أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

دول حوض بحيرة تشاد والتحدِّي الأمني لجماعة بوكوحرام

 

فتح الجليل عبد رب الرسول (*) - تشاد.

تُعَدُّ ظاهرة تنامي صعود الجماعات الإرهابية من الظواهر الاجتماعية التي أرّقت الكثير من المجتمعات والدول على حدٍّ سواء في عصرنا الحاضر؛ حيث إنها أصبحت ظاهرة عالمية، وأصبحت هذه الجماعات عابرةً للدول بل القارات، فلم تَعُدْ تكتفِ بالعمل داخل مجتمعاتِ نشأتها، بل تجاوزت ذلك وانتقلت لمجتمعاتٍ ودولٍ أخرى بعيدة كلّ البُعد عن مجتمعها الأصلي؛ الأمر الذي أدَّى إلى مناداة المنظمات الدولية كالأمم المتحدة وبعض الدول الكبرى إلى ضرورة تشكيل تحالفاتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ لمواجهة التحدِّي الأمني لهذه الجماعات والتنظيمات.

وتعاني دول حوض بحيرة تشاد منذ سنوات من تلك الظاهرة، وخاصة مع تنامي الأنشطة الإرهابية لجماعة «بوكو حرام»، والتي أثَّرت سلبًا على الأوضاع الأمنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية في المنطقة، وهي ما تزال –برغم الضربات التي تلقتها من تلك الدول- تُشَكِّل تحديًا أمنيًّا قائمًا إلى وقتنا هذا.

 

أولاً: حوض بحيرة تشاد

 

Source: Chad and its neighbours : Africa’s jihadists, on their way, the Economist, middle east and Africa ,July 2014.

 

  تقع بحيرة تشاد في شمال وسط إفريقيا، ويقع معظمها في تشاد، والباقي في نيجيريا، والكاميرون، والنيجر، وتُشَكِّل بحيرة تشاد وحوضها النَّشِط موردًا مهمًّا للمياه العذبة المشتركة بين الكاميرون والنيجر ونيجيريا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، وتُعَدُّ بحيرة تشاد رابع أكبر بحيرة في إفريقيا من حيث المساحة بعد بحيرة فيكتوريا وتنجنيقا ونياسا.

 وفي عام 1964م أنشأت أربعة بلدان متاخمة للبحيرة لجنة حوض بحيرة تشاد؛ للتعامل مع إدارة الموارد المائية، التي تتمتع فيها كل دولة من الدول الأعضاء بفرص متكافئة للحصول على خدمات آمِنَة.

ويمتد الحوض على مسافة 967 ألف كيلو متر مربع، وينحدر سكانه من مجموعاتٍ إثنية وقبلية مختلفة، وتحدق مخاطر الاندثار ببحيرة تشاد – المورد الحيوي الذي يُمَثِّل مصدر الرزق لنحو ثلاثين مليون شخص في بلدان دول الساحل الإفريقي، وتتعرض البحيرة لموجة جفاف منذ عام 1962م، وقد انخفض منسوب مياهها بأربعة أمتار لتتقلص تدريجيًّا بنسبة وصلت إلى 90%.

وقد ساهمت التغيرات المناخية إلى حدٍّ كبير؛ مثل الجفاف، وندرة الأمطار، واستنزاف السكان المحليين لمنسوب المياه في تقلُّص حجم ومساحة البحيرة، وكمية المياه فيها؛ حيث تراجعت من 25000 كم2 إلى 1350 كم2، وذلك وفقًا لبيانات البنك الدولي ولجنة حوض بحيرة تشاد(1).

وهو ما أدَّى إلى تردِّي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان المنطقة، وقد أدَّى تمركز جماعة بوكوحرام التي تُروِّع بلدان الحوض بحوادث القتل والنهب والاختطاف وحرق الأسواق والمنشآت؛ إلى زيادة معاناة سكان منطقة حوض بحيرة تشاد؛ حيث يستهدف التنظيم الجنود والمدنيين على حدٍّ سواء مستخدمًا آلاف المقاتلين من النساء والأطفال؛ حيث يستخدمهم التنظيم كقنابل بشرية في عملياته، ويتشكل التنظيم من جنسيات نيجيرية وكاميرونية وغيرها.

