أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

فرنسا وفخ الاستعمار الجديد في غرب إفريقيا

 كتب والتر رودني بعبارات واضحة لا تقبل التأويل عن طبيعة ومآلات الإمبريالية واستعمار إفريقيا، وهو ما أدَّى إلى وضع أساس مفهوم الاستعمار الجديد كأيديولوجية جديدة لاستمرار استغلال دول إفريقيا بعد تحقيق الاستقلال.

وعليه فإنَّ "التخلف الاقتصادي لدولة إفريقية معينة.. أعراض التخلف والعوامل الثانوية التي تُسبّب الفقر.. تكمن في البحث عن العلاقة بين إفريقيا وبعض البلدان المتقدّمة، وفي إدراك أنها علاقة استغلال أكثر من مجرد التجارة؛ حيث نجد المِلْكِيَّة الفعليَّة لوسائل الإنتاج في بلدٍ ما تقع في أيدي مواطني دولة أخرى؛ طالما أن الأجانب يمتلكون الأراضي والمناجم، والمصانع والبنوك، وشركات التأمين، ووسائل النقل، والصحف، ومحطات الطاقة، وغيرها؛ فإن ثروة إفريقيا تتدفق إلى الخارج لتصُبّ في نهاية المطاف في جيوب تلك العناصر".

 وعلى سبيل المثال؛ فإن الأزمة السياسية في جمهورية الكونغو الديمقراطية ترتبط بالتكالب على الموارد الاقتصادية، والاختلال السياسي، وأزمة القيادة في البلدان الفرنكوفونية، وتتكرر نفس التجربة في بلدان أخرى مثل أنغولا وموزمبيق؛ على سبيل المثال لا الحصر.

"الإيكو" هل تمثّل وجهًا آخر للاستعمار الجديد؟

ما حدث بالنسبة للعملة الموحَّدة لدول غرب إفريقيا يعكس طبيعة الاستعمار الجديد في إفريقيا. لقد ناضلت الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا "الإكواس" على مدى عقود ثلاثة من أجل إطلاق عملة موحدة "إيكو"؛ وذلك بهدف تنمية وتعزيز التجارة البينية في المنطقة.

 بَيْدَ أنَّ ما حدث هو قيام فرنسا من خلال حليفها الرئيس الايفواري الحسن وتارا بالإعلان عن قيام ثماني دول في غرب إفريقيا بالتخلّي عن استخدام الفرنك الإفريقي في نفس اليوم الذي كان من المفترض أن تجتمع فيه الإيكواس لإعلان العملة الجديدة.

ربما يكون أحد الدوافع السياسية للعملة الموحَّدة لدول غرب إفريقيا الثمانية هو التأكد من تحجيم دور نيجيريا الإقليمي؛ من خلال إبعادها عن التعامل بهذه العملة.

 فرنسا ما انفكت دومًا تعرّف نفسها على أنها القوة الرئيسية في إفريقيا؛ ولذلك ترى نيجيريا كمهدِّد رئيسي لمصالحها. ما حدث في نهاية العام المنصرم هو أن فرنسا اختطفت ببساطةٍ عُمْلَة غرب إفريقيا التي كان من المقرر إطلاقها في هذا العام لصالح 15 دولة في المنطقة. بالقطع سوف تتولى فرنسا مسؤولية إطلاق وحتى طباعة العملة، وتقديمها للبلدان الأخرى في المنطقة؛ بحكم الأمر الواقع. وليس بِخَافٍ أن العملة الجديدة سوف تكون مرتبطة باليورو، وهو ما يعني ربطها بالمصالح الفرنسية الاستعمارية، كما فعلت دائمًا مع الفرنك الإفريقي. وهذا يعني أن دول غرب إفريقيا السبعة الأخرى يمكنها الانضمام فقط وفقًا للشروط التي وضعتها فرنسا.

مسار مختلف لوسط إفريقيا:

علاوة على ذلك، فإن دول المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا الست لديها اتفاق منفصل مع فرنسا. وعليها أن تمر بمسارٍ مختلف، وفي عملية تدريجية. ربما ليس أمام دول وسط إفريقيا ما تخشاه إقليميًّا بسبب غياب المعادل الإقليمي للإيكواس، أو بسبب عدم وجود جار قويّ بحجم نيجيريا. لكنْ مع ذلك فإنَّ هذه الدول تعاني من أزمة الاحتياطات الأجنبية؛ وهو ما يعرقل مسيرة الإصلاحات المالية. وأيًّا كان الأمر؛ ربما تشهد المنطقة هي الأخرى عمليات تجميلية في نظامها النقدي؛ بهدف تحسين الصورة الفرنسية بالأساس.

