أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

قراءة لأسباب تفتُّت الصوت الإسلامي في الانتخابات الرئاسية بمالي

 

       حمدي جوارا (*)

تشهد مالي انتخابات رئاسية يتنافس فيها 24 مرشحًا، وهذه الانتخابات تُشَكِّل مرحلةً مفصليةً في تاريخ البلاد، وذلك بعد الخروج من فترة انتقالية كانت وَحْدَة البلد فيها على وَشك الضياع والاندثار -فيما عُرِفَ بأزمة شمال مالي-، وكان الرئيس المنتهية ولايته "إبراهيم بوبكر كيتا" قد وَصَلَ إلى الحكم بعد انتخابات شارك فيها المسلمون بقوة شديدة -في بلدٍ يُشَكِّلون فيها ما يقرب من 93% تقريبًا– حيث كان للقيادات الدينية الإسلامية دور رئيس في فوز كيتا وذلك بعد تأييدهم له، بالإضافة إلى العديد من قيادات المجتمع المدني.

لكن لم تَجْرِ الرياح بما كان يشتهيه كثيرون من أبناء الوطن؛ فالرئيس الذي اختير بسبب مواقفه القوية المعروفة في فترات سابقة؛ مثل موقفه من رفض تمرير قانون الأسرة والأحوال، والذي كان يحتوي على كثير من المخالفات الإسلامية كمنع التعدد والختان والمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وكان وقتها رئيس البرلمان حيث صرح قائلاً: "ما دام هذا القانون يخالف الشريعة الإسلامية فنحن لن نقبله أو نمرِّره"؛ الأمر الذي دفَع القيادات الدينية الإسلامية لدعمه والوقوف إلى جانبه في الانتخابات الماضية، حتى فاز بالحكم بنسبة تتجاوز الـ70%، وهي نسبة قياسية في تاريخ الانتخابات الرئاسية في مالي منذ بداية التحول الديمقراطي في البلاد في بداية التسعينيات.

في عام 2013م كانت الرغبة جامحة لدى الماليين في أن يخرج بلدهم من النفق المظلم الذي وقع فيه، وكان أملهم كبيرًا بإمكانية تحقُّق هذه الرغبة حال فوز الرئيس كيتا؛ ولكن خابت آمالهم منذ بداية تولّيه السلطة عندما قام بشراء طائرة رئاسية مع وجود طائرة أخرى للرئيس السابق بملايين الدولارات، وكان الجميع يريد أن يستخدم القديمة، ولكنه رفض رفضًا باتًّا في بلدٍ يمر بأزمة خانقة.

 

بداية القطيعة بين الرئيس والشيخ محمود ديكو

نتيجةً لذلك بدأت الفجوة تبرز بين الرئيس المنتهية ولايته وبين رئيس المجلس الأعلى الإسلامي وهو الجهة المسؤولة عن المسلمين جميعًا بزعامة الشيخ محمود ديكو وزعيم الطريقة الحموية الشيخ محمد ولد بوويي حيدرا، وهو صاحب تأثير كبير لدى طائفة كبيرة من المسلمين، وبدأ الرئيس يتوجَّس منهما ويبتعد بعض الشيء عنهما، وتتغير مواقفه، وقد صرح زعيم الطريقة الحموية منذ شهرين أن الرئيس لم يوفِّ بأيٍّ من وعوده التي أخذها على نفسه، ولم يُخْرِج البلد من الأزمة؛ فقد فشل في مهمته.. فالأوضاع أصبحت أكثر صعوبة؛ إذ لم تتم استعادة كامل التراب الوطني، وتأزم الوضع حتى وصل إلى الصراع إلى وسط البلاد. في إشارة إلى أزمة الإثنيات الموجودة بين قبيلة الفلان المزارعين وبين القبائل الأخرى.

