أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

عين على إفريقيا (11-12 سبتمبر 2022م): إفريقيا وأعباء "صناعة الحرب على الإرهاب"

تتعالى الأصوات الإفريقية الناقدة "لنفاق" المجتمع الدولي وتعدُّد مستويات المعايير في تعامله مع القضايا الإفريقية بشكل واضح في الآونة الأخيرة؛ ووسط ضجيج الذكرى الحادية والعشرين لأحداث 11 سبتمبر الأمريكية، وما تعلنه وزارة الدفاع الأمريكية وأذرعها النشطة في إفريقيا: قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا "أفريكوم" عن تحقيق اختراقات في ملف مكافحة الإرهاب في إفريقيا وخطط مستقبلية لتعميق التعاون الدفاعي الأمريكي- الإفريقي؛ بدا أن الأقارقة هم الذين يتحمّلون التكلفة الكاملة (ماديًّا وبشريًّا وخصمًا من مُقدّراتهم المستقبلية) لهذه الحرب التي لا يبدو في الأفق أنها ستنتهي بشكل واضح، ورصدت جميلة عثمان في مقالها حيثيات هذه الخلاصة بدقة بالغة.

بينما كشف المقال الثاني مسألة موازية تخصُّ النفوذ الفرنسي في إفريقيا والنقد الإفريقي المتزايد لطبيعة هذا النفوذ وتربُّحه من قضايا الإرهاب للعب أدوار الوساطة بين الاتحاد الأوروبي والقارة الإفريقية في هذا الملف؛ الأمر الذي يُواجَه برَفْض متزايد سواء مِن قِبَل قطاعات شعبية أم دوائر في الحكم في بعض الدول.

بينما يكشف المقال الأخير عن طبيعة ودور كندا في مذبحة ماريكانا الشهيرة التي شهدتها جنوب إفريقيا قبل نحو عام في مقاربة متميزة تنطلق من السرد التاريخيّ إلى خلاصات مدهشة.

الأفارقة يتحمّلون عبء الحرب الأمريكية القاتلة "على الإرهاب" في القارة([1]):

في مساء 20 سبتمبر 2001م توجَّه الرئيس الأمريكي حينذاك جورج و. بوش بخطاب إلى الشعب الأمريكي وضع فيه الأساس السياسي والعسكري والأيديولوجي "للحرب على الإرهاب"، باعتبارها حملة عالمية لقوى الأمن المتحالفة لإنهاء الإرهاب المحلي والدولي، وهو مصطلح فضفاض بات يشمل طائفة من الأفراد من مسلحي القاعدة إلى مطلقي الرصاص على تلاميذ المدارس ومشاغبي حركة 6 يناير، وصولًا إلى اليساريين ونشطاء حقوق الإنسان.

وعلى النحو نفسه اكتشف العالم في النهاية الفشل الكارثي "للحرب على المخدرات" (على سبيل المثال وكذلك الفشل في مواجهة التحديات المناخية)، كما اكتشف مزيد من الأفراد أن الحرب على الإرهاب هي حرب لا يمكن الفوز بها ضد عدو متغير بشكل مستمر.

وفي هذا الخطاب وعد بوش بأن ما سيلي لن يكون "عهدًا للإرهاب"، ولكن "عهدٌ للحرية، هنا وفي أرجاء العالم"، وبعد 21 عامًا من أحداث 11 سبتمبر تبدَّد "عهد الحرية"، وتحوّل إلى جهاز تجسُّس متَّسع، وموازنات دفاع متضخمة، وعمليات غزو واحتلال عسكري وموت وتشرُّد ملايين الأشخاص من العراق إلى الصومال. وفيما اعتبر الشرق الأوسط بؤرة الحرب على الإرهاب فإن أحد الحدود أو الأطراف المتضرّرة من هذه الحرب كانت القارة الإفريقية.

