أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

رواندا في ظل حقبة رئاسية جديدة.. الأبعاد والسيناريوهات

 

رشا السيد عشري (*)

مع فوز الرئيس الرواندي بول كاغامي (الرئيس السادس والحالي لجمهورية رواندا منذ 24 مارس 2000) بولاية ثالثة في الانتخابات الرئاسية لعام 2017، تدور العديد من التساؤلات حول مصير الدولة الرواندية في ظل حقبة جديدة من حكم كاغامي المنتهية ولايته، وتتبان الآراء حول طبيعة هذه الحقبة الجديدة ، هل ستشهد مزيد من الاستقرار الأمني والنمو الاقتصادي  ؟، وهل ستستمر حالة التراجع الديمقراطي وانتهاكات حقوق الانسان، في ظل عدم وجود معارضة حقيقية نتيجة عمليات القمع وتحجيم وسائل الإعلام وحرية الرأي؟.

 

أبعاد التوجه نحو حقبة رئاسية جديدة بقيادة كاغامي

تحتلف رواندا عن غيرها من العديد من دول أفريقيا التي تعاني أزمات اقتصادية شديدة ومواجهات عدة ضد أنظمتها نتيجة توتر الاوضاع السياسية والأمنية، كما تختلف رواندا عن جارتها بوروندي التي تعيش أزمة سياسية وأمنية منذ العام الماضي ، فالوضع في رواندا أشبه باتفاقية غير معلنة بين الشعب والنظام الحاكم يتيح على إثرها الأخير ضمان الأمن والاستقرار لدولة عانت من انهيار الأوضاع الأمنية وتفشي المجازر والابادة الجماعية، في مقابل تفرد النظام بالسلطة والحكم في البلاد وعدم وجود معارضة حقيقية. 

مع إعلان فور الرئيس كاغامي في الانتخابات الرئاسية وحصوله على 98.66% من الأصوات، فيما حصل خصماه زعيم حزب المعارضة الوحيد المسموح به في رواندا "الحزب الأخضر الديمقراطي" فرانك هابينيزا والمستقل فيليب مباييمانا على أقل من واحد في المائة لكل منهما، سيتمكن كاغامي من إدارة البلاد لمدة سبع سنوات أخرى، بعد قضائه فترتين رئاسيتين وذلك بعد إجراء استفتاء حول تعديل دستوري يقضى بالسماح للرئيس للترشح لثلاث فترات إضافية، والذي تم إقراره بتأييد 98,13 % من الناخبين في 18 ديسمبر الماضي، وقد وافق الروانديون بأغلبية كبيرة على التعديل الدستوري، الذي رفضت تطبيقه العديد من الدول الأفريقية.

وعلى الرغم من تصريحه في خطاب نقله التلفزيون بمناسبة العام الجديد، إن رواندا ليست بحاجة إلى رئيس مدى الحياة، وإن رئيساً جديداً سيخلفه في أقرب فرصة" إلا أنه أردف بالقول، بأنه سيقود البلاد بعد 2017 لأن الشعب طلب منه ذلك. وهو ما يدعو إلى محاولة تفسير أبعاد التوجه نحو حقبة رئاسية جديدة بقيادة بول كاغامي، والتي تمثلت في العديد من الأبعاد: 

1. الخوف من رجوع سنوات الابادة الجماعية والانهيار الأمني

سنوات الاقتتال العرقي والصراع على السلطة منذ عام 1959، أجبرت الشعب الرواندي القبول بأي سياسة يفرضها الرئيس الحالي مقابل الأمن والاستقرار، فمع تأسيس حزب حركة تحرير الهوتو(PARMEHUTU) الذي كان يهدف إلى إسقاط حكم التوتسي، وخلف عدة مجازر بحقها، انتهت بتولي الهوتو الحكم في البلاد عام 1962، لتستمر عمليات المجازر الجماعية في ظل حكم الأخيرة انتهت بانقلاب عسكري على يد وزير الدفاع جوفينال هابياريمانا عام 1973م، التي ازدادت في عهده انتهاكات حقوق الانسان، حيث قام بإبعاد 80 ألف رواندي لاجئ من التوتسي في أكتوبر 1982م، ومع تشكّل الجبهة الوطنية الرواندية عام 1988م على أيدي عدد من اللاجئين التوتسي وعلى رأسهم بول كاغامي ازدادت المواجهات المسلحة بين الجيش الرواندي التابع للحكومة والجبهة الوطنية الرواندية وذراعها المسلح، الأمر الذي خلف مزيد من المواجهات المسلحة والاعتقالات والمجازر عام 1990م.

