أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

عرض كتاب: الشَّيخ عثمان دان فوديو وحركة التّجديد الإسلاميّ بغربي إفريقيا

 

 

للإصلاح والتّجديد مكانةٌ محوريَّةٌ في الإسلام؛ إذ يمثِّل التَّجديدُ المناعة الداخليَّة المسؤولة عن تصفية الجسد الإسلاميِّ وتنقيته كلَّما ران عليه بعض الصَّدأ والأدران، وقد أكَّد الأثر النَّبويُّ هذه الحقيقة الملازمة للإسلام، وبيَّن أنَّ سيرورة الفعل التجديديِّ تتكرَّر على رأس كلِّ قرن.

وقد برْهَنَ التاريخ الإسلاميّ على أنَّ الإصلاح والتجديد عميق الجذور بإفريقيا، ظهر ذلك أوَّلَ ما ظهر في حركة المرابطين التي قامت بمنطقة الملثَّمين ببلاد السُّودان الغربيِّ في القرن الخامس الهجريِّ بقيادة الفقيه عبد الله بن ياسين (ت 451هـ/1059م)، وفي دعوة الشَّيخ الحاج محمد بن سالم سواري (ت 931هـ/1525م)، وفي حركة أسكيا الحاج محمَّد بصونغاي (حكم: 1493م - 1528م)، وحركة الإمام الشَّيخ ناصر الدين (1085هـ/1674م) بمنطقة فوتاتور السِّنغال وموريتانيا الحاليَّة، وغيرها من الحركات التصحيحيَّة التجديديَّة المتعدِّدة المتنوِّعة التي استهدفت التّغيير الإيجابيَّ للمجتمع السُّودانيّ على هدي الكتاب والسنّة.

 

تعريف بالكتاب:

في هذا الإطار؛ تأتي الدِّراسة التي قام بها د. آدم بمبا، ونشرتها مجلة قراءات إفريقيَّة بعنوان: (الشَّيخ عثمان دان فوديو وحركة التَّجديد الإسلامي بغربي إفريقيا)، بوصفها محاولةً لتتبُّع أهمِّ حركةٍ تجديديَّة، في هذا السِّياق، وهي دعوة الشَّيخ دان فوديو (ت 1232هـ/1817م)، وهي حركةٌ بدأها الشَّيخ بنشاطٍ تعليميٍّ تثقيفيٍّ زهاء عشرين سنة، وكان شعارُهُ آنذاك «إحياء السنّة وإخماد البدعة»، وتُوِّج هذا النَّشاط بقيام دولة الخلافة بصكوتو شماليَّ نيجيريا الحاليَّة، وعُدَّت أنجح تجربةٍ تجديديَّةٍ سياسيَّةٍ واجتماعيَّةٍ ودينيَّةٍ في تاريخ إفريقيا جنوب الصَّحراء.

وقد حاولت هذه الدِّراسة الإجابة عن أسئلةٍ جوهريَّة عدَّة: كيف تبَلْوَرَت الرُّؤية التجديديَّة عند الشَّيخ دان فوديو؟ وما ركائزها النَّظريَّة والفكريَّة؟ وما مدى تنزيل الرُّؤية التَّجديديَّة عنده في الواقع المعيش؟ وما مدى تأثير حركته في الدَّعوة والاجتماع ببلاد السُّودان الغربيِّ؟

للإجابة عن الأسئلة المطروحة؛ فقد انتهج فيه الباحث منهجاً تاريخيّاً تحليليّاً، انصبَّ على قراءة آثار الشَّيخ دان فوديو المتوفَّرة، من أجل سَبْر الرُّؤية التجديديَّة عنده في مجال الفقه، والسِّياسة، والتربية والاجتماع، والدَّعوة.

جاء الكتاب في (355) صفحة، بخمسة فصولٍ، تحت كلٍّ منها مباحث متفرِّعة.

 

فصول الكتاب:

في (الفصل الأوَّل) عُنِيَ الباحث برصد الظُّروف التاريخيَّة والاجتماعيَّة التي ظهرت فيها حركة الشَّيخ دان فوديو التَّجديديَّة ببلاد السُّودان؛ فاستَعرَضَ الظُّروف السِّياسيَّة والدِّينيَّة بمجتمع هَوسا والفولاني، والمدَّ الإسلاميَّ ومراحلَ تطوُّره بممالك هَوْسا التي سبقت ظهور حركة الشَّيخ دان فوديو، وكذلك الواقع الدِّينيّ المتمثَّل في طقوس «بُوري» الأرواحيَّة التي سادت المجتمع آنذاك، واصطرعت مع الإسلام في جميع مراحل وجوده ببلاد هوسا.

