أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

غامبيا ما بعد "جامع".. ماذا حقق "بارو" من تطلعات الشعب؟

بقلم محمد بشير جوب

شهدت غامبيا منذ عامين تغييرًا سياسيًّا جذريًّا؛ حيث عبَّر الشعب الغامبي عن رغبته في إنهاء حكم "يحيى جامع" الذي ظلّ بنظامه يحكم البلد لمدة عقدين كاملين. كان التعبير عن هذه الإرادة بطريقةٍ ديموقراطيةٍ؛ حيث خرجت الجماهير وأدلوا بأصواتهم في انتخاباتٍ عامةٍ؛ إلا أن نتائجها المرفوضة من  قبل "جامع" أدخلت البلد في أزمةٍ سياسيةٍ عميقةٍ، بعدما حاول "جامع" استخدام القوة للتشبُّث بالحكم. ثم حُسِمَ الأمر بتدخل من قوات "إيكواس" بعد فشل المفاوضات والمساعي الحميدة من أطراف عدة.

بعد نفاذ كل الحِيَل والمحاولات، واضطر "جامع" إلى الفرار واللجوء إلى غينيا الاستوائية، وترك السلطة للرئيس المنتخب "آدم بارو". كان إرث الدولة ثقيلاً على هذا الأخير، كما كانت الإصلاحات والتغييرات المنتظرة منه كثيرة؛ حيث شهدت غامبيا في عصر "جامع" تدهورًا في الجانب المؤسساتي والاقتصادي والبنية التحتية. بالإضافة إلى الشلل السياسي والاختلال في التركيبة الاجتماعية، ناهيك عن الانعزال الإقليمي والدولي الذي نتج عن سياسات جامع الخاطئة.

وبعد هذه الفترة القصيرة من حكم "بارو" تثور أسئلة عدة حول مدى نجاح "بارو" في تحقيق أحلام شعبه، ومدى استطاعة إدارته إنجاز البرنامج السياسي الملائم لتطلعات الشعب؛ لتجاوز تحديات الحكم لما بعد "جامع".

 

"بارو" وإرث الحكم الثقيل:

كان وصول "جامع" إلى الحكم أمرًا مفاجئًا؛ حيث رجع مجموعة ضُبَّاط متحمّسين من الجيش الغامبي من بعثة للأمم المتحدة، ليتجهوا مباشرةً إلى القصر مطالبين بمستحقّاتهم، وفجأةً تحوَّل الأمر إلى انقلابٍ عسكري دمويٍّ بقيادة "يحيى جامع" الضابط البالغ من العمر آنذاك 29 سنة، ثم لاذ الرئيس الشرعي "جاورا" آنذاك بالفرار؛ طالبًا اللجوء إلى السنغال، وصار بعده "جامع" رئيسًا. وخلال عقدين من الحكم لم تتمتع غامبيا بتقدُّم ملحوظ نتيجة النهج السياسي الذي أثَّر بشكل سلبي على غامبيا، وذلك على غرار الدول التي يسودها الحكم الاستبدادي.

فعلى الصعيد السياسي كان الحكم القهري وتحجير العقول والمحاباة وسوء استخدام السلطة سيد الموقف طيلة فترة حكم "جامع" ومع غياب الرؤية السياسية الواضحة تم حرمان النُّخْبَة السياسية من ممارسة حقها في المشاركة السياسية والتنافس السليم والإيجابي وفق قواعد دولة القانون والمؤسسات. كان "جامع" يضايق كل مَن اعتبرهم يهددون سلطته من المدنيين والجنود والصحفيين، ولقد سَحَقَ جميع أشكال الاحتجاج، ولم يتردد في سَجْن معارضيه.

وعلى المستوى الاقتصادي رغم الاستقرار المشوب بالحكم القهري، لم تستفد غامبيا من مشاريع في البنية التحتية كالطرق والمستشفيات والمدارس، وصارت كالعديد من الدول المتأثرة بعدم الاستقرار السياسي. فإذا نظرنا إلى مؤشر التنمية البشرية تحتل غامبيا المرتبة 165 من أصل 187 دولة مسجلة في عام 2012م، وبلغ معدل الفقر إلى 48.6% في عام 2015م، مقارنةً بنسبة 48.1% في عام 2010م في المناطق الريفية وفق تصنيفات البنك الدولي. 