 ازداد الوضع تعقيداً مع تشكّيل الحزب الحاكم ميليشيات (إنتيراهاموي) من شبيبة الهوتو، وهي التي ارتكبت مجازر بحقّ التوتسي في مناطق عدة من البلاد في 3 فبراير 1992م، وفي ظل فشل مفاوضات السلام (كاتفاق أروشا) عام 1993م، لتتصاعد عمليات الإبادة الجماعية عام 1994، بعد مقتل الرئيس الرواندي هابياريمانا في أبريل عقب اسقاط طائرته فوق كيغالى، حتى وصل عدد الضحايا إلى ما يقرب المليون كان معظمهم من التوتسي باستخدام كافة أنواع الأسلحة، خلف ذلك كارثة إنسانية نتيجة أعداد القتلى وعمليات اللجوء والنزوح من الدولة لتنتهي تلك الحقبة المروعة بانتصار الجبهة الوطنية الرواندية بذراعها المسلح وسيطرتها على العاصمة كيغالي، وكذا على السلطات المدنية والعسكرية، وتولي كاغامي السلطة في البلاد كوزير الدفاع ونائب للرئيس "باستور بيزيمونغو".

من ثم تركت تلك السنوات السوداء خوفاً من رجوعها مرة أخرى على أيدي معارضين للرئيس الحالي، فمنذ إحكام كاغامي سيطرته على البلاد  عام 1994، عاشت الدولة الرواندية مزيد من الاستقرار الأمني والسياسي في ظل قبضة أمنية محكمة وتوافق سياسي نسبي عكسته العديد من المبادرات الأمنية والتعاون الشعبي بين الهوتو والتوتسي، خاصة بعد طرده المتطرفين الهوتو من البلاد ووضع حد لعمليات الإبادة الجماعية، حيث دأبت الحكومة على ملاحقة قادة الهوتو المتورطين في التحريض على الإبادة، حتى أنها توغلت في جمورية الكونغو لملاحقة الهاربين منهم، وهو ما انعكس على اختيار الناخبين لكاغامي، ودلّ على ذلك تصريح لأحد المواطنين ذوي (54 عاماً) والذي عاش مرحلة الإبادة الجماعية، حيث أدلى بصوته في المركز الذي صوت فيه الرئيس في كيغالي، بالقول إن كاغامي «حرر البلاد وضمن استقرارها والآن يمكننا السير في كل أرجاء البلد بأمان في الليل والنهار».

2. قمع المعارضة والولاء للنظام

على الرغم من دور كاغامي في تحقيق الاستقرار السياسي، وتعزيز قيم المواطنة في ظل نشاط اقتصادي كبير، إلا إن عدم وجود معارضة حقيقية تعزز تلك القيم، وتتولى الانتقال السلمي للسلطة قد ترك علامات استفهام حول دور الرئيس واحتكاره للحكم، وعدم التوجه نحو المشاركة السياسية الحقيقية، وذلك في ظل اختفاء لأي قوى أو أحزاب معارضة منذ توليه السلطة ، لتقتصر الممارسة السياسية على حلفاؤه أو مستقلون ذو رؤية ضعيفة أو ظهور هامشي في مواجهة عُتاة الدولة، دلّ على ذلك قول زعيم المعارضة الرئيسية فرانك هابينيزا من حزب الخضر الديمقراطى الرواندى، إنه يشعر بالارتياح «لأنها المرة الأولى منذ 23 عاماً التي يظهر فيها اسم حزب معارض على بطاقات الاقتراع»؛ وذلك على الرغم من التحديات التي تعرضت لها تلك الأحزاب أو المرشحون أمام الرئيس، والتي تمثلت في عدم إعطاء الفرصة لترك مساحة لتحرك  ومنافسة قوى مدنية أخرى جديدة ، وهو ما دفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مطالبة كاغامي بترك السلطة عام 2017، والسماح لأجيال جديدة بالظهور. في ظل حثّه علي عقد "حوار وطني حقيقي وشامل وغير مشروط" بهدف إنشاء "حكومة شراكه وطنيه" جديدة.

وتعرض المرشحون أمام كاغامي للتضييق من خلال عدم توفير الوقت الكافي لجمع تبرعات والقيام بالحملة وتدعيم التواصل الالكتروني. ناهيك عن تشويه صورة البعض الأخر لاسيما "ديان شيما رويغارا" (35 عاماً) التي أعلنت عن خوضها الانتخابات الرئاسية, وتم التشهير بصور لها منافية، والتي وعدتْ الشعب الرواندي بمزيد من الإصلاحات، والقضاء على الفقر، والقمع، وحرية التعبير، فضلاً عن اتهام النظام باختفاء أحد أعضاء حملتها.