وقد حالت الهجمات المتكررة في المنطقة دون الحصول على التمويلات اللازمة لمشروع إنقاذ بحيرة تشاد الذي تبنته الدول المطلة على البحيرة عام 2008م، ووفقًا لخطة إحياء البحيرة سيتمكن ملايين السكان في إفريقيا الوسطى ودول الساحل من العمل والعيش على صيد الأسماك والزراعة المتقدِّمة، وعلى هذا الأساس تم اقتراح مخططات نقل المياه للبحيرة.

وخلال كلمته في فعاليات المؤتمر العالمي للمناخ المنعقد في ديسمبر 2015م قال الرئيس التشادي إدريس ديبي: إن لدى الأفارقة مشروعًا لم يجد التمويل، وهو نقل المياه من نهر أوبانغي – الذي يُشَكِّل الحدود الطبيعية بين إفريقيا الوسطى ودولة الكونغو – إلى بحيرة تشاد بتكلفة تقدر بنحو 4.5 مليار دولار.

وفي السياق ذاته طالب رئيس النيجر محمدو يوسفو – المشارك في المؤتمر – بحماية البحيرة قائلاً: "إن بحيرة تشاد تُعَدُّ ملكية مشتركة يمكن اعتبارها إرثًا إنسانيًّا، وأود من هذا المنطلق توجيه الدعوة لشركائنا وأصدقائنا لينصتوا لصيحات سكان الدول المطلة على البحيرة؛ من أجل مد يد العون للبائسين من خلال تمويل خطة الإنقاذ المطروحة بين أيديكم" (2).

 

ثانيًا: التحدِّي الأمني لدول حوض بحيرة تشاد:

يُشَكِّل تصاعد نشاط جماعة «بوكو حرام» حول حوض بحيرة تشاد تحدِّيًا أمنيًّا كبيرًا لدول تلك المنطقة، الأمر الذي بات يشكل تهديدًا لدول الجوار الإقليمي، وهو ما أدَّى الى إحكام تلك الجماعة سيطرتها على مساحات واسعة في شمال شرقي نيجيريا، وتتخذ منها قاعدة لانطلاق هجماتها وعملياتها ضد قرى ومدن البلدان المجاورة، لا سيما تشاد والنيجر والكاميرون، الأمر الذي دعا زعماء القارة الإفريقية – خلال أعمال القمة الإفريقية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا في يناير 2015م- إلى الموافقة على تشكيل قوة عسكرية مشتركة قوامها 7500 جندي لمواجهة الجماعات المسلحة في منطقة غرب إفريقيا عمومًا، وحوض بحيرة تشاد خصوصًا، وبرغم استمرار الجهود الإقليمية، تساندها الجهود الدولية، ونجاحها في تحقيق تقدم نوعي ضد تلك الجماعة، لا تزال تلك الجماعة تشكل التحدِّي الأمني الأكبر والأكثر تهديدًا لدول حوض بحيرة تشاد، وذلك من خلال ما تقوم به من عمليات إرهابية وهجمات انتقامية ضد كل من تلك الدول:

1- عمليات الجماعة في دولة النيجر:

أشار المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، ورئيس مكتب الأمم المتحدة لغرب إفريقيا خلال اجتماع مجلس الأمن للاطلاع على الوضع بالمنطقة، إلى أن زيادة الحوادث الأمنية في النيجر أجبرت الحكومة على تخصيص 17% من الإنفاق العام لسنة 2018م للقطاع الأمني، مقابل 15% خلال عام 2017م، وهو ما تسبَّب في خروج العديد من المظاهرات في العاصمة بسبب تأثير هذا الإجراء على توفير الخدمات الاجتماعية، وذكر أنه عقب تسجيل تراجع ملحوظ في عدد الحوادث منذ شهر سبتمبر، تجددت العمليات مرة أخرى؛ حيث أسفرت عن مقتل 143 من المدنيين خلال شهر نوفمبر وحده، فضلاً عن أن ما يقرب من مليوني نازح ينتظرون بقلق إنهاء الأزمة في حوض بحيرة تشاد.

