أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

قراءة في ظاهرة اليُتم في إفريقيا

 

 

د. فاطمة عمر العاقب (*)

شهدت القارة الإفريقية منذ تكوين الدولة الحديثة حالةً من عدم الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي، قادَ ذلك، مع مجموعة عوامل أخرى، إلى بروز «ظاهرة اليُتم» بشكلٍ مضطّرد، خاصّة خلال الألفية الجديدة، حيث تحتضن القارة الإفريقية نسبةً كبيرةً من الأيتام في العالم.

في هذا الصدد؛ تحاول هذه الورقة تناول ظاهرة الأيتام في إفريقيا، بدراسةٍ تحليليةٍ للأسباب والعوامل التي قادت إلى تفاقم هذه الظاهرة، ويجب التنويه إلى أنّ الورقة تستخدم الإحصائيات المتاحة للأيتام في القارة في العقد الحالي دون إصدارها، مع تبيان طبيعة عمل بعض المنظمات الأكثر فاعلية في كفالة الأيتام في إفريقيا.

 

تعريف اليتيم:

ورد في لسان العرب: «اليُتم فقدان الأب. وقال ابن السكيت اليُتم في الناس: من قِبل الأب... ومَن فقَدَ الأمّ: منقطع. وقال أبو عمرو: اليُتم: الإبطاء، ومنه أُخذ اليتيم؛ لأنّ البرّ يبطئ عنه»(1)، وعليه يُطلق لفظ اليتيم كصفةٍ على كلّ مَن فقَدَ والده وهو ما زال جنيناً في بطن أمه، أو ما زال صغيراً ولم يصل لسنّ البلوغ، وقد جاء في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يُتم بعد الاحتلام)(2).

وبالنظر لتعريف اليتيم في المنظومة العالمية؛ تعرّف اليونسيف وشركاؤها اليتيم بأنه: «الطفل الذي فقَدَ أحد والديه أو كليهما»(3).

بيد أنّ الشائع حاليّاً في الأدبيات هو تعريف اليتيم بأنه: مَن فقَدَ أحد والديه أو كليهما، ولا يقتصر اليتم عالميّاً على فَقْد الأب كما هو سائد في الإسلام، ونجد أنّ الكثير من المنظمات الإسلامية الفاعلة في برنامج رعاية الأيتام في العالم تؤكّد المنظور العالميّ من خلال رعايتها للأيتام فاقدي الأم، أو الأيتام في دول غير مسلمة.

وسوف تركز الورقة على الجانبَيْن الإسلامي والعالمي في تعريف اليتيم، حيث أنها تتناول ظاهرة اليُتم في إفريقيا بشكلٍ عام، سواء كانت الدول يشملها التعريف الإسلامي أو العالمي، وفي أحيانٍ قد يتطابق تعريف اليتيم من منظورٍ إسلاميٍّ مع التعريف العالميّ في الدول التي ترتفع فيها نسب وفيات الآباء.

 

عوامل اضطراد ظاهرة اليُتم:

هناك مجموعةٌ من العوامل التي تؤدي إلى اضطراد ظاهرة اليتم في العالم، منها العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والعسكرية والطبيعية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، ودوماً هناك عاملٌ يكون أكثر تأثيراً من بقية العوامل الأخرى في زيادة الظاهرة وتطوّرها، فمثلاً في القارة الآسيوية تلعب العوامل الطبيعية دَوْراً كبيراُ في تفاقم ظاهرة اليتم، بيد أنّ الأمر يختلف عند دارسة الظاهرة في إفريقيا، لذلك تمّ اختيار: (العامل السياسي، والعامل الصحّي)، وذلك لوضوح أثرهما، حيث تحاول الورقة التأكد من تأثير العاملَيْن السياسي والصحّي على أساس أنهما الأكثر تأثيراً من جهة، ومن جهةٍ أخرى يدخل العامل السياسي كعامل مستقل يؤثّر في العوامل الأخرى التي تدخل كعوامل تابعة، بيد أنّ التركيز سيقتصر على الجانبَيْن السياسي والصحّي فقط، وذلك بحسبان أنهما الأكثر تأثيراً على هذه الظاهرة في القارة الإفريقية.