خلال حكم الرئيس كاغامي، كان هناك قلق من نمط الحكم الديكتاتوري وملاحقة عناصر الهوتو الفارين الى الدول المجاورة، ففي يناير 2003 ، أعيد معظم اللاجئين الروانديين الذين كانوا يعيشون في مخيمات في تنزانيا ، وعددهم 23,000 ، إلى أوطانهم. الا أن اللجنة الأمريكيه للاجئين ذكرت أن جهود الإعاده إلى الوطن لم تكن جيدة التنظيم وأن ما يقرب من 3,000 لاجئ فروا من تنزانيا إلى أوغندا ملتمسين اللجوء خوفاً من ملاحقة قوات كاغامي، مما ساعد علي تعميق الريبة بين الحكومتين الرواندية والأوغنديه.

كما توالت ادعاءات الاغتيالات وتزوير الانتخابات، والفساد ضد نظامه، "فالسلام القمعي" الذي تعيشه رواندا كما يصفه البعض، على حساب الحريات المدنية قد عزز من الانتقادات حول ديكتاتورية النظام، في ظل التشكك حول عمليات الاغتيال ونظام الشرطة السرية وقمع المعارضة التي تحاول أن تبرز، والاعتقالات، سواء في صفوف المدنيين أو وسائل الإعلام أو حتى أعوان النظام الذين ينتقدونه، دلّ على ذلك إصدار محكمة رواندية أحكامًا شديدة ما بين 20 و 24 عامًا ضد أربعة من أعوان كاغامي السابقين الذين نددوا بحكمه وحثًّوا علي تغيير نظامه. حيث اتهمتهم رواندا بتشكيل جماعه إرهابيه، وتهديد أمن الدولة، وتقويض النظام العام، وتعزيز الانقسامات العرقية، وإهانة الرئيس. حيث أكد المتهمون أن سياسة كاغامي القمعية ستجعل رواندا "مره أخرى علي شفا هاوية"، "وربما تشهد إنجازاته انهياراً لأنه لم يستطع أن يأخذ بلده من حكم الرجل الواحد نحو الديمقراطية".

على صعيد أخر يأتي حظر وسائل الإعلام المعارضة للرئيس وسياساته، حيث يصفه مراسلو الوكالة الدولية لمراقبة الاعلام بلا حدود بأنه "مفترس يهاجم حريه الصحافة"، مستشهدين بحقيقة أنه خلال العقدين الماضيين، قُتل ثمانية صحفيين أو فُقدوا ، و11 تم الحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة ، وأجبر 33 علي الفرار من رواندا. كما صرحت منظمة العفو الدولية أن الانتخابات تأتي في جو من الخوف الذي أوجدته سنوات من القمع ضد السياسيين المعارضين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، حيث قالت "لقد تم سجنهم وتعرضوا لاعتداءات جسدية وقتلوا وأُرغمٍوا علي النفي أو الصمت". كما تم حظر بي بي سي الناطقة بالكينيارواندية - اللغة المحلية - منذ عام 2014 بعد أن بثت فيلما وثائقيا يشكك في رواية الحكومة للإبادة الجماعية في عام 1994.

وهو ما يوضح مدى إحكام القبضة الأمنية وسيطرة النظام بشكل كامل بما يحول دون حدوث أي معارضة أو التوجه نحو تغيير نظام الحكم وهو ما عزز من استمرار الرئيس في السلطة لعقود، في ظل التخوف من القتل أو الاعتقال أو غير ذلك.

3. مبادرات تعزيز السلم والاستقرار

شرع الرئيس في إعادة بناء الدولة سياسيًا بما يعزز المواطنة ويخفي أي بوادر لرجوع أزمة الاقتتال العرقي، من ثم ظهرت العديد من المبادرات حول تعزيز السلم والاستقرار والتعاون ومحاكمة المتورطين في عمليات الإبادة الجماعية، والتي بدأت بمجلس الحكماء أو الـ«جاكاكا» وهو شيء أشبه بالمجالس العرفية لحل مشكلة تورط ملايين من المواطنين في الإبادة الجماعية من خلال المصالحة والتي قضت بأن يتم العفو عن المتهم في مقابل الإقرار بالذنب والمساعدة في إلقاء القبض على القيادات المشعلة لهذه الفتنة. ثم مبادرة (أوموغاندا Umuganda) لإحياء الثقافة الرواندية، والتكيف مع برامج التنمية، يليها مبادرة (أوبوديهي Ubudehe) لتعزيز ثقافة العمل الجماعي، والدعم المتبادل؛ ثم مبادرة (غيرينكا Girinka) لإعادة بناء رواندا وتعزيز الهوية الوطنية المشتركة؛ مبادرة (إيتوريرو ريي غيهوغو Itorero ry`Igihugu)، لدعم الثقافة الوطنية في عدة مجالات، مثل اللغة، والعلاقات الاجتماعية، والرياضة، والدفاع عن الوطن.

