أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

شيخ أنتا ديوب: صاحب نظرية الأصل الإفريقي للحضارة (2-2)

كما اتضح في المقال السابق، فإن "شيخ أنتا ديوب" (1923-1986م) كانت حياته الأكاديمية مليئة بالأحداث التي جعلته ينطلق في مسار فكري استهدف من خلاله إعادة إفريقيا إلى مكانتها الحقيقية، مدركًا الحاجة إلى نهضة ثقافية إفريقية جديدة. وخلال دراساته العليا في باريس؛ واجه "ديوب" صعوبات كبيرة أعاقت قبول أطروحته للدكتوراه عن مصر القديمة؛ وذلك بسبب التحيزات العنصرية للعلماء الفرنسيين. وللدلالة على وجهة نظره وفِكْره استعان بالنظريات الفيزيائية، وعِلْم اللغويات، بالإضافة إلى الأنثروبولوجيا، وعلم الأعراق البشرية، وعلم الوراثة والتاريخ ليشكِّل عمله ملحمةً فكرية تخبرنا عن مفكر إفريقي وضع اسمه كرائد لمنهاجٍ متعدّد التخصصات في مجال إنتاج المعرفة.

رابعًا: أهم الأفكار السياسية لـ"شيخ أنتا ديوب":

كما سبق أن أشرنا؛ فإن مساهمة "ديوب" الرئيسية في المعرفة الإفريقية تمثلت في التحدّي الذي طرحه على الفهم الأوروبي للعالم المبني على المركزية الأوروبية للحضارة والعلوم؛ وهو فِكْر عنصريّ بالطبع حين نفَى الإنجازات التاريخية لإفريقيا في الحضارة العالمية.

وبسبب المركزية العنصرية السائدة في ذلك الوقت التي تمثلت في التصوُّر الأوروبي لـ"الآخر" (وخاصة "الآخر" الإفريقي)، لذا اعتبر "ديوب" أنَّ العِرْق عامل حاسم في نَقْد الأطروحات التي تُغذِّي المركزية الأوروبية، الأمر الذي دفَعه إلى تطوير نظريته المعرفية البديلة وفلسفته حول التاريخ والعلاقات الإنسانية. وذلك من خلال تطويره لاختبار جرعة" الميلانين" كعامل حاسم في إثبات الأصول العرقية للمصريين القدماء. ومن ناحية أخرى، ساهمت نظريته حول "المهد المزدوج" The two-cradles theory والدراسة النسبية المؤسسية لهذا الازدواج في تقديم فهم جديد للاختلافات بين العرقين، الأسود والأبيض، ومهدهما.

ومن خلال تطوير الفهم العلمي الموضوعي لهذه القضايا يمكن صياغة فلسفة جديدة غير عنصرية. لذا سنحاول من خلال السطور التالية الوقوف على أهم أفكاره السياسية:

1- العرق والعنصرية

منذ بداية عمله الأكاديمي، حاول "ديوب" جاهدًا لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن الأطروحات الأوروبية يهيمن عليها التمييز والتحيز العنصري وافتراض تفوق أوروبي على الأعراق الأخرى. وجادل بأن هذه العنصرية أفسدت غالبية الإنتاج الفكري الأوروبي الذي دفع بأطروحات فكرية مؤيدة للعنصرية في المنح الدراسية الغربية، ليخلُص "ديوب" في النهاية إلى أن قضية "اللون" أصبحت بالفعل "نقطة عمياء" في التفكير الأوروبي.

وذهب "ديوب" إلى أن العنصرية والبحث الجيد "لا يتوافقان على الإطلاق"؛ وهو ما يُفسِّر وجود أفكار واستنتاجات معيبة. وأكد على أن العنصرية تستند إلى فرضية خاطئة مفادها أن الأشخاص ذوي البشرة البيضاء يتفوقون على الأشخاص ذوي البشرة السوداء وغير البيضاء. وهذه الأيديولوجيات الشائنة والمضللة، التي اعتنقها العديد من الليبراليين –والتي لا يزال البعض يحتفظ بها- "تحرم الملونين من الاتزان العاطفي والنفسي"؛ حيث ادعى البيض بشكل زائف أنهم أُعطوا حقوقًا حصرية في عالم الأفكار وثروات الأرض.

وقد لاحظ "ديوب" أن التحدّي الحقيقي لمجابهة هذه النظريات الزائفة عن تفوق البيض والمقنعة بالأطروحات المعيبة تكمن في حضارة وادي النيل؛ حيث الدليل القاطع على أن إفريقيا والأفارقة أتقنوا العلم وقدموه للعالم من أجل إخراج البشرية من عصور ما قبل التاريخ إلى الحضارة الأولى.

وأشار "ديوب" إلى أن النهج الأوروبي القائم على المركزية الحضارية لدراسة وادي النيل لا يمكنه التعامل قط مع تعقيدات الحضارة القديمة؛ فعندما يتعلق الأمر بدراسة مصر القديمة، ينصبّ تركيز هذا "النهج الزائف" بشكل غريب على التصوف المصري القديم والسحر والطقوس الدينية. الأمر الذي لجئوا إليه عمدًا من أجل خلق صور مضللة وتشويهات خيالية للحضارة المصرية القديمة؛ وذلك لخدمة مشروعهم العنصري الإمبريالي.