 

المحور الأول: دَوْر العامل السياسي في تفاقم ظاهرة اليتم في إفريقيا:

الأنظمة السياسية الإفريقية:

تعدّ الأنظمة السياسية في القارة الإفريقية من أهمّ الفواعل التي قادت إلى تزايد ظاهرة اليتم في مجتمعات القارة الإفريقية، حيث إنّ حالة عدم الاستقرار السياسي تسود داخل النظام السياسي القومي، إضافةً لحالة عدم الاستقرار الإقليمي، والتي تتضح في شكل الحروب الأهلية والإقليمية، والتي قُدّر نصيب إفريقيا منها في الفترة (1945م-1999م) بحوالي 31.5%، وفي العام 2002م قُدّرت الحروب الأهلية بحوالي ثلاثين حرباً أهلية، وزاد العدد عن خمسين حرباً مع نهاية عام 2016م، وتؤثّر بشكلٍ مباشر على شريحة الأطفال باليُتم والتشرّد، وعلى سبيل المثال لا الحصر نورد الآتي:

أولاً: الحروب الأهلية في الفترة (1987م–2017م):

شهدت القارة عدة حروب أهلية، في عددٍ من الدول الإفريقية، منها على سبيل المثال:

 

م

الحرب

السنة

الضحايا

1

الحرب الأهلية في السودان(4)

2009م

أعداد النازحين بحوالي 4.9 ملايين

2

الحرب الأهلية الأنغولية(5)

1975م-2002م

شردت حوالي 4.28 ملايين شخص

3

الحرب الأهلية الصومالية(6)

أواخر الثمانينيات حتى الآن

أعداد النازحين 1.5 مليون نازح

4

حرب الكنغو الأولى والثانية(7)

1996م-2003م

عدد النازحين 1.9 مليون نازح

5

الحرب الأهلية في سيراليون(8)

1991م-2002م

سقوط أكثر من 50.000 قتيل

6

الحرب الأهلية في ليبيريا(9)

1999م-2003م

مقتل أكثر من 250 ألف

7

الحرب الأهلية بجنوب السودان(10)

2013م حتى الآن

مئات القتلى وأكثر من 3 ملايين نازح

8

الإبادة الجماعية لمسلمي إفريقيا الوسطى

2012م حتى اليوم

أكثر من 6000 قتيل، وأكثر من مليون شخص ما بين نازح ولاجئ

 

 

ثانياً: الحروب الإقليمية البينية (1989م-2017م):

شهدت القارة الإفريقية، بالإضافة للحروب الأهلية، حروباً وصراعات مباشرة بين دول الجوار، وعلى سبيل المثال لا الحصر:

1- الحرب الإثيوبية الإريترية (1998م-2000م): دخلت فيها الدولتان بعد انفصال الأخيرة مباشرة بسبب الحدود، أسفرت عن قتل أكثر من 100 ألف، وتهجير مئات الآلاف(11).

2- النزاع والصراع بين الكنغو مع دول الجوار كرواندا وبوروندي: تمّ إغلاق الحدود وقطع العلاقات الدبلوماسية مع رواندا وبوروندي ويوغندا(12).

تؤثر الحروب الأهلية والإقليمية من خلال انعدام الأمن والاستقرار؛ مما يقود إلى زيادة الوفيات وتشرّد ويُتم الأطفال، كذلك في عمليات النزوح واللجوء يفقد كثيرٌ من الأطفال أسرهم، ويدخلون ضمن فاقدي الأبوَيْن، وقد يتجاوز الأطفال مرحلة الطفولة دون أن يُقدّر لهم الالتحاق بأسرهم.

ثالثاً: أنماط تداول السلطة ونوع الأنظمة السياسية الإفريقية:

تعتبر الطريقة التي يتمّ بها تداول السلطة السياسية مؤشّراً من مؤشرات الاستقرار السياسي، بالنظر للقارة الإفريقية بشكلٍ عام، نجد أنّ النمط الذي كان شائعاً لتداول السلطة في إفريقيا هو نمط الانقلابات العسكرية مع غياب أو تغييب للديمقراطية، مما يُسفر عن تزايد أنشطة جماعات الاعتراض السياسي، ويؤدي إلى عنفٍ مضادٍّ من قِبل السلطة، وتزايد أحداث العنف وغياب الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى الممارسات التي تلازم بعض الأنظمة السياسية الإفريقية، من قمعٍ وتعذيبٍ واعتقالٍ وغيرها، لجهة لتأمين السلطة السياسية وأمن السلطة، كذلك من الملاحظ في الأنظمة السياسية الإفريقية دخول العامل العِرقي في السياسة، والشاهد ما سبق ذكره من حروبٍ عرقيةٍ وإبادات جماعية، تتم عبر استخدام الأنظمة السياسية، كمثال رواندا وبوروندي والكنغو، عمليات تسيس القبيلة.