وكانت الخطوة الثانية وهي وضع الدستور الرواندي الذي ينص على المصالحة الوطنية، وإعادة تأهيل المتورطين في الإبادة من خلال البرامج التعليمية والتثقيفية، والقوانين الصارمة التي جعلت التلفظ بأي خطاب عنصري جريمة لا يُتهاون فيها. حيث استخدم دستور 2003 لغة قويه تشجب الصراع العرقي، وكان ضمن مبادئه الأساسية "مكافحة أيديولوجية الإباده الجماعية وجميع مظاهرها" و"القضاء علي الانقسامات الإثنية والإقليمية وغيرها من تعزيز الوحدة الوطنية"؛ فضلاً عن إعادة تقسيم المحافظات؛ فقبل ذلك كانت كل قبيلة تسيطر على مجموعة من المحافظات، من ثم عملت الحكومة على إعادة التقسيم وتوزيع السكان حتى تعزز قيم المواطنة وإلغاء فكرة القبلية.

وقسمت البلد إلى أربع مقاطعات (الشمال والشرق والجنوب والغرب) يرأس كل منها حاكم في محاولة لتحقيق لامركزية في السلطة.

أما في مجال التعليم والذي اعتبر عماد تقدم الدولة في ظل حكم كاغامي، فقد كان نظام التعليم قبل الإبادة يقوم على الفصل العنصري وتقسيم الفصول بحسب القبيلة والطبقة الاجتماعية. وفي ظل الإبادة تم قتل المدرسين والأطفال، ونُهٍبت محتويات المدارس، وتسرًّب الكثير من التعليم؛ من ثم وضعت الحكومة ميزانية خاصة للتعليم لإعادة المتسربين وتوفير التعليم لكافة مواطني الدولة خاصة الأسر الأشد فقراً، وتعديل المناهج بما يعزز قيم المواطنة وتقبل الأخر.

وعلى مستوى مشاركة المرأة في الحياة العامة ، فوفقاً لتقرير صادر عن الأمم المتحدة تحتل رواندا المركز الأول على مستوى العالم في التمثيل النسائي للبرلمان، ففي عام 2008 كانت نسبة المرأة في البرلمان الرواندي هي 49% متفوقة على كبرى الدول الأوروبية ؛ فكانت السويد بنسبة 47% وفنلندا بنسبة 41.5 %، وفي عام 2013 ارتفعت نسبة النساء في البرلمان الرواندي إلى 64% بعد أن كانت نسبتهن 17 % في عام 1990.

 فضلاً عن الدور الرائد في مجال الصحة، حيث تنفق رواندا في مجال الصحة 27 % من إجمالي الدخل فيما تنفق 17 % على التعليم، حيث انخفضت مستوى وفيات الأطفال من 2030 طفلاً عام 1998، ليصبح 55 طفلاً فقط عام 2012، كما انخفض معدل وفيات الرضع من 120 رضيعًا لكل 1000 رضيع عام 1998، ليصبح 40 رضيعًا فقط عام 2012. ما يدل على مدى التقدم الذي أحرزته الدولة.

4. التقدم الاقتصادي وما تبعه من تطور للدولة

النمو الاقتصادي الذي شهدته روندا من أهم عوامل نجاح إدارة كاغامي، والتي على إثرها تم غض الطرف عن ممارسات أخرى قد صنفها البعض على أنها انتهاكات لحقوق الإنسان في ظل انتعاش القوة الاقتصادية، فقد كانت الخطوة الأولى لإعادة بناء الاقتصاد في رواندا هي إعادة المواطنين الهاربين من رواندا ليشكلوا قاعدة القوى العاملة، والتركيز على ثروات البلاد الزراعية والسياحية والاستفادة منها وتوجيه الاستثمار إليها حتى أصبحت تمثل 70% من القوة الاقتصادية، فضلاً عن تحقيق إجمالي ناتج محلي بقيمة 1.7 مليار دولار في الخمسة أعوام السابقة. والتي على إثرها أصبحت واحدة من الدول الاقتصادية الرائدة في أفريقيا بسبب اعتمادها على الزراعة بشكل كبير (يعتمد عليها95% من السكان) وفق تقرير السوق الأفريقية المشتركة «الكوميسا» في يوليو 2016.