 وأعرب أعضاء مجلس الأمن من جانبهم عن قلقهم إزاء التحديات الأمنية في المنطقة، لا سيما تهديد الإرهاب والتطرف في منطقتي بحيرة تشاد والساحل وصلة هذا التهديد بالجريمة المنظَّمَة.

وفي بيانٍ تلاه رئيس مجلس الأمن للصحافة بعد الاجتماع، أكَّد أعضاء المجلس الخمسة عشر أيضًا على ضرورة مكافحة الإرهاب، لا سيما من خلال معالجة الأسباب التي أدَّت إلى انتشاره في المنطقة، كما أعربوا عن قلقهم إزاء انعدام الأمن الغذائي على نطاق واسع والنزوح القسري للسكان، وكذا التداعيات الوخيمة للتغيرات المناخية على استقرار المنطقة، داعين المجتمع الدولي إلى دعم إيصال المساعدات الإنسانية الطارئة للسكان المتضررين في منطقة حوض بحيرة تشاد والساحل(3).

وفي 19 يناير 2018م أعلنت مصادر أمنية عن مقتل 5 جنود نيجيريين على الأقل وجرح آخرين في هجوم نُسِبَ إلى جماعة «بوكو حرام» في جنوب شرق النيجر القريب من نيجيريا، وقال مسؤول في جهاز الأمن لـ "فرانس برس": إنه قد قتل وجرح نحو 20 جنديًّا في هذا الهجوم لـ«بوكو حرام» في تومور البلدة الواقعة في ديفا، ويأتي هذا الهجوم بعد أشهر من الهدوء في المنطقة التي لم تشهد منذ فبراير 2015م اعتداءات لـ«بوكو حرام» (4).

2- عمليات الجماعة في دولة تشاد:

نفَّذ مقاتلو جماعة «بوكو حرام» أول هجوم لهم في تشاد في 10 أكتوبر 2015م؛ حيث أسفر عن مصرع عدة أشخاص من بينهم رئيس محليّ، وذلك وفقًا لما ذكره السكان وقوات الأمن، وقد وصل العشرات من المسلحين في زوارق مطاطية بمحرك في قرية لصيد الأسماك على ضفاف حوض بحيرة تشاد، مما أدَّى إلى إشعال النار في المنازل ومهاجمة مركز للشرطة، وذكر مسئولون أن خمسة انتحاريين على الأقل استهدفوا قرية في تشاد تضم آلاف النيجيريين الذين فرُّوا من أعمال العنف لجماعة «بوكو حرام»، مما أسفَر عن مصرع ما لا يقل عن 36 شخصًا، وإصابة حوالي 50 آخرين في ما يبدو أنه هجمات منسقة، واتهمت السلطات التشادية جماعة «بوكو حرام» بشنِّ هجمات في قرية "باجاسولا" الغربية، وفقًا لما ذكره بيان صادر عن المتحدث باسم الحكومة سابقًا حسن سلا بكاري، وأضاف أن 41 شخصًا لقوا مصرعهم بينهم انتحاريون تم التعرف عليهم على أنهم امرأتان وطفلان ورجل.

وقد صرح الجنرال باتيمان كوسنجار مدير عام قوات الدرك في تشاد أن انتحاريين أصابوا السوق في "باغاسولا" عندما كانت في أشد ازدحامها، مما أسفر عن مقتل 16 شخصًا على الأقل، مؤكدًا على أن مجموعة ثانية من الانتحاريين قتلوا 22 شخصًا على الأقل في مخيم للاجئين، وكانت هناك تقارير متضاربة حول عدد الجرحى؛ حيث بلغ عدد الجرحى وفقًا للمسؤولين الحكوميين 48 شخصًا، بينما قالت منظمة اليونيسيف: إن 53 شخصًا على الأقل أُصيبوا بجروح بينهم 14 طفلاً.

ومنذ عدة أشهر كانت "باغا سولا" وطنًا لآلاف الأشخاص الذين فرُّوا بالفعل من هجمات «بوكو حرام» القاتلة في نيجيريا، وتقول الأمم المتحدة: إن مخيم دار السلام يضم أكثر من 3 آلاف لاجئ، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى 15 ألف لاجئ في ظل تزايد عمليات جماعة «بوكو حرام»، وتقع القرية في منطقة حوض بحيرة تشاد بالقرب من الحدود مع نيجيريا، ووفقًا لمنظمة العفو الدولية فإن الانتفاضة قد أسفرت عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص.