ما سبق يفيد أنّ: العامل السياسيّ يعدّ عاملاً رئيساً في تفاقم ظاهرة اليُتم، من خلال الآتي:

1- ضحايا الحروب الأهلية العِرقية: قُدّر ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا بحوالي المليون(13)، وبحسب تقرير الهيومن رايتس 800.000(14).

ظاهرة اليتم في إفريقيا رهينة بحالة الأنظمة السياسية ودرجة استقرارها السياسي

2- ضحايا الحروب البينية: كالحروب الحدودية التي انخرطت فيها دول القارة الإفريقية، وأثّرت بشكلٍ مباشر على شريحة الأطفال باليُتم والتشرّد وغياب وتفكك الأسرة، عبر زيادة وفيات الآباء في الحروب، وما تخلّفه الحرب من دمارٍ وأمراضٍ وأوبئةٍ وكوارث ومناظر عنيفة، وأحياناً إرغام الطفل على العنف، والتجنيد القسري لهم، كمثال الحروب في منطقة القرن الإفريقي؛ مما جعلها من أكثر دول العالم فقراً.

3- ارتفاع نسب الوفيات: جرّاء تدهور الخدمات الأساسية؛ من صحّة وعدم توفر الغذاء والماء.

4- انعدام الأمن والاستقرار: وذلك عبر سيادة العنف السياسيّ عبر الاستخدام غير العادل للقوة من قبل أفراد لإلحاق الأذى بالآخرين(15)، كما هو حال الإبادة الجماعية في رواندا.

5- عمليات تجنيد الأطفال: كما حدث في سيراليون، حيث جُنّد الأطفال لخوض المعارك، أو كما حدث بصورةٍ قسرية عن طريق الخطف، كما حدث في أوغندا(16)، وأشار ستيورات في دراسته عن استخدام الأطفال في الجيوش الإفريقية إلى: أنّ (بوروندي والكنغو الديمقراطية وليبيريا ورواندا والسودان وأوغندا) أكثر الدول استخداماً للأطفال عبر التجنيد.

 

المحور الثاني: دَوْر العامل الصحّي في تفاقم ظاهرة اليُتم في إفريقيا:

يؤدي العامل الصحّي دوراً مهمّاً في تحسين الحياة البشرية بشكلٍ عام، والأطفال على وجه الخصوص، بيد أنّ ضعف وغياب العامل الصحّي في كثيرٍ من الدول الإفريقية قاد إلى زيادة معدلات الوفيات، وبخاصّة الأطفال وكبار السن، ويمكن القول بأنّ ضعف العامل الصحّي وعدم توفر الخدمات الأساسية قادَ، من ضمن عوامل أخرى، إلى تفاقم اليُتم لدى أطفال القارة السمراء لارتفاع عدد وفيات الآباء، ونورد فيما يلي ما يدل على ذلك مستمَداً من تقارير التنمية البشرية للأعوام العشرة ونيف السابقة:

أولاً: مرض الإيدز ونسب انتشاره في الدول الإفريقية:

(2000م-2001م): أشار تقرير البنك الدولي إلى أنّ الإيدز من أهمّ مصادر عدم الأمن في البلاد الإفريقية، ويفرض المرض ضغوطاً على الآليات التقليدية لرعاية الأيتام، وعلى أنظمة الرعاية الصحّية، وفقدان العمالة المنتجة؛ مما يؤثّر على المجتمعات والشعوب، وهناك أكثر من 34 مليون شخص مصاب بالمرض، 90% في البلدان النامية، حيث توفي 18 مليون شخص بوباء الإيدز(17) في البلدان التي يتركز فيها الإيدز، كبتسوانا وزيمبابوي، حيث يعاني كلّ واحدٍ من أربعة من الإصابة بهذا المرض، بالدرجة التي أصبح فيها أيتام الإيدز يشكّلون عبئاً على آليات المساعدة بشقّيها التقليدي والرسمي(18).