 هذا بالإضافة إلى الاهتمام بالتصنيع والبناء والخدمات، وقطاع التعدين، والطاقة الكهربائية، وبناء المعرفة الجيولوجية وضمان ادارة العائدات، في ظل ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي إلى 8 % خلال عام 2015، وذلك في إشارة إلى الانخفاض المستمر في نسب الفقر من 95% عام 2001 الى 5% 2011، بالرغم من أن 63 % من الشعب الرواندي مازالوا يعيشون بدولار واحد في اليوم، إلا أن الناتج المحلي الاجمالي للفرد الواحد قد تزايد خمس أضعاف خلال العقدين الماضيين وفقاً للبنك الدولي. وذلك كما يوضح .

 

                 المصدر: مركز البيان للدراسات والتخطيط،  http://www.bayancenter.org/2015/07/239/

 

أيضاً دفعت الاستثمارات في البنى التحتية والتعليم والرعاية الصحية إلى نموٍ ملحوظ في البلاد، كما تمكنت من جذب الأغنياء والمهاجرين الرواندين واستطاعوا أن يقفوا أمام الشركات الأجنبية في بعض مجالات البناء، واحتكار سوق الأسمنت. في الوقت الذي بدأت فيه البلاد النمو من منطلق منخفض، فقد بلغ متوسط معدل النمو السنوي في رواندا 14 % بين 2003-2013 مما جعل اقتصادها أحد أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم، وتوفر حكومتها وظائف لكل العاملين وفي مؤشر جلوبل لمدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2014، تم تقييم رواندا في المرتبة 55 من 175 بلداً.

كما وصل حجم التجارة إلى 603.44 مليون دولار، فيما بلغت قيمة واردات البلاد في ذلك العام 439.30 مليون دولار، وقيمة الصادرات 164.14 مليون دولار، حيث اكتسبت هذه الإصلاحات التجارية إشادة البنك الدولي.

ووصل سداد الدولة للقروض قيمة عليا، يوضحها الجدول التالي.

 

            الالتزام بالسداد السنوي للقروض (بالمليون الدولارات)

LENDING: Rwanda: Commitments by Fiscal Year (in millions of dollars

 

 

 Sourse: The World Bank In Rwanda

http://www.worldbank.org/en/country/rwanda/overview

 

وفي نهضتها السياحية، وصل عدد السياح الذين زاوا روندا في عام 2010 إلى 620 ألف سائح، حيث اعتمدت رواندا على 3 مباديء لجذب السياحة وهي:

1.استغلال الثروات الطبيعية والتوسع في الحدائق العامة وجذب الاستثمار.

2.إلغاء التأشيرة للأجانب سواء أفارقة أو أوروبيين أو آسيويين أو غيرهم.

3.نظافة المدن وإعادة بناءها على الطراز الحديث حتى حازت العاصمة كيجالي لقب أنظف عاصمة أفريقية من الأمم المتحدة. وفي 2014 أصبحت رواندا تستقبل مليون سائح سنوياً، فضلاً عن استخدام الطائرات بدون طيار، والإنترنت عالي السرعة في جميع أنحاء البلاد.

يأتي ذلك في ظل الاستراتيجية الإنمائية لرواندا لعام 2020 التي وضعتها الحكومة من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية الممثلة في الحد من الفقر والتنمية الاقتصادية وتسريع النمو، والسعي لتوفير فرص عمل للشباب ، ورفع الانتاج المحلي الإجمالي للفرد الى 1000 دولار, لتتحول رواندا تحت قيادة بول كاغامي وحزبه الجبهة الوطنية الرواندية، من أفضل دول القارة تقدماً واستقراراً في ظل معدلات فساد منخفضة ونمواً اقتصادياً متزايدا، وتتصدر المرتبة الثالثة ضمن أفضل 3 وجهات استثمارية في القارة الأفريقية بعد جنوب أفريقيا وموريشيوس.

5.العلاقات الخارجية

يعتبر الدعم الدولي من أهم عوامل استقرار الأنظمة الأفريقية خاصة في دعمها السياسي ظهر ذلك في العديد من القضايا التي مرت بها الدول الأفريقية على مدى عقود. من ثم فإن مستوى العلاقات الخارجية للدولة ومدى ولاء وتوطيد علاقة انظمتها بالخارج ينعكس على سياسة رئيس الدولة الداخلية، من ثم كان نهوض كاغامي في رواندا له تأثير كبير عل سياسته الخارجية وعلاقاته، فقد اجتذب مؤيدين أجانب مثل بيل كلينتون وتوني بلير، في ظل تعاون تجاري واقتصادي كبير. 

حيث تلقت رواندا الكثير من المساعدات الأجنبية التي ساعدتها على النهوض من أزمتها، ووفقا لمجلس العلاقات الخارجية «CRF» تحاول رواندا الخروج من إطار المساعدات بجذب المزيد من الخصخصة والاستثمار في ثرواتها المعدنية والكهرباء والطاقة.