ففي العام 2007م، في بيئة ما بعد 11 سبتمبر السياسية والنفسية، دشَّن الرئيس بوش ووزير الدفاع الأمريكي وقتها دونالد رامسفيلد قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا U.S. Africa Command (AFRICOM) التي تشرف على جميع عمليات وزارة الدفاع الأمريكية في القارة الإفريقية من أجل "مراقبة وتحجيم تنظيمات التطرُّف العنيفة، وحماية المصالح الأمريكية"؛ بسبب الأهمية الاستراتيجية المتزايدة للقارة.

وتكونت "أفريكوم"، ومقرها مدينة شتوتجارت الألمانية، دون مساهمة أو دعم من أي زعيم إفريقي، وسط إدانة واضحة من القادة الأفارقة الذين وصفها بعضهم بأنها "محاولة لتأسيس مزيد من القواعد الأمريكية في القارة". وردًّا على ذلك قال مسؤولون أمريكيون: إن "أفريكوم" تستهدف تقديم المساعدات الإنسانية، ودعم السلام والاستقرار؛ لأن وجود "إفريقيا آمنة ومستقرة ومزدهرة يعد مصلحة أمريكية دائمة". لكنَّ بعض المنتقدين أشاروا إلى العراق وأفغانستان كمثالين واضحين على العواقب الكارثية للعسكرة الأمريكية لهذه الجهود "الإنسانية".

ولم يُسْفِر تكوين "أفريكوم" عن تحقيق "الأمان والاستقرار" الذي بشَّر به قادة الولايات المتحدة بل نتج عن تكوينها توسُّع مواطئ أقدام الجيش الأمريكي. وفي عهد إدارة أوباما وسَّعت "أفريكوم" بسرعة مجالها ونفوذها في القارة عبر التدريبات العسكرية المشتركة، والعمليات المشتركة لمواجهة الإرهاب، والمعونات الخارجية، وغيرها من الطرق الملتوية التي خلقت اعتمادًا على أفريكوم لتلبية الحاجات الدفاعية للدول الإفريقية.

وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة ليست في حرب مع أيّ دولة إفريقيا؛ إلا أن هناك 46 قاعدة ومحطة عسكرية أمريكية تنتشر على امتداد القارة، مع التركيز الأكبر على منطقة القرن الإفريقي. وتعمل قاعدة "كامب ليمونيه" Camp Lemonnier، وهي قاعدة عسكرية أمريكية في جيبوتي الدولة الصغيرة التي تصل نسبة الفقر بين سكانها إلى 79%، كمقرّ حالي لأفريكوم في القرن الإفريقي. وفي العام 2014م أمَّنت الحكومة الأمريكية عقد استئجار لمقر القاعدة لمدة 20 عامًا بقيمة 63 مليون دولار سنويًّا.

ورغم توسُّع وجود أفريكوم في القارة الإفريقية؛ فإن ذلك لم يؤدِّ إلى تراجع الإرهاب. فقد أفسح السقوط المدوي، المدعوم أمريكيًّا، لاتحاد المحاكم في الصومال في العام 2006م الطريق أمام جماعة أكثر تطرفًا، كمثال ضمن أمثلة أخرى على ما يُحدثه الفراغ في السلطة بسبب التدخل العسكري الأمريكي من تقوية الإرادة السياسية للجماعات الإرهابية وقوتها.

وكشف تقرير صادر عن مركز إفريقيا للدراسات الاستراتيجية Africa Center for Strategic Studies (ACSS) التابع لوزارة الدفاع الأمريكية (2019) عن تضاعف الأنشطة الإرهابية في الفترة من 2012 حتى 2018م، وارتفاع عدد الدول التي شهدت هجمات إرهابية بنسبة 960% خلال نفس الفترة. علاوة على ذلك فإنه كانت هناك زيادة قدرها عشرة أضعاف في حوادث العنف التي ارتفعت من 288 حادثًا في العام 2009م إلى 3050 حادثًا في العام 2018م. ويتَّضح من نُمُوّ بوكو حرام في نيجيريا، إلى تقدُّم جماعة الشباب في الصومال، إلى ظهور "داعش" مجددًا في ليبيا، أن الحرب على الإرهاب قد شهدت، بجميع القياسات، فشلًا ذريعًا في إفريقيا. وتحمُّل الشعب الإفريقي، الذي علق قسرًا في محور عنف الإرهاب الكارثي وجهود مكافحة الإرهاب المستمرَّة، عبء هذه الحرب الفاشلة.  