ولم يُخْفِ "ديوب" أهمية العرق في فهم النفس الأوروبية. وأشار إلى أن العنصرية ظهرت أثناء الاحتلال الروماني لمصر؛ حيث قدم الأدلة على استمرارها. وذكر في دراساته أنه مع نهاية العصر السكندري (خاصة في نهاية الاحتلال اليوناني وقبل الاحتلال الروماني)، تم وضع ممارسات تمييزية عنصرية ضد المصريين السود في وطنهم، تمامًا كما فعل العنصريون الأوروبيون لاحقًا في مستعمراتهم السابقة. بل تم منع المصريين حتى من دخول الإسكندرية والعيش في مناطق سكنية بعينها؛ حيث كان الفصل السكني على أساس الخطوط العرقية. لكنَّ الإغريق والرومان فرضوه بالقوة على المصريين. وهو ما يتصح جليًّا بشكل في التشريع الاستعماري لهذه العصور. الأمر الذي يُثْبِت أن العنصرية كانت موجودة في العصور القديمة، بدءًا من العصر اليوناني الروماني وصولاً إلى العصور الوسطى.

وقد لاحظ "ديوب" كذلك أن هذه العنصرية المبكرة قد حطَّت من قَدْر المصريين الأفارقة إلى مرحلة "نصف الحيوان". ولهذا السبب، قام بالتحقيق أكثر في قضية العرق رافضًا الأطروحات القائمة على المركزية الأوروبية؛ والتي أنكرت وجود العرق من الناحية النظرية، بينما مارست في الوقت ذاته العنصرية والتمييز في حياتهم اليومية.

وجادل "ديوب" بأن دراساته أثبتت أن مفهوم العرق كان حاسمًا لفهم العلاقات الاجتماعية والأحداث التاريخية، وبالتالي لا يمكن تجاهله. وأظهر كيف اعترف علماء المركزية الأوروبية، ودافعوا بالفعل عن وجود العرق عندما كان يتعلق الأمر بالعلاقات الاجتماعية. وقد استخدم هؤلاء العلماء إنكارهم لوجود العرق كدفاع ضد أي إدانة للتمييز العنصري وفقًا للقياس المعيب القائل بأنه إذا لم يكن العرق موجودًا، فلن يكون هناك تميُّز عنصري كذلك.

ويشير "ديوب" إلى أنه في حين أنكر العلماء البيض مفهوم العرق، عادوا مرة أخرى واعترفوا به بشكل غير مباشر في تحديد أمراض معينة. على سبيل المثال، تم توصيف "فقر الدم المنجلي" sickle-cell anaemia على أنه يصيب السود فقط، في حين تم توصف "الثالاسيميا" Thalassemia –على أنه نوع من أنواع أمراض فقر الدم- بأنها مرض "منتشر بشكل رئيسي في منطقة شمال البحر الأبيض المتوسط"، دون الإشارة إلى أيّ مجموعة عرقية بعينها. ورأى "ديوب" أن هذا التعارض يُبرز مدى العنصرية لدى البيض.

وكشف "ديوب" عن مبادئ معرفية أعمق يقوم عليها الفهم الأوروبي المركزي للعرق؛ حيث أشار إلى أن التصنيفات العرقية القائمة على السمات الأنثروبولوجية لمجموعات معينة قد وُضِعَتْ لعدم الخلط بين المجموعة المصنّفة وأعضاء المجموعات الأخرى. وفي هذا الصدد، كان لا بد من التمييز بين جانبين من جوانب التصور: النمط الجيني؛ الذي يشير إلى المعلومات الوراثية الكاملة لكائنٍ حيّ، والنمط الظاهري؛ الذي يشير إلى الخصائص الفعلية المرصودة لذلك الكائن بسبب تفاعل نمطه الجيني مع بيئته المحيطة. ويعد هذا التمييز بين النمطين أمرًا جوهريًّا في دراسة وراثة الصفات وتطورها. لذا اعتبر أن الخلط بين المفهومين يكمن وراءه مكايد أيديولوجية لإخفاء قضية العِرْق.

ومِن ثَمَّ أوضح بأنه إذا تم فحص الأنماط الجينية لشخصين مختلفين أحدهما من "الزولو" والآخر من "السويد"، فسيكون الاثنان متماثلين. لكن هذا التصنيف وحده سيكون مضللاً بشأن الوجود الاجتماعي والثقافي والتاريخي للشخصين. لذا فإن النمط الظاهري هو الأهم في كشف الاختلافات الجسدية لكلا الشخصين، وهذه الاختلافات هي التي تحدد ما إذا كان الفرد ينتمي إلى الفئة الاجتماعية العليا أو الفئة الدنيا.

واستنتج "ديوب" من التحليل السابق؛ أن العلاقات الإنسانية على مدار التاريخ كان المحدد الرئيسي لها هو النمط الظاهري؛ حيث معاملة الناس حسب تصنيفهم الاجتماعي والاقتصادي. ومن هذا المنظور، لاحظ "ديوب" أن هذه كانت القضية الحقيقية وراء التصنيف العرقي. الأمر الذي جعله ينتقد العلماء الذين شاركوا في تحليلات العنف العرقي دون تحديد الأهمية الحقيقية للنمط الظاهري في المنح الدراسية الغربية؛ حيث يقول:

"على مدار التاريخ، حينما يحدث صراع بين مجموعتين من البشر حول مساحة اقتصادية حيوية، كان يتم تضخيم أدنى اختلاف عرقي، ليكون ذريعة مؤقتة للانقسام الاجتماعي والسياسي؛ فالاختلاف في المظهر الجسدي، واللغات، والأديان، والأخلاق، والعادات... هي أمور أساء الفاتحون استخدامها حين اعتبرها حججًا لفرض سيطرتهم على الآخرين".