إلا أن كاغامي أقام علاقات ديبلوماسية جيدة مع أغلب دول شرق أفريقيا والولايات المتحدة، في ظل توجيه سياساته نحو الأخيرة، في محاولة لتعزيز استمراره في السلطة في حالة وجود معارضة أو اضطراب ضد النظام، حيث قام بإضافة اللغة الإنجليزية كلغة رسمية، وكلغة للتعليم في رواندا في العام 2010، في حين تدهورت علاقته  مع فرنسا(**)، ما أدى إلى انسحاب رواندا من المنظمة الدولية للفرنكوفونية لتنضم إلى دول الكومنولث، إلا أنه تم استئناف العلاقات بين الجانبين.

كما يتعاظم الدور "الإسرائيلي" في رواندا في إطار توطيد العلاقات بين الجانبين، تمثلت في تبادل الزيارات في مايو 2008 حيث قام الرئيس الرواندي بأول زيارة لـ"إسرائيل"، كما قام رئيس مجلس الشيوخ الرواندي بزيارة تل أيبب خلال الفترة من 27 أبريل إلى 3 مايو 2008، مع تزايد تبادل الزيارات الرسمية في عامي 2009، و2010، يأتي ذلك في إطار تزايد الدور الاقتصادي والاجتماعي "الاسرائيلي" في رواندا، حيث شرعت "إسرائيل" فى يونيو 2009 في إنشاء قرية رواندية، تتسع لحوالى 500 طفل رواندياً من الأيتام الناجين من أحداث الإبادة الجماعية.

كما تتراوح قيمة الصادرات "الإسرائيلية" السلعية إلى رواندا سنويًا ما بين 1.6 إلى 2 مليون دولار، فى حين تبلغ الصادرات الرواندية حوالى 1.9 مليون دولار سنويًا تتمثل في الشاى وبعض مواد التعدين، والتعاون في مجال التدريب العسكري، والتي توفد بموجبها عسكريين إسرائيليين سابقين لتقديم خدمات تدريبية لوحدات الجيش الرواندى، خاصة وحدات الحرس الجمهورى الرواندي، حيث يرى البعض أن هناك خبراء عسكريين إسرائيليين بشكل دائم فى إحدى وحداتها المتمركزة حول مقر رئاسة الجمهورية.

عزز ذلك تصريحات نتنياهو في توطيد العلاقات الاسرائيلية الرواندية بالقول "إن رواندا لعبت دورًا هامًا في مساعدة "إسرائيل" على توسيع نطاق علاقاتها في القارة، وأضاف، "أود أن أقول إنكم كنتم الجسر الذي لا غنى عنه الذي عبرناه من أجل عودتنا إلى أفريقيا خطوة بخطوة وبمشورة سليمة جدًا وحكيمة جدًا"، وتابع: "أريد أن أشكركم على مساعدة إسرائيل"، وفي أثناء لقاء نتنياهو وكاغامي في يوليه 2017، قال الأول "قلت اليوم للرئيس الرواندي كاغامي: إسرائيل تعود إلى أفريقيا على قدم وساق، ونستقبلكم هنا في إسرائيل بقلوب مفتوحة وبأذرع مفتوحة".

تطور العلاقات بين الجانبين ودور اسرائيل المحوري في حوض النيل ودور كاغامي في تعزيز الوجود الاسرائيلي في القارة كما صرح نتنياهو، ساعد كاغامي على تعزيز دوره المحوري ووضع له ثقلاً ودعماً سياسياً مقابل المعارضة هشة، مما ساعده على ترسيخ هيمنته في السلطة نتيجة دوره الخارجي وعلاقاته المحورية لاسيما الأمريكية الإسرائيلية.

 

السيناريوهات المستقبلية لوضع الدولة بعد فوز كاغامي

وضع الدولة الرواندية يختلف عن مثيلتها من دول الجوار، فالأبعاد المترتبة على فوز بول كاغامي كثيرة ومتعددة، وهي التي فرضت على الدولة نظاماً ذو قبضة حديدية يصعب اختراقه من قبل قوى معارضة لديها رغبة في التغيير وتشرع في المنافسة على السلطة، ما كان له الدور في استمراره في الحكم لسنوات، وهناك عدد من السيناريوهات المتوقعة لما ستشهده البلاد خلال المراحل المقبلة بعد فوز كاغامي بفترة رئاسية جديدة ويمكن رصدها فيما يلي  :

أولاً: استقرار اقتصادي يتبعه استقرار سياسي في ظل اختفاء قوى معارضة

1. الوضع الاقتصادي المتطور وتصنيف الاقتصاد الرواندي كأعلى وأسرع الاقتصاديات نمواً في أفريقيا والعالم، قد يعطي للدولة دورا محوريًا ربما تسعى من خلاله إلى تعاضم دورها الإقليمي في ظل تراجع القوى الأفريقية الأخرى نتيجة الأزمات الداخلية لاسيما الاقتصادية منها.

