أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ظاهرة الغلوّ والإرهاب في مالي

أصل هذا المقال بحث مقدَّم إلى مؤتمر : الإرهاب والتطرُّف وظاهرة الغلّو في أفريقيا المنعقد في أبوجا نيجريا ، بين 16- 19 أكتوبر عام 2016م.

إعداد: وفد جمهورية مالي إلى المؤتمر (*)

عُنِي الإسلام عناية شديدة بحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعرض. وبالتفكير المستقيم، وسخَّر للإنسان ما في الكون الحياة والوسائل والأساليب؛ ليستفيد منها في عمارة الأرض وتحقيق مصالح العباد والبلاد.

إنَّ تغيير الأفكار والآراء والمواقف والاتجاهات من أهمّ الأسباب والوسائل إلى تغيير السلوك. وإنَّ الإرهاب والتطرف والغلوَّ والانحراف الديني أخطر أنواع الانحراف وأشكاله؛ لما يترتَّب عليه من ويلات تلحق بالفرد والمجتمع والأمَّة.

وقد ظهر الإرهاب والتطرف وظاهرة الغلوِّ في الدين في جمهورية مالي في فترات متعدِّدة وعند جماعات مختلفة، وبأساليب ووسائل متفاوتة. ويمكن تقسيم تاريخها إلى عهدين: الأوَّل ما قبل أحداث عام 2012م، والآخِر ما بعده.  

 

في العهد الأوَّل نجد– منذ الخمسينيَّات من القرن العشرين الميلادي- بوادر وجود الغلوِّ والتطرف في مجمتع مالي؛ بحوادث مؤسفة جدًّا وقعت على أهل السنَّة، وصلت في بماكو عام 1957م إلى إحراق بعض مساجدهم وممتلكاتهم، وإغلاق بعض مدارسهم، ومنعهم من بناء مساجد خاصَّة بهم. وظهر–أيضا- خطابٌ دينيٌّ مُتشدِّدٌ يَتساهَلُ كثيرا في تكفير المسلم بالذنوب حتى بعض التي ليست من الكبائر.

وفي منتصف السبعينيَّات من القرن العشرين الميلادي ظهر في شرق مالي حركة الخوارج باسم الجمعيّة الإسلاميّة: (جمعيّة أنصار السنّة). كما ظهر في نهائيات الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي ظهرت جماعة تنتسب إلى الإسلام سمَّت نفسها بـ ” دين الحُفاة ” sen lankolo dine أسسها شيخ إبراهيم خليل كوناتي في مالي تمكَّنتْ من استقطاب بعض الأتباع في أماكن مختلفة في سنوات 1990م وما بعدها. داخل مالي وفي الدول المجاورة ساحل العاج، وبوركينا فاسو، وغينيا. تقوم فكرة الجماعة على رفض كل ما هو حداثي (جديد أو معاصر) وإنتاج غربي، من ملابس ومساكن ومآكل ومراكب…إلخ. ومن هنا جاء أصل تسميتها بدين الحفاة لرفضها أن ينتعل أفرادها النعال؛ تشدُّدا في الابتعاد عن منتجات الحضارة الغربية، وصل بهم الأمر إلى رفض أن تطأ أقدامُهم الشوارع المعبَّدة، أو أن يصلُّوا في المساجد بحجَّة أنَّها مبنيَّة بموادّ غربيَّة،؛ فاختارت العيش في القرى والمخيَّمات، أو في الأحياء النائية داخل المدن، والهدف من ذلك كله –حسب زعمهم- هو تشكيل مجتمع مثالي.

اضطرَّت الحكومة إلى مواجهتها لأسباب منها: أنَّ هذه الجماعة لا تعترف بشرعيَّة الدولة ومؤسساتها. وترفض دفعَ الضرائب إلى الدولة. كما ترفض مشاركة أطفالهم في حملات التطعيم التي تنظمها الدولة ضدّ بعض الأمراض. وقد بدأت المواجهة معهم في عام 1998م  بعد أن قتل أتباعُها أحدَ القضاة في مدينة جويلا Dioila  فاعتقلتْ الحكومة رئيسَها ومؤسسها وكثيرا من أتباعه؛ فتوقف زحفها في مالي وفي الدول المجاورة.

وظهر عند بعض الجماعات أفكارٌ متطرِّفة كتحريم الالتحاق بالوظائف الحكوميَّة، بل مطالبةُ مَن فيها بتركها؛ ليبتعدوا عن الحرام. وفي مقابلهم خطابٌ علمانيٌّ مُتَشدِّدٌ في الهجوم على الإسلام وتعاليمه وازدادت أُوارها بما يجري في الدول الغربيَّة منذ أحداث 11 سبتمبر2001م. واستطاعت الحركاتُ الجهاديَّة أن تثبِّت أقدامَها في صحراء مالي، وهي تقوم بالاستقطاب والتدريب والشحن بالأفكار المتطرِّفة، والمعتقدات المنحرفة.