أصبح الوضع أكثر دراماتيكية، خاصةً بعد استبعاد رئيس المجلس الأعلى الإسلامي من المفاوضات التي كان يقودها في شمال البلاد مع الجماعات المسلحة من أنصار الدين، وكتيبة ماسينا الجهادية وسط البلاد؛ حيث كان رئيس المجلس الإسلامي الأعلى يرى أن الحوار مع هذه الجماعات قد يؤدِّي بهم إلى ترك السلاح، وإعادتهم إلى حضن الوطن، وكان هناك تقدُّم ملحوظ في هذا الحوار، إلا أن فرنسا انزعجت من مشاركة القادة المسلمين في حلِّ هذه الأزمة، فتم توقيف الحوار باعتبار أن لا حوار مع المسلحين، وهذه كانت القشة التي قصمت ظهر العلاقة بين الرئيس والقيادة الإسلامية.

 

تقرير أُمَمي يُعَقِّد الموقف

زاد من تعقيد الأمور صدور تقرير في عام 2016م من جهة أُمَمِيَّة يدَّعِي وجود توغُّل كبير للقادة الدينيين وانتشار تأثيرهم في الشأن السياسي بالدولة؛ حيث ذكَر التقرير أن أكثر السياسيين يستمعون للقادة الدنيين، ومِن ثَمَّ وضعت خطة من أجل كَسْر الصورة النمطية للقيادات الإسلامية عبر وسائل الإعلام المختلفة، وتم ربط فشل الرئيس بهؤلاء القادة الذين اختاروه ودَأَبَ عددٌ من النشطاء على تشويه صورة القيادات الدينية؛ بزعم أنه لم يكن مُوَفَّقًا في إخراج البلد من الأزمة.

 

موقف القادة الدينيين في هذه الانتخابات

تمكَّن النظام من تفتيت الوحدة التي كانت تبدو أنها تجمع القادة الإسلاميين، فبعضهم اقتربوا من النظام؛ كزعيم حركة أنصار الدين الدولية الداعية المشهور عثمان مدان حيدرا، وإن كان ينفي ذلك، كما وقعت فجوة بين رئيس المجلس الأعلى الإسلامي والنظام حتى تم استبعاد رئيسه من الاجتماع السنوي الأخير، والذي يتزامن مع نهاية السنة الميلادية هو وزعيم الطريقة الحموية، وكان الشيخ محمود ديكو قبلها قد وجَّه انتقادات لاذعة حول طريقة إدارة الملفات وتدهور الأحوال في البلاد.

 

المسلمون بلا مرشح يجمعهم

في بدء الحملة الانتخابية الحالية أعلن زعيم الطريقة الحموية الشيخ محمد ولد بوويي حيدرا أن مرشحه هو المرشح علي أبو بكر جلو، أحد رجال الأعمال المعروفين بالتزامه الديني وأعماله الخيرية الكبرى، وحين سُئِلَ المتحدث الرسمي باسم المجلس الأعلى الإسلامي قال: بأن مرشح زعيم الطريقة الحموية هو أيضًا مرشحهم، وبرَّر ذلك أنه ومنذ التحالف الذي قاد الزعيمين إلى التعاون والتضامن في مواجهة قرارات الحكومات السابقة المضادة لتعاليم الإسلام؛ فإن ديكو قد وعَد زعيم الطريقة الحموية أنه سيحترم كل خياراته، وسيكون وراءه فيها، وإذا كان ذلك اختياره فهو اختيارنا جميعًا.

 

كثرة اللغط بعد هذا التصريح

بعد هذا التصريح كثر اللغط في الصف المسلم بين قبول ورفض، وكان هذا متوقعًا أصلاً؛ حيث رأى البعض أن ذلك رضوخ من الشيخ ديكو لقائد روحي صوفي، بينما يرى البعض أن الشيخ محمود حافَظ على الوحدة القليلة المتبقية بعد أن ساهم النظام والمعارضة معًا في تشويه صورة القادة المسلمين، بينما اكتفى ثالثهما وهو الشيخ عثمان مدان حيدرا بالدعوة إلى ألا يتبنى القادة الدينيون مرشحًا؛ حتى لا يقعوا في أخطاء سابقة، وأن الوطن يشمل الجميع، وأن عليهم أن يستفيدوا من الأخطاء السابقة.