2. سيطرة حزب الجبهة الوطنية الرواندية على مفاصل الدولة لاسيما الاقتصادية، في ظل الارتباط بين رجال المال والأعمال والسياسة في رواندا، خاصة وأن هناك تركيز لأن تكون هناك إدارة للحزب الحاكم على المستوى البعيد، وذلك في ظل سيطرة الجيش أيضاً على اقتصاد الدولة، فمثلاً نجد أن الجبهة الوطنية الرواندية (RPF) تسيطر على شركة تراي استار و CVL، والجيش يسيطر على مجموعة هريزون, كما إنه قام بإنشاء شركة تسمى مجموعة رواندا للاستثمار Rla، كنموذج لتوزيع الادوار بين حزب الجبهة والجيش, ما يعطي دوراً محورياً لتلك المؤسسات سواء الجيش أو الحزب الحاكم في التأثير على الوضع الاقتصادي، والسياسي والاجتماعي للدولة.

3. القبضة الأمنية المحكمة وممارسات النظام من عمليات القمع والاعتقالات والنظام المخابراتي ودور الشرطة السرية سيعزز بدوره من اختفاء أي قوى معارضة قد تظهر على السطح في ظل سيطرة كاملة على الدولة من قبل النظام والجيش والنخب التابعة له.

4. الدعم الخارجي الذي يناله كاغامي ودور القوى الخارجية ذات المصالح لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسرائيل سيعزز بدوره من استمراره في السلطة كأحد أهم الحلفاء الأفارقة لإسرائيل وأمريكا، والذي وصفه المحلل الغاني نيي اكوتيه، المدير التنفيذي السابق للعمل في أفريقيا التي تتخذ من واشنطن مقرا لها، أن " كاغامي أحد الطغاة الأمريكيين الودودين". فضلاً عن استمرار الوضع القائم في الدولة سياسيا ًبما يعزز المصالح الكبرى. خاصة وأن كاغامي استخدم أموال المساعدات "بشكل أكثر فعاليه من نظرائه الأفارقه" وتودد إلى جماعات اللوبي القوية في الولايات المتحدة الأمريكية.

ثانياً: ظهور معارضة داخلية ذات دعم خارجي وحراك معارضي الخارج

1. التحذيرات من أثار الكراهية الطائفية، والقمع الحكومي قد يولد معارضة قوية ذات دعم خارجي خاصة من الذين تم نفيهم إلى الخارج أو الذين هربوا خوفاً من القتل أو الاعتقال، يشير إلى ذلك  تحذير المنظمات الدولية من حدوث انفجار اثني آخر في رواندا، ومن أن "أقلية التوتسي لا يمكن أن تأمل في فرض إرادتهم علي الأغلبية الهوتو إلى الأبد". "كما أن الانتصار العسكري لتمرد الهوتو يمكن أن يؤدي بدوره إلى إبادة السكان التوتسي المتبقيين في رواندا".

2. تزايد العمليات المسلحة لا سيما من الجماعات من الهوتو الرواندية في شرق الكونغو على الحدود مع رواندا، بما ينذر بمزيد من الصراع المسلح على الحدود ، وهو ما يؤثر سلباً على العلاقات بين الدولتين، دلّ على ذلك اجتماع القادة الإقليميين في كيغالي، العاصمة الرواندية العام الماضي، لبحث تطورات الأوضاع في شرق الكونغو وتزايد حراك الجماعات المسلحة، وقد استنتجوا أن قوة مسلحة جديدة بدأت تظهر في شرق الكونغو المضطرب، الذي كان في الماضي يشكل أرض للقوات المناوئة لكاغامي. وكانت هناك تكهنات تنذر بأن هذه القوه قد تتعاون مع بعض المناوئين للرئيس الرواندي، والذين صدر بحقهم أحكام بالسجن للسعى لتغيير النظام.

3. القوة التي اكتسبها الرئيس طوال فترة حكمه، وذلك ببناء قوة عسكرية لها المنعة والسيطرة، قد تمكنه من القيام بعمليات اقتتال موسعة بل ورجوع لنمط الابادة الجماعية في حال حدوث أي احتجاجات مناوئة للرئيس من قبل إثنية الهوتو لاعتلاء السلطة بعد سنوات انتزاع التوتسي لها في ظل حكم كاغامي.