 

أمّا العهد الثاني فيبدأ بسيطرة الحركات المتطرِّفة المسلَّحة عام 2012م على مدن شمال مالي حيث شهد البلدُ واقعا مريرا من الانحراف الفكريّ الخطير، والتطرُّف والغلوّ، والإرهاب، من مظاهره: تكفيرُ المجتمع الإسلامي في مالي. استباحةُ دماء المسلمين وحمل السلاح لتطبيق الشريعة وإقامة إمارة إسلاميَّة مهما يكن ما يترتَّب عليه من أضرار؛ فالغاية تُسوِّغ الوسيلة. غلبةُ أنواع من الجهل عليهم كالجهل بالحكم ألشرعي والجهل بدلالات النصوص ومقاصد ألشريعة والجهل بفقه الواقع وبأسلوب تنزيل الحكم على الواقع، والجهل بالمنهج الصحيح في التلقِّي والاستدلال وفي التعامل مع النصوص ، والجهل بشروط الجهاد الشرعيّ وضوابطه، مع عجز شديد عن الموازنة بين المصالح والمفاسد.

وقد ظهر التطرُّف والغلوِّ في هذا العهد عند عدَّة حركات:

أوَّلا:  غلاة ينتسبون إلى السُّنَّة، كجمعيَّة أنصار السنّة (الخوارج) غالبيَّتُها من سنغاي. وقد ظهرت منتصف السبعينيّات من القرن الميلادي الماضي في مدينة غاو. تكفِّر من لا ينتمي إليها، ولا تزاوجهم، ولا تأكل ذبائحهم، ولا تصلّي خلفهم أوفي مساجدهم؛ إذ تعدّهم مشركين أو مرتدّين. كما أوجبت الهجرة إلى مراكزها في تَجمُّعاتٍ خاصة.  ولمَّا سيطرتْ الحركات الجهاديَّة المنحرفة على شمال مالي عام 2012م كان أعضاؤها أوائل منْ انضمَّ إليهم؛ إذ رأوا فيهم تحقيقا لمساعيهم منذ عشرات السنين.

 ثانيا: غلاة الصوفية، وبخاصَّة التيجانيّة، وجماعة أنصار الدين الدوليَّة التي أضافت إلى اسمها كلمة ” الدوليَّة” لتمييز نفسها عن حركة أنصار الدين الطارقيَّة الجهاديَّة التي ظهرت في شمال مالي مع أحداث عام 2012م. لم تألُ  هذه الحركات جهدا في إبراز نفسها في صورة مَن يمثّلون الإسلام الحقيقي إسلام التسامح، إسلامَ الآباء الذي مبناه التيسير والمحبَّة والسلام. مقابل إسلام جديد مستورد – حسب زعمهم- من الشرق، يعتمد التشدُّدَ والتكفير، والعنف. ومحاولاتها الكثيرة لتأليب الإدارات الحكوميَّة على السنَّة وعلى القيادات السنِّيَّة البارزة وعلى مساجدهم. إضافة إلى عودة ظهور مصطلح ” الوهابي” إلى الساحة بعد أن كاد يختفي فيها  باستعمال مصطلح ” أهل السنَّة”. 

ثالثا: الشيعة وتمدُّدها:  من حيث الوجود التاريخي فإنَّ هذه الفرقة غريبة على البيئة الإسلاميّة في غرب أفريقيا وعلى جمهوريّة مالي، ولم يكن التشيُّعُ -عقيدةً- معروفا لدى النّاس في مالي لا قديما ولا حديثا إلى أن ظهرت الثورة الخمينيَّة في إيران؛ فَأدَّتْ إلى انتباهِ كثير من مسلمي مالي إلى الشيعة. ولَعلّ أوَّلَ اتصال في العصر الحديث للتشيُّع ببعض طوائف مالي كان عن طريق القنوات الدبلوماسيّة وافتتاح السفارة الإيرانيّة فيها و المراكز الثقافية التابعة لها وعن طريق التجارة والاستثمار وذلك لايجاد فرصة إقامة معرض إيراني في مالي، ثمَّ أخذ يتمدَّد ويقوِّي علاقاته بالطوائف الصوفيَّة؛ إذ يجمعها إقامةُ المزارات وتقديسها، والإفراط في تقديس الشخصيات، والتغنِّي بحبّ الرسول صلى الله عليه وسلم وبحبّ آل البيت، والمظاهر الاحتفالية الصاخبة….إلخ.  وفي الآونة الأخيرة  يظهر بجلاء – في مالي وبخاصَّة بماكو – قوَّةُ الصلة والتعاون بين الصوفية والشيعة في:  تنظيم الندوات والمحاضرات العامَّة المشتركة، وبخاصَّة ما ينظِّمها جماعة أنصار الدين الدوليَّة. واستعمال قيادات الشيعة المكثَّف لقناة ” الشريفيَّةCHERIFELLA   ” الفضائية التي تملكها هذه الجماعة.  والعداوة المشتركة – على تفاوت- لأهل السنَّة.

رابعا:  الحركاتُ الإرهابيَّة المسلَّحة التي تسمِّي نفسها بالجهاديَّة والتي سيطرت على شمال مالي منذ عام 2012م. منها:

القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، معظم قياداتها وأعضائها من الجزائر، وموريتانيا، والصحراء الغربية، وتونس، وليبيا.

حركة أنصار الدين: قائدها الطارقي إياد أغ غالي، كان عضوا في جماعة التبليغ، ولم يسبق له في كل التمرُّدات التي شارك فيها مطلب إسلامي واحد. عُيِّن قنصلا عامًّا لمالي في جدَّة  ولبس لبوس السلفيَّة قبل أن تطرده السلطات السعوديَّة؛ فعاد إلى مالي وأسَّس الحركة. أغلبُ أعضائها من طوارق مالي وبخاصَّة الإيفوغاس الذين وجدوا فيها حركة شعبيَّة سلفيَّة جهاديَّة.

