أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا اسواتيني  افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

شيخ أنتا ديوب: صاحب نظرية الأصل الإفريقي للحضارة (1-2)

منذ بداية حياته الأكاديمية المليئة بالأحداث، انطلق "شيخ أنتا ديوب" (1923-1986م) في مسار فكري يهدف من خلاله إلى إعادة إفريقيا إلى مكانتها الحقيقية، مدركًا الحاجة إلى نهضة ثقافية إفريقية جديدة.

وخلال دراساته العليا في باريس؛ واجه "ديوب" صعوبات كبيرة أعاقت قبول أطروحة الدكتوراه الخاصة به عن مصر القديمة؛ بسبب التحيُّزات العنصرية للعلماء الفرنسيين؛ نظرًا لما تقدّمه الدراسة من عرض نقديّ موجز للمغالطات التاريخية والعِرْقية للثقافة الإفريقية؛ وذلك في مواجهة الأطروحات الأوروبية المعيبة التي سعت إلى إنكار مساهمات المصريين القدماء في الحضارة العالمية.

وللدلالة على وجهة نظره وفكره؛ استعان بالنظريات الفيزيائية، وعِلْم اللغويات، بالإضافة إلى الأنثروبولوجيا، وعلم الأعراق البشرية، وعلم الوراثة والتاريخ؛ ليشكّل عمَله ملحمةً فكريةً تُخبرنا عن مفكّر إفريقي وضع اسمه كرائد لمنهاج متعدّد التخصصات في مجال إنتاج المعرفة.

أولًا: النشأة والسمات والخبرات الشخصيَّة لـ"شيخ أنتا ديوب":

وُلِدَ المؤرخ البارز والزعيم السياسي الإفريقي، "شيخ أنتا ديوب" Cheikh Anta Diop في "ديوربل" Diourbel السنغالية في 23 ديسمبر 1933م لعائلة من عرقية "وولوف" المسلمة. وقد جمع "ديوب" بين الدراسة في المدارس القرآنية والمدارس الاستعمارية الفرنسية. وبعد حصوله على درجة البكالوريوس في بلده "السنغال"، انتقل "ديوب" إلى "باريس"؛ حيث بدأ دراساته العليا في "جامعة السوربون" Sorbonne عام 1946م في الفيزياء.

وبمجرد وصوله إلى "جامعة السوربون"، انخرط "ديوب" في حركة الطلاب الأفارقة المناهضة للاستعمار، فشارك في إنشاء "رابطة الطلاب الأفارقة في باريس" Association of African Students in Paris، والتي طالبت بالاستقلال الإفريقي الكامل والفوري. كما ساعد "ديوب" في تنظيم أول مؤتمر طلابي للجامعة الإفريقية Pan-Africanism في "باريس" عام 1951م، وفي عام 1956م شارك في المؤتمر العالمي الأول للكُتّاب والفنانين السود في باريس. وقد أرست هذه الحركات مشاعر تحرُّر إفريقية متنامية لدى "ديوب"، مدعومة بالحجج الأيديولوجية للزنوجة والماركسية والجامعة الإفريقية.

وقد كان "ديوب" في عام 1947م، قد بدأ بحثه اللغوي عن "الولوف" Wolof و"السيرير" Sérère. وعند الانتهاء من دراسته في الفلسفة، بدأ في دراسة الفيزياء بتوجيه من "الفيزيائي "فردريك جوليو-كوري" (1900-1958م) Fréderic Joliot-Curie، صهر "ماري كوري" (1967-1934م) Marie Curie عالمة الفيزياء الشهيرة، حيث قام "ديوب" بترجمة أجزاء من نظرية النسبية لأينشتاين إلى "ولوف" لغته الأم.

وفي عام 1951م تقدّم "ديوب" بأطروحته للدكتوراه إلى جامعة "باريس"، والتي رفضتها الجامعة على الفور، بسبب أن "ديوب" بنى أطروحته على فكرة مفادها أن الحضارة المصرية القديمة هي في الأصل حضارة زنجية. وهو ما يتعارض مع المركزية الأوروبية للحضارة، لكنَّ "ديوب" أصرّ على أطروحته؛ حيث أمضى السنوات التسع التالية في إضافة المزيد من الأدلة الدقيقة لعمله، الأمر الذي جعل عمله يحظى باهتمام عالمي دفَعه إلى نشر أطروحته في عام 1955م في كتاب بعنوان "الأمم والثقافة الزنجية" Nations nègres et Culture (Negro Nations and Cultures). وهو العمل الذي حوّل "ديوب" إلى أكثر المؤرخين إثارة للجدل في عصره.