وبينما هاجمت «بوكو حرام» العاصمة التشادية من قبل يبدو أن تفجيرات السبت هي الأكبر والأكثر تطورًا في منطقة البحيرة في البلاد، فقد أصبحت تشاد حليفًا عسكريًّا رئيسيًّا لنيجيريا في حرب بوكوحرام التي هدَّدت في وقتٍ سابقٍ من هذا العام بالانتقام، وفي الفترة ما بين يونيو ويوليو هزَّت العاصمة أنجامينا سلسلة من العمليات الانتحارية التي أسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص في أول هجمات من هذا القبيل منذ أن هدَّدت «بوكو حرام» بتشاد، واستخدمت بوكوحرام عشرات الفتيات والنساء في التفجيرات الانتحارية الأخيرة في نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر، مما أثار مخاوف من استخدام ضحايا الاختطاف لاستهداف الدول المشاركة في إنشاء قوة إقليمية لمكافحة المتطرفين.

وفي 5 مايو 2017م، قُتل 9 جنود تشاديين في هجوم لجماعة «بوكو حرام» على مواقع للجيش في منطقة حوض بحيرة تشاد وفقًا لمصادر أمنية ومحلية، كما تعرض موقع "كايغا" الواقع على الشاطئ الشمالي لبحيرة تشاد بالقرب من الحدود مع النيجر لهجماتٍ متكررة مِن قِبَل مسلحي الجماعة المتطرفة، وتتعرض منطقة بحيرة تشاد المتاخمة لحدود كل من نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر لهجمات المتطرفين على مدار السنوات الأخيرة، ولا تزال اعتداءاتهم وعملياتهم الانتحارية مستمرة على الرغم من طرد مسلحي الجماعة من معظم الأراضي التي استولوا عليها في العام 2014م من أجل تأسيس "دولة خلافة" لهم فيها(5).

 

ثالثًا: جهود دول حوض بحيرة تشاد في التصدِّي لجماعة «بوكو حرام»:

لمواجهة التحدِّي الأمني لجماعة «بوكو حرام» التي سيطرت على مساحاتٍ واسعة من شمال شرق نيجيريا وحول حوض بحيرة تشاد، وقيامها بهجماتٍ وعمليات إرهابيةٍ داخل دول الحوض، تكثفت الجهود الإقليميةِ والدوليةِ للتصدِّي لهذا التحدِّي الأمني في حوض بحيرة تشاد، فقد كثَّف الجيش النيجيري من نشاطه من أجل تحرير الرهائن من النساء والأطفال، الذين احتجزتهم الجماعة في معاقلها في ولاية برونو شمالي شرقي نيجيريا، وقد نجَح الجيش النيجيري على مدى ثلاثة أشهر في عام 2015م، من تحرير وإنقاذ أكثر من 400 رهينة من معسكرات جماعة «بوكو حرام».

وفي 24 أغسطس 2017م، استسلم نحو ما يقارب 70 من مقاتلي جماعة «بوكو حرام» المتشددة في شمال شرقي نيجيريا للجيش النيجيري، وذلك بعد عمليات قصف متكررة من الجو وبالمدفعية وبالقذائف، بالإضافة على الكمائن التي نصبها الجنود لهم، وأضاف المتحدث باسم الجيش اوتيقا نواشوكو أن الهجوم الذي يمضي بلا هوادة أجبر الكثير منهم على تسليم أنفسهم للقوات النيجيرية (6).

 كما كثَّفت دول التحالف الإقليمي لدول حوض بحيرة تشاد، من تحركات قواتها ضد جماعة «بوكو حرام»، خاصةً مع تصاعد نشاط الأخيرة في هجماتها على المنطقة؛ حيث قام الجيش التشادي بعدد من العمليات العسكرية ضد تلك الجماعة ردًّا على العمليات الإرهابية التي نفَّذتها في الأراضي التشادية، والتي استهدفت مقرات الشرطة وقوات الجيش، فضلاً عن المناطق التي تكثر بها الأسواق الشعبية، علاوة على المدن والقرى الحدودية، والقريبة من استهداف جماعة بوكوحرام، كقرية "نجوبا" التي تقع على شاطئ بحيرة تشاد، وكذلك مخيمات الجيش التشادي في منطقة كايجا بمحافظة "نجوبوا" التي تقع على الحدود مع الدولة النيجيرية (7).

