أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

دور الشعر العربي في الحفاظ على إسلامية الهويّة الإفريقية

 

 

د. يوسو منكيلا(*)

الفنون والآداب عناصر رئيسة في مكوّنات الهويّة الذاتية للأمم المتحضّرة، فهي نتاج عقول أبنائها، وثمرة قرائحهم، وهي إلى ذلك أبرز مظاهر تأثيرها الحضاري والفكري في الحضارات الأخرى، ومقياس وعائها الإنساني، وتجاربها الذاتية، وهي المكوّن الأقوى والأهم لشخصيتها الثقافية ولكيانها الحضاري.

 ولا شك أن اللغة هي لسان الإبداع الفني والأدبي غالباً، ولذلك كانت العناية بها محافظة على أهم وسائل التواصل الإنساني، ورعاية للوعاء الثقافي الذي تمثّله الحضارة في جانبها الفكري.

ولأن حياة الأدب العربي الإفريقي بعامّة، والشعر العربي الإفريقي بخاصة، مرتبطة باللغة العربية وثقافتها في إفريقيا؛ رأيت أن يكون الحديث عن هذه اللغة وثقافتها في إفريقيا مدخلاً إلى هذه الدراسة، علماً بأن الشعر العربي الإفريقي واحة مترامية الأطراف، أو شجرة متشعّبة الفروع، عميقة الجذور، خصبة زاخرة بالعطاء، يدبّ النّماء في عروقها بغير حدود.

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن ارتباط الهويّة الإفريقية الإسلامية باللغة العربية، ودور الشعر العربي في الحفاظ عليها.

قسّمت الدراسة إلى مباحث أربعة وخاتمة، المبحث الأول وصول اللغة العربية إلى إفريقيا، والمبحث الثاني الهويّة الإفريقية الإسلامية، والمبحث الثالث الشعر العربي الإفريقي، والمبحث الرابع دفاع  الشعر العربي عن الهويّة الإفريقية الإسلامية، وفي الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها.

المبحث الأول: وصول اللغة العربية إلى إفريقيا:

من المعروف أن هناك علاقة تجارية قديمة بين البلاد التي كان العرب يُطلقون عليها اسم المغرب العربي وبين البلاد الواقعة جنوب الصحراء، وكان ذلك قبل القرن السابع الميلادي، أي قبل دخول الإسلام إلى القارة الإفريقية؛ عليه فإنه لا يمكن تصوّر التفرقة بين تاريخ الإسلام واللغة العربية في إفريقيا(1)، لذا يجب أن نعتقد أن وصولهما إلى المنطقة متلازمان.

وتحقّق هذا الوصول عن طريق البوابات الآتية:

1 – جهة الشرق: وذلك مع المهاجرين الأوائل الذين عبروا البحر إلى الحبشة إبان فجر البعثة النبوية الشريفة، كما فتح المسلمون مصر في عهد أمير المؤمنين الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وفي عهد الخلافة الأمويّة وصل عقبة بن نافع إلى الأراضي النيجرية، وبالتحديد «بِلْما» عاصمة «كاوار» بجمهورية النيجر في عام 46هـ / 666م(2).

2 - الهجرات العربية: كانت هذه الهجرات كثيرة، منها - على سبيل المثال لا الحصر - هجرة بني هلال من العرب الذين هاجروا إلى صحراء «النيجر، ومالي» من شمال إفريقيا، ولا شك أن التعايش السلمي بين هؤلاء العرب المسلمين والسكان الأصليين ترك أثراً طيباً في قلوب الذين أسلموا على أيديهم لقرابة نسبهم بنسب بني الإسلام.

3 - رحلة علماء العرب إلى إفريقيا: فقد زار كثير من علماء العرب المسلمين القارة الإفريقية، فوجدوا أنها قارة السلام والأمن والاستقرار، وأن الدعوة إلى الله فيها تجد قبولاً عند السكان الأصليين، ففضلوا العيش فيها بجوار إخوانهم الأفارقة المسلمين، ومن بين أولئك العلماء الأجلاء نذكر: أبو إسحاق إبراهيم الساحلي، وعبد الرحمن التميمي وغيرهما، حيث أقاما في إمبراطورية مالي حتى الوفاة(3).