وينطبق تحليل "ديوب" على جميع أنواع النزاعات -ليس فقط على الصراعات بين البيض والسود- ولكن أيضًا على النزاعات العرقية بين السود مع بعضهم البعض في إفريقيا، والبيض مع بعضهم البعض في أوروبا، فمحاولات الإبادة الجماعية في أوروبا وإفريقيا وأماكن أخرى لا تَخْفَى عن ذي بصيرة. ولهذا السبب، كلما كانت علاقات النمط الظاهري غير مواتية للبيض، أصبحت الأمور إشكالية.

لم يكن "ديوب" يقصد من تحليله أن يُشجع الأفارقة بدورهم على أن يكونوا عنصريين؛ لكنه كان يراقب فقط التمييز ضد السود وحقيقة تفسير ذلك. فقد تعجب من دعوة الأيديولوجيات السائدة بالتوحيد الجيني في الوقت الذي تبنت فيه هذه الأيديولوجيات تدابير تمييزية على أساس النمط الظاهري. لذا كان هدفه هو لفت انتباه الأفارقة إلى هذا الواقع من أجل إيجاد طريقة للتحايل عليه. الأمر الذي دفعه إلى تبنّي فكرة تمكين الأفارقة من إعادة كتابة تاريخ العالم من وجهة نظر علمية تعترف بدور السود في هذا التاريخ، بعيدًا عن التشوهات الناتجة عن التمييز ضد لون بشرتهم ونمطهم الظاهري، وهو ما عبّر عنه خلال ندوة اليونسكو بقوله:

"إنه من الممكن الآن بناء مجموعة من العلوم الإنسانية الزنجية الإفريقية تستند إلى أساس تاريخي سليم... فإذا كان صحيحًا أن الحقيقة وحدها ثورية، فيمكن أن نضيف أن التقارب الذي يتم على أساس الحقيقة هو فقط الذي يمكن أن يستمر. ولكي يتقدم الإنسان فلا يجب إلقاء الحجاب على الحقيقة. ولا ينبغي أن يكون إعادة اكتشاف الماضي الحقيقي للأفارقة عاملاً مثيرًا للانقسام، بل يجب أن يساهم في بناء الوحدة، وربط شمال القارة بجنوبها لكي يتمكن الأفارقة من القيام معًا بعمل تاريخي جديد. وهي مهمة من أجل خير أكبر للبشرية؛ وهو ما يتماشى مع المثل العليا لليونسكو".

كانت هذه الملاحظات الختامية في ورقة "ديوب" البحثية المقدمة إلى مؤتمر اليونسكو عام 1974م في القاهرة؛ والتي بدأها بدحض الغموض الأوروبي المركزي للعرق في مصر القديمة. وبهذه الطريقة أرسى "ديوب" أساسًا متينًا لمكافحة العرق والعنصرية مبني على الحقيقة؛ وهي أن العرق على الرغم من كونه مفهومًا نِسْبِيًّا، إلا أنه يسمح لنا بتحديد موقع الأفراد في مهدهم الاجتماعي والجغرافي، وإذا جاز التعبير يمكن أن نستخدمه في التمييز. ومن خلال نمطهم الظاهري، يمكن متابعة علاقاتهم التاريخية. وكلاهما حقيقة لا يمكننا التنصل منها.

2- اختبار جرعة الميلانين

وفي سياق جهوده لتحديد العرق البشري الذي سكن مصر قديمًا، طوّر "ديوب" طريقة علمية حسمت هذه المسألة بما لا يدع مجالاً للشك؛ وهي اختبار جرعة الميلانين.

ويُعدّ لون بشرة المصريين القدماء قضية حاسمة عند مراجعة أعمال "شيخ أنتا ديوب" ونهجه متعدد التخصصات. فلطالما شوّه علماء المركزية الأوروبية هذه القضية. فقد جادل "ديوب" في ورقته البحثية في مؤتمر اليونسكو لعام 1974م بأنَّ مِن الممكن "تحديد لون الجلد مباشرةً ومِن ثَم معرفة إلى أيّ عرق ينتمي المصريون القدماء من خلال التحليل المجهري في المختبر".

وقد ذكر "ديوب" أنه نجح في تطوير اختبار جرعة الميلانين، والتي أعطته نتائج علمية ومعملية مكّنته من تحديد لون بشرة القدماء المصريين. وما كان يحتاجه إجراء اختباره، هو بقايا من جلد القدماء المصريين. وبسبب البيروقراطية المصرية العتيقة في حراسة المتاحف؛ واجه "ديوب" صعوبة كبيرة في اختبار المومياوات. ومع ذلك، حتى مع العينات الصغيرة التي تمكن من الحصول عليها، ادّعى بشكل قاطع أن رمسيس الأول كان فرعونًا أسود.

كما أكد "ديوب" ادعاءه باستخدام طريقة أخرى للتصنيف العرقي تسمى القياسات العظمية. والتي تم تطويرها مِن قِبَل العالِم الألماني "لبسيوس" Karl Richard Lepsius في نهاية القرن التاسع عشر، وهي طريقة كانت مقبولة بشكل عام في مجال الأنثروبولوجيا الفيزيائية. وفي المقابل، رفَض قياسات تجويف الجمجمة التي طوَّرها الأمريكيون والألمان ووصفها بأنها كانت وسيلة للتلاعب بالعقول، والتي مع الأسف كانت الطريقة المفضَّلة لعلماء المصريات في تصنيف عرق المصريين القدماء.

وفي النهاية أصبح اختبار الميلانين الذي طوّره "ديوب" فيما بعد طريقة معتمدة ومقبولة لتحديد اللون والعرق في دراسات الجنس البشري.