أما تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية: فقد أوردت بعض الإحصائيات لمرض الإيدز في بعض الدول الإفريقية، بالنسبة المئوية للفئات العمرية من (15-49):

ففي احصاءات 2012م: بتسوانا إناث 6.7 والذكور 3.7، زيمبابوي إناث 6.3 وذكور 3.9، نيجيريا إناث 1.3 وذكور 0.7، أنغولا إناث 1.2 وذكور 0.6، جنوب إفريقيا إناث 13.9 وذكور 3.9، ناميبيا إناث 4.1 وذكور 2.2، موريتانيا إناث 0.2 وذكور 0.1(19).

ثانياً: النسب المئوية للحوامل المصابات بفيروس الإيدز للعام 2011م:

وذلك دون تلقي العلاج للوقاية من انتقاله للطفل، منها: بتسوانا وناميبيا وجنوب إفريقيا 5.0، نيجيريا 79.01، زيمبابوي 38.2، أنغولا 76.4، إثيوبيا 72.3، جيبوتي 80.1، مالي 57.9، غينيا بيساو 59.5، غينيا 44.5، بوروندي 38.0، تشاد 86.0، جنوب السودان 90.0، موريتانيا 95.7(20).

ثالثاً: الوفيات:

1- معدل وفيات الأمومة (1985م-2002م) لكلّ 100.000 مولود حي، بحسب النسبة المبلّغ عنها: في موريتانيا 750، إريتريا 1.000، رواندا 1.100، غينيا 530، زامبيا 650، مالي 580، سيراليون 1.800(21).

2- نسبة وفيات الأمهات عند النفاس، المبلّغ عنها لكلّ 100.000 (1990م-2004م): بتسوانا 330، جزر القمر 520، السودان 550، الكاميرون 430، أوغندا 510، زيمبابوي 700، موريتانيا 750، إريتريا 1.000، رواندا 1.100(22).

3- الوفيات لكلّ 1.000 نسمة، العام 2008م، من الإناث والذكور: نامبيبا إناث 290 وذكور 356، جنوب إفريقيا إناث 479 وذكور 563، أوغندا إناث 424 وذكور 451، أنغولا إناث 383 وذكور 460، زامبيا إناث 498 وذكور 538، موزمبيق إناث 458 وذكور 485، موريتانيا إناث 262 وذكور 318(23).

4- الوفيات لكلّ 1.000 من البالغين، 2009م، من الإناث والذكور: منها: كينيا إناث 282 وذكور 358، أنغولا إناث 353 وذكور 377، نيجيريا إناث 365 والذكور 377، غينيا إناث 337 والذكور 474، موزمبيق إناث 434 والذكور 557، سيراليون إناث 363 والذكور 414(24).

رابعاً: الإنفاق الصحّي:

كنتاجٍ للاقتصاديات الضعيفة والهشّة التي يمتاز بها اقتصاد دول القارة الإفريقية، وكنتاجٍ لعامل الحروب، يأتي الإنفاق العامّ الحكوميّ على الصحّة بنسبة ضعيفة جدّاً لمعظم الدول الإفريقية التي تهتم بالإنفاق العسكري في المقام الأول، بالدرجة التي تعجز فيها الدول عن مكافحة جلّ الأمراض المستوطنة، كالملاريا والسلّ، ومؤخراً التهاب الكبد الوبائي.

ما سبق يفيد: أنّ العامل الصحّي يؤدي دَوْراً مؤثراً في تفاقم ظاهرة اليُتم في القارة الإفريقية، وذلك من خلال الآتي:

1- استناداً على النسب والبيانات الموضحة آنفاً؛ نلاحظ بوضوح ارتفاع نسب الإصابة بمرض الإيدز بدرجة أكبر عند النساء؛ مما يعني ارتفاع درجات الوفيات جرّاء هذا المرض لانعدام الرعاية الصحية؛ مما يقود إلى زيادة أعداد الأيتام في القارة الإفريقية بشكلٍ كبير؛ لأنّ النسب الموضّحة مخيفة.