في عام 1960م، دافع "ديوب" مرة أخرى عن أطروحته لينجح هذه المرة في الحصول على درجة الدكتوراه. وفي نفس العام، قام بنشر مقالات بعنوان "الأسس الاقتصادية والثقافية لدولة اتحادية في إفريقيا السوداء" Les fondements économiques et Culturels d'un Etat fédéral d’Afrique Noire.

وأخيرًا يعود "ديوب" مرة أخرى إلى السنغال مواصلًا الكتابة والبحث؛ ليتم تعيينه زميلًا باحثًا في "المعهد الأساسي لإفريقيا السوداء" Fondamental d’Afrique Noire بـ"جامعة داكار" University of Dakar؛ حيث أنشأت الجامعة مختبرًا للكربون المشعّ بهدف مساعدة "ديوب" في أبحاثه. وهي تقنية يستخدمها المؤرخون لتحديد محتويات "الميلامين" في المومياوات المصرية. وقد استفاد الباحثون في الطب الشرعي من دراسات وأبحاث "ديوب" –فيما بعد- في تحديد "الهوية العرقية" للضحايا الذين اختفت ملامحهم.

وفي عامي 1961م و1963م، بدأ "ديوب" أنشطته السياسية من خلال المشاركة في إنشاء أحزاب معارضة سياسية، وهي: "كتلة الجماهير السنغالية" Bloc des Masses Sénégalaises (BMS)، و"التجمع الوطني الديمقراطي" Rassemblement National Démocratique (RND). وقد عارضت هذه الأحزاب سياسات حكومة الرئيس "ليوبولد سيدار سنجور" الموالية لفرنسا. لكن سرعان ما تم حظر وحلّ كلا الحزبين.

وبصفته باحثًا معروفًا وناشطًا سياسيًّا، تمَّ تعيين "ديوب" أستاذًا للتاريخ القديم في "جامعة داكار" في عام 1980م. وعلى مدار حياته المهنية نشر "ديوب" عددًا من الكتب بما في ذلك سبعة كتب تمت ترجمتها إلى الإنجليزية. أشهرها كانت: "الأصل الإفريقي للحضارة: أسطورة أم حقيقة" (1974م) The African Origin of Civilization: Myth or Reality؛ "الوحدة الثقافية لإفريقيا السوداء" (1978م) The Cultural Unity of Black Africa، و"نحو النهضة الإفريقية: مقالات في الثقافة والتنمية الإفريقية، 1946-1960" (1978م) Towards the African Renaissance: Essays in African Culture and Development, 1946-1960.

وخلال "المهرجان العالمي الأول للفنون السوداء" First Black Arts Festival في "داكار" عام 1966م، حصل "ديوب" على جائزة المؤلف الأكثر تأثيرًا في حقل الفكر الإفريقي في القرن العشرين. وقد شارك "ديوب" في ندوة اليونسكو في القاهرة عام 1974م، حيث قدّم نظرياته إلى متخصصين آخرين في عِلْم المصريات، كما كتب الفصل الخاص بالأصول المصرية في "تاريخ إفريقيا العام" الصادر عن اليونسكو. وفي عام 1982م حصل "ديوب" على أعلى جائزة للبحث العلمي من "المعهد الثقافي الإفريقي" Institut Cultural Africain. وكدليل على تأثيره العالمي؛ تمت دعوة "ديوب" إلى "أتلانتا" Atlanta، و"جورجيا" Georgia في عام 1985م، حيث أعلن العمدة "أندرو يونج" Andrew Young أن يوم 4 أبريل هو "يوم شيخ أنتا ديوب".

وتوفي "ديوب" في 7 فبراير عام 1986م، حيث دُفن في قريته الأصلية "كايتو" Caytou، بجانب جده ومؤسس المدينة "ماسامبا ساسوم ديوب" Massamba Sassoum Diop الأكبر.

ثانيًا: السياق الفكري والثقافي المعاصر لـ"شيخ أنتا ديوب":

منذ بداية العصر الحديث، هيمنت الأطروحات الغربية على مجال إنتاج المعرفة واستهلاكها، لكنها في الوقت نفسه كانت موضع نزاع مع وجهة النظر الإفريقية. وقد تم تحقيق هذه الهيمنة –التي اصطُلِحَ على تسميتها فيما بعد بالمركزية الأوروبية- جزئيًّا من خلال ما شهده الغرب من نهضة في حقل العلوم الطبيعة، التي أصبحت أساس التقدم العلمي والتكنولوجي، وكذلك التنمية الاقتصادية والاجتماعية في العالم الغربي.