أدَّى هذا التدهور إلى ارتفاع معدل الأمية إلى 54% (1)، كما سبَّب إحباطًا كبيرًا لدى الشباب الباحثين عن فُرَص العمل دون جدوى. كما كانت لسياسات التهميش والعرقية الممنهج لدى "جامع" انعكاسات سلبية في الجانب الاجتماعي للشعب الغامبي، وكادت أن تقضي على اللُّحْمَة الوطنية والنسيج الاجتماعي في البلد.

في هذا السياق الصعب وصل "بارو" إلى السلطة، وتعاهَد على إمضاء ثلاث سنوات، وترك السلطة بعده للنُّخْبَة السياسية. ولا يمنعه ذلك من أن يكون مسؤولاً عن إدارة الدولة وتحقيق وعود الإصلاحات السياسية التي أطلقها مع حزبه، وانتخبه الشعب رئيسًا من أجل تلك الوعود.

 

"بارو" بين شبح الوعود ومستوى الإنجازات:

كان انتخاب "بارو" نتيجة عزم صارم من الشعب الغامبي للتخلُّص من ويلات الحكم القهري الذي فرضه "جامع" عليهم. ولقد أدرك "بارو" حجم المهمة الشاقة التي كانت على عاتقه بعد اختياره رئيسًا، ولقد صرَّح بذلك بنفسه قائلاً: "لدينا الكثير للقيام به في عام 2017م وما بعده" (2)؛ فالقطاعات المؤسسية والفرعية للدولة كانت بحاجة إلى إصلاحات جذرية فورية، ومثلها تمامًا القطاعات المدَنِيَّة والخدمية العامة والخاصة.

وفي خطابه الدستوري الأول أمام البرلمان بعد انتخابه، حاول "بارو" أن يضع خارطة طريق عامة للإصلاحات التي ستكون في مقدّمة أجندته، وذكر فيها إصلاحات في الجانب الدستوري، وفي الجانب الأمني والدفاعي وفي القطاع الزراعي. واقتضى هذا التزاحم في المسؤوليات ضرورة وضع أجندة مُحْكَمَة وترتيب الأوليات للخروج من عنق الزجاجة، وإحداث الطفرات الإصلاحية المطلوبة.

 

الإصلاحات المؤسسية:

فور وصوله إلى السلطة أمر "بارو" حكومته بالإسراع في بناء مؤسسات الدولة بشكل يناسب متطلبات المرحلة الإصلاحية التي تمر عليها غامبيا (3)، واعتبر بارو الدستور الحجر الأساس للإصلاح المؤسسي، ففي مايو 2017، اجتمع قادة الحكومة وصفوة المجتمع المدني لوضع إطار للإصلاحات الدستورية، وأيَّدت الحكومة الرأي العام القائل بأن المراجعة يجب أن تقوم على أساس المشاركة الواسعة، بدلًا من المراجعات الجزئية للسياسيين.

وفي ديسمبر في نفس العام أُنْشِئَتْ لجنةٌ لمراجعة الدستور، وجرت مشاورات على مستوى البلاد، وتعهد "بارو" بتتويج هذه المشاورات بإجراء استفتاء دستوري في عام 2019م. كما بدأ الإصلاحات القضائية بتعيين قضاة غامبيين ليحلوا محل القضاة الأجانب الذين عيَّنهم "جامع".

شملت هذا الإصلاحات الوكالة الوطنية للاستخبارات؛ حيث قام "بارو" فور تمكُّنه من السلطة بإعادة هيكلة الوكالة، وذلك بإحالة تسعة منهم إلى القضاء، وجعل الوكالة تحت إدارة المدنيين وبإشراف برلماني.(4)

 

الإصلاحات الاقتصادية:

بعد انتخابه بسنة أطلق "بارو" خطة التنمية الوطنية لغامبيا (National Development Plan for The Gambia) (5) ؛ تمتد هذه الخطة من 2018م إلى 2021م، والهدف من الخطة حسب تعبير "بارو" هو التنمية الوطنية، وتقديم الحكم الرشيد والمساءلة، والتماسك الاجتماعي والمصالحة الوطنية، وتنشيط الاقتصاد الوطني من أجل رفاهية كل الغامبيين.(6)

كانت هذه الخطة نتيجة مشاورات مكثَّفَة مع أصحاب المصلحة من الحكومة المحلية ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص والشركاء الدوليين. اعتمدها "بارو" في يناير 2018م، هادفًا إلى استعادة حكم القانون، وتعميق الديمقراطية، ودفع العدالة الانتقالية.