3- نظرية المهد المزدوج The two-cradles theory

تعتبر نظرية "المهد المزدوج" واحدة من أكثر النظريات دقةً ووثوقًا من حيث التأثير في الفكر الإفريقي في القرن العشرين؛ والتي طوّرها "ديوب" أثناء تحليله للاختلافات بين ثقافات العالم الشمالي وفي الجنوب وكذلك العلاقات بينهما. حيث تطرح نظرية المهد المزدوج بشكل أساسي نموذجين للثقافة البشرية، أحدها شمالي والآخر جنوبي، تأثر كلّ منهما بالبيئة الإيكولوجية التي تطور فيها.

وقد أجرى "جاكوب كاروثرز" (1930-2004م) Jacob Carruthers أبحاثًا وكتبًا على نطاق واسع تناولت بشكل رئيسي مصر القديمة؛ حيث جادل بأنَّ نظرية المهد المزدوج لديوب كانت ثورية بمعنى الكلمة، على الرغم من أنه يتحدث بالتبادل عن "مركزين" أو "مهدين" للبشرية.

ويشير "ديوب" أيضًا إلى منطقة التقاء، والتي بدت وكأنها مهد ثالث يقع بين المهدَين الآخرين. وادعى "ديوب" أن المهد الأول هو الإفريقي؛ ويقع على طول نهر النيل من منطقة البحيرات الكبرى لبحيرة "نيانزا" Lake Nyanza في "كينيا" وما حولها حتى جنوب إفريقيا. وحدَّد موقع المهد الثاني في شمال المنطقة الجغرافية للبحر الأبيض المتوسط؛ ومنطقة التقاء تقع في مكان ما في الوسط بين المهدين، وهي منطقة العالم الإسلامي.

ويذهب هذا التقسيم إلى أصل الفروق بين المجتمعات المتفوقة والدنيا والتي حاول باحثو المركزية الأوروبية إلى تأصيلها وتطويرها. لذا فإن الطبيعة البشعة لهذا التمييز، لا تزال مستمرة بشكل أو بآخر؛ حيث تذهب إلى معنى جوهري في المجتمع الحديث. وقد كان من المهم لـ"ديوب" التعمُّق في هذه القضية للكشف عن الأساس الروحي والأخلاقي للمجتمع الرأسمالي؛ والذي حاول الغرب أن يفرضه على المجتمعات الإفريقية، وهو ما تطلب البحث عن مجتمع جديد أكثر توازنًا وإنصافًا.

وفي الواقع، كان "ديوب" مشغولًا جدًّا بهذه القضية لدرجة أنه خصّص لدراستها أحد كتبه الأولى؛ "الوحدة الثقافية لإفريقيا السوداء: مجالات النظام الأمومي والنظام الأبوي في العصور القديمة الكلاسيكية" (1989) The cultural unity of Black Africa: The domains of matriarchy and patriarchy in classical antiquity. وهو الكتاب الذي هدف إلى فَضْح ما أسمته "إيفي أماديمي" Ifi Amadiume بـ"الأنثروبولوجيا العنصرية". وأراد كذلك تفنيد فهم علماء الأنثروبولوجيا أمثال "باخوفن" Bachofen (1861م) وفهمه للنظام الأمومي الأسود القديم، و"مورجان" Morgan (1970م) لفهمه لنظام العائلات الإفريقي، الأمر الذي جعل "ديوب" ينتقدهما بشدة.

سعى "ديوب" إلى تحديد الجوهر الحقيقي للنظامين اللذين أسماهما بالمهدين من خلال مهاجمة هذه النظريات. حيث أشارت "أماديمي" إلى أن موقف "ديوب" وضع الأمور في نصابها من خلال التأكيد على تأثير البيئة والأنظمة الاجتماعية بما في ذلك الاقتصاد، معتبرًا النظام الأمومي تجربة تاريخية محددة وليست ظاهرة عالمية. وهذا ما دفعه إلى تبنّي وجهة نظر خاصة به أطلق عليها "المهد المزدوج" بناءً على المواقع الجغرافية للتجارب التاريخية والثقافية المختلفة. وهو ما سيتم إيضاحه بالتفصيل كالتالي:

المهد الجنوبي:

وفقًا لـ"ديوب" كان مقر المهد الجنوبي في إفريقيا؛ القارة ذات التجربة التاريخية التي كانت فيها الأم هي السلطة السياسية والروحية والأخلاقية؛ فهي المركز لتكاثر الأسرة والمجتمع بشكل عام، لذا يجب الحفاظ عليها. ففي وقت مبكر جدًّا من بداية الكون، كان المجتمع الأمومي مجتمعًا زراعيًّا؛ حيث دورة الحياة النباتية التي ارتبطت بالأرض كأم تستمد خصوبتها من السماء بشكل دوري عن طريق الشمس والمطر والطقس.

ويعتقد "ديوب" أن الطابع الزراعي والأمومي للمجتمع المصري القديم قد تجلى في أسطورة "أوزوريس وإيزيس"، والتي تناولها "جيمس فريزر" James Frazer في كتابه "الغصن الذهبي" (1996) The golden bough، وقد تمكن "ديوب" من إظهار مميزات وسمات ثقافية للمهد الجنوبي، والذي كان محصورًا في القارة الإفريقية ومتميزًا بالعائلة الأمومية. فمن ناحية التنظيم السياسي: عرفت إفريقيا الدولة المركزية ذات الطبيعة الإقليمية على عكس المجتمعات الرعوية في أوروبا التي لم تعرف تلك الدولة المركزية وأقصى ما عرفته هو دولة المدينة مثل الدولة الآرية.