وفي ذات السياق كثَّف الجيش الكاميروني من عملياته ضد الجماعة، في ظل تكرار هجماتها التي تستهدف مدنًا وقرىً كاميرونية بالقرب من الحدود مع نيجيريا، أودت بحياة العشرات من المدنيين، فضلاً عن عمليات الخطف، وحرق البيوت والقرى، علاوةً على الهجوم على مواقع الجيش الكاميروني، ولم تسلم دولة النيجر أيضًا من هجمات الجماعة؛ حيث تعرضت للعديد من العمليات الإرهابية، خاصةً أن الأراضي النيجيرية تُعَدُّ المأوى والملاذ لعناصر الجماعة عند هروبهم من ضربات قوات التحالف الإقليمي لمعاقلهم في الشمال النيجيري(8) ، كما أعلنت دولة بنين في أغسطس 2015م إرسالها لـ 800 جندي للمشاركة في القوة الإقليمية المشاركة في الحرب ضد جماعة «بوكو حرام»، وقد أدَّى تصاعد العمليات التي قامت بها الجماعة إلى إعلان دول المنطقة حالة الطوارئ في منطقة حوض بحيرة تشاد، حيث وافق المجلس الوطني في تشاد – البرلمان – في 17 نوفمبر 2015م بإجماع 147 صوتًا على تمديد حالة الطوارئ في منطقة بحيرة تشاد، لمدة أربعة أشهر بحيث تنتهي في مارس 2016م، ويذكر أن حالة الطوارئ قد أعلنتها تشاد في 9 نوفمبر 2015م، ولمدة 12 يومًا، إلا أنها أمدتها بسبب تصعيد الجماعة لهجماتها على المناطق النائية حول بحيرة تشاد.

وقد أعلنت دولة النيجر في منتصف شهر أكتوبر 2015م حالة الطوارئ في منطقة "ديفا" جنوب شرق البلاد بعد مقتل أكثر من 40 شخصًا في هجمات متفرقة للجماعة؛ حيث شهدت هذه المنطقة منذ فبراير 2015م أكثر من 57 هجومًا مسلحًا مِن قِبَل تلك الجماعة، ويُعْزَى نشاط الجماعة المتزايد في منطقة بحيرة تشاد، التي تحوَّلت إلى بؤرة لعناصر الجماعة إلى النجاح النسبي الذي حقَّقته ضربات قوات التحالف الإقليمي ضد معاقلها في الشمال النيجيري في عام 2015م، الأمر الذي دفع عناصرها إلى الهروب إلى منطقة بحيرة تشاد، التي تلتقي فيها حدود دول حوض بحيرة تشاد، وقيامها بعدد من العمليات والهجمات الانتقامية التي استهدفت مدنًا وقرىً ومدنيين داخل دول حوض بحيرة تشاد.

وعلى الصعيد الدولي، أعلن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند - في لقائه مع الرئيس الكاميروني بول بيا، في يوليو 2015م– استعداد بلاده لاستضافة قمة جديدة للدول التي تحارب الجماعة، ويأتي ذلك بعدما استضافت فرنسا قمَّة أمنية جمعت الدول الإفريقية المعنية بمحاربة جماعة «بوكو حرام» في مايو 2014م، بعد أسابيع من حادث اختطاف 276 فتاة في ولاية "تشيبوك" النيجيرية، في أبريل 2014م على يد جماعة «بوكو حرام».

 كما استمرت الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المساعدات الاستخباراتية لنيجيريا ودول الجوار في حربها ضد «بوكو حرام»، والتي تتمثل في عمليات المراقبة والاستطلاع دون مشاركة لقواتها في القتال، فقد أرسلت الولايات المتحدة في أكتوبر 2015م حوالي 90 جنديًّا إلى الكاميرون في بلدة "جاروا" كجزء من الجهود الإقليمية بُغية التصدي لانتشار جماعة «بوكو حرام» في الإقليم، كما تنشط الطائرات الأمريكية دون طيار في فضاء دولة النيجر لمراقبة تحركات الجماعة الإرهابية، والمساحات الواسعة الممتدة جنوب الصحراء الكبرى.