وقد أشار ابن بطوطة في كتابه إلى وجود جارية دمشقية، وإلى ابن الفقيه الجزولي الذي كان صهراً لمنسا سليمان ملك مملكة مالي ومترجمه، وقد لاحظ الأوروبيون في عام 860هـ / 1455م وجود شيوخ برابرة وعرب من تلمسان، في قصور ملوك كاجور وجولوف وسالوم، يعلّمون الأمراء.

وقد كانت هناك عوامل كثيرة أسهمت في نشر اللغة العربية، نلخصها فيما يأتي:

المراكز التعليمية:

تكونت المراكز التعلمية في المحطات التجارية التي أقامها التجار، فتأسست مدائن «تنبكتو، وجِني، وكوتار، وتيجيدا، وآير، وغُوري، وساي، وأغاديس، وكيوتا ميّاكي»، التي أصبحت كعبة طلاب العلم بين القرنين الثالث عشر والسادس عشر وحتى التاسع عشر الميلادي، يقصدونها من كلّ فجّ عميق.

وقد عرفت هذه المراكز جميعاً نهضة إسلامية كبيرة، كما عرفت كثيراً من حركات الجهاد في سبيل نشر السنّة النبوية الشريفة وإخماد البدعة، كما أنجبت كثيراً من العلماء الكبار، واشتهرت كذلك هذه المراكز بشعراء فحول في اللغة العربية، من أمثال العلامة الشيخ محمد الأوجلي، والعلامة الشاعر محمد بن محمد الشفيع، والعلامة محمد بن عبد الله بن خليل الملاّلي، وغيرهم، وقامت مساجد تاريخيَّة معروفة على امتداد الممالك الإسلاميَّة بإفريقيا بمهمَّة العطاء الحضاريِّ(4).

الحركات الدّعوية:

قديماً قام العلماء في ظلّ إمبراطوريتي «مالي وسنغاي» بمجهودات مشكورة في الحركات الدعوية، وبخاصة في عصر «منسا موسى، وأسكيا محمد الحاج»، ثم واصل الخلف المسير بعدهم، فأسس سليمان بال بالسنغال دولة الأئمة الإسلامية في «فوتا طورو» بحركات جهادية، وأقام الشيخ عثمان بن فودي على أنقاض ولايات «الهوسا» الوثنية دولته الإسلامية بشمال «نيجيريا» في «صُكُتُو»، ووسّع الحاج عمر تال الفوتي حملته الدعوية للقضاء على الوثنية في «مالي» وأعالي «غينيا»، واشتهر الشيخ أبو بكر هاشم بجهاده الإسلامي في «كِيوتا ميّاكي» بالنيجر، وغيره من شيوخ الطرق الصوفية الكثيرين في هذه القارة الإفريقية العظيمة(5).

المدارس والجمعيات الإسلامية:

عاشت اللغة العربية في إفريقيا في ظلّ المدارس القرآنية على مرّ قرون من الزمن قبل أن تلحق بها اللغة الفرنسية أو الإنجليزية، وهذا مما يدلّ على أن الأفارقة قدّموا لهذه اللغة الكريمة ما تستحقها من عناية وخدمة جليلة في أيام الإمبراطوريات الإفريقية الكبرى وما بعدها، حيث أدركوا أن اللغة تعد صاحبة دور كبير في كلّ مجتمع من مجتمعات العالم؛ كونها وسيلة التواصل الثقافي بين أبنائه، ورمزاً للهويّة، وأداة لامتداد الحضارة والتراث، ولإيصال العلم والمعرفة إلى اللاحق من السابق.

هذا، وقد جاء المعاصرون في القرن العشرين فأسّسوا المدارس النظامية والجمعيات والاتحادات الإسلامية التي أدت دوراً إيجابياً في الصحوة الدينية.

وتتميّز إفريقيا باتِّخاذ اللغة العربية فيها أبعاداً أخرى سياسية ونفسية ووطنية وعاطفية، إذ إنها كثيراً ما تحوّلت إلى رمز للاستقلال والتحرر من المستعمر، وركيزة أساسية من ركائز الهويّة الوطنية، فأضحت رمزاً لوحدة بلاد المسلمين منذ القرن الأول الهجري / السابع الميلادي، غير أن هذا الرمز بدأ يقلّ استخدامه في لغة التعليم بعد اختراق القوى الاستعمارية لشؤون الدول الإسلامية النامية، الأمر الذي يراه البعض عاملاً رئيساً في إضعاف مكانة اللغة العربية، وتوسيع الفجوة بينها وبين أبنائها حديثاً، حتى أصبحت غير محبوبة لدى كثير من النشء، وعرضة للسخرية بالنكت، بتأثير موقف الاستعمار العدواني تجاه الإسلام ولغته في شتى وسائله، وهنا يتساءل كثيرون: أين العلاقة بين التعليم واللغة، تلك العلاقة التي يجب أن تكون أساس هويّة الفرد وانتمائه؟!