حركة التوحيد والجهاد بغرب أفريقيا: (MUJAO)، مُعظمُ عناصرها من عرب موريتانيا،  والجزائر ، والصحراء الغربية المقيمين في الجزائر، وأفراد من عرب مالي. و يرى بعض الباحثين أنَّ هذه الحركة إنَّما هي النسخة العربيَّة لحركة أنصار الدين الطارقيَّة. الأولى حركة جهاديَّة سلفيَّة عربيَّة، والأخرى حركة جهاديَّة سلفيَّة طارقيَّة. ثمَّ تمكَّنوا من استقطاب بعض المجموعات الإفريقيَّة.  وفي يوليو 2014م أعلنت ولاءها لــ” داعش”.

الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) في شمال مالي، التي أعلنت عن استقلال إقليم شمال مالي في أبريل/ نيسان 2012 بعد انتصاراتها الميدانية ضد الجيش المالي. وينتسب أغلب عناصر الحركة إلى الطوارق مع تمثيل أقل للعنصر العربي في شمال مالي ومع أن عدد مسلحيها يقدر بألفي جندي عمل أغلبهم في ليبيا وعبروا الجزائر بعد سقوط القذافي ليكونوا أول من يواجه الجيش المالي ويبسطوا سيطرتهم على أغلب مناطق شمال مالي. غير أن الحركات الجهادية السلفية ما لبثت أن طردت الحركة من جميع مناطق الشمال الواقعة تحت سيطرتها ليصبح وجودها العسكري شبه معدوم في الميدان، لكن جناحها السياسي النشط، والموجود أساسا في فرنسا وبلجيكا، ظل يسجل حضورا في بعض المنابر الإعلامية والدبلوماسية في الوقت الذي ضعف الوجود الميداني للجناح العسكري. ولا يبدو أن المشروع الانفصالي لهذه الحركة سيرى النور حيث بات وجودها الميداني منعدما عندما أزاحتها بقوة الحركات الجهادية التي لها مقاربة مختلفة خصوصا حركة أنصارا لدين التي ترى ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في إقليم أزواد بل وتوسيعه ليشمل مختلف التراب المالي مما يعني أنها لا تريد الانفصال. ويظل مشروع الانفصال التي أعلنت عنه هذه الحركة عرضة لتحديات أخرى منها أن الجزائر وهي أقوى وأبرز دول الإقليم- وكذلك النيجر، لن تسمحا بقيام دولة طارقية على حدودها إذ من شأن ذلك أن يهدد أمنها خصوصا وأن ساكنة الجنوب الجزائري وكذلك الغرب النيجيري كلهم من الطوارق. ومن أعمال التطرف لهذه الحركة نهب الإدارات الحكومية والأهلية، والمصارف (البنوك)، وانتهاك الأعراض، وتعدي على الأبرياء، وحرق المخطوطات واغتصاب النساء، و التعاون مع الجماعات الإسلامية المسلحة في المنطقة ومجزرة أغليهوك، وكل ذلك بالتعاون مع جهات خارجية وخاصة فرنسا مما أعطى فرصة لفرنسا والقوات الأممية لدخول مالي. وفي الوقت الحالي نجد بعض الحركات تعلن انفصالها عن هذه الحركة ( حركة MNLA) لأن كل منها تريد نصيبها من الكعكة، وهذا دليل على أن هذه الحركة كانت تسعى لإيجاد مصالح فردية

جبهة تحرير ماسينا: تسعى في إحياء قوميَّة فولانيَّة إسلاميَّة تنفصل عن بماكو، وتنهَج منهج الدولة الإسلاميَّة الفولانيَّة (دولة دِينا) التي أقامها أحمد لبُّو في إقليم ماسينا في القرن التاسع عشر الميلادي( 1818- 1862م)، تُطبِّق الشريعة الإسلاميَّة وتمنع القوانين الوضعيَّة. غالبيَّة أعضاء هذه الحركة من الفلانيين الذين كانوا يُقاتِلون في شمال مالي، وقد عُرِفت مجموعتهم بـــ” كتيبة ماسينا”. أعلنت عن تأسيسها في أبريل 2015م بقيادة أحمد كُفَّ، نسبة إلى قرية كُفَّ بمنطقة موبتي. وهي على علاقة وثيقة بالقاعدة وحركة أنصار الدين، ودعت للانضمام  إلى حركة بوكو حرام.

حركة أنصار الدين- الجنوب: أعلنت عن نفسها في عام 2015م، غالبيَّة أعضائها من سكَّان جنوب مالي وبخاصَّة الماندنغ/البمباره، وهم ممَّن قاتلوا في أنصار الدين شمال مالي وكانت مجموعتهم تُعرَف  بــ”كتيبة خالد بن الوليد”. تنشط على حدود مالي وساحل العاج  وغينينا كوناكري.