خلاصة القول

يظل دور الرئيس الرواندي بول كاغامي من أفضل الأدوار الرئيسية والمحورية في القارة الأفريقية، والذي استطاع أن يخرج الدولة من براثن الفقر والحرب الأهلية والإبادة الجماعية، إلى أسرع الاقتصاديات نمواً في العالم، والتي تفوقت بدورها على بعض دول أوروبا التي كانت تماثلها في عمليات الإبادة الجماعية والفقر وهي البوسنة، والتي ظلت حتى الأن تعاني الانقسام والفقر، ليصبح الرئيس الرواندي بول كاغامي من أكثر القادة الأفارقة الذين يحتذى بهم في صناعة التطور والخروج بالدولة إلى بر الأمان في ظل استقرار وتطور اقتصادي ضخم انعكس بالإيجاب على معظم الشعب الرواندي بكافة طوائفه، وحتى الفقراء منهم.

إلا أنه يظل هناك علامات استفهام كبرى حول دور الرئيس في قمع المعارضة بكافة الوسائل وهو ما تعتبره مؤسسات دولية انتهاكاً لحقوق الإنسان، في ظل انعدام مشاركة سياسية حقيقية تضمن تعزيز الأطر الديمقراطية، وتداول سلمي للسلطة، وعدم تغول النخبة التي تحيط بالرئيس لتعظيم مصالحها على حساب الشعب الرواندي؛ من ثم فإن فتح المجال السياسي هو أفضل سبيل لمنع وقوع إبادة جماعيه أخرى، في ظل حراك معارضي الخارج، والذين أصدر بحقهم عمليات اعتقال لمناداتهم بتعيير النظام.

المصادر:

(*) كاتبة وباحثة مصر ، متخصصة في الشأن الافريقي.

(**) تصاعد توتر العلاقات الفرنسية الرواندية، نتيجة إصدار قاض فرنسي في نوفمبر 2006 أمرا دوليا بإلقاء القبض علي كاغامي، زاعما أن الجبهة الرواندية كانت مسؤوله عن إسقاط الطائرة التي كانت تقل الرئيس السابق جوفينال هابياريمانا في ابريل 1994، وقطعت رواندا العلاقات الدبلوماسية معها. وفي أكتوبر 2007 ، أجرت الحكومة الرواندية تحقيقاً في حادث تحطم الطائرة الذي أثار الاباده الجماعية التي انتهت في أواخر 2009 بأن جيش هابياريمانا كان مسؤولاً عنه. وفي أغسطس 2008 أصدرت رواندا تقريراً بأسماء أكثر من 30 من كبار المسؤولين الفرنسيين الذين زعم تورطهم في الإباده الجماعية عام 1994. واستأنفت رواندا وفرنسا العلاقات الدبلوماسية في نوفمبر 2009.

1. الأمم المتحدة، الإبادة الجماعية في رواندا.

http://www.un.org/ar/preventgenocide/rwanda/rwandagenocide.shtml

2. النبأ، قصة صعود رواندا، النبأ

http://m.alnabaa.net/518212

3. يوسف أيوب، الجزء الثاني من التقرير الرسمي حول الوجود الإسرائيلي فى حوض النيل، اليوم السابع، 21 مايو 2010.

http://www.youm7.com/story/2016/7/19/%D8%A8%D8%A7 %

4.         أ. يونس موشومبا، قراءة في تحول رواندا من الاقتتال إلى التعايش، قراءات أفريقية، الرياض، 08‏/05‏/2016.

http://www.qiraatafrican.com/home/new/%D8%AE%D9%8A %

 5.  BBC NEWS, Rwanda's Paul Kagame - visionary or tyrant?, BBC NEWS, August 2017.

http://www.bbc.com/news/10479882

6.  Encyclopedia Britannica, Government And Society, Encyclopedia Britannica

https://www.britannica.com/place/Rwanda/Government-and-society

Mary F.E. Ebeling, Rwanda in 2003, Encyclopedia Britannica 7.

https://www.britannica.com/place/Rwanda-Year-In-Review-2003#ref788298

8. Stephen Kinzer, Kagame's authoritarian turn risks Rwanda's future, The Guardian, 27 January 2011.

https://www.theguardian.com/commentisfree/cifamerica/2011/jan/27/rwanda-freedom-of-speech

9. The Commonwealth, Rwanda : Constitution and politics, The commonwealth.

    http://thecommonwealth.org/our-member-countries/rwanda/constitution-politics

The World Bank In Rwanda 10.

http://www.worldbank.org/en/country/rwanda/overview

 

 

كتاب الموقع