 

المبحث الثاني: الهويّة الإفريقية الإسلامية:

جاء في المعجم الوسيط أن الهويّة: حقيقة الشيء أو الشخص التي تميّزه عن غيره، وهي أيضاً بطاقة يثبت فيها اسم الشخص وجنسيته ومولده وعمله، وتسمّى البطاقة الشخصية أيضاً(6)، وقد تُستعمل الهويّة بمعنى الوجود الخارجي، وقد يُراد بها التشخيص، وقالوا: إن الهويّة مأخوذة من الهو، وهي مقابلة الغيرية(7).

وقد حاول محمد عمارة تقديم تصوّر شامل لمفهوم الهويّة لغة واصطلاحاً، مستعيناً بالمعاجم القديمة والحديثة، فقال في هذا الصدد: إن «الهُويّة» - بضم الهاء - مصطلح استعمله العرب والمسلمون القدماء، وهو منسوب إلى «هو»، وهذه النسبة تشير إلى ما يحمله من مضمون، فهي تعني كما يقول الجرجاني في كتاب (التعريفات): «الحقيقة المطلقة، المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق».

أما معاجمنا الحديثة؛ فإنها لم تخرج عن هذا المضمون، عندما قالت عن «الهويّة» إنها حقيقة الشيء أو الشخص المطلقة، المشتملة على صفاته الجوهرية، والتي تميّزه عن غيره، وتُسمّى أيضاً «وحدة الذات»(8).

وبعبارات أقرب إلى موضوعنا؛ فإننا نستطيع أن نقول: إن الهويّة الحضارية لأمّة من الأمم، هي القَدْر الثابت والجوهري والمشترك من السمات والقسمات العامة، التي تميّز حضارة هذه الأمة عن غيرها من الحضارات، والتي تجعل للشخصية القومية طابعاً تتميّز به عن الشخصيات القومية الأخرى(9).

بناءً على تلك المفهومات عن الهويّة؛ فإن الحديث عن الهويّة بالنسبة لإفريقيا، وخصوصاً وهي توضع في سياق المستقبل والتحديات، ينبغي أن يراعي المقوّمات الطبيعية والبشرية، وحال المجتمع فيها، حيث نشأ في ظلّ هذه المقومات التي هي: العادات والتقاليد، اللغة والدين، والقيم والمعايير الاجتماعية.

إن هويّة إفريقيا بهذا هي ذاتها، في أصلها وما اكتسبته عبر العهود اللاحقة، نقصد الذات التي تكوّنت على امتداد التاريخ منذ أولياته وبداياته بكلّ ما صنعه واحتدم فيه من عوامل ومؤثرات، إلى أن اصطبغ بروح الإسلام، واعتنى بها عقيدة وشريعة، ومنظومة سلوك وقيم، وأفضى بها، نتيجة لهذا كلّه، إلى حمولة حضارية وثقافية، زاد في ثرائها ما لها من قدرة على تبادل الأخذ والعطاء.

 إن الهويّة الإفريقية بهذا هويّة إسلامية، أي مطبوعة بروح الإسلام الذي صبغ الذات الفردية والجماعية، وإن نسيجها المتكامل عبر عصور الاندماج في توافق وانسجام، ينمّ عن مكوّناتها المتعدّدة التي على رأسها العناصر الكثيرة، وقد التحمت بروابط الدين والتأمت بأواصر قيمه(10).

ومن المنطلقات الأولية التي ينبغي التذكير بها في هذا الموضوع أن اللغة العربية عنصر أساسي ومكوّن ضروري وحيوي من مكنون هويّة كلّ شعب من الشعوب أو أمّة من الأمم أو وطن من الأوطان، والهويّة هنا بمعنى مجموعة الخواص والملامح التي تتكون منها الشخصية المتميّزة لمجموعة بشرية معينة، فلا يمكن تصوّر مجموعة بشرية دون لغة، ولا لغة دون مجموعة بشرية.