وكانت قد تعهَّدت منظمة الأمم المتحدة على لسان أمينها العام السابق بان كي مون، في أغسطس 2015م بدعمها للجهود النيجيرية والإقليمية في مواجهة جماعة «بوكو حرام»، والسعي نحو معالجة جذور النَّهْج المتشدِّد الذي تتبعه التنظيمات الإرهابية، كما دعت الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى مساعدة سكان منطقة حوض بحيرة تشاد بعد تضررهم من هجمات جماعة «بوكو حرام» التي أدت إلى فرارهم؛ حيث يتعرضون للجفاف والفيضانات والأمراض، فقد أعلنت الأمم المتحدة أنه تمَّ نزوح أكثر من 2,3 مليون شخص من ديارهم منذ عام 2013م.

 

رابعًا: العوائق التي تواجه التحالف الإقليمي:

حقَّقت قوات التحالف الإقليمي المشتركة تقدُّمًا نسبيًّا في حربها ضد جماعة «بوكو حرام»؛ حيث استطاعت أن تنزع منها مساحات واسعة من القرى والمدن التي كانت تسيطر عليها في شمال شرق نيجيريا، كما استطاعت إيقاف تقدم انتشارها في مناطق أخرى حول دول حوض بحيرة تشاد بفضل هذا التحالف، لكن ذلك لا يعني أنه يمكن القضاء عليها نهائيًّا بهذه السهولة؛ حيث إن هناك عوامل أخرى تحول دون تحقيق أهداف التحالف الإقليمي للقوة المشتركة للقضاء نهائيًّا على جماعة «بوكو حرام» في منطقة حوض بحير تشاد، منها ما يلي:

1- اختلاف الأولويات لدول التحالف الإقليمي:

من أكبر العوائق التي تحول دون التعاون والتنسيق الجادّ فيما بين دول التحالف الإقليمي للتصدي لجماعة «بوكو حرام» هو التحدي الأمني؛ فلا توجد استراتيجية موحدة مبنية على أهداف جماعية واضحة تسعى جميع الدول لتحقيقها في إطار جماعي لدول الحوض، فعندما تسعى كل دولة من دول حوض بحيرة تشاد على إعطاء الأولوية لاستقرارها الخاص على حساب الاستقرار الإقليمي، ذلك من شأنه أن يزيد الأوضاع سوءًا وتبقى الجماعات المسلحةالرابح الأكبر من تلك الأوضاع الإقليمية التي تصبُّ في مصلحة الجماعات المتشددة، مثل بوكوحرام وأخواتها التي تنشط في إفريقيا جنوب الصحراء بصفة عامة.

2- تكلفة تمويل الحرب المادية والبشرية:

قد تكون التكاليف المالية أحد أهم العوائق التي تؤثر سلبًا في استراتيجيات دول التحالف الإقليمي؛ حيث إن عملية انتشار قوات عسكرية على تلك المساحات الواسعة في الحدود بين دول الحوض له تكاليف مالية عالية على الميزانيات الدفاعية لتلك الدول؛ الأمر الذي يُشَكِّل عائقًا من ضمن العوائق التي تحول دون تحقيق تلك الدول لأهدافها الأمنية، وكذلك الأمر بالنسبة للتكاليف البشرية، فالموارد المالية لدول التحالف غير كافية، كما أن القُدُرَات العسكرية لها غير مؤهّلة لحرب عصابات طويلة المدى مع جماعة «بوكو حرام»، كما أن هناك نقصًا في المعلومات والدعم الاستخباراتي لتحديد البيانات الكافية عن الجماعة الإرهابية، مما يُصعِّب من مهمة التحالف الإقليمي.