لذا فإن تطور العلوم شكَّل الأساس اللازم لظهور سلسلة من العلوم التاريخية التي أصبحت فيما بعد تُشكِّل مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية حسبما ذكر المؤرخ الفرنسي "ميشيل فوكو" (1926-1984م) Michel Foucault في كتابه "الكلمات والأشياء" Les Mots et les Choses: Une Archeologie des Sciences Humaines (1970م) بأن "العلوم لم تتطور بالشكل الطبيعي لترتيب الأشياء، ولكنها كانت نتيجة الطلب على أنواع محددة من المعرفة الضرورية في ذلك الوقت".

الأمر الذي جعل "نظام المعرفة" ضرورة لمسايرة توجُّه المجتمع الحديث، وأصبح مجال المعرفة للعلوم المعرفية خادمًا لنظام السلطات الجديدة. لذا فإنَّ الهيمنة على الإنتاج من خلال المنافسة والابتكار العلمي والتكنولوجي وسيلةً تتحقق من خلالها الهيمنة السياسية على الشعوب الأخرى.

وهو ما لفت انتباه الناقد الأدبي الفلسطيني "إدوارد سعيد" Edward Said، والذي أشار إلى أن الخيال الأوروبي للشرق الذي نشأ عليه الاستشراق كنظام وفهم لمعرفة "الآخر"، كان محاولة من جانب الإمبريالية الأوروبية لتحاشي الهزيمة أمام الشرقيين. لذا فمن الضروريّ للغرب توفر المعرفة اللازمة لممارسة السيطرة والسلطة عليهم. ويستشهد "سعيد" برئيس وزراء بريطاني الذي أكَّد أن الهدف البريطاني من السعي للحصول على "المعارف المصرية" لم يكن في البداية لتأكيد القوة العسكرية أو الاقتصادية على البلاد، بل بالأحرى كانت شكلًا من أشكال القوَّة في حدّ ذاتها.

ثم جاءت الأنثروبولوجيا، وهي منهج مخصّص لدراسة "المجتمعات البدائية" في إفريقيا والأمريكتين. وهو ما أشار إليه "ويليام آدامز" William Adams في قوله: "بينما كانت الأنثروبولوجيا هي دراسة [الآخر]، فإن التخصصات الاجتماعية الأخرى هي دراسة الذات".

ولأن لكل فعل ردّ فعل؛ فقد كان النضال للتغلب على هذه الهيمنة في مجال إنتاج المعرفة هو نتيجة طبيعية مِن قِبَل السكان الأصليين –الآخر- لاستعادة حقهم في معرفة أنفسهم. وفي حالة إفريقيا، كان هدف الأفارقة انتزاع السلطة السياسية من المستعمرين لتأسيس دولهم القومية المستقلة.

وامتد هذا النضال لقرون عديدة في مواجهة الغزاة الأجانب الذين تحدوا إنجازات إفريقيا في مجال إنتاج المعرفة، بدءًا بغزو مصر مِن قِبَل السوريين والفرس والإغريق والرومان. فقد كانت الهوية الإفريقية لمصر حاضرة دومًا؛ حيث أشار التاريخ المصري إلى مجموعة من الفراعنة النوبيين في الحضارة المصرية والمسمى "شباكا" Shabaka، والذي تمكَّن من تسجيل إنجازاته التاريخية في وثيقة مهمة عُرفت باسم "حجر الشباكا" Shabaka Stone والتي يعود تاريخها إلى ما بين 750 و760 قبل الميلاد. وقد تم الاحتفاء بها كأحد الإنجازات الإفريقية، فشكلت بذلك الأساس النظري والفلسفي للمعرفة الإفريقية في العصر الحديث في مواجهة الاستعباد والاستعمار المبني على الدونية العرقية للسود.