 

لماذا ستتفرق الأصوات المسلمة في هذه الانتخابات؟

غالبية الشعب في مالي من المسلمين، ولا يمكن إنكار ذلك، بَيْدَ أنَّ تناولنا لمسألة تفرق الصوت الإسلامي يرجع إلى أن الشعب المالي المسلم ملتزم جدًّا باحترام المشايخ والقادة الدينيين، ودورهم المجتمعي يخوِّل لهم أن يكونوا في موازاة مع أيِّ نظام، ولذا يستميت القادة السياسيون لاسترضائهم، وخَطْب وُدّهم، والخروج معهم في صور أو مقاطع فيديو لكسب أصوات الأتباع.

أما عن أسباب عدم التوافق على مرشح واحد بين القادة الدينيين فيرجع لعدد من الأسباب:

أولاً: فشل الرئيس في إدارة البلد والحكومات الخمس التي تولت الحكم خلال الخمس سنوات الماضية ،  بمعدل حكومة كل عام ، وهو رقم قياسي، ولا يمكن الإدارة بهذا المنطق.

ثانيًا: أن المصالح الشخصية ومحاولة البعض تقديم نفسه وكأنه هو المسؤول عن المسلمين في مالي، وهذا معروف لكل مَن يراقب الساحة الإسلامية؛ فالبعض ممن لهم مصالح شخصية لا يرضون بالشيخ محمود ديكو أن يكون زعيمًا للمسلمين رغم وصوله عن طريق انتخابات في رئاسة المجلس الأعلى الإسلامي، فالمعركة شَرِسَة بينه وبين زعيم أنصار الدين الدولية الشيخ عثمان مدان حيدرا، وهذا أثَّر على وحدة المسلمين وعدم تناغم المواقف.

ثالثًا: عدم وجود توافق بين الشباب المسلم فحركة (سيأتي 2012) الذي كانت تمثل منصة للشباب تم تحجيم موقفها منذ بداية فترة الرئيس كيتا، ومع مرور الوقت لُوحِظَ أن قادتها بدأوا يقتربون من النظام رغم ابتعاد الكثير عنه إلى أن أعلنوا ترشيحهم للرئيس الحالي.

رابعًا: ظهور حركات سياسية أخرى استقطبت العقل السياسي للشباب الماليين كحركة (الدفاع عن الجمهور) التي يقودها الناشط السياسي المشهور محمد علي باتيلي المعروف بـ"راس باتش".

خامسًا: تمكن النظام من احتواء الاحتقان السياسي ضده مِن قِبَل الشباب؛ حيث سعى للتأثير عليهم من خلال بعض الوجوه الشباب من المعروفين في عالم الفن والغناء وبعض الشباب المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي.

سادسًا: رغبة القادة المسلمين في عدم تكرار أخطاء 2013م ترك الجميع يرشّح مَن يريده؛ فالجميع ماليون، والجميع مسلمون، وأنهم يسعون جميعًا لمصلحة البلد.

أعتقد أن هذه الأسباب وغيرها هي التي أدَّت إلى فشل اجتماع القادة المسلمين على مرشَّح واحد، بالإضافة لعدم وجود رؤية سياسية واضحة تجاه كل ما يحدث، والتزام الصمت في مواقف كان ينبغي أن تكون كلمتهم فيها مسموعة وواضحة، ولذا ستتفرق هذه الأصوات في هذه الانتخابات بين كافة المرشحين، ولذا تعتبر هذه هي أخطر انتخابات تَمُرُّ بها البلاد منذ تسعينيات القرن الماضي.

 

(*) باحث من مالي– مقيم في فرنسا

 

كتاب الموقع