انطلقتْ كلُّ هذه الحركات وغيرها من الانحراف الفكري، واتفقَّت في الأهداف والوسائل، واستراتيجيَّتها. فهي تُكفِّر المجتمع، وتَهدِف إلى تطبيق الشريعة وإقامة إمارة إسلاميَّة، ومقاومة الوجود الغربي في المنطقة. ثمَّ اتَّخذت السلاح والعنف، والتخريب، والتدمير، والتفجير، وانتهاك الأعراض، وزهق الأرواح البريئة، واختطاف الأجانب، وسيلتَها الفضلى لتحقيق أهدافها، يدفعهم جهل مُطْبِقٌ بالشريعة ومقاصدها، وبفقه الواقع والأولويات، مع ردّ النصوص الثابتة إذا لم توافق أهواءهم وفكرهم المنحرف. وأغلب مَن تضرَّر  بأعمالهم الشنيعة -حسيًّا ومعنويًّا – هم المسلمون وأموالهم وأعراضهم.

 

كان من الآثار الدينيَّة والاجتماعيَّة لِما قامت به الحركات المسلَّحة في شمال مالي:

-انتشارُ أفكار الغلوِّ والإرهاب والتطرُّف، واستعمال الإكراه والعنف المسلَّح. والتغرير بالشباب المتحمس.

- زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، وتهديد الوحدة الوطنيَّة وإنهاك الدولة، وتعطيل مصالح العباد والبلاد في جزء كبير من البلد.

- تسهيلُ تهريبِ السلاح والمخدِّرات والبضائع داخل البلاد وخارجها.

- تهجير مجموعة كبيرة من الشعب داخل مالي وفي مخيِّمات اللاجئين في الدول المجاورة.

- عودةُ الحرب على المدارس القرآنية؛ بحجَّة انضمام بعض أبنائها إلى الحركات المسلَّحة.

- تأليبُ غُلاة المتصوِّفة للحكومة على أهل السنَّة، واقتراحُ أنفسهم كبديل إسلامي مسالم، ملتزمٍ بإسلام الآباء، بعيدٍ عن الإسلام المستورد من الخارج الذي ينزع إلى العنف والقتل والتدمير.

- سوء استغلال بعض الأحداث للتطرُّف في محاربة الدين جَهارا نَهارًا كالدعوة إلى منع الحجاب الشرعي بحجَّة أنَّ جماعة بوكو حرام وأمثالها تستغلُّ فتياتٍ مُتحجِّباتٍ للقيام بالتفجيرات.

- انتشارُ محاربةُ التعليم الإسلامي العربي السنِّيّ في الداخل والخارج؛ باقتراح بديل عنه يسمَّونه تعليم الإسلام التقليدي الموروث عن الآباء وضرورة العودة إليه؛ للحيلولة دون هجرتهم إلى المشرق، حيث يدرسون – في ظنِّهم – التطرُّف والعنف ثمَّ يعودون بدين جديد.

 

 بعد كل ما تقدَّم يرد سؤال جدّ مهمّ وهو: ما الجهود التي بَذَلها العلماء والدعاة في مواجهة الإرهاب والتطرُّف وظاهرة الغلوِّ في جمهورية مالي؟

الجواب: لقد بذل العلماء والدعاة، والباحثون –ولا يزالون يبذلون- جهودا كبيرة في التصدّي لهذه الحركات المسلَّحة، ونقض أفكارها ومعتقداتها، والتحذير منها، وبيان خطورتها على الأفراد والمجتمع، وعلى الأمن والاستقرار. واستعانوا في تحقيق ذلك بكلِّ الوسائل المتاحة لهم كالسعيِ في محاورة قياداتهم علميًّا، وإصدار البيانات، والوعظ والخطب في المساجد والإذاعات، وتنظيم الندوات العلميَّة، والمُلتقَيات الدعويَّة، وكتابة البحوث العلميَّة ونشرها، والمشاركة في المؤتمرات الإقليميَّة والدوليَّة. من نماذج تلك الجهود:

 أوَّلا: ما جاء في مراسلة الخوارج: الجمعيَّة الإسلاميَّة (جمعيَّة أنصار السنَّة)، فقد تصدَّى للردّ عليهم علماء منطقة غاوفي الداخل والخارج. ولمَّا استفحل أمرُهم وبلغ إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت 1420هـ)- رحمه الله- أرسل عام 1403هـ وفدًا ومعه رسالة إلى رئيسها للإصلاح والنصح والإرشاد، والأخذ بيدها إلى توحيد كلمة المسلمين والدعاة، وسدِّ الأبواب التي قد تُؤتَى الدعوةُ من قِبَلها بسبب هذه الجمعيَّة ونحوها، وأفكارها المنحرفة، وكيف أنَّها – بتصرُّفاتها- ستكون من معوِّقات نشر الدعوة الإسلاميَّة، والأمن والاستقرار في بلاد المسلمين.

ثانيا: الملتقى الدعوي العلميّ: (الداعية في مواجهة التحدِّيات الفكريَّة والعقديَّة) بماكو 26/7-1/8/ 1432هـ 1-3/7/2011م. تنظيم رابطة الدعاة في مالي وكليَّة طوبى للدراسات الإسلاميَّة برعاية لجنة الدعوة في أفريقيا. شارك فيها (60) داعية من جميع مناطق مالي. وقُدِّمتْ (23) ورقة عمل في موضوعات مختلفة وبخاصَّة ما يتعلَّق بالشيعة وعقائدها المنحرفة وخطرها على أمن المجتمع وسلامة الوطن.