بعد هذا الاستعراض السُّوسيو-التَّاريخي؛ عُني الباحث في (الفصل الثاني) بتتبُّع الخلفيَّة العلميَّة للشَّيخ دان فوديو، وذلك من خلال استعراض القنوات التي تعلَّم عبرها، والعلماء الذين كان لهم تأثيرٌ مباشرٌ في تكوينه العلمي، وفي تشكيل الرُّؤية التَّجديديَّة عنده، وفي صقل شخصيَّته القياديَّة، ومنهم: والده، وخالُهُ الشَّيخ عثمان بِدُورِ، والشَّيخ جبريل بن عمر الأغاديسي.

بعد ذلك؛ جاء (الفصل الثَّالث) لتتبُّع المسار الدَّعويِّ عند الشَّيخ دان فوديو، والأدوات الفاعلة التي وظَّفها في هذا المجال من أجل نشر دعوته، وإحداث التغيير الهادف في مجتمعه، وما أسْفَر عنه من تأسيسٍ لدولة الخلافة الإسلاميَّة بصكوتو التي كانت تَسْتَلْهم الشَّريعة الإسلاميَّة في جميع أنظمة الحكم الدُّستوريَّة والقضائيَّة والإداريَّة.

بعد وضع دولة الخلافة في إطارها التَّاريخيّ المناسب، وتصويرها في واقعها الفعلي، انطلق الباحث في (الفصل الرَّابع) للنَّظر في الرَّكائز التي قامت عليها هذه الدَّولة في العقيدة، والفكر، والعبادة، والمعاملات، والاجتماع، والسِّياسة، وغيرها من مقوِّمات العمران، وقد تبيَّن من خلال هذا النَّظر أنَّ الشَّيخ دان فوديو كان ذا رؤيةٍ تجديديَّةٍ ثاقبةٍ في كلِّ تلك الجوانب المذكورة، قوامها الوسطيَّة السَّمحة.

وبما أنَّ الفصل الرَّابع في طبيعته نظري؛ فقد جاء (الفصل الخامس) من أجل النَّظر في المنجزات التَّجديديَّة التي تحقَّقت في الواقع المعيش في ظلِّ الخلافة الصُّكتيَّة؛ بوصف تلك المنجزات ترجمةً فعليَّةً للرُّؤى التَّجديديَّة التي تَبَلْوَرَت عند الشَّيخ دان فوديو، وهنا أيضاً تبيَّن أنَّ الشَّيخ- بمعيَّة أعوانه بُناة دولة الخلافة- قد وُفِّق إلى الكثير من المنجزات الحضاريَّة في الفكر والدِّين، وفي السِّياسة والاجتماع... ففي ظلِّ دولة الخلافة الصُّكتيَّة تحقَّقت وحدة «وطنيَّة» اجتماعيَّة وسياسيَّة لم تتكرَّر بعدُ في تاريخ القارَّة، كما تحقَّق في ظلِّها أمنٌ تامٌّ على الأنفس والممتلكات، وعدالةٌ اجتماعيَّةٌ ذات نسبةٍ عالية، وتحقَّقت في ظلِّها رفاهة اقتصاديَّة شاملة واضحة المعالم، وشهدت المجالات العمرانيَّة الحضاريَّة كافَّة تطوُّراً ملاحظاً على الرُّغم من القِصَر النِّسبيِّ لعُمْر دولة الخلافة التي لم تعش إلاَّ مائة عامٍ فحسب، وكان سقوطها إثر الغزو الإمبرياليِّ البريطانيِّ عام (1321هـ/1903م).