وقد تجلت هذه المقاومة في الثورة الهايتية؛ وكذلك في مقاومة مجتمعات المارون الإفريقية في أمريكا ومنطقة البحر الكاريبي. وترافقت هذه المقاومة العسكرية والسياسية مع مقاومة فكرية عبَّر عنها نشطاء أمثال: "بوكمان" Boukman و"مارتن ديلاني" Martin Delany و"هنري ماكنيل تورنر" Henry McNealTurner و"هوشع إيستون" Hosea Easton و"ماركوس جارفي" Marcus Garvey و"كوامي نكروما" Kwame Nkrumah و"باتريس لومومبا" Patrice Lumumba و"سامورا ماشيل" Samora Machel. واستمرت المقاومة ضد الإمبريالية الجديدة والاستعمار الجديد في إفريقيا حتى بعد إنهاء استعمار القارة.

وفي إطار هذه الحرب الفكرية التي طال أمدها، أصبح عمل "شيخ أنتا ديوب" منارة مضيئة لنهضة إفريقية في أواخر فترة ما بعد الاستعمار. فقد كان تفانيه في استعادة تراث الشعوب الإفريقية من بدايات نشأة الحضارة مهمة استمرت معه طوال حياته.

فقد تحدَّى "ديوب" العلماء الأفارقة وحذّرهم من أنهم إن لم يُعيدوا تأكيد تراثهم المصري القديم، فلن يتمكن العلماء الأفارقة أبدًا من إنشاء مجموعة من العلوم الإنسانية الإفريقية وأنظمة المعرفة العلمية الأخرى التي يمكن أن تنافس الهيمنة الغربية على القارة الإفريقية. وجادل بأنَّ أيّ محاولة مِن قِبَل المؤرخين الأفارقة لكتابة التاريخ الإفريقي "دون الإشارة إلى شرعية علاقته بالتاريخ المصري القديم" هي محاولة لا يمكن قبولها على أنها علمية؛ حيث ساوى "ديوب" مثل هذا المسعى غير المجدي بأيّ محاولة مِن قِبَل العلماء الغربيين لكتابة تاريخ أوروبا "دون الإشارة إلى العصور القديمة اليونانية اللاتينية".

كان هدف "ديوب" الرئيسي هو استعادة الوعي التاريخي للشعوب الإفريقية، لذلك شرع في إعادة تأسيس نظرية المعرفة الإفريقية كعملية تحرير؛ حيث تسعى العلوم الاجتماعية والإنسانية القائمة على المركزية الإفريقية إلى إعادة وَضْع الشعوب الإفريقية في المكانة التي يستحقونها. وذلك من خلال استعادة التراث الإفريقي الذي طالما حُرِمَ منه وسُرِقَ ونُهِبَ، حسبما وصف المؤرخ الجوياني ذو الأصول الإفريقية "جورج جيمس" (1893-1956م) George Granville Monah James في العمل الذي نشره بعنوان "الإرث المسروق" Stolen legacy: Greek philosophy is stolen Egyptian philosophy.

وخلص "ديوب" إلى أن إنتاج المعرفة في الحضارة المصرية لم يكن بهدف السيطرة على الآخرين، كما كان الهدف التاريخي للمعرفة الأوروبية التي استغلت الإنتاج المعرفي للسيطرة على الآخرين. وتبنَّى "ديوب" هذا التحدي، وأثبت أن العلوم الاجتماعية والإنسانية ذات المركزية الأوروبية يمكن تفكيكها واستبدالها بنهج علمي جديد قائم على مبادئ نظرية المعرفة الإفريقية غير الساعية للسيطرة؛ حيث وضع الأساس لإنشاء نهج متعدّد التخصصات لدراسة التاريخ والعلاقات الاجتماعية. وبذلك، أصبح "ديوب" واحدًا من عدد قليل جدًّا من العلماء في العالم الذين تجاوزوا حدود المنهجية الأحادية ودخول المنهجية متعددة التخصصات. وقد أدَّى هذا النهج المبتكر إلى تطوير فلسفة إنسانية جديدة تهدف إلى التغلب على نظرية المعرفة العنصرية التي ساهمت في الإبادة الجماعية والحروب الانتحارية في العالم الحديث.

ثالثًا: إسهامات "ديوب" العلمية والفكرية:

يرى العديد من العلماء عند الحديث عن القدماء المصريين، أن مفهوم العِرْق كبناء أيديولوجي واجتماعي حديث غير معني بدراسة العصور القديمة. وبناء عليه، حاول العلماء إنكار الهوية الإفريقية للمصريين القدماء إما بالقول بعدم وجود عرق بالأساس أو أن المصريين لهم خصوصية عرقية تختلف عن الإفريقيين. وهو ما دفع "شيخ أنتا ديوب" إلى وضع نظريته الخاصة لأصل الحضارة؛ مستخدمًا الأدلة التاريخية واللغوية لوضع الثقافة المصرية القديمة في سياقها الثقافي المناسب.