ومن الأمور التي نجحت فيها "أفريكوم" نجاحًا لافتًا تعزيز أرباح الشركات المنخرطة في صناعة محاربة الإرهاب المربحة، والتي لم تكن ممكنة دون وجود (حملة) "الحرب على الإرهاب". وكشف تقرير من جامعة براون Brown University (في العام 2021) حول "مشروع تكلفة الحرب" أنه من بين ثلث إلى نصف جميع عقود البنتاجون منذ 11 سبتمبر قد وُجّهت إلى شركات السلاح مُتعدّدة الجنسيات مثل: لوكهيد مارتن، وبوينج، وجنرال ديناميكس، ورايتون، ونورثروب جرومان. وأنه خلال الفترة من 2001م إلى 2020م قد كسبت هذه الشركات الخمسة بمفردها 2.1 تريليون دولار من عقود البنتاجون. إن الإرهاب أزمة سياسيَّة مصطنعة a manufactured political crisis. ومِن ثَمَّ فإنه ليس مثيرًا للدهشة أن مصنّعي السلاح العالميين هم مَن يتولون مهمة تسويق الحلول.

نفوذ فرنسا في إفريقيا يواجه قيودًا من المنافسين المحليين والأجانب([2]):

تُعد زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى الجزائر محاولة مِن قِبَل باريس لتعزيز سيطرتها الاقتصادية والثقافية على إحدى الدول التي كانت ضمن مستعمراتها السابقة. ففي 25 أغسطس الماضي وصل الرئيس الفرنسي ماكرون إلى الجزائر في زيارة مدتها ثلاثة أيام؛ بهدف البدء في إصلاح العلاقات الثنائية مع الجزائر، والتي تتَّسم تاريخيًّا بالشدّ والجذب، لكنَّها تدهورت في أكتوبر 2021م على خلفية تعليقات ماكرون التي تساءل فيها عن "وجود الجزائر كأمة قبل الاستعمار الفرنسي". وشهدت الأزمة الدبلوماسية التي تلت تلك التعليقات سحب الجزائر سفيرها من فرنسا، وغلق الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية.

وتعكس سياسة باريس تجاه الجزائر علاقات الأولى المعقَّدة مع الكثير من مستعمراتها السابقة في إفريقيا (منذ بدأ الفرنسيون تكوين محطات تجارية على الساحل السنغالي في مطلع القرن السابع عشر، وقيامهم بحملات عدَّة "ضد القراصنة وتجار الرقيق في شمال إفريقيا في منتصف ونهاية القرن السابع عشر). ومع مطلع القرن العشرين بسطت باريس سيطرتها على أغلب غرب إفريقيا ووسطها. على أيّ حال فإن الإمبراطورية الفرنسية تقلَّصت على نحو متزايد منذ الحرب العالمية الأولى، وكذلك في فترة احتلال ألمانيا النازية لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية. وسرعان ما بدأت عملية التخلُّص من الاستعمار الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية التي انتهت بعد العام 1960م، واستمرت في الجزائر حتى العام 1962م.

وفي سياق الحرب الباردة، حصلت فرنسا على دعم الولايات المتحدة لمساعدتها في احتواء الشيوعية في مستعمراتها السابقة في القارة الإفريقية فيما عُرِفَ بإفريقيا الفرنسية Francafrique- وهو المصطلح الذي صكَّه رئيس كوت ديفوار الأسبق فليكس هوافيه بونيه Félix Houphouët-Boigny في العام 1955م. وعلى امتداد إمبراطوريتها السابقة عمدت النخبة المحلية الناطقة بالفرنسية، أو التي تعلمت تعليمًا فرنسيًّا، إلى توطيد صِلاتها مع باريس لمساعدة هذه النُّخَب في العمل على حِفْظ الاستقرار الداخلي والشؤون الخارجية في بلدانهم عقب الاستقلال.