 إن تأخر إطلاق عملة الإيكو لمدة طويلة يُعبّر عن عجز بلدان الإيكواس الخمسة عشر عن تلبية معايير التقارب التي حددوها لأنفسهم. وتتمثل هذه الشروط في: الحفاظ على معدل تضخم أقل من 5%، وألَّا يزيد عجز الموازنة عن 3% من الناتج المحلي الإجمالي، وأن تمتلك كل دولة احتياطيات أجنبية كافية لتغطية ثلاثة أشهر على الأقل من الواردات. ولعل ما يثير التعجب، ويطرح أكثر من علامة استفهام الآن هو أنه بعد فشل دول الإيكواس في تلبية هذه الشروط على مدى العقدين الماضيين، تبنَّت الدول الثمانية العملة الموحدة الآن دون الوفاء بهذه الشروط. وهذا يعني تسييس القضية بإخضاع الاقتصاد لاعتبارات السياسة.

الدوافع السياسية لتبنّي "الإيكو" في غرب إفريقيا:

وطبقا للبروفسور جبرين إبراهيم؛ هناك ثلاثة عوامل سياسية تقف وراء القرار الفرنسي بسرقة نسب "الإيكو" الذي واجهت "الإكواس" صعوبة كبيرة حالت دون إخراجه إلى عالم الوجود.

السبب الأول هو أنه خلال السنوات الخمس الماضية، تم تصنيف الفرنك الإفريقي باعتباره الأداة التي من خلالها تحتفظ فرنسا بالسيطرة الكاملة على الشؤون الاقتصادية لمستعمراتها؛ وهو ما يعني أن التخلُّص من الاستعمار الاقتصادي لم يحدث قط. فقد كان من المتعيّن على البلدان الفرنكوفونية الاحتفاظ بنسبة 50% من احتياطاتها النقدية الأجنبية بشكل دائم لدى الخزانة الفرنسية، ولا يمكنها إجراء معاملات دولية دون المرور عبر باريس. كما كانت هناك مظاهرات شعبية بضرورة إقالة الأعضاء الفرنسيين في مجلس البنك المركزي لدول غرب إفريقيا "الفرنسية"، وهذا هو السبب في موافقة فرنسا أخيرًا على سحب ممثليها في البنك المركزي للعملة الموحدة. ما تحاول فرنسا فعله الآن هو نوعٌ من تجميل سياساتها الاستعمارية، والقول بأن الفرنك الإفريقي ذو الوجه "الاستعماري" قد انتهى الآن، وأن "الإيكو" هي العملة الجديدة التي تخرج عن سيطرة فرنسا. وهذا ما لا يصدّقه الواقع القائم في المنطقة.

السبب الثاني يتعلق بالتطورات الأخيرة في الحرب على الإرهاب في الساحل. تجدر الإشارة إلى أنه في 11 يناير 2013م، هاجمت الطائرات الحربية الفرنسية القوافل الجهادية التي كانت تتقدّم نحو باماكو، عاصمة مالي. كان الجهاديون يسيطرون بالفعل على ثلثي أراضي مالي، بعد أن هزموا وطردوا الجيش المالي بنجاح من شمال البلاد. في البداية، كانت الجماعات الجهادية الثلاثة المعنية -وهي: تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، وحركة التوحيد والجهاد التي تسير في فلكه، وجماعة أنصار الدين- واثقةً من استيلائهم على باماكو، لكنَّ الفرنسيين استطاعوا وَقْف تقدُّمهم وطردهم من المدن التي استولوا عليها. عندئذ حظيت فرنسا بشعبية كبيرة في البلاد؛ حيث كان الناس العاديون يرفعون الأعلام الفرنسية في منازلهم وسياراتهم.

بَيْدَ أنَّ الأمر يبدو مختلفًا اليوم بعد تنامي وامتداد أنشطة الجماعات الإرهابية في الساحل، والذي تُعدّ فرنسا الفاعل الرئيسي في المعركة ضد الارهاب.

على مدار السنوات القليلة الماضية كان الاعتقاد السائد بأن فرنسا تتظاهر بمحاربة الجهاديين في العلن، وتقدم لهم ‏الدعم سرًّا. يقول الناس في محافلهم العامة والخاصة: إن ثمة تواطؤًا فرنسيًّا؛ حيث إن قوافل الإرهابيين ‏تستطيع السير مئات الكيلومترات، ومهاجمة الجنود دون أيّ تحذير من الفرنسيين الذين يمتلكون ‏الطائرات والدرونز وشبكة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية في منطقة الصحراء.‏ كان من الواضح أن الرئيس ماكرون غاضب للغاية من أن دول الساحل حتى على المستوى الرسمي تُوجّه النقد لبلاده، وأنه طالَب رؤساء دول الساحل الخمسة بأن يفعلوا كلّ ما في وسعهم لإقناع مواطنيهم بأن فرنسا دولة صديقة. لذلك تستخدم فرنسا عملية إطلاق العملة الموحدة كوسيلة للتحايل، وكنوع من العلاقات العامة لإعادة تحسين صورتها التي تم تشويهها عبر السنين.