ولعلَّ ما يميّز شخصيَّة الشَّيخ دان فوديو التجديديَّة نجاحه في «صُنْع» الرِّجال الدُّعاة المصلحين، ذكوراً وإناثاً، حاملي الرُّؤية وتطبيقه في الواقع، وقد تجلَّى ذلك حتى قبل قيام دولة الخلافة، حين كان الشَّيخ في طور الدَّعوة والتربية والجهاد؛ حيث وصل طلبَته ومريدوه وقُوَّاده، وحَمَلة ألْويَته التي كان يعقدها لهم، إلى مواضع شاسعةٍ عن مركز الدَّعوة. كما تجلَّى هذا النَّجاح في صُنع الرِّجال، بظهور حركاتٍ تصحيحيَّة عدَّةٍ منبثقةٍ عن الخلافة الصُّكتيَّة، أو بالأحرى؛ فإنَّ جميع الحركات التّصحيحيَّة ببلاد السُّودان الغربيِّ، في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، هي منبثقةٌ عن الحركة التجديديَّة الصُّكتيَّة، منها: إمارة إلورينْ، وإمارة كونتاغورا بجنوبيِّ نيجيريا الحالية، والإمارة الإماميَّة «دينا» بعاصمتها «حمد الله» (1233هـ/1818م)، وحركة الشَّيخ عمر بن سعيد الفوتي (ت 1280هـ/1864م)، وحركة الشَّيخ محمد  الأمين صوننكي (ت 1306هـ/1888م)، وحركة الشَّيخ أحمد ديمي (ت 1312هـ/1894م)، وغيرها من الحركات الدّعويَّة والجهاديَّة التصحيحيَّة الناحجة بمنطقة سنيغامْبيا بغربيِّ إفريقيا.

هذا، وقد حدَّد الباحث في (الخاتمة) جملةً من النتائج والحقائق المهمَّة عن التجديد المتحقَّق ببلاد السُّودان؛ نتيجةً لحركة الشَّيخ دان فوديو الإصلاحيَّة وتأسيس دولة الخلافة، وهي نتائج عدَّها الباحث إجابةً مقنعةً عن الأسئلة الثَّلاثة المطروحة عن: ركائز الرُّؤية التجديديَّة عند الشَّيخ دان فوديو، ومدى تحقيقها في الواقع، وتأثيرها في بلاد السُّودان الغربي.

 

من تلك النّتائج:

أوَّلاً: أنَّ انتماء الشَّيخ دان فوديو إلى مجموعة الفولاني المسلمة، وإلى طبقة طُرودْبيهْ العلميَّة الملقَّبة بـ«أهل الكُتُب»، كان له الأثر المباشر في تشكيل الرُّؤية التجديديَّة في فكره وحركته، يُضاف إلى ذلك وجود ثقافةٍ علميَّةٍ إسلاميَّةٍ عريقةٍ ببلاد السُّودان الغربي، ومَوْروثٍ إصلاحيٍّ تجديديٍّ متواصلٍ في تاريخ المنطقة.. كلُّ ذلك وفَّر أرضيَّةً خصبةً لنماء الفعل التجديديِّ عند الشَّيخ دان فوديو وغيره من المصلحين المجدِّدين في التاريخ الإفريقي.

ثانياً: أنَّ دعوة الشَّيخ دان فوديو وحركته التجديديَّة قد انطلقت من رؤيةٍ دعويَّةٍ واضحةٍ مرسومة بإحكامٍ، بدأها بمشروعٍ تعليميٍّ تثقيفيٍّ مبسَّط في طُرُقه ومضمونه، مستهدفاً الشَّريحة العامَّة من المجتمع في القرى والأرياف، وفي المدن، موظِّفاً في ذلك الوسائل العادية من خطابةٍ ووَعظ، وأشعارٍ شعبيَّة، وكتابة رسائل مختصرة في شتَّى الموضوعات ذات العلاقة باهتمامات الأفراد والمجموعات اليوميَّة.

ثالثاً: أنَّ الشَّيخ قد عُني- أيَّما عنايةٍ- بتربية القادة والدُّعاة الذين عُرِفوا فيما بعد بـ«الجماعة»، رجالاً ونساءً، وكان من وسائله في هذه التَّربية والإعداد: تأليف رسائل مخصَّصة لهذه الفئة من الطَّلبة، كانت بأيديهم بمثابة أدلَّة عمليَّة في تربية نفوسهم روحيّاً ومعرفيّاً ومهاريّاً؛ من أجل القيام بمهمَّة الدَّعوة والتَّبليغ والتَّغيير.

رابعاً: أنَّ الشَّيخ دان فوديو قد ساهم إسهاماً عميقاً في إحداثٍ تغييرٍ ملحوظٍ في مجالاتٍ عدَّة: دينيَّة، واجتماعيَّة، وسياسيَّة، واقتصاديَّة، ففي المجال الدِّينيِّ- مثلاً- وُفِّق الشَّيخُ في إعادة المسلمين إلى تصحيح عقائدهم؛ بجعل القرآن الكريم المصدَرَ الأوَّل في أخذ العقائد، ونبذ البِدَع، والتمسُّك بالسُّنن النّبويَّة.