وقد لخَّص "إيفان فان سيرتيما" (1935-2009م) Ivan Van Sertima الأستاذ الشهير في التاريخ الإفريقي واللغوي والأنثروبولوجي، الخطوط الرئيسية لأطروحة "ديوب" على النحو التالي:

"مثلت مصر العقدة والمركز لشبكة واسعة من الثقافات واللغات الرئيسية في إفريقيا؛ فأصبحت بذلك مصدر الإشعاع الثقافي المتدفق من قلبها النابض، ومن البديهي أن مبدعي الحضارة المصرية الكلاسيكية لم يكونوا قوقازيين ولا حاميين، وليسوا كذلك من الرُّحَّل أو الغزاة الآسيويين، ولكنهم بالطبع كانوا أفارقة أصليين ذوي بشرة سوداء وشعر خشن. وحينها كانت اليونان كممثلة للحضارة الغربية، كطفلة ترضع من ثدي مصر كما رضعت مصر من ثدي إثيوبيا التي تطورت من رحم الوطن الأم إفريقيا".

وفي مقدمة كتابه "الأصل الإفريقي للحضارة"، يتحدث "ديوب" عن بدايات أطروحته في باريس وانخراطه المبكر في النضال من أجل التحرير: "لقد بدأت بحثي في ​​سبتمبر من عام 1946م؛ وبسبب الوضع الاستعماري في ذلك الوقت، كانت المشكلات السياسية تسيطر على الجميع... فأصبح أول تأمّل كتبته حول الوضع الإفريقي قد تجلى في النشرة الإخبارية لرابطة الطلاب الأفارقة في باريس؛ وكان بعنوان [نحو أيديولوجية سياسية في إفريقيا]". وقد احتوت هذه المقالة على الخطوط العريضة لكتابه "الأمم والثقافات الزنجية" (1954م). ليصبح المقال والكتاب النواة الأولى لأطروحته للدكتوراه، والتي، على حد تعبيره، "تم رفضها على الفور وبشكل قاطع" مِن قِبَل أساتذته في "جامعة السوربون"، الذين رأوا أن الأطروحة "لا أساس لها من الصحة".

وقد لخَّص "ديوب" أفكار أطروحته في مقالته السالف ذكرها؛ حيث قال: "كل أفكارنا حول التاريخ الإفريقي، والماضي والمستقبل، وضرورة استخدام لغتنا في المجالات العلمية الأكثر تقدمًا كما هو الحال في التعليم بشكل عام، ومفاهيمنا حول إنشاء دولة فيدرالية مستقبلية، قارية أو شبه قارية، وأفكارنا حول الهياكل الاجتماعية الإفريقية، فيما يتعلق بالاستراتيجية والتكتيكات في النضال من أجل الاستقلال الوطني، وما إلى ذلك، هي أفكار تم التعبير عنها بوضوح في تلك المقالة".

وقد خلص "ديوب" في مقالته إلى أن النضال الحقيقي يجب أن ينطلق من مفهوم الاستقلال الثقافي لاستعادة الشخصية الوطنية الإفريقية الجماعية. ولأجل ذلك قام بتحديد ثلاثة عوامل شكَّلت مفهومه عن الثقافة: العامل النفسي (أو المزاج القومي)، والعامل التاريخي، والعامل اللغوي. معتبرًا العامل الأول، وهو العامل النفسي، ممثلًا للجانب العاطفي الذي يعتقد أنه قد تم استكشافه جيدًا من خلال الأعمال الفنية عن "الزنوجة" Negritude للشاعر والمفكر "إيمي سيزير" Aimé Césaire رائد تيار "الزنوجة".

واعتبر "ديوب" أن العاملين الأخيرين "كلاهما عرضة للاقتراب العلمي". ومن هذا المنظور -الاستكشاف العلمي للتاريخ واللغويات- طالب "ديوب" العلماء الأفارقة بضرورة الانخراط في دراسة جادة لمجتمعاتهم من أجل تحريرهم من الهيمنة المفروضة عليهم من الخارج.