3- محدودية القدرات العسكرية وضعف العقيدة القتالية:

محدودية القدرات العسكرية غير المتقدمة وغياب التكتيكات الفنية العسكرية الحديثة في المجال العسكري من؛ حيث العدة والعتاد قد تُشَكِّل عائقًا أمام التحالف الإقليمي في الوقت الذي تتمتع فيه التنظيمات الإرهابية بخبرة عالية في حروب العصابات التي تُرهِق الجيوش النظامية، فضلاً عن ضعف العقيدة القتالية لكثير من أفراد الجيوش النظامية مقارنةً مع أفراد التنظيمات الإرهابية في مثل هذه الحروب، علاوةً على عامل الفساد والمحسوبية الذي أضحى منتشرًا في الجيوش الإفريقية غير الوطنية، التي همها الأساسي الحفاظ على النظام السياسي القائم وليس الوطن وحماية أمنه.

4- غياب العدالة الاجتماعية والحكم الرشيد:

غياب الحكم الرشيد والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وعدم التوزيع العادل للثروة الوطنية، يمثل عائقًا أمام التحالف الإقليمي لتحقيق أهدافه، ويخدم في نفس الوقت الجماعات المسلحة من خلال إمدادها بعناصر جديدة يسهل تجنيدها، فالاعتماد على الحلول الأمنية وحدها في مواجهة التحديات الأمنية قد ثبت فشله، كما أن غياب الديمقراطية الحقيقية والحكم الرشيد واحترام حقوق الإنسان في الدول الإفريقية، قد ساهم بشكل كبير في تنامي الجماعات المتطرفة، وإيجاد حاضنة اجتماعية -لدى المجتمعات المسلمة في تلك المناطق النائية عن المدن الكبرى؛ حيث يوجد العلماء الذين يُعلِّمُون الدين الصحيح للمجتمع– للجماعات المتطرفة.

وأخيرًا فإنَّ التحدِّي الأمني لدول حوض بحيرة تشاد سيظل قائمًا ما لم تبذل تلك الدول المزيد من التنسيق والتعاون فيما بينها في جميع المجالات الاستخباراتية والعسكرية وغيرها، والسعي إلى تحسين ظروف الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، واحترام حرية المعتقدات وقبول الآخر لجميع سكان منطقة حوض بحيرة تشاد مِن قِبَل جميع دول الحوض، ومحاربة الفكر المتطرف بالفكر السليم الذي يدعو إلى التعايش السلمي بين المجتمعات الدينية والدعوة إلى الله بالتي هي أحسن، لا عن طريق قتل الأبرياء لمجرد الاختلاف معهم في المعتقد.

 

الهوامش والاحالات:

(*) باحث ماجستير، معهد البحوث الإفريقية.

(1)  Stoveland Consult, Lake Chad Basin Commission, (Integrated River Basin Management Challenges Of The Lake Chad Basin Vision 2025). P. 4.

https://www.cblt.org/sites/default/files/vision_2025_en.pdf

(2)  اتفرح احمد دوله،" بوك حرام مرض عضال يصيب دول حوض بحيرة تشاد"، (نواكشوط: صحيفة اليوم، 27 مارس 2016م)، في: www.alyaum.com/article/4127912

(3)  محمد بن شمباس، الوضع الأمني في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل مازال يشكل مصدر قلق، (نيويورك: الأمم المتحدة، 11 يناير 2018م). https://www.medi1.com

(4)  سكاي نيوز عربية، بوكوحرام تقتل 5 جنود في النيجر، 19 يناير 2018م، في:

        https://www.skynewsarabia.com/.../1014226

(5)أخبار روسيا، مقتل 9 جنود و40 مسلحًا في هجوم لبوكوحرام في تشاد، 5 مايو 2017م،

https://arabic.rt.com/world/876999

(6)  فرانس 24، استسلام نحو 70 من مقاتلي بوكوحرام شمال نيجيريا، 24 أغسطس 2017،

https://akhbaar24.argaam.com/article/listbytags/29946/1 /

(7)  فرانس 24، النيجر وتشاد يشنان هجومًا بريًّا وجويًّا كبيرًا على مواقع بوكوحرام، 8 مارس 2015م،   www.france24.com/ar/20150308

(8)  الشرق الأوسط، تصاعد الحرب على الإرهاب في منطقة بحيرة تشاد وخسائر بوكوحرام تتضاعف، (نواكشوط: الشرق الأوسط، رقم العدد 13809، 18 سبتمبر، 2016م) https://aawsat.com /

 

كتاب الموقع