ورغم الهيمنة الاقتصادية الفرنسية الراسخة في "إفريقيا الفرنسية"؛ فإن العشرين عامًا السابقة شهدت تصاعد هيمنة الشركات الصينية وتهديدها لهيمنة فرنسا الإقليمية عبر شركاتها العملاقة في القارة. وبينما تفتقر الصين لشبكات ما بعد الاستعمار التي تتمتع بها فرنسا، فإن بكين دخلت إفريقيا باستثمارات سخية ودون عبء سياسي مُتعلّق باستعمار سابق. وبينما يوجد قَدْر من الشّكّ في دخول الشركات الصينية إفريقيا لتحقيق مصالحها؛ فإنها كانت بمثابة إشارة ترحيب بالمنافسة بعيدًا عن الاحتكار الفرنسي السابق.

وكانت فرنسا قادرة على تعزيز دورها الأمني في الإقليم عبر تقديم الدعم العسكري للحكومات في إفريقيا، وعبر تقديم دعم مباشر وتكتيكي للانقلابات في العديد من الدول الإفريقية. وفي العام 2013م بدأت فرنسا حملة عسكرية في مالي "عملية سرفال" Operation Serval (تلتها عملية برخان Operation Barkhane) لحماية مصالحها ومصالح حلفائها الإقليميين في إقليم الساحل فيما تُنسّق أنشطتها (بالكامل) مع الحرب الأمريكية على الإرهاب. على أيّ حال فإنَّ النتائج الملتبسة للحرب الفرنسية العسكرية على الإرهاب قُوبِلَت بنقد إقليمي متزايد؛ وبينما سعت الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة لفكّ ارتباطها عسكريًّا من أغلب مناطق القارة، فإن ذلك فرض على فرنسا ضغوطًا إضافية لخفض حادّ في حملتها في إقليم الساحل. كما انسحبت القوات الفرنسية من جمهورية إفريقيا الوسطى في العام 2016م ومن مالي في أغسطس.

وكان تآكل نفوذ فرنسا الثقافي جليًّا خلال زيارة ماكرون للجزائر في أغسطس؛ إذ كانت الحكومة الجزائرية قد أعلنت بالفعل في يوليو عن خطط تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس الابتدائية سيتمّ تطبيقها على نحو وشيك، وسط نقاشات عبر الإقليم تتساءل عن الدور المستقبلي للغة الفرنسية.

ومن جهة أخرى خطت فرنسا خطوات لربط الاتحاد الأوروبي بإفريقيا (عبر بوابة باريس). وفي فبراير 2022م قادت فرنسا محاولات لتجديد شراكة الاتحاد الأوروبي مع الاتحاد الإفريقي؛ وشهدت قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي في فبراير إعلان قادة الاتحاد الأوروبي عن استثمارات بقيمة 150 بليون يورو في إفريقيا للمساعدة في تنمية الإقليم. لكن رغم التنسيق بين الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي؛ فإن سياسات فرنسا الإفريقية تواجه تحديات أخرى جراء التنافس مع دول أوروبية أخرى.

وعلى سبيل المثال فإنَّ إيطاليا رأت جُلّ استثماراتها في ليبيا تضيع سدًى عقب تدخل الناتو في العام 2011م في ليبيا بضغط فرنسي كبير. وتواصل البلدان دعم أطراف مختلفة في الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا. وفي العام 2019م انتقد نائب رئيس الوزراء الإيطالي فرنسا لتوجهها لزعزعة الاستقرار في إفريقيا وانتهاجها سياسات اقتصادية تعوق التنمية وتزيد الهجرة من القارة.

ومع بدء منافسة متجددة مِن قِبَل دول أخرى؛ فإن الآليات السياسية والاقتصادية التي عفا عليها الزمن، والتي لا يزال الفرنسيون يستخدمونها، والمعارضة المتصاعدة لهيمنة فرنسا؛ فإن استراتيجية إفريقيا الفرنسية تفشل في مستعمراتها السابقة وعبر القارة. 