وقد صرَّح "سيرتيما" أن أطروحة "ديوب" للدكتوراه لم تختلف كثيرًا عن الاستنتاجات نفسها التي توصل إليها في كتاباته التي قام بنشرها بعد رفض الأطروحة بحجة تعارضها مع كلّ ما تم تدريسه في أوروبا على مدار قرنين من الزمان حول أصل الحضارة. ومن المستغرَب أن الإغريق الأوائل أنفسهم، الذين عرفوا المصريين ودرسوا علومهم وقوانينهم الأخلاقية؛ قد اتفقوا مع أطروحة "ديوب"... الأمر الذي يعني أن أطروحته لم تكن جديدة تمامًا. لكنَّ الجديد هو الكفاءة الهائلة في جَلْبه للعديد من التخصصات المختلفة لبناء هذه الأطروحة على أسس علمية متينة".

وعلى الرغم من رفض أصل الأطروحة، فقد تمكَّن "ديوب" –مع بعض الصعوبة- من نشر مخطوطة أطروحته في عام 1954م. ووفقًا لـ"سيرتيما" حاز "ديوب" على اعتراف دولي كبير. الأمر الذي دفَعه إلى عدم اليأس، والنضال والبحث على مدار عشر سنوات أخرى، قدم خلالهما أطروحتين أخريين؛ تحت عنوان "الوحدة الثقافية لإفريقيا" (1959م) The cultural unity of Africa و"إفريقيا السوداء ما قبل الاستعمار" (1960م) Precolonial Black Africa. لتحظى في الأخير أطروحته بالقبول؛ ومن ثم حصوله على درجة الدكتوراه.

وتكمن أهمية عمل "ديوب" في هذه المرحلة المبكرة من حياته الأكاديمية في أنها مثلت تحدّيًا للتأريخ "العلمي" الأوروبي السَّائد في غير محله. فبعض العلماء، على الرغم من عدم قناعتهم بأطروحة "ديوب"، لكنهم قبلوا وجهة النظر حول الأصل الإفريقي للحضارة المصرية.

لكن في كل الأحوال؛ فإن ما أكسب "ديوب" هذا الاعتراف لم يكن بأيّ حال من الأحوال بسبب الأصالة التي تتمتع بها أطروحته، لكنه يعود بالأساس إلى تمكُّن "ديوب" من إثبات أطروحته بشكل منهجي من خلال تطوير ما أسماه "سيرتيما": "كفاءة هائلة في الجمع بين مختلف التخصصات بدقة مذهلة". والحقيقة أن "ديوب" قد تجاوز الأساليب المنهجية القائمة على المركزية الأوروبية في دراسة "علم المصريات" معتمدًا بدلًا عنها على العلوم الطبيعية والإنسانية لإثبات وجهة نظره. ومن خلال القيام بذلك، وضع "ديوب" محاولته الأولى للاستناد إلى "مقاربة متعددة التخصصات" موضع التطبيق.

فعلى الرغم من تخصص "ديوب" الجامعي في الفيزياء، لكنَّه كان قادرًا على دراسة الأنثروبولوجيا، وعلم الآثار، وعلم الاجتماع، واللغويات، وعصور ما قبل التاريخ وعلم المصريات خلال فترة عمله في جامعة السوربون. وقد مكَّنته دراساته من العمل بشكل مريح مع هذه التخصصات والتنقل بينها، الأمر الذي جعله يستخدم "مقاربة متعددة التخصصات".

ولم يكتفِ "ديوب" من الجمع بين كل هذه التخصصات، وإتقانه اللافت لمقاربة متعددة التخصصات، بل استطاع كذلك أن يُضيف ميزةً أخرى لعمله تمثلت في الاستعانة ومشاركة متخصصين في العديد من المجالات العلمية، على سبيل المثال: "أندريه أيمارد" (1900-1964م) André Aymard المؤرخ الفرنسي الشهير؛ وعميد كلية الفنون في باريس ما بين عامي 1958-1964م، و"جاستون باشيلارد" (1884-1962م) Gaston Bachelard والذي يُعدّ واحدًا من أهم الفلاسفة الفرنسيين على الإطلاق، وربما أكثرهم عصرية أيضًا؛ نظرًا لتكريسه جزءًا كبيرًا من حياته وعمله لفلسفة العلوم، كما قدَّم أفكارًا متميزة في مجال الابستمولوجيا، و"أندريه ليروي جورهان" (1911-1986م) André Leroi-Gourhan، عالم الآثار الفرنسي والمتخصص في الأنثروبولوجيا والتفكير الفلسفي؛ وجميعهم متخصصون مرموقون في مجالات بحثهم العلمي.