كما أن اللغة العربية مكوّن أساسي وضروري من مكوّنات الشخصية الإفريقية، أو بالأحرى لقد أصبح الأمر كذلك منذ أصبح الإسلام دين أغلب سكان القارة الإفريقية، فقد دخلت العربية في القارة بانتشار الإسلام والقرآن الكريم الذي هو شريعة المجتمع، ومركز العبادة والعقيدة والعلم والفكر والثقافة والحكم والتصرف في كلّ الأمور الدينية والدنيوية والمالية والإدارية، وكلّ العادات والتقاليد في المجتمع الإسلامي.

 

المبحث الثالث: الشعر العربي الإفريقي:

بانتشار تعليم اللغة العربية بين المسلمين أصبح مسلمو القارة الإفريقية يمثلّون الطبقة المفكرة الراقية، حتى إن خبراء الإدارة والتخطيط في الممالك الوثنية لم يجدوا بدّاً من الاستعانة بالمسلمين في أمور دولهم، وقد تولّى المسلمون مناصب الترجمة والإدارة في إمبراطورية «غانة» الوثنية قبل أن تصبح إمبراطورية مسلمة(11).

واستمرت الحال هكذا حتى بعد إسلام الإمبراطورية وسقوطها وقيام دولة «مالي» المسلمة على أنقاضها، وقد وصف ابن بطوطة هذه الإمبراطورية الإسلامية، ومدى حرص أهلها حكومة وشعباً على تعليم أولادهم الدين واللغة العربية وتحفيظهم القرآن الكريم(12)، وقد أشاد المؤرّخون بالزيارة التي قام بها «أسكيا محمد» إلى القاهرة في طريقه إلى الحج، وكان للنصائح والإرشادات التي أسداها إليه رجال الدين البارزين في القاهرة، مثل جلال الدين السيوطي وغيره، أثر كبير في تطوير التعليم في المنطقة، فقد تطوّر التعليم في جامع سنكوري، وأصبح قبلة للطلبة في السودان الغربي(13).

تجدر الإشارة إلى أن «الأدب الإفريقي» مصطلح حديث الوضع، وقد دعت إلى ظهوره حاجة المستفرقين إلى دراسة القارة الإفريقية.

وقد جعلوا لهذا الأدب مفهومين، عام وخاص:

المفهوم العام: يعني أن الأدب الإفريقي يقابل قولهم الأدب الأوروبي والأدب الآسيوي.. وهكذا.

أما المفهوم الخاص: فمقتصر على آداب المناطق الواقعة جنوب الصحراء الكبرى، حتى التقاء القارة بالمحيط في أقصى جنوبها، وعلى أدب زنوج الكاريبي بأمريكا الجنوبية، وهذا بإجماع المستفرقين(14).

والواقع أن المفهوم الثاني الذي يفرق بين شمال القارة وجنوبها من صنع الدول الغربية وفق السياسة الاستعمارية، ذلك أن عمر هذا المفهوم لم يزد على قرن واحد، وقد ساعدت فروق أساسية على هذا التقسيم.

لقد كانت الآداب الإفريقية قبل التقائها بالحضارات العربية في عصر ما قبل الإسلام آداباً شفهية خالصة، وكانت للإفريقيين حركتهم الأدبية في صورتها الشعبية البسيطة، والقائمة على المزج بين أنواع من الأشعار والأغاني المرتبطة بالأساطير والحكايات الشعبية والمسرحيات التقليدية العريقة.

  والملاحظ أنه بعد دخول الإسلام إلى إفريقيا، ووقوف الإنسان الإفريقي المسلم على الثقافة العربية الإسلامية والكتابة العربية، سرعان ما تأثر بها، فأتقن العربية لغة دينه الإسلام، وقرأ الشعر العربي، ومن ثم نظم الشعر باللغة العربية، واهتم على وجه الخصوص بالمدائح النبوية(15).

 وقد دفعته بواعث الروح الدينية التي اكتسبها في مجالس الكتاتيب التقليدية إلى أن يستقبح بعض الأغراض الشعرية عند العرب، مثل المجون، حيث كان يراه خالياً من قيم الإسلام.