كذلك فإن المجتمع الأمومي تحظى فيه المرأة بدور محوري في التنظيم الاجتماعي، إلى جانب قيمة الاستقرار الذي يتطلب شكلًا من أشكال العيش في سلام؛ لذا فإن قيمة السلام والموادعة والأمن وإكرام الضيف وعدم الميل إلى العنف كانت هي السمة السائدة في هذه المجتمعات. بالإضافة إلى التضامن المادي كحق مكفول لكل فرد داخل المجتمع، مما يجعل البؤس المعنوي أو المادي غير معروف حتى يومنا هذا، وعلى الرغم من وجود أناس فقراء، لكن يختفي الشعور بالوحدة والضيق.

وفي المجال الأخلاقي، أظهر هذا المهد نموذجًا للسلام والعدالة والخير والتفاؤل الذي قضى على جميع مفاهيم الذنب أو الخطيئة الأصلية في الدين والأفكار الغيبية. ويعتبر الأدب الأكثر تفضيلاً في هذا المهد هي الرواية والحكايات والخرافات والكوميديا.

المهد الشمالي:

كان المهد الشمالي محصورًا في اليونان وروما ويقوم على الحياة الرعوية، وقد تميز بالعائلة البطريركية ودولة المدينة؛ حيث يصف "فوستل دي كولانجز" Fustel de Coulanges إلى أن مجرد تجاوز الفرد لحدود دولة المدينة، يتم اعتباره خارجًا عن القانون. ونتيجة لذلك، طوّر مواطنو دول المدن حبّ الوطن الداخلي الشديد، وهو ما خلق بالتبعية كراهية الأجانب. لذا فقد سادت الفردية والعزلة الأخلاقية والمادية، والتي أصبحت ضرورة حياتية للوجود والبقاء. لذا فقد كان المهد الشمالي يَعتبر الحرب ضرورية ومثالية، وهو ما جعل مواطنيه ينخرطون في العنف والجريمة والغزو. كما كان الشعور بالذنب والقبول بمفهوم الخطيئة غائبًا في المهد الشمالي. وقد أخذ هذا المهد بالأسلوب الأدبي القائم على شكل المأساة والدراما.

وأرجع "ديوب" الطبيعة الشرسة التي سادت في المهد الشمالي إلى البيئة القاسية، فبحسب تحليله، دفعت البيئة الرعاة اَلرُّحَّل إلى تبنّي الثقافة الاجتماعية الأبوية كنظام مفضَّل؛ بسبب الترحال المستمر الذي تسبَّب في تطوير شخصية قتالية وتنافسية، بالإضافة إلى مشاعر العداء ضد الطبيعة وازدراء الأديان. هذه الثقافة هي التي ولَّدت الحضارات المتشددة في اليونان وروما وألمانيا حسب زعمه؛ و"التي جعلت من الأفارقة المسالمين هدفًا للفتوحات الدموية والاستغلال والعبودية".

وعلى الرغم من أن "ديوب" يجادل بأن المهدَيْن كانا مختلفين، إلا أنه يؤكد أيضًا أنه فقط من خلال الاتصال بالمهد الجنوبي تمكَّن الناس في المهد الشمالي من توسيع مفهومهم عن الدولة ليشمل فكرة الدولة الإقليمية والإمبراطورية. ولتأكيد وجهة نظره أشار إلى أنَّ ما يُسمَّى بإصلاحات "سولون" Solon القانونية لليونان القديمة لم تحدث إلا بعد أن زار "سولون" مصر، وبعد أن استفاد من أعمال النظم السياسية والاجتماعية المصرية. وخلص إلى أن تطوُّر الحضارة العالمية نشأ من خلال التفاعل بين المهدَيْن.

تزامن المهدَيْن:

قبل "ديوب" فكرة المجتمعات الأمومية، والتي كانت موجودة وراسخة في الكتابات الأوروبية، لكنه رفض الادعاء الأوروبي بالتطوُّر المرحلي بين النمطين، ورفض تمامًا فكرة أن المجتمعات الأبوية هي مرحلة متطورة للأمومية؛ حيث رأى العكس من ذلك تمامًا، وهو أن كلا المجتمعين عاشا بشكل متزامن وفي وقت واحد منذ القدم إلى الآن.

ومع إيمانه بفكرة التزامن؛ انطلق "ديوب" من أن المجتمعات الأمومية تسبق المجتمعات الأبوية حضاريًّا، وبأنها الأسبق كذلك إذا ما قُورنت بالمجتمعات الأوبوية كما سبق الإشارة من حيث التنظيم السياسي والقيم السائدة والقيم الأخلاقية ودور المرأة في التنظيم الاجتماعي، وأخيرًا في اتجاهات التأثير الحضاري.

"فبالإشارة إلى الحقائق التاريخية التي تشير إلى أن اليونان هي المرجعية التاريخية لأوروبا، نجد أن مصر القديمة هي المرجعية التاريخية لإفريقيا. والثابت تَارِيخِيًّا أن اتجاه الحضارة كان من الجنوب إلى الشمال، فإذا كانت اليونان هي المعجزة الأوروبية وصاحبة الفضل على أوروبا في الحضارة؛ فإن مصر لها الفضل على اليونان وفلاسفة اليونان ومن بعدهم. والمحصلة النهائية أن مصر (المرجعية التاريخية لإفريقيا) هي صاحبة الفضل على أوروبا؛ وبالتالي فإن إفريقيا هي صاحبة الفضل على أوروبا".