في الذكرى العاشرة لمذبحة ماريكانا: دور كندا في تمكين شركات التعدين في جنوب إفريقيا([3])

أطلقت عناصر جهاز الشرطة جنوب إفريقيا منتصف أغسطس 2012م النار على عمال المناجم المضربين في منجم "ماريكانا" Marikana للبلاتينيوم المملوك لشركة لونمين Lonmin البريطانية، وقُتِلَ في الحادث 34 عاملًا، وجُرح 78 آخرون، ووُجّهت أغلب الطلقات لهم في ظهورهم فيما ادعت عناصر الشرطة أنها كانت تدافع عن نفسها ضد مثيري الشغب. وكشفت بعثة التقصي الخاصة بالحادث Marikana Commission of Inquiry  (والتي عرفت أيضًا ببعثة فارلام Farlam Commission) في تقريرها النهائي الصادر في 31 مارس 2015م عن المتورطين في الحادث، ومن بينهم رئيس جنوب إفريقيا الحالي سيريل رامافوسا (النقابي البارز سابقًا بالأساس في مرحلة الشباب قبل نهاية الأبارتهيد) الذي كان يشغل وقت الحادث منصب مدير غير تنفيذي بشركة لونمين. ورغم مرور عشرة أعوام على الحادث فإنه لم يتم إلقاء القبض على أيّ من المتهمين بارتكاب المذبحة، ولا تزال أُسَر الضحايا والجرحى تقوم بمظاهرات للمطالبة بتحقيق العدالة كان آخرها قبل أقل من شهر (16 أغسطس).

والتعدين أحد الصناعات الرئيسة في جنوب إفريقيا، وثمة صلات قوية بين عمالقة التعدين في العالم الذين يستثمرون هناك ودولة جنوب إفريقيا، التي تستضيف كل عام فعالية مهمة تسمى Mining Indaba وهو تجمع قاريّ لأهمّ شخصيات الصناعة على المستويات القارية والدولية؛ بهدف الترويج لقطاع التعدين في إفريقيا، وترعى الحدث بعض شركات التعدين الكبرى ومن بينها العديد من الشركات الكندية؛ مع ملاحظة أنه في ظل النظام الاقتصادي الحالي فإن ثروة التعدين بجنوب إفريقيا لا تخدم التنمية الوطنية بها، بل إن أغلب الربح من المناجم الكبيرة يتم استثماره خارج جنوب إفريقيا مِن قِبَل طبقة الإدارة ا­­لتي يهيمن عليها البيض. وتُعدّ الشركات الكندية مسؤولة ضمن آخرين عن هذا الوضع، ومِن ثَمَّ فإن دور كندا في الحيلولة دون إصلاح اقتصادي جوهري في جنوب إفريقيا كان واضحًا للغاية لا سيما خلال مرحلة صياغة قانون التعدين الجديد من خلال مشاركة مسؤولي السفارة الكندية في جنوب إفريقيا في صياغة مسودة قانون التعدين، وأوضحت شهادات دبلوماسيين كنديين لاحقًا دور بلادهم الأبرز في تعديل القانون لصالح شركات التعدين الكبرى.

وهكذا فإنه بينما تحتفي الحكومة الكندية باستمرار بموقفها الذي يفترض أنه مبدئي ضد الأبارتهيد في جنوب إفريقيا؛ فإن السجل التاريخي يظهر أن كندا لم تدعم نظام الأبارتهيد لفترة أطول بكثير من الدول الأخرى فحسب، بل إنها حالت دون أيّ إعادة تنظيم راديكالية لاقتصاد عهد الأبارتهيد بعد سقوط نظام ديكليرك. ومن هنا فإن كندا ساعدت على تكوين السياق الاقتصادي والسياسي الذي وقعت فيه مذبحة "ماريكانا".   

 

كتاب الموقع