ثالثا: الدراسة العلميَّة للمجلس الإسلامي الأعلى: (حَملُ السلاح لتطبيق الشريعة في العصر الحديث، ما وقع في مالي نموذجا) رمضان 1433هـ يوليو 2012م. شارك في اللجنة العلميَّة المكلَّفة بإعدادها ما لا يقلّ عن عشرين عالما وداعية من مختلف التخصُّصات وحاملي الشهادات العليا والطوائف، ثمَّ تمَّ إقرارها في بماكو  23 سبمتبر 2012م. كان الهدف من هذه الدراسة أن تكون مُنطَلَقا لمحاورة الحركات المسلَّحة المسيطرة على شمال مالي في لقاء للتفاوض يوم 10/1/2013م. ممَّا جاء في هذه الدراسة العلمية: – أنَّ حمل طائفة من الماليين ومَنْ معهم من غير الماليين ، للسلاح باسم الجهاد ، لا يُعَدُّ -لا نقلا ولا عقلا- من الجهاد الذي نادى به الإسلام، بل هو محاربةٌ لله ورسوله وفسادٌ في الأرض، ترتَّب عليهما مفاسد جسيمة. -أنَّ ما ارتكبوه – ولا يزالون يرتكبونه – باسم تطبيق الشريعة ، لا يُعَدُّ -أيضا- من تطبيق الشريعة على الوجه الذي نادى به الإسلام؛ لأنَّ حمل السلاح على المسلمين من المحظورات الشرعية المعلومة من الدين بالضرورة، ولأنّه لا يتوفَّر في حملهم شروطُ تطبيق الشريعة، ولا ضوابطه، ولا وسائله، بل هو انتهاكٌ لأعراض المسلمين، وسفكٌ لدمائهم، وفيه تشويهٌ لصورة الإسلام والمسلمين، وتنزيلٌ للنصوص في غير منازلها، وإضاعةٌ لمكاسب عظيمة وقوَّة معنويَّة جَنَتْها الجمعيّات الإسلاميّة في مالي على جميع المستويات. – تطبيقُ الشريعة الإسلامية نظاما للحياة مبدأٌ مُجمَعٌ عليه لكنَّه بحاجة إلى تهيئة الظروف، والوسائل، وتحقيق مجموعة من الشروط والضوابط.

رابعا: بيان اتحاد علماء أفريقيا حول اندلاع الحرب في مالي، رقم 6، بتاريخ 7/3/1434هـ 19/1/2013م. ممَّا جاء فيه: بناءً على الضوابط الشرعيَّة والحقائق الميدانيَّة يرى الاتحاد أنَّه لا يصح وصف ما قامت به هذه الجماعات المسلَّحة من هجوم بالجهاد في سبيل الله، وأنَّ ما ترتَّب على أفعالهم من المفاسد أعظمُ من المصالح المتوقَّعة. يستنكر الاتحاد الأعمالَ المخالفة لمبادئ الإسلام من الاعتداء على المدنيين أو دُور العبادة خلال الأعمال الحربيَّة، وخطفِ الرهائن على اختلاف جنسيَّاتهم وأديانهم، والعمليَّات التفجيريَّة التي يروح ضحيَّتها الأبرياء. يؤكِّد الاتحاد أهميَّة التوعية والتثقيف لترسيخ مبدإ الوسطيَّة ومعالجة مشكلة الغلوّ في الدين، ويطالب الهيئات العلميَّة وغيرها بالقيام بمسؤوليَّاتها في ذلك.

خامسا: الدورة الشرعيَّة:(منهج الخوارج: عار ودمار) تنظيم دعــاة وزارة الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف في الرياض بمقرّ رابطة الدعاة في مالي، بماكو 20-22/10/1435هـ 17-19/8/2014م، قدَّم فيها(18) داعية أوراقا. منها: التعريف بالخوارج وبيان صفاتهم وعلاماتهم وشُبُهاتهم والردّ عليها، وحركة الشبَّاب نموذجا، ومَنْ له إعلان الجهاد (تنظيم الدولة الإسلاميَّة نموذجا)، وحكم عمليَّات الخطف والاغتيال: جماعة بوكو حرام نموذجا)، ومنهج السعوديَّة الوَسَطي: فتاوى علماء السعودية المعاصرين: عهد الملك فهد والملك عبد الله)، وحُكمُ الأعمال الانتحاريَّة والتفجيريَّة،  والإباضيَّة….إلخ.

سادسا: دَورةُ الآل عام 2015م:(دورة الدعاة والأئمة والخطباء في مالي: معا لأجل الآل والأصحاب) تنظيم رابطة الدعاة في مالي 1-5/6/1436هـ 21-25/3/2015م. قُدِّمت فيها بحوث كثيرة تناولت الشيعة من جوانب مختلفة.

 سابعا: ظاهرةُ الغلوّ في الدين: الأسباب والعلاج، تنظيم اتّحاد علماء أفريقيا. فقد وضع الاتِّحاد خطَّةً لمواجهة هذه الظاهرة في كلِّ دول الاتحاد؛ فأُقيمتْ ندواتُ التحصين في عدد من الدول (13) دولة. وفي هذا الإطار نظَّم مكتب الأمانة العامَّة في مالي بالتعاون  مع المجلس الإسلامي الأعلى ندوة (ظاهرة الغلّو في الدين، الأسباب والعلاج). وذلك يوم السبت 13/6/2015م. تَناولت الأوراقُ: التعريفَ بالغلوّ وأسبابَه ومظاهره، مخاطرَه وآثاره والتحذير منه، والعلاج وطرق التحصين.