"كما أن المواطن التاريخية للحضارة القديمة توجد في الجنوب؛ حيث حضارة مصر القديمة، وسبأ، وبلاد الرافدين، والهند...، فإذا كان الزعم بأن بناة الحضارة كانوا من القوقازيين؛ فلماذا لم يقوموا ببناء هذه الحضارة في أوطانهم... فإذا ما حاولنا البحث عن الحضارات في الشمال لن نجد مَعْلمًا واحدًا يشهد على صحة هذه الادعاءات، الأمر الذي يُؤكّد على زيف الادعاءات التي تملأ الكتب الأوروبية، والتي تثبت أن التاريخ تعرَّض لأكبر عملية تزييف بهدف حرمان السود من أيّ دور في الإسهام الحضاري، بل وادعى "هيجل" في أحد كتبه: أن "الزنجي شخص غير قابل للتعليم والتطور"؛ الأمر الذي تسبّب في فقدان الزنجي الثقة في نفسه.

وبعد تطبيق عِلْم الأعراق البشرية والتاريخ أجرى "ديوب" دراسة للمؤسسات الأوروبية ومقارنتها بالمؤسسات الإفريقية. كان هدفه إثبات أن المهد الشمالي قد استفاد من الأنظمة الأكثر إنسانية للمهد الجنوبي. بالإضافة إلى حرصه على إظهار مدى التفاعل بين المهدَيْن، لكنه كان يؤكد في كل مرة على الإنجاز الإفريقي باعتباره التجربة البشرية الأصلية التي سبقت جميع الحضارات الأخرى.

وفي واقع الأمر، لم يكن "ديوب" وحده مَن قام بلفت الانتباه إلى هذه الأصالة الإفريقية/المصرية. لقد فعل الإغريق أنفسهم ذلك، وفي وقت لاحق لفت المحلل النفسي الألماني "كارل جوستاف يونج" (1875-1961م) Carl Gustav Jung الانتباه أيضًا إلى حقيقة أن مصر هي أول مَن طوَّر النماذج الأولية التي أصبحت فيما بعد أساس الحضارة الغربية. هذه النماذج، وفقًا ليونج، كانت "الوعي الجماعي" للشعب المصري الذي "تدفق" من مصر إلى شعوب العالم الأخرى. ويُعتبر "يونج" أول مَن لاحظ مِن خلال دراساته لعلم النفس التحليلي أن اللاوعي الجماعي المبني في النماذج الأولية المصرية قد انتشر فيما بعد بين جميع البشر، في جميع الأزمان، وفي كل مكان في العالم.

4- مساهمة ديوب في التنوع والتداخل للتخصصات المتعددة

من خلال "المنهجية المتعددة التخصصات"، وهي منهجية متطورة ومرنة، تمكّن "ديوب" من تأكيد الأطروحات الرئيسية التي بدأ في إثباتها منذ خمسينيات القرن العشرين. عن طريق تاريخ من الانخراط الأكاديمي والناشط أصبح قادرًا على قلب النظرة الأوروبية المركزية رأسًا على عقب، لكي تتمكن إفريقيا من البدء في رؤية نفسها من خلال نظارتها المعرفية الخاصة.

لقد كان قادرًا على إثبات أن أوروبا اكتسبت الكثير من إفريقيا، وهو ما بدا ظاهرًا في المراجع الإثنولوجية والتاريخية للأوروبيين أنفسهم، وأن الارتباط الإنساني كان حَقِيقِيًّا على الرغم من التقاليد الثقافية المختلفة ووجهات النظر العالمية للمهدَين.

وقد أظهر "ديوب" أيضًا من خلال دراساته أن الاعتراف بهذه الآراء المختلفة للعالم كان الشرط ذاته الذي يمكن على أساسه حلّ التفاهم بين الإثنيات والأعراق المختلفة بوعي؛ وذلك من خلال الفهم العلمي للاختلافات والقواسم المشتركة. فكان لهذا النهج المعرفي لديوب ثَوْرِيًّا. فنحن الآن نسطيع أن ننظر بعمق أكبر في الاختراقات التي حقَّقها "ديوب" باستخدام النظم والعلوم المتعددة والمتداخلة باستخدام منهجية التخصصات المتعددة في دراسة المجتمعات.

فعندما حاول "ديوب" لأول مرة دخول مجال دراسة مصر القديمة، وجده مغلقًا ومُحددًا "للأوروبيين حَصْرِيًّا". وقد أخبر عن الإحباطات التي عانى منها في محاولته دراسة علم المصريات باعتباره "تخصُّصًا" يقوم به حَصْرِيًّا العلماء الأوروبيون، وبالتبعية العلماء الأمريكيون. والذين في البداية عرّفوا أنفسهم على أنهم علماء متخصصون في فقه اللغة، ومن خلال اختراع علم المصريات، أحاطوا أنفسهم في خزانة ذاتية التفسير؛ حيث أنشأوا بنية منهجية أحادية التخصُّص اقتصرت على تفسيراتهم وغير قابلة للنقد. الأمر الذي جعل "مارتن برنال" Martin Bernal يصف محاولته للدخول إلى هذه الخزانة، بالمهمة الهائلة لاختراق هيكل أحادي التخصص.

بدأ "برنال" هجومه في البداية على "المقررات الدراسية"، واتهم الغرب بتدريس المنح الدراسية أحادية الجانب والعقلية؛ والتي تستخدم علم المصريات لإحكام قبضتهم على إفريقيا من أجل الاستمرار في استغلالها لمصالحهم الخاصة ومصالح الإمبريالية. ومن جانبه، اتهم "ديوب" هؤلاء العلماء بتزوير الأدلة من أجل "خدمة البنية التحتية لأطروحة تفوق البيض والأطروحة المصاحبة لها بالدونية السوداء". وهو الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ خطوات للتعامل مع الأمر عِلْمِيًّا.