2- الوفيات في القارة الإفريقية جرّاء الإيدز أو الكوليرا أو الملاريا؛ في ظلّ انعدام الأمن والاستقرار ومؤسّسات الرعاية الصحية القادرة على القيام بمهامها.

3- جيل الأيتام من حاملي الإيدز، فمثلاً بتسوانا يرتفع فيها المرض بين النساء والشباب، و 40% تكاد تكون نسبة تفشي المرض، هذه الظاهرة ينتج عنها جيلٌ كاملٌ من الأيتام الذين يحملون المرض.

على ضوء ذلك يمكننا الافتراض: أنّ اليُتم سينتشر في معظم دول القارة الإفريقية الواردة، كنماذج، بشكلٍ كبير: (بتسوانا، زيمبابوي، نيجيريا، كينيا، يوغندا، رواندا، بوروندي...)، خاصّة عند مقارنة معدلات الوفيات للذكور والإناث، مضافاً إليها معدلات الإصابة بمرض الإيدز، مما ينبئ باضطراد الظاهرة لتصبح مشكلة دولية، فدولة مثل بتسوانا ارتفعت فيها نسب الإيدز بشكلٍ كبيرٍ بين الإناث والبالغين والأمهات الحوامل، فهذا الوضع ينتج عنه بالضرورة زيادة مضطردة في اليُتم خلال العقد القادم، وتدلّ البيانات في (2008م-2009م) كذلك على الارتفاع الشديد في نسب وفيات الذكور (43 طفلاً من كلّ 1000)، كما هو وضع موريتانيا (43 طفلاً من كلّ 1000) ، وما يقارب النصف كما في نيجيريا، وفوق النصف كزامبيا وجنوب إفريقيا وموزمبيق، مضافاً لذلك نسبة مصابي الإيدز من الحوامل للعام 2011م، قُدّرت في نيجيريا 79.1 %، أنغولا 76.4%، زامبيا 72.3%، وتشاد 86.0%، مما يعني زيادة نسبة وفيات الأمّهات من جهة، وجيل حامل للفيروس من جهة أخرى، وكانت المحصلة لذلك هي اضطراد ظاهرة اليُتم في العام (2015م-2016م) في الدول الواردة كنماذج، كمثال نيجيريا هناك حوالي 1.800.000 يتيم في الفئة العمرية من (0-17) بسبب الإيدز.

 هذه الإحصائيات لارتفاع مصابات الإيدز في إفريقيا تكمن أهميتها في: أنها مؤشّر مهمّ يمكننا استخدامه في  البعد الوقائي والعلاجي لأي ظاهرة من الظواهر؛ لأنّ الأمّ نصف المجتمع وتربّي النصف الآخر.

 

المحور الثالث: الأيتام في إفريقيا:

 ظاهرة اليُتم في القارة الإفريقية هي نتاج لعدة عوامل، أهمّها العامل الصحّي وعامل النزاعات، وذلك بحسبان أنّ تأثير هذَيْن العاملَيْن في اضطراد الظاهرة أكثر وضوحاً من العوامل الأخرى، مما يمكّننا من الافتراض بأنّ هذه الظاهرة في إفريقيا ظاهرة قديمة متجددة؛ لاستمرار النزاعات والحروب، واستمرار تردّي الوضع الصحّي، وبحسب الوكالة الأمريكية للتنمية، وفق آخر الإحصاءات عام 2013م، فقد بلغ عدد الأيتام في إفريقيا جنوب الصحراء حوالي 60 مليون يتيم، منهم 15.2 مليون يتيم بسبب الإيدز(25)!

المصدر: U.S. Agency for International Development - الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID).

 

أعداد الأيتام في بعض الدول الإفريقية، وهي تقديرية، للفترة (2003-2010م):

بحسب ما ورد في تقرير التنمية البشرية 2003م، كآخر إحصائية لمعدل دخول مدارس الأيتام في سنّ (14-15)، من يتامى الأبوَيْن الذين هم حاليّاً في المدارس، وتظهر كنسبة مئوية من نسبة الأيتام في العمر ذاته المقيمين مع أحد الأبوَيْن ويذهبون إلى المدارس في الفترة (1995م-2001م)، الصومال 65، بورندي 70، أنغولا 90، بتسوانا 99، نيجيريا 87، رواندا 80، بوروندي 70، الكاميرون 94، إفريقيا الوسطى 91، تشاد 96، غينيا بيساو 103، ناميبيا 92، النيجر 107، غينيا 113.