السبب الثالث لهذه الخطوة الفرنسية هو ضمان بقاء نيجيريا خارج العملة بشكل دائم. لذلك من المدهش أن يحاول الفرنسيون جذب غانا للانضمام إلى عملة الإيكو؛ وذلك لعزل نيجيريا تمامًا. واللافت للانتباه أن قيام نيجيريا بإغلاق حدودها مع جيرانها الفرنكوفونيين الثلاثة قد أسهم في دَفْع هذه الدول الفرنكوفونية للارتماء في أحضان فرنسا. من منظور السوق المالية، يبدو أن إدراج نيجيريا في العملة الموحدة هو أمر بعيد المنال على المدى المتوسط؛ لأن الوزن الضخم الذي تُمثّله دولة يبلغ عدد سكانها حوالي 200 مليون نسمة، يمكن أن يزعزع استقرار منطقة الإيكو؛ بسبب تأثير نيجيريا الضخم، وعدم اندماجها في منظومة التعاون البيني الإفريقي.

إنه في هذه السنة العاشرة من المعركة ضد بوكو حرام وأخواتها، التي تلعب فيها فرنسا دورًا رئيسيًّا، ولديها قوات على الأرض وطائرات حربية، وطائرات مُسَيَّرَة بدون طيار؛ فإن فهم الدور الفرنسي في غرب إفريقيا أمرٌ مُهِمّ للغاية لفهم طبيعة علاقات الدول الإفريقية بالدول الاستعمارية السابقة.

وكما يقولون: "وشهد شاهد من أهلها"؛ فقد أكد نائب رئيس الوزراء الإيطالي لويجي دي مايو أن سياسات فرنسا في إفريقيا تسبّب الفقر والهجرة. يقول الرجل: إن "فرنسا هي إحدى الدول التي تقف من خلال طباعة النقود لصالح 14 دولة إفريقية حائلاً دون تنميتها الاقتصادية، وتساهم في موجة اللاجئين الذين يغادرون ثم يموتون في البحر أو يصلون إلى سواحلنا". ويشير دي مايو إلى الفرنك الإفريقي المستخدم في 14 دولة من غرب ووسط إفريقيا، وهو مرتبط -كما أسلفنا- باليورو بسعر صرف ثابت، كما أنه كان مضمونًا بالتزامات متعلقة بالعملة الوطنية لفرنسا. وطبقًا لتسريبات دبلوماسية أمريكية كان العقيد الليبي الراحل معمر القذافي يخطط لاستبدال الفرنك الإفريقي بعملة إفريقية مدعومة بالذهب الليبي؛ بَيْدَ أنَّ غزو ليبيا مِن قِبَل الحلفاء الغربيين أدى إلى وضع حدّ لتلك الخطة، ووضع البلاد على طريق الحرب الأهلية.

لقد كان التأثير والنفوذ الفرنسي في مستعمراتها الإفريقية السابقة واضحًا على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية. ولم يشمل ذلك اتفاقيات التعاون السرية فحسب، ولكن أيضًا العلاقات الشخصية والودية بين المسؤولين الفرنسيين والأفارقة، أو توظيف المساعدة الإنمائية. ولعل ذلك يفسر لنا لماذا، بعد مُضِي أكثر من 50 عامًا على الاستقلال، لا تزال فرنسا تُمثّل الشريك التجاري الأكبر لمستعمراتها السابقة في إفريقيا.

إن النموذج الفرنسي في سياق الفرنكوفونية الإفريقية الذي يعكس استمرار النفوذ الفرنسي في المحيط الجيوبوليتيكي الإفريقي ليس إلا أحد مظاهر الاستعمار الجديد مع ما يصاحبه ذلك من نتائج معوقة لمسيرة النهضة والتنمية في إفريقيا.

ولعل من أبرز تلك النتائج السلبية: فرض مؤسسات سياسية غير مستقرة لا تُعبّر عن طموحات المواطنين الأفارقة، وفرض نَمَط من الوصاية الدولية انطلاقًا من التجارب الاستعمارية والعلاقة السابقة، بالإضافة إلى تعظيم آليات الاستغلال من خلال نظام الزبائنية السياسية، والتحكم في أسعار السِّلع في السوق الدولية. وعلاوة على ذلك كله تدمير البنية التحتية للثقافة الإفريقية من خلال استمرار فرض اللغة والثقافة الأجنبية لتحل مَحَلّ الثقافة الإفريقية.

كتاب الموقع