 ومن البحوث المنشورة على الإنترنت: هَلْ مِن تطبيق الشريعة ما قامت به الحركات المسلَّحة في شمال مالي؟ د.هارون المهدي ميغا، بماكو 08/01/2013م. (منشور على الشبكة العنبكوتيَّة، ومُدوَّنة: مجلس علماء وكتَّاب شمال مالي).  جاء في هذا البحث: أنَّ مِن المُسلَّمات عند كلّ مسلم حقيقي أنّ شريعة الإسلام صالحةٌ لكلّ زمان ومكان، وتُطبَّق بالشروط والضوابط التي استنبطها العلماء من النصوص الشرعيّة وفصَّلوا القول فيها. وأنَّ ما جرى في مدن شمال مالي ممَّا يُسمَّى (تطبيق الشريعة) لا علاقة له –لا من قريب ولا من بعيد- بالتطبيق الحَقِّ للشريعة وإنْ سمَّوه كذلك؛ لأنَّه يَفتقِد تلك الشروط والضوابط الأساس. ولأنَّهم حَصرُوا الشريعة الشاملة لكلّ شؤون الحياة حَصروهَا في بعض الحدود الجنائيَّة وبعض المظاهر؛ ولأنَّه بالموازنة بين ما جَرى في مدينتَـيْ غاو وتنبكتو وبين ما جَرى في مدينة كيدال، يظهر الاستهزاءُ بالشريعة، والتمييزُ والتمييعُ في تطبيقها بمدن شمال مالي على أيدي المسلَّحين.

أمَّا تطبيق الشريعة بِهدم المزارات في مدينة تنبكتو  فقد كان هدمُها أشدَّ ضررا على الإسلام والمسلمين:

1- أنَّ هدمَها أدَّى إلى اعتبارها  تراثا عالميا، ومعنى ذلك إعادة بنائها، والعناية بها والمحافظة والإنفاق عليها بشكل أكبر وأوسع ممَّا كانت عليه قبل الهدم. ومن القواعد الإسلاميَّة المشهورة ” الأخذ بأخفِّ الضَّرَرين ” و ” دَرْء المفاسد أو تقليلها مُقَدَّم على جَلبِ المصالح أو تكميلها ” و ” الضَّرَر لا يُزال بِضرَرٍ أشدَّ منه “.

2- إضعاف جانب دعاة أهل السنَّة والجماعة الذين يدعون إلى تغيير الجانب السيئ من زيارتها بالحكمة والموعظة الحسنة؛ بتصويرهم في صورة برابرة ضدَّ كلِّ ما هو إنسانيّ وبأنَّهم دعاةٌ إلى دينٍ دخيل على أفريقيا. والمسلم العاقل الواعي- كما يقول ابن تيمية رحمه الله- ليس مَن يعرف الخيرين والشَّرَّين، وإنَّما هو مَن يعرفُ خيرَ الخَيرين وشرَّ الشَّرَّين.

من تلك البحوث: مَن له إعلان الجهاد: تنظيم الدولة الإسلاميَّة نموذجا. بحث مقدَّم إلى الدَّورة الشَّرعيَّة:(منهج الخوارج: عار ودمار) إعداد/ د.هارون المهدي ميغا.

تنظيم دعاة وزارة الشؤون الإسلامية بالرياض، بماكو 20-22/10/1435هـ، 17-19/8/2014م. تناولت هذه الدورة العلميَّة الشرعيَّة قضيَّة حمل حركات جهاديَّة للسلاح في وجوه إخوانهم المسلمين؛ بحُجَج كثيرة، وأهداف مختلفة، مبناها انحراف فكري.

ومن البحوث -أيضا-: نماذج من دور قياداتٍ دينيَّةٍ إسلاميَّة خارجيَّة في الأمن والاستقرار بمالي: قديما وحديثا (منشور على الشبكة العنبكوتيَّة، ومدوَّنة: مجلس علماء وكتَّاب شمال مالي” ). بحث مقدَّم إلى الدورة التأهيليَّة: (دور القيادات الدينيَّة في تعزيز السِّلم والمصالحة الوطنيَّة في مالي )، التي نظَّمتها رابطة العالم الإسلامي بالتعاون مع مكتب هيئة الإغاثة العالميِّة، في بماكو مالي بتاريخ 23-26/8/2014م.

          وقد حاول هذا البحث أن يُجيب عن سؤالٍ مُهمٍّ هو: ما مَوقِفُ القياداتِ الدينيَّة الإسلاميَّة الخارجيَّة من الأحداث التي وقعت في مالي ؟.