هذه النسب الواردة للأيتام، وهي نسبٌ مرتفعة، تؤكد أنّ العامل السياسيّ هو العامل الأكثر فاعلية، في تفاقم ظاهرة اليُتم؛ بالنظر إلى النسب المرتفعة للأيتام في الدول التي شهدت حروباً أهلية طاحنة، مثل رواندا وبوروندي والكنغو، هذه الحروب هي سببٌ مباشرٌ لتدنّي المستوى الصحّي وارتفاع الأمراض كالإيدز، مع غياب الوعي الصحّي، وزيادة أعداد فاقدي الأبوين.

أعداد الأيتام في بعض الدول الإفريقية، وهي تقديرية، للفترة منذ 2010م:

جنوب إفريقيا: فقَدَ ما يُقدّر بحوالي 1.4 مليون طفل دون سنّ الثامنة عشرة (أو حوالي 8% من أطفال جنوب إفريقيا) أحد الوالدين أو كليهما بسبب مرض الإيدز(26)، وبها حاليّاً ما يُقدّر بـ3.5 ملايين يتيم.

موزمبيق: قُدّر عدد اليتامى بحوالي 1.5 مليون طفل في عام 2008م، منهم 510.000 تيتّموا بسبب مرض الإيدز(27).

نيجيريا: 12 مليون يتيم، حوالي مليون يتيم طفل كلّ سنة.

الكنغو: ما يُقدّر بـ4.2 ملايين يتيم.

إثيوبيا: 4.9 ملايين يتيم بسبب الإيدز.

 

المحور الرابع: ظاهرة اليُتم في إفريقيا بين الواقع والحلول:

ارتكازاً على ما سبق؛ يفيد الواقع الإفريقي بأنّ ظاهرة الحروب وعدم الاستقرار السياسي، مضافاً إليها  تردي الوضع الصحّي، هما الأسباب الرئيسة لاضطراد ظاهرة اليُتم في إفريقيا، وعليه إذا لم يُدرج ما سبق ضمن الحلول فلن يكون هناك طائلٌ منها كحلول؛ لأنها ستكون مقيّدة بالوضع السياسي والصحّي.

ضعف العامل الصحّي وعدم توفر الخدمات الأساسية قاد، من ضمن عوامل أخرى، إلى تفاقم اليتم لدى أطفال القارة السمراء

ونورد بعض المقترحات كحلول تساعد على الحدّ من تنامي ظاهرة اليتم:

أولاً: محاولة رأب الصدع في مناطق النزاعات، وبخاصّة الأهلية منها.

ثانياً: عقد الوساطات بين الدول المتصارعة للحدّ من الحروب الإقليمية.

ثالثاً: التوعية المجتمعية بمخاطر بعض الأمراض؛ كالإيدز والكوليرا والتهاب الكبد الوبائي.

رابعاً: فتح المراكز التوعوية الشاملة للدعوة الدينية، خاصّة في شمال غرب إفريقيا.

خامساً: على المنظمات الفاعلة في رعاية الأيتام عقد شراكات مع الأنظمة السياسية في ذلك؛ لتستفيد من تسهيلات الحكومة، وحتى تستطيع تكوين أداة ضغطٍ مؤثّرة في القرارات المتعلقة بالأيتام.

سادساً: فتح مراكز للكشف المبكر على الإيدز، ومراكز رعاية للحوامل المصابات بالمرض.

سابعاً: الاهتمام بعملية التربية مع الرعاية في دور رعاية الأيتام، مع تكريس الاهتمام بعملية الدمج الاجتماعي.

ثامناً: إنشاء المنظمات والمؤسسات الأهلية التي تسهم في رعاية الأيتام، لاحتواء الظاهرة.

حيث أنّ تنامي أعداد الأيتام- كما ورد في بداية الورقة- يفرض ضغوطاً على آليات الرعاية التقليدية والرسمية والطوعية، ويتطلب مجهوداً يتخطى مقدّرات الدول التي تشمل أعلى نسبة من الأيتام.