وبسبب اهتمامه بالفيزياء النووية، تم تعيينه للعمل في مختبر أبحاث رائد مع الفيزيائي الفرنسي "فريدريك جوليو كوري" (1900-1958م) Frédrick Joliot-Curié، والذي كان له علاقات وثيقة مع "ألبرت أينشتاين" (1879-1955م) Albert Einstein.

وقد لاحظ "جيمس ج. سبادي" James G. Spady الكاتب والمؤرخ والصحفي الحائز على جائزة الكتاب الأمريكي أنه: "ليس من المستغرب أن يصبح [شيخ أنتا ديوب] واحدًا من عدد قليل جدًّا من الأفارقة في الداخل والخارج ممن امتلكوا إمكانية الوصول إلى مجموعة المعارف العلمية الأكثر تقدمًا فحسب. لكنه كان ضمن عدد قليل من العلماء على المستوى العالمي ممن لديهم دراية بنظرية النسبية لـ[ألبرت أينشتاين]، وقد تمكن [ديوب] من ترجمة جزء كبير من هذه النظرية إلى لغته الأم [وولوف] Wolof. وقد ساعده في ذلك تطوير قدراته في الترجمة من خلال دراسته اللغوية المقارنة بين قواعد لغة [ولوف] والمفردات المصرية".

ويضاف إلى كل ما سبق؛ أن "ديوب" لم يكن عالمًا مرتبطًا بالبحوث المختبرية فقط. لكنه كان طالبًا وناشطًا سياسيًّا مهمومًا بإثبات فكرته، وساعيًا للنهوض بقضيته؛ ومقتنعًا بأن مفهوم التاريخ الذي طوَّره يمكن أن يُوفّر أرضية للوحدة والاستمرارية للقارة الإفريقية.

كان كذلك من أشد المؤمنين بقارة إفريقية فيدرالية مستقبلية قوية بما يكفي للدفاع عن تراثها وتعزيز قضيتها الإنسانية. لذلك كان "ديوب" -كأحد رواد الجامعة الإفريقية- يتبع نهجًا علميًّا ومعمليًّا في عمله ونشاطه السياسي يهدف إلى تشكيل قوى سياسية جديدة وقوية لتجاوز عدم الاستقرار والتشرذم، واستعادة الفخر الحقيقي والإيمان والشعور بالمصير الجماعي في إفريقيا الحديثة. وقليل من العلماء والسياسيين الأفارقة حققوا ذلك.

وبعد رحلة طويلة في أوروبا عاد "ديوب" أخيرًا إلى السنغال عام 1960م؛ حيث شارك في المهرجان العالمي الأسود الأول للفنون والثقافة الذي أُقيم في داكار عام 1966م. وفي عام 1974م تُرجمت منشوراته الرئيسية إلى اللغة الإنجليزية. الأمر الذي سمح لـ"ديوب" بتوسيع التحدّي الذي يمثله عمله إلى مستوى دولي أوسع. كما حظي أحد كتبه "أصل الحضارة الإفريقية: الأسطورة والواقع" (1974) The origin of African civilisation: Myth and reality، باهتمام عالمي كبير؛ نظرًا لما يمثله هذا الكتاب من أساس لإعادة ربط الحضارات النوبية والإثيوبية والمصرية القديمة بحضارات الدول الإفريقية الأخرى وممارساتها الحالية. وهو ما أوضحه بشكل تفصيلي أكبر في كتابه "الحضارة أو البربرية: أنثروبولوجيا حقيقية" (1980) Civilisation or barbarism: An authentic anthropology.

وأخيرًا يأتي التقدير العلمي لعمل "ديوب"، حين تمت دعوته ضمن مجموعة من العلماء الأفارقة من ذوي المكانة العلمية المرموقة للمشاركة في "مؤتمر اليونسكو الدولي" Unesco International Conference لعام 1974م. هذا المؤتمر الذي كان من أهم نتائجه: كتاب اليونسكو المؤلّف من ثمانية مجلدات عن التاريخ العام لإفريقيا General history of Africa. وتصبح الورقة العلمية التي تقدم بها "ديوب" إلى المؤتمر هي نفسها الفصل الأول في المجلد الثاني من هذه الموسوعة الفريدة، وعنوان المجلد "حضارات إفريقيا القديمة".