إنَّ الأحداثَ التي وقعت في مالي عام 2012م بسيطرة الحركات الانفصاليَّة والجهاديَّة المسلَّحة على مدن شمال مالي، وما تبع ذلك من طردهم عام 2013م، فتحت هذه الأحداثُ الأبوابَ على مصارعها لقيادات دينيَّة إسلاميَّة، وهيئات إسلاميَّة ذات صفة عالَميَّة، وباحثين وعلماء، وكتَّاب وصحفيِّين، وسياسيِّين في مناطق مختلفة من العالم العربي، وفي وسائل الإعلام المتعدِّدة ( إذاعات، صحف ومجلاَّت، قنوات فضائيَّة، مواقع على الشبكة العنكبوتيَّة) ؛ لإصدار أحكام ظالمة أدناها تَتَّهمُ المسلمين الأفارقة في مالي وفي المجموعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا، وتشاد، تَتَّهمُهم بالتعاون مع الكفَّار وأعداء الإسلام (فرنسا والدول الغربيَّة) لقتل المسلمين (العرب والطوارق) وتهجيرهم من أرضهم. وأعلاها تصِفُهم بالكفَّار الأفارقة الذين يسعون لإبادة المسلمين غير الأفارقة. واعتبرها بعضهم حربا صليبيَّة على المسلمين يشارك فيها أبناء مالي والمنطقة. فقُدِّمَت هذه الورقة في تلك الدورة لبيان:  أنَّه عبر كلِّ القرون والممالك والإمبراطوريَّات الإسلاميَّة التي ازدهرت فيها الحضارة والثقافة الإسلاميَّة في غرب أفريقيا وُجِدَتْ قياداتٌ دينيَّة إسلاميَّة خارجيَّة مُخلصة في النصيحة لله ولعامَّة المسلمين وخاصَّتهم، بعيدة عن اتِّباع الهوى والعصبيَّة، كان لها أثرٌ كبير في ترسيخ الأخوَّة الدينيَّة والإنسانيَّة، وتحقيق الوئام الوطنيِّ، وتعزيز السلم، والاستقرار الاجتماعيِّ، في المنطقة كجلال الدين السيوطي.

أمَّا في العصر الحديث فقد وجدنا لِقلَّةٍ من تلك القيادات أثرا إيجابيًّا في أحداث مالي، وفي المقابل– وبخاصَّة في الأحداث التي وقعت في شمال مالي بسيطرة الحركات الجهاديَّة والانفصاليَّة عليه – كان دورُ الكثيرين منهم سيِّئا وسلبيًّا.  من النماذج الإيجابيَّة الحديثة: بعض علماء بلاد الحرمين الشريفين: سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز (ت 1420هـ)- رحمه الله- .  وإمام الحرم النبوي الشريف الشيخ عبد العزيز بن صالح –رحمه الله- في ثمانينيَّات القرن العشرين الميلادي.  وإمام الحرم المكيّ الشيخ محمد السبيِّل –رحمه الله- الذي زار جمهوريّة مالي عدَّة مرَّات؛ فقد زار مناطق مختلفة من مالي في ثمانينيَّات القرن العشرين الميلادي أيَّام الرئيس الجنرال موسى تراوري، وفي أواخر القرن العشرين الميلادي أيَّام الرئيس ألفا عمر كوناري، في ظلِّ تمرُّد الطوارق والعرب 1993-1996م؛ فزار المناطق الشماليَّة من مالي للوقوف على حقيقة ما كان ينشره كثير من جاليات أولئك المتمردين.

         بإنعام النظر في مواقف القيادات الدينيَّة الإسلاميَّة السابقة نجد أنَّها إنَّما نجحت في المساعدة في تعزيز الأمن والاستقرار، وترسيخ الوحدة الوطنيَّة، وتحقيق المصالحة الشعبيَّة بجمهوريَّة مالي؛ لأنَّها انطلقت من الأخوَّة الإسلاميَّة والإنسانيَّة ، ومن النصيحة الصادقة لله وللمسلمين عامَّتهم وخاصَّتهم.  وكان هدفُها الأساس هو تحقيقَ مصالح العباد والبلاد، وكانت بعيدة عن الهوى والزيغ والتعصُّب، والحكم على الشيء قبل تصوُّرره….إلخ.

والسؤال المهمُّ هو:  هل وُجِدتْ قياداتٌ دينيَّة إسلاميَّة خارجيَّة كان لهم مواقف سلبيَّة في الأحداث الأخيرة في مالي؟.  والإجابة العلميَّة والموضوعيَّة: نعم، إنَّه كان لكثير من القيادات الدينيَّة الإسلاميَّة الخارجيَّة مواقف سلبيَّة  في أحداث عام 2012- 2013 م بمالي تركت هذه المواقف آثارًا سيِّئة على الأمن والاستقرار، والوحدة الوطنية، والتعايش السلمي في مالي،  وحفرتْ جروحا عميقة في نفوس كثير من الماليِّين الخاصَّة والعامَّة؛ لأنَّ أصحاب هذه المواقف انطلقوا من الحكم على الشيء قبل تصوُّره؛ بسبب البِناء على معلوماتٍ ناقصة أو مشوَّهةٍ مستقاةٍ من مصادر كاذبة ومغرِّضة، أو من اتِّباع الهوى، أو التعصُّب العنصريِّ، أو لشيء في نفس يعقوب….إلخ.