وبحلول عام 1952م استطاع "ديوب" صياغة نظرية الوحدة الثقافية كما رأينا أعلاه. وتجدر الإشارة إلى قيامه باختبار فاعلية لغة "وولوف" في التعامل مع المفاهيم العلمية عالية المستوى من خلال ترجمة النظرية النسبية لأينشتاين. وبعد أن تجهز وخاض هذه التجارب متعددة التخصصات، شرع "ديوب" في تحدي علماء المصريات. وفي هذا المسعى، طلب من العلماء الأفارقة أن ينضموا إليه في تطوير علم المصريات من أجل "تعميم المعرفة المصرية". وفي ذلك يقول:

"من خلال المعرفة المباشرة يمكننا مغادرة الحلقة المفرغة، وترك هذه المناقشات وراءنا، وإعطاء الأفارقة السيطرة على ماضيهم الحقيقي. لذا يجب على الإفريقي أن يعثر بنفسه على روحه وعواطفه وطريقة تفكيره...".

كانت الدراسات الجديدة التي دعا إليها "ديوب" تقوم على الجمع بين الأبحاث في العديد من التخصصات. وأوضح "ديوب" أن التركيز على مصر القديمة كان بهدف توفير أساس للتجديد حتى يتمكن الأفارقة من النظر إلى مصر القديمة بنفس الطريقة التي نظر بها الأوروبيون إلى تراثهم اليوناني اللاتيني كنقطة مرجعية لهم. ومن هنا كان التركيز على الثقافة والدين واللغة والعلوم المصرية القديمة. فكان على الدراسات الجديدة أن تخرج من هذه الحجرات الأحادية التخصصات من أجل إحراج الخبراء ذوي المركزية الأوروبية الذين رغم وجود تخصصاتهم وعلومهم المبنية أَيْدِيُولُوجيا، يمكن للعلماء الأفارقة أن يتوصلوا إلى حقائق أفضل عن المجتمعات.

وفي هذا السياق، أثار "ديوب" مسألة الضوابط التي يمكن نشرها لإنجاز هذه المهمة. وأشار إلى أهمية علم اللغة في إعادة اكتشاف مصر. فعمل على ربط اللغتين المصرية القديمة والإفريقية كَعَامِل أساسي في خلق فهم للتاريخ كوحدة ثقافية للشعب. ودعا إلى استخدام فرق متعددة التخصصات للإشارة إلى الاتجاه الذي يجب أن يتخذه البحث. ووجد أنه من المُمِلّ تعدُّد التخصصات العلمية المختلفة المطلوبة لتكون منتجة حَقًّا في مجال البحث التاريخي. وللتغلُّب على هذه الصعوبة يمكن "إنشاء فِرَق" من شأنها دَمْج العلماء من مختلف التخصصات، وذلك للاستجابة لمتطلبات العمل الجماعي.

بالنسبة إلى "ديوب"، كان النهج متعدِّد التخصصات أمرًا حاسمًا للباحثين الأفارقة في القارة وفي الشتات. ومع مع الأخذ في الاعتبار أن يكون هذا العمل عِلْمِيًّا ليكون أكثر دقة.

ويعتقد ديوب أن "العمل كفريق" واستخدام جميع الموارد المتاحة في إفريقيا، البشرية والتقنية، للانخراط في العمل العلمي، من شأنه أن يوفّر لإفريقيا كل الخبرات التي تحتاجها. ومن خلال هذا النهج، يخرج الأفارقة من ظلام الاستعمار وفقدان الذاكرة الجماعية لديهم إلى إعادة اكتشاف ذاكرتهم التاريخية والشروع في النهضة الإفريقية الحقيقية. حيث يقول: "إن تاريخنا منذ بداية البشرية، بعد إعادة اكتشافه سيكون أساس هذه الشخصية الجديدة". وخلص في النهاية إلى أن هذا النهج يجب أن يتجاوز المجال الأكاديمي ويشمل الحياة اليومية للأفارقة.

واليوم يُنسب إلى "باسراب نيكولسكو" Basarab Nicolescu تطويره "منهجية متعددية التخصصات" أو "عبر المنهاجية" في كتابه، "بيان عبر المنهاجية" (2002) The manifesto of transdisciplinarity. لكن يجب الاعتراف بأن "ديوب" هو صاحب السبق في استحداث هذه المنهجية والتي برزت من خلال كتبه ودعواته المتكررة لتضافر جهود العلماء الإفارقة من شتى التخصصات.

ومن باب الفضل؛ لابد من الاعتراف بأنه في وقت مبكر من خمسينيات القرن الماضي، كان [ديوب] يتصارع لإنشاء معرفة ذات قيمة تعكس وجهة النظر الإفريقية للعالم. في تجاوز علم المصريات والأنثروبولوجيا، استطاع أن يطوّر أول مختبر للكربون المشع في العالم. كان هذا المختبر قادرًا على تطوير 14 طريقة للتأريخ لا تزال مستخدمة حتى اليوم، وتقديم بيانات علمية لم يكن من الممكن الوصول إليها سابقًا ضمن التخصُّصات الأحادية للأنثروبولوجيا وعلم المصريات". وأحد هذه الاختبارات، كما رأينا أعلاه، كان اختبار جرعة الميلانين. والتي كانت قادرة على حلّ القضية الخلافية (والعاطفية) للغاية التي يطرحها علم المصريات والأنثروبولوجيا، وهي التركيب العرقي للمصريين القدماء. "وبذلك، غيّر [ديوب] وجهة النظر السائدة لعصور ما قبل التاريخ في مصر وإفريقيا".