لكن الأمر الذي لا يُحْمَد على الإطلاق؛ هو إضافة الأستاذ "جمال مختار"، محرّر هذا المجلد، إخلاء طرف في نهاية الفصل مفاده أن "الحجج المطروحة في هذا الفصل لم يتم قبولها مِن قِبَل جميع الخبراء المهتمين بالمشكلة". فلم يكن إخلاء المسؤولية في هذا الموضع ضروريًّا، فقد كانت الموسوعة جامعة لإنتاج الباحثين لأعمال علمية ساقوا من خلالها الأدلة التي تدلل على أفكارهم البحثية، وليست الموسوعة مكانًا للنقد أو الحكم على مدى قبول الأعمال البحثية أو رفضها مِن قِبَل الخبراء أو المهتمين. وإذا كان الأمر كذلك، فلن يكون المجال متاحًا لطرح الأفكار والاستدلال عليها. علاوة على ذلك، فإن إخلاء المسؤولية مِن قِبَل "مختار" لم يكن صحيحًا حتى تكشف سجلات المؤتمر أن الخبراء الذين شاركوا في المؤتمر عازمين على دَحْض عمل "ديوب"، فقد وجدوا أنفسهم غارقين في الأدلة التي حشدها "ديوب" لإثبات استنتاجاته. الأمر الأخير أن تقرير مؤتمر اليونسكو نفسه أثنى على جودة العمل الذي قدَّمه ديوب و"تيوفيل أوبينجا" Theophile Obenga؛ عالم مصريات إفريقي رائد ولغوي ومتابع جيد لدراسات "ديوب".

وفي الأخير؛ فإن مساهمة "ديوب" الرئيسية في المعرفة الإفريقية تمثلت في التحدّي الذي طرحه على الفهم الأوروبي للعالم والمبني على المركزية الأوروبية للحضارة والعلوم؛ وهو فكر عنصري بالطبع حين نفى الإنجازات التاريخية لإفريقيا في الحضارة العالمية.

وبسبب مركزية العنصرية السائدة في ذلك الوقت في التصور الأوروبي لـ"الآخر" (وخاصة "الآخر" الإفريقي)، اعتبر "ديوب" أن العِرْق عامل حاسم في نَقْد الأطروحات المركزية الأوروبية، وفي تطوير نظريته المعرفية البديلة وفلسفته حول التاريخ والعلاقات الإنسانية. وذلك من خلال تطويره لاختبار جرعة "الميلانين" كعامل حاسم في إثبات الأصول العرقية للمصريين القدماء.

من ناحية أخرى، ساهمت نظريته حول "المهد المزدوج" The two-cradles theory والدراسة النسبية المؤسسية لهذا الازدواج في فهم جديد للاختلافات بين العِرْقين، الأسود والأبيض، ومهدهما. فكان الهدف هو تطوير فهم علمي موضوعي لهذه القضايا من أجل صياغة فلسفة جديدة غير عنصرية.

_____________________________

أهم المراجع المستخدمة في البحث:

Clarke, John Henrik. "The Historical Legacy of Cheikh Anta Diop: His Contributions To A New Concept of African History." Presence Africaine 149.150 (1989): 111-120

Diop, Cheikh Anta, and Harold Salemson. Precolonial Black Africa. Chicago Review Press, 2012

Diop, Cheikh Anta, and Mercer Cook. The African origin of civilization: Myth or reality. Chicago Review Press, 2012

Diop, Cheikh Anta. "Civilization or Barbarism: An Authentic Anthropology." Great African Thinkers 1 (1986)

Diop, Cheikh Anta. "The cultural unity of Black Africa: The domains of patriarchy and of matriarchy in classical antiquity." (1989)

Diop, Cheikh Anta. Towards the African renaissance: Essays in African culture & development, 1946-1960. Red Sea Press (NJ), 1996

Luyaluka, Kiatezua Lubanzadio. "Theological Proofs of the Kinship of Ancient Egypt With South-Saharan Africa Rather Than Eastern and Western Civilizations." Journal of Black Studies 50.1 (2019): 87-105

Mokhtar, Mohamed Gamal el-Din, G. Mokhtar, and Muḥammad Jamāl al-Dīn Mukhtār, eds. Ancient civilizations of Africa. Vol. 2. University of California Press, 1981

Wadada Nabudere, Dani. "Cheikh Anta Diop: The social sciences, humanities, physical and natural sciences and transdisciplinarity." International Journal of African Renaissance Studies 2.1 (2007): 6-34

كتاب الموقع