من تلك المواقف: موقف الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ممثَّلا في رئيسه الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وأمينه العامّ ، الذين رأوْا في مهاجمة الحكومة والجيش الفرنسي وقوّات دول غرب أفريقيا لتلك الحركات حربا صليبيَّة على المسلمين يشارك فيها أبناء مالي والمنطقة.  والأغرب اختلاف موقفه –هنا- عن موقفه من “تنظيم الدولة الإسلاميَّة” (داعِش) في البيان الذي أصدره الاتحاد نفسُه بيانًا في 3/7/2014م أعلن فيه ” أنَّ إعلان فصيل معيَّن للخلافة باطل شرعا، لا تترتَّب عليه أيُّ آثار شرعيَّة، بل تترتَّب عليه آثار خطيرة على أهل السنَّة في العراق والثورة في سوريا“. ووجد في الإعلان دلالةً على ” الافتقار إلى فقه الواقع، وأشبه بالانقضاض على ثورة الشعب التي يشارك فيها أهل السنَّة بكلِّ قواهم“.

وكان للعلماء والدعاة بمملكة البحرين بَيانٌ بتاريخ الاثنين 9 ربيع الأوَّل 1434هـ 21 يناير 2013م عن الحرب في مالي وقَّع عليه (81) شخصا. جاء فيه: أنَّ الحرب عدوان غاشم، وتعدٍّ لا يمكن السكوت عنه، مع تحذير الدول العربيَّة والإسلاميَّة من معاونة الجيش الفرنسي في حربه لمالي، ودعوة الأئمَّة والخطباء والدعاة إلى تعريف الناس بمحنة الشعب المالي.

وطالبت نقابة الدعاة المصريَّة جميعَ الأنظمة العربيَّة والإسلاميَّة برفض العدوان على جمهوريَّة مالي وبدعم المقاومة في مالي بالمال والسلاح.

وذهب الشيخ محمد الحسن الددو، رئيس مركز تكوين العلماء بموريتانيا، إلى أنَّ ما تقوم به فرنسا من مساعدة الجيش المالي لقتال تلك الحركات الجهاديَّة ” أعظمَ وأفظعَ من كل تلك الأخطاء التي يرتكبها بعض المسلمين” ” وجريمة نكراء، وأمرا محرَّما شرعا“.

وقال د. الخليل النحوي – من موريتانيا- مسوِّغًا موقف من اعتبرت الحرب “حربا صليبيَّة” (( إذا لم يقبل الساسة والعسكريُّون أن يتركوا فرصة لمعركة ناعمة تستهدف الإقناع بأدواته المناسبة طالما كان ذلك ممكنا؛ فسيكون من حقِّ كثيرين أن ينظروا إلى هذه الحرب باعتبارها حربا استعماريَّة صليبيَّة أخرى)). أمَّا الشيخ أبو المنذر الشنقيطي فقد وجد في المعركة في مالي معركةً بين جماعة تسعى إلى تحكيم الشرع ودول كفريَّة تريد القضاء على دين الله. ويستغرب ألاَّ تجد الإمارات الإسلاميَّة التي قامت من أجل تحكيم الشريعة سنَدً ولا نصرًا من المسلمين([1]).

    ومن أشدِّ المواقف السلبيَّة والسيِّئة ما جاء في مقالة محمد سليمان الزواوي بمجلَّة البيان ” معركة المركز والأطراف إفريقيا الوسطى نموذجا”([2]) ؛ فقد انطلق من خلط الأوراق غير المتشابهة ببعض، ومن اتِّباع الهوى، ومن التعصُّب العرقي والعنصري ، من مفرداته: (أفارقة ضدّ طوارق وعرب)، و (أفارقة مالي ضِدَّ الطوارق المسلمين)،  و (تطهير عرقي وديني من الماليين الوثنيين أو الكفَّار)،  و ( إعادة الكفَّة إلى صالح الأفارقة على حساب المسلمين)،   و(تفريغ المسلمين في مالي من مناطقهم لصالح غيرهم).

 

  إنَّ على القيادات الدينيَّة المتحدِّثة باسم الإسلام أفرادا أو هيئات في الخارج أن يخلصوا النصيحة لله وللمسلمين فيما يقولون، وأن يتجرَّدوا من الهوى والعصبيَّة، وتأجيج نار الفتن بين المسلمين، وأن يتثبَّتوا ويتبيَّنوا؛ فالحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره؛ فقد كان لبعضهم يَدٌ طولى في إشعال نار الحميَّة الجاهليَّة، وفي تعميق شرْخ في جدار الوئام الاجتماعي والدينيّ، والمصالحة الشعبيَّة، وفي انعدام الأمن والاستقرار، ليس في مالي –فحسب- بل في كثير من المجتمعات والبلاد والشعوب الإسلاميَّة؛ بسبب مواقفهم السيِّئة ومنطلقاتها.

والله ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل

 

بماكو 14/10/ 2016م

 

(*) الأعضاء:

أ.د. هارون المهدي ميغا

د.عمر بامبا

أ. عبد العزيز يتابري

د. أبو بكر صديق سيسي

أ.هود كوني

أ. إدريس هناكوكو حمزة

 

الهوامش والإحالات:

[1] – انظر عن كلِّ ما تقدَّم: موقع المقريزي www.almaqreze.net www.hanein.info  بتاريخ 19/1/2013م.  www.dd sunnah.net بتاريخ 22/1/ 2013م.

[2] – مجلّة البيان، السنة 29، العدد 322، جمادى الآخرة 1435هـ أبريل 2014م ص37-39 (من إصدارات المنتدى الإسلامي).

 

 

كتاب الموقع