للاتحاد الإفريقي حق التصويت -ككتلة- في الأمم المتحدة، حيث قواعد التصويت في الأمم المتحدة تنص على أن الدول الأعضاء فقط هي التي تتمتع بحق التصويت.

وبالتالي، فإن لـجيبوتي -رغم انتقادات الكثيرين من الأفارقة لها– تملك حق اللجوء إلى طرق أخرى لنيل هدفها في هذا السباق، خصوصًا وأنها رغم صغر حجمها تتمتع بسلاح قويّ جلب لها أصدقاء أقوياء؛ فهي تستضيف القواعد العسكرية للقوى العالمية؛ كالصين، والولايات المتحدة، وفرنسا، واليابان، بينما تطلب دول أخرى في الشرق الأوسط رضاها بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي على البحر الأحمر.

”تؤكد جيبوتي من جديد قرارها بمواصلة محاولتها لتأمين مقعد في مجلس الأمن للفترة 2021-2022م. نشكر جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي أعربت رسميًّا عن دعمها لجيبوتي"؛ هكذا قال "محمد سياد دوالي" المندوب الدائم لجيبوتي لدى الأمم المتحدة في تغريدة عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر".

كينيا ونجاح محاولات كسب التأييد الإفريقي

إنّ فوز كينيا بدعم الدول الإفريقية يعني نجاح مساعيها الدبلوماسية وتحركاتها في مختلف الدول الإفريقية لكسب تأييدها. كما يعني هذا التأييد من غالبية الدول الأعضاء في الاتحاد الإفريقي ضمان الحصول على ما يقرب من 28 في المائة من أصوات عضوية الأمم المتحدة.

فقد أعلنت العديد من الدول الإفريقية قبل إجراء الاقتراع داخل الاتحاد الإفريقي بشكل علني دعمها لكينيا، بما فيها الدول الأعضاء في مجوعة شرق إفريقيا -أوغندا وبوروندي وجنوب السودان وتنزانيا ورواندا-، والتي أعلن وزراء خارجيتها دعم بلدانهم لها في نوفمبر الماضي.

وفي أكتوبر من العام الماضي تعهَّد رئيس ناميبيا بتأييد بلاده لطلب كينيا، بالإضافة إلى تحركات "مونيكا جمعة" -سكرتيرة مجلس الوزراء للشؤون الخارجية الكينية- للحصول على الدعم من دول مثل السويد ومصر وجنوب إفريقيا، بينما اتصل الرئيس الكيني "أوهورو كينياتا" ببلدان الكاريبي في محاولة لحشد الدعم لبلاده.

ومع ذلك، لا تزال الطريق طويلاً أمام كينيا؛ لأنها بحاجة إلى دعم ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (أي 129 صوتًا) للفوز بالمقعد في مجلس الأمن الدولي الذي يضم الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية كأعضاء دائمين، بينما تتقاسم البلدان الإفريقية والآسيوية عشرة مقاعد عضوية محددة المدة.

جدير بالذكر أنه بعد لحظات من إعلان فوز كينيا بترشيح الاتحاد الإفريقي، كتب الدبلوماسي المصري "أسامة عبد الخالق" -الذي يرأس مجموعة السفراء الأفارقة في أديس أبابا- إلى نظيره السوداني في نيويورك "عمر محمد أحمد صديق" -رئيس مجموعة السفراء الأفارقة في الأمم المتحدة- عن القرار

الصراع الإقليمي والتأثير الدولي

إن بقاء جيبوتي في السباق قد يصِّعب على كينيا عملية الحصول على ما لا يقل عن 129 صوتًا التي كانت بحاجة إليها، ولا توجد إشارة بأن الدولتين قد تتفقان قريبًا على تقاسم مدة المقعد فيما بينهما؛ كما فعلت بلدان مثل هولندا وإيطاليا في الماضي.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن مقعدًا غير دائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لمدة عام فقط ليس ذا شأنٍ كبير. ومع ذلك، تستهدف كل من الدولتين الإفريقيتين بكل طاقاتهما هذا المقعد لرفع سياستها الدولية وتعزيز نفوذها الإقليمي، وللتواجد في الطاولة التي تُتَّخَذ فيها القرارات المؤثرة في مختلف المناطق ذات النفوذ والاستراتيجية؛ بما فيها القرن الإفريقي.

وسبق لكينيا أن خدمت فترتين كعضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي في عامي 1973/1974م و1997/1998م، وفازت أيضًا في فبراير الماضي بفترة ولاية أخرى مدتها ثلاث سنوات في مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الإفريقي؛ بعد حصولها على 37 صوتًا. ولا تزال "جمعة" واثقة في أن بلادها ستفوز بفترة ثالثة للمقعد غير الدائم بمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

"تلتزم كينيا بالإخوة والأخوات الأفارقة، بأن نكون صوتًا جريئًا لإفريقيا، وأن نعزز الموقف الإفريقي وندافع عنه بثبات"؛ هكذا قالت السكرتيرة "جمعة" بعد أن فازت كينيا بترشيح المجموعة الإفريقية، مشيرة إلى أن ترشيح كينيا للمقعد يرتكز على "الدور الحيوي" الذي تلعبه البلاد في جهود السلام الدولية والاستقرار الإقليمي، وخاصة الجهود المبذولة لـ"استعادة النظام" في الصومال.

ويرى الكاتب الصحفي الكيني "أغري موتمبو" أن قرار جيبوتي بالتراجع عن قبول النتيجة الإفريقية، ومواصلة خوض السباق لم يَخْلُ من الدعم الصومالي، وتحركات دبلوماسية أخرى من دائرة أصدقاء جيبوتي ذوي المصالح الخاصة في البلاد. فقد رفعت الصومال دعوى على كينيا في "محكمة العدل الدولية" بسبب نزاع على الحدود البحرية، ويجادل الدبلوماسيون الكينيون بأن وجود اتصالات "مناسبة" في مجلس الأمن سيؤثر على موقف كينيا التي تدعو إلى حلّ سياسي للقضية البحرية؛ بدلاً من حلٍّ قانوني تصرّ عليه الصومال؛ لأنه مناسب لموقفها وأكثر عدالةً.

كما أن "محكمة العدل الدولية" (ICJ) تتأثر بتوازن القوى بين الأعضاء الدائمين بمجلس الأمن، وغالبًا ما يُنتخب قضاتها مِن قِبَل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة لمدة تسع سنوات. وقد انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من السلطة القضائية الإلزامية للمحكمة في عام 1986م، بينما رفضت الصين مرارًا قرارات محاكم الأمم المتحدة الأخرى التي أُسِّسَتْ لحلِّ النزاعات الحدودية البحرية مع جيرانها، ما يعني أن ما يتحكَّم في مجلس الأمن هو السياسة، وليس القانون.

بل إن القوى العالمية التي تتحكم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي نفسها التي تنشط في القرن الإفريقي. ففي جيبوتي؛ تدير فرنسا والصين والولايات المتحدة واليابان قواعد جوية عسكرية، وبالتالي تتأثر منطقة القرن الإفريقي بقرارات هذه القوى العالمية، واستراتيجيات الأطراف المتنافسة من الشرق الأوسط، بما فيها الإمارات وقطر وتركيا والسعودية.

كتاب الموقع