خامساً: أنَّ الخلافة الإسلاميَّة بتأسيسها على الشَّريعة الإسلاميَّة قد حقَّقت منجزاتٍ سياسيَّةٍ واقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ كثيرة، منها: تحقيق وحدةٍ وطنيَّة، وتنوُّعٍ إثنيٍّ ودينيٍّ متناغمٍ، وإحداث حالةٍ عاليةٍ من الأمن والعدالة الاجتماعيَّة، ونماءٍ اقتصادي، والارتقاء بالأداء الإداريِّ والسِّياسيِّ للحكَّام، تُحترم بموجبه الحريَّات والحقوق.

سادساً: أنَّ المرأة قد حظيت بمكانةٍ محوريَّة في الخلافة الصُّكتيَّة؛ مشارِكَةً في بنائها، وفي إدارة شؤونها، وفي الارتقاء بالجوانب الاجتماعيَّة بالمجتمع الهوساويِّ الفولاني.

سابعاً: أنَّ أكبر منجزات الفعل التجديديِّ الفوديِّ نجاحُهُ في استنساخ نفسه، وفي التَّرشيح لقيام حركاتٍ إصلاحيَّة في مناطق شتَّى من بلاد السُّودان، مثل حركات الجهاد بمنطقة سنيغامْبيا، وبمنطقة فولتا العليا، وبلاد يوريا، وهي جميعاً نتاجٌ مباشرٌ لحركة التجديد التي جاء بها الشَّيخ عثمان دان فوديو.

بالإجمال؛ يؤكِّد الباحث أنَّه «من الصَّعب رصد تأثير الحركة التَّجديديَّة الفوديَّة بأبعادها في الزَّمان والمكان؛ لذلك كان التَّركيز- في هذه الدِّراسة- حول تلمُّس تأثيراتها الماضية؛ إذْ إنَّ تتبُّع تأثيرها في المجتمع الإفريقيِّ الرَّاهن يحتاج إلى دراساتٍ متخصِّصة في مجالاتٍ متعدِّدة».

بعد ذلك أشار الباحث إلى أنَّ محاولة الكثير من ولايات نيجيريا تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة منذ 1999م، في مجال قانون الأحوال الشّخصيَّة والقانون الجنائي، هي محاولةٌ للعودة إلى التَّجربة الصُّكتيَّة النَّاجحة بكلِّ المقاييس، وباعتراف الإمبرياليِّ البريطانيِّ الذي اتَّكأ على هذه التَّجربة أيَّام الاحتلال الكولونيالي.

 

رؤية الباحث:

لعلَّ ما يمكن استخلاصُه من رؤيةٍ في هذا الكتاب؛ هو ما أشار إليه الباحث في الفقرة الأخيرة منه بقوله: «وما أحوَجَ مجتمعاتنا اليوم إلى النَّظر في هذا النموذج الصُّكتي، واستلهامِهِ في حلِّ الكثير من مشكلاتنا الرَّاهنة، خاصَّة في المجال الدِّينيّ السِّياسيّ الذي ما زلنا في مسافاتٍ بعيدةٍ عمَّا بلَغَهُ الشَّيخ دانْ فوديو وأعوانُه في تلك المجالات، رؤيةً وتطبيقاً».

كما رَجَا أن يُجلّيّ هذا الكتاب المتواضع للجيل المسلم المعاصر- الإفريقيِّ تحديداً- طرفاً من حياة هذا الدَّاعية المجدِّد؛ بما جسَّدَهُ من فَهْمٍ وَسَطيٍّ عميقٍ للإسلام: في مبادئه، وتعاليمه، وعباداته، وشرائعه... وما كان عليه من تسامُحٍ واسعٍ رحب، وما تحقَّق على يد الشَّيخ وأعوانه من نجاحاتٍ حضاريَّة مقارنةً بالواقع الإفريقيّ الحديث؛ على الرُّغم من وفرة موارد القارة، وإمكاناتها البشريَّة والطَّبيعيَّة، ووفرة الوسائل والأدوات الحديثة.

 

أخيراً:

تجدر الإشارة إلى أنَّ الباحث قد أورد في (ملحق الكتاب) مسارد لآثار الشَّيخ دان فوديو، وقد بلغت (115) مؤلَّفاً، المخطوط منها والمطبوع، وأكَّد أنَّ دراسته لم يتسنَّ لها الاطِّلاع على جميع تلك المصادر الأوَّليَّة، وبناءً عليه؛ رَجَا الباحث أن تُعنى البحوث المستقبليَّة حول الخلافة الصُّكتيَّة، وغيرها من الحركات التصحيحيَّة ببلاد السُّودان الغربي، بتحليل مضامين تلك المصادر الأوَّليَّة.

كتاب الموقع