 

الإصلاحات الاجتماعية:

في محاولة لإعادة بناء التركيبة الاجتماعية، أقرت الجمعية الوطنية مشاريع قوانين جديدة لإنشاء لجنة وطنية لحقوق الإنسان، ولجنة التحقيق والمصالحة؛ حيث رشَّح "بارو" سكرتيرًا تنفيذيًّا لها؛ للتعامل مع الانتهاكات الحقوقية أثناء حكم "جامع"، وتقديم تعويضات للضحايا؛ إذا لزم الأمر.

رغم المحاولات الإصلاحية يمكن الجزم بأن مستوى ما حقَّقه "بارو" لم يصل إلى المتوقع، فنجد أن جهود الإصلاحات المؤسسية -التي تُعتبر هي المعول الأساس للإصلاح الشامل- متعثرة حتى الآن، ويحتاج إلى إرادة سياسية قوية لا تتحمل التأخير أكثر.

كما لا يزال الإطار الاقتصاد الكلي يتميز بمستويات عالية من الدَّيْنِ، ففي عهد "جامع" كانت ديون غامبيا تُقَدَّر بنسبة تصل إلى 120% (7)، بينما قُدِّرَت بنحو 123.6% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017م. (8) فيما تراوح معدل التضخم بين 5 و6% يعني نفس الحالة التي كان عليها في أواخر عهد "جامع" مع تحقيق نمو اقتصادي طفيف وصل إلى 5 % في عام 2107م. (9)

من هنا يمكن القول: إن إدراة "بارو" حاولت القيام بإصلاحات على مستويات مختلفة، إلا أنَّ هذه الإنجازات لم تصل إلى مستوى التطلعات، وتعتبر بطيئة جدًّا، خاصةً فيما يتعلق بإصلاح هياكل الدولة، وفي مقدمته توفير دستور جديد للشعب، وبناء مؤسسات الدولة وفق قيم جديدة تُبْنَى على أساس العدالة والمساواة والمشاركة السياسية لجميع الفاعلين في المجتمع.

ثم التوجُّه إلى الإصلاحات الفرعية المتعلقة بشكل مباشر بحياة المواطن، ومن هذا المنطلق فإن هناك الكثير ينتظر إدارة "بارو"، وما تزال تحديات الدولة الموروثة من "جامع" حاضرة، وتحتاج إلى إرادة سياسية قوية لتجاوزها.

 

الإحالات والهوامش:

(1) Yaya Jammeh, la chute du « roi défiant les fleuves »

https://www.la-croix.com/Monde/Afrique/Yaya-Jammeh-chute-defiant-fleuves-2016-12-02-1200807589

(2) Gambia: Govt Announces Robust Institutional & Constitutional Reforms, https://allafrica.com/stories/201707250998.html 25 July 2017

(3) Gambian president Barrow calls for nationalism, institutional reforms, http://www.panapress.com/Gambian-president-Barrow-calls-for-nationalism,-institutional-reforms--12-630536961-146-lang2-index.html 12 january 2018

(4) The Gambia: President Adama Barrow pledges reforms, https://www.aljazeera.com/news/2017/01/gambia-president-adama-barrow-pledges-reforms-170128194124520.html, 28 Jan 2017

(5)  Gambia’s Road to Democratic Reform, https://africacenter.org/spotlight/gambia-road-to-democratic-reform/ April 24, 2018

(6)  The Gambia adopts first post-Jammeh national development plan

http://www.africanews.com/2018/02/08/the-gambia-adopts-first-national-development-plan-after-jammeh-era/,

(7) The Gambia's economy one year after Yahya Jammeh's departure, http://www.africanews.com/2018/01/21/the-gambia-s-economy-one-year-after-yahya-jammeh-s-departure//

(8)  The World Bank In The Gambia, http://www.worldbank.org/en/country/gambia/overview

(9)  Gambia Economic Outlook, https://www.afdb.org/en/countries/west-africa/gambia/gambia-economic-outlook/

 

كتاب الموقع