خامسًا: المنطلقات والدلالات الفكرية لـ"ديوب":

ومن خلال دراسة إسهامات "ديوب" الفكرية يمكن الآن القول بأن المفكر السنغالي "شيخ أنتا ديوب" الذي ينتمي إلى مفكري القرن العشرين، هو بحقّ فرعون المعرفة حسبما أُطلق عليه؛ وذلك نظرًا لموسوعية معارفه. التي استطاع توظيفها لإعادة الاعتبار للتاريخ الإفريقي، والثقافة الإفريقية، والشخصية الإفريقية عمومًا بعدما لحق بها من تشويه على يد الكتابات الأوروبية والمؤرخين الغربيين، فقد سعى إلى إثبات أن التاريخ الإفريقي والثقافة الإفريقية لا تقل عن نظيرتها في أوروبا، بل تتساوى الثقافة الإفريقية والتاريخ الإفريقي مع التاريخ والثقافة الأوروبية.

وقد حاول "ديوب" كذلك أن يثبت تفوُّق وسموّ التاريخ والثقافة الإفريقية على نظيريهما في أوروبا؛ حيث تخطَّى فكرة المساواة إلى فكرة السمو والسبق بل والفضل للتاريخ والثقافة الإفريقية على الأوروبية.

وفي سعيه لتحقيق هذين الهدفين انطلق "ديوب" في البداية من منطلق سياسي تاريخي محاولًا كشف التوظيف السياسي للتاريخ الذي لجأ إليه الغزاة والمستعمرون؛ فعملوا على تشويه الشخصية والثقافة الإفريقية وخلق عقدة الدونية للسيطرة على الشعوب الإفريقية. وانطلاقًا من هذا الفهم لا يمكن تحقيق استقلال سياسي دون تحقيق الاستقلال الحضاري والثقافي في البداية.

ويرفض "ديوب" عالمية الثقافة؛ حيث يرى أن كل أمة لها خصوصيتها، الأمر الذي جعله لا يقبل الدعوة إلى الاندماج مع الحضارة العالمية، كما رفض بشدة ثقافة الاستيعاب التي كانت تفرضها فرنسا على مستعمراتها مما حدا بالبعض أن يضعه ضمن مفكري تيار "الزنوجة" Negritude.

وختامًا:

يُعتبر ما قدّمه "شيخ أنتا ديوب" انتصارًا للسود بشكل كبير؛ فأفكاره واستنتاجاته هي دعوة للشعوب السوداء للفخر بما قدموا من حضارة بعدما تعرَّض أبناء إفريقيا منذ فترة طويلة للتمييز والاستغلال والسيطرة من قبل الأيديولوجيات المعادية للإنسانية. وقد أجبره التزامه بالروح العلمية على اكتشاف الحقيقة حول ماضي إفريقيا وتاريخها. ففتح باكتشافه طريقًا نحو بناء فلسفة جديدة تقوم على التوافر المنطقي لإمكانية وجود علم منفتح يمكنه استيعاب جميع الأصوات. هذه هي الفلسفة الجديدة التي يمكن الاعتماد عليها للتعامل مع التطورات الأخيرة في الوجود البشري وإنهاء العنصرية والإبادة الجماعية.

لذا فإن الإنسانية تدين لديوب بما قدّم من استنتاجات علمية كشفت التزويرات المتعلقة بالعرق؛ هذا التزوير الذي أدَّى بالبشرية إلى تدمير الذات والإبادة الجماعية. وربما تكون مساهمة "ديوب" هي الوحيدة التي يمكن أن تمكّننا من تخليص البشرية من الطابع البشع للعنصرية المتأصلة بعمق في النفس الغربية ضد السود بشكل عام وضد الأفارقة بشكل خاص.

__________________________

أهم المراجع المستخدمة في البحث:

Clarke, John Henrik. "The Historical Legacy of Cheikh Anta Diop: His Contributions To A New Concept of African History." Presence Africaine 149.150 (1989): 111-120

Diop, Cheikh Anta, and Harold Salemson. Precolonial Black Africa. Chicago Review Press, 2012

Diop, Cheikh Anta, and Mercer Cook. The African origin of civilization: Myth or reality. Chicago Review Press, 2012

Diop, Cheikh Anta. "Civilization or Barbarism: An Authentic Anthropology." Great African Thinkers 1 (1986)

Diop, Cheikh Anta. "The cultural unity of Black Africa: The domains of patriarchy and of matriarchy in classical antiquity." (1989)

Diop, Cheikh Anta. Towards the African renaissance: Essays in African culture & development, 1946-1960. Red Sea Press (NJ), 1996

Luyaluka, Kiatezua Lubanzadio. "Theological Proofs of the Kinship of Ancient Egypt With South-Saharan Africa Rather Than Eastern and Western Civilizations." Journal of Black Studies 50.1 (2019): 87-105

Mokhtar, Mohamed Gamal el-Din, G. Mokhtar, and Muḥammad Jamāl al-Dīn Mukhtār, eds. Ancient civilizations of Africa. Vol. 2. University of California Press, 1981

Wadada Nabudere, Dani. "Cheikh Anta Diop: The social sciences, humanities, physical and natural sciences and transdisciplinarity." International Journal of African Renaissance Studies 2.1 (2007): 6-34

كما تمت الاستعانة بمحاضرات غير منشورة للأستاذ الدكتور/ صبحي قنصوه، أستاذ الفكر السياسي بجامعة القاهرة.

كتاب الموقع