 

خاتمة:

تناولت الورقة ظاهرة اليُتم في إفريقيا، ودراسة العوامل التي تؤدي إلى ازدياد الظاهرة، بالتركيز على العامل السياسي والعامل الصحّي، وذلك بحسبان أنّ الأنظمة السياسية الإفريقية لا تدعم الاستقرار السياسي بقدر ما تدعم مستحثات الصراع؛ كما وضح من الحروب والصراعات الإقليمية والأهلية التي دخلت فيها الدول الإفريقية منذ فجر تكوين الدولة الحديثة، وما قادت إليه الحروب من ارتفاع الوفيات كضحايا حرب وارتفاع عدد المفقودين؛ مما انسحب على شريحة الأطفال باليتم. أما العامل الصحّي؛ فكان لزاماً الوقوف على الأمراض الخطرة على المجتمعات في ذاتها ولآثارها اللاحقة على المجتمع كالإيدز.

هذان العاملان (السياسي والصحّي) مع مجموعة عوامل أخرى، كالطبيعية والبيئة والاقتصادية، تؤدي إلى تفاقم ظاهرة اليُتم في القارة الإفريقية.

 وعلى ضوء ما سبق: يمكن القول بأنّ الأنظمة السياسية الإفريقية هي التي تقوم بالدَوْر الرئيس في زيادة الظواهر المتعلقة بالأطفال، كاليتم أو التجنيد أو الأعمال القسرية وغيرها، ومن جهة أخرى: فإنّ ضعف الإنفاق الصحّي في الدول الإفريقية جعلها بؤرة للأمراض الخطرة؛ كالإيدز والتهاب الكبد الوبائي والسلّ وغيرها.

ومن أهمّ النتائج التي توصلت إليها الورقة: أنّ ظاهرة اليُتم في إفريقيا رهينة بحالة الأنظمة السياسية ودرجة استقرارها السياسي، فكلما ساد الاستقرار استقرت الأنظمة الصحية في الدول، وكلما زاد الصراع زادت درجة عدم الاستقرار، وانعدام الأمن، وانتشار الأمراض الفتاكة.

كذلك توصلت الورقة إلى: أنّ تنامي أعداد الأيتام في إفريقيا في الفترة (1990م-2010م) كان بسبب عاملَي الحرب والمرض (الإيدز)، حيث انغمست الدول في أتون الحروب الأهلية مخلّفة ضحايا حرب وأيتام وأمراض؛ مما نتج عنه ارتفاع أعداد الأيتام في الألفية الحالية منذ (2010م– إلى الآن)، فتزايد أعداد الأيتام ليس نبتاً شاذّاً؛ بل هو حصاد الحروب والأمراض ما قبل 2010م.

ويمكن القول بأنّ الأيتام من حاملي مرض الإيدز هم الجيل القادم للأيتام؛ جرّاء ارتفاع أعداد ونسبة الحوامل المصابات بالمرض.

 

توصيات الورقة: 

أ- مزيد من الدراسات حول الأيتام في إفريقيا، وتشخيص الظاهرة، وآليات المعالجة.

ب- تفعيل دور القيادات المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات الدولية؛ للإسهام في معالجة الظاهرة والحد من آثارها السلبية.

ج- دراسة عن تكيف الأيتام في المجتمع وطبيعة السلوك الاجتماعي لهم، وبخاصّة الأيتام المصابون  بالإيدز.

د- وضع استراتيجية وقائية استباقية مستقبلية؛ من خلال واقع نسب الأمراض المميتة؛ كالإيدز.

السيناريو المستقبلي:

استمرار الحلقة المفرغه للأيتام ما دامت الإثنيات في القارة الإفريقية قد تمّ تفكيكها على عدة دول، ولم يتمّ التوصل إلى حلول بشأنها، وما دام الإنفاق على الصحّة يلي الإنفاق العسكري، وتظلّ الدول الإفريقية قابعة في مربع تزايد أعداد الأيتام بدرجةٍ أكبر من إمكانيات الدول لمعالجتها.

 

الهوامش  والاحالات  :

(*) أستاذ مشارك، قسم العلوم السياسية - بجامعة الأزهري - بالخرطوم.

(1) لسان العرب، ص (645-646)، باب الياء/جزء 12. 

(2) أخرجه ابن حبان في الصحيح، كتاب الوصايا، باب متى ينقطع اليتم، رقم (2873)، وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم (3180). 

(3) انظر: الموقع الإلكتروني لمنظمة اليونسيف. 

(4) MATTHEW LE RICHE , MATTHEW ARNOLD. SOUTH SUDAN FROM REVOLUTION TO INDEPENDENCE

a..2012 .  COLUMBIA    UNIVERSITY PRESS.NEW YORK

b..P.16

(5) SCHERRER , CHIRSTIAN P. (2002) .GENOCIDE AND CRISIS IN CENTRAL  AFRICA : CONFLICT ROOTS , MASS VIOLENCE , AND REGIONAL WAR. GREEN WOOD PRESS . P.335.

(6) علي حسن محمد، الأزمة الصومالية، مجلة دراسات استراتيجية، العدد (4)، 1995م، ص78.  

(7) عبد السلام إبراهيم البغدادي، الوحدة الوطنية ومشكلة الأقليات في إفريقيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط2، ص161، انظر كذلك في: صلاح الدين حافظ، صراع القوى العظمى حول القرن الإفريقي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1982م، ص253. 

(8) Abdullh, Ibrahim, (2004), Between Democracy and Terror: The Sierra Leone Civil War, Dakar: council for the Development of Social Science Research in Africa.

انظر كذلك في: محمد عباس ناجي، سيراليون والاستقرار المفقود، مجلة السياسة الدولية، العدد 139، القاهرة، يونيو 2000م، ص (178 ، 179).

(9) نورا عبدالقادر حسن، ليبيريا.. أزمة جديدة للدولة في إفريقيا، مجلة السياسية الدولية، العدد 154، القاهرة، 2003م، ص210، انظر كذلك: مجلة السياسة الدولية، العدد 103، ص118.

(10) THE HISTORY GUY: ETHIOPIA – SOMALIA WARS AND CONFLICTS

(11) الحرب الموريتانية السنغالية الحدودية، ويكيبديا الموسوعة العلمية. 

(12) ريمون ماهر كامل، بورندي بعد انقلاب يوليو، مجلة السياسة الدولية، العدد 127، القاهرة، 1997م، ص239.

(13) نقلاً عن موقع الجزيرة الإلكتروني، بتاريخ 9-12-2001م، بعنوان مليون قتيل ضحايا الإبادة الجماعية في رواندا. 

(14) DES FORGES, ALISON (1999) .LEAVE NO ONE TO TELL THE STORY: GENOCIDE IN RWANDA.HUMAN RIGHTS WATCH.JANUARY, 12, 2007..

(15) حسين توفيق إبراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1999م، ص42. 

(16) UNITED NATIONS: OFFICE FOR THE COORDINATION OF HUMANITARIAN AFFAIRS (OCHA) INTEGRATED REGIONAL INFORMATION ,NETWORK ,(IRIN) ,SPECIAL REPORT: CHILD SOLDIES P-P1-3..

والتنمية في العالم 2000م-2001م، شنّ هجوم على الفقر، البنك الدولي، واشنطن، ط1، 2000، ص11.

(17) التنمية في العالم 2000م-2001م، البنك الدولي، مصدر سابق، ص12. 

(18) التنمية في العالم 2000م-2001 م، مصدر سابق، ص4. 

(19) تقرير الأمم المتحدة للعام 2014م، المضي في التقدم: بناء المنعة لدرء المخاطر، صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ص183. 

(20) تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2014 م، مصدر سابق، ص183. 

(21) تقرير 2004م، مصدر سابق، ص171. 

(22) تقرير التنمية البشرية للعام 2006م، مصدر سابق، ص315. 

(23) تقرير التنمية البشرية للعام 2010م، مصدر سابق، ص201.

(24) تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية للعام 2013م، نهضة الجنوب: تقدم بشري في عالم متنوع، ص179.

(25) https://www.spring-nutrition.org/sites/default/files/publications/reports/spring_ovc_in_nigeria.pdf

(26) تقرير اليونسيف عن وضع الأطفال في العالم، الاحتفال بمرور 20 عاماً على صدور اتفاقية حقوق الطفل، ص14. 

(27) تقرير اليونسيف وضع الأطفال في العالم، مصدر سابق، ص69. 

 

 

كتاب الموقع