بهذا تتضح حقيقة الشعر العربي الإفريقي، فهو شعر إسلامي، ينبع من تجربة شعرية صادقة، ويعتمد على وسائل تأثير وإقناع خاصة، ويتضمن رسائل ذات طابع إسلامي، وهذه الرسائل هي التي تحدّد نوعه الأدبي، وتميّزه بكونه أدباً إسلامياً عن الأدب غير الإسلامي.

ومن خلال ما سبق ذكره يمكن القول بأن الشعر العربي الإفريقي هو شعر إسلامي، وهو تصوير فني جميل للكون والحياة والوجود، يستمد الشاعر قيمه الخلقية والفنية من خلال رؤية إسلامية صافية، تتسم بالشمول والإحاطة، وتلتزم بالصدق الفني والموضوعي، لتثار العواطف، وتتحرك المشاعر، ويتغذى الفكر، ويعمر الوجدان، لنصل بعد ذلك في نهاية المطاف إلى تشكيل فنيّ وموضوعي يتفق مع آداب الإسلام الخالدة وتعاليمه السامية وتوجيهاته الرشيدة.

 ومع ما بلغه الشعر العربي من نضج لدى الأفارقة فإن الاهتمام بهذا التراث الغالي ظلّ قليلاً، وفي ذلك يقول أحد الباحثين(16) في الشعر العربي الإفريقي ما نصه: يعتبر خُلُوُّ تاريخِ الأدب العربيّ من إسهامات الأدباء الأفارقة ثغرةً كبيرةً، إذْ فَقَدَ - بذلك -  جزءاً غالياً من مكتسباته الثمينة، فالذي يُؤَرِّخُ لهذا الأدب لا يستطيع أن يُقَدِّمَ تأريخاً شاملاً ومتكاملاً له، يغطِّي المساحةَ الجغرافيّة التي غطَّاها بالفعل عبر التاريخ، خاصةً إذا علمنا أنَّ العرضَ الطبيعيَّ لتأريخ الأدب العربي لا يتوقَّفُ عند ذكر انتشاره في ربوع الجزيرة العربية وما جاورها من منطقة الشام، ومصر، والأندلس، والمغرب العربي.

والمُتَتَبِّع لخريطة انتشار الإسلام يلاحظ انتشاراً موازياً ومساوياً للأدب العربي عبر هذه الخريطة، ويلاحظ كذلك أنّ الإسلام حمل معه - إلى جانب علومه ومعارفه الخاصّة به - أدباً عربيّاً صرفاً، يتمثَّل في جملةٍ من النصوص الشعريَّة والنثريَّة التي أصبحت من لوازم حِذْقِ اللُّغة العربيَّة، ووسائل التوسُّع في فهم القرآن الكريم، وتذوُّق بلاغته السامية.

وقد تلقّت الأمّة الإسلامية - مع العلوم الشرعيَّة - علومَ اللُّغةِ العربية والأدبِ العربي، على اختلاف بيئاتها وثقافاتها، فنشأ نوعٌ من التكوين العلمي والأدبي لديهم زائدٌ عن الضروري من الدين، ممَّا نسمِّيه أدباً إسلاميّاً بحكم كونه نتاجاً للتَّفَقُّه في الدين، وأثراً من آثار طلب العلم الذي فرضه الله على المسلمين.

والذي نريد الوصول إليه هو أنّ إغفالَ الأدب الإِفريقِي، من حيث التأريخ والتدوين والتحقيق والنشر، أدَّى إلى تقليص المساحة التاريخية والجغرافية التي غطَّاها الأدبُ العربي - بالفعل - في أثناء مرافقته انتشارَ الإسلام، فمن الثابت أن انتشارَ هذا الدين في أرجاء المعمورة رافقه انتشارٌ موازٍ له في رقعة الأدب العربي، واتِّساعٌ في أطرافه، وتنوعٌ في توجُّهاته، فكان للمسلمين - أينما كانوا، ومهما اختلفت حضاراتهم وثقافاتهم - تراثٌ علميٌّ وأدبيٌّ ناتجٌ عن كونهم مسلمين.

ولا يُعقَل أن يعدم الأدب العربي في إفريقيا السوداء مناخاً طيِّباً ينمو فيه ويتطوّر، خصوصاً أنّ الأفارقة نالوا من التفقُّه في الدين، وحِذْقِ لغة القرآن حظّاً وافراً، وتلَقَّوْا من معارف الوحي قَدْراً كافياً، فنتج عن هذا وذاك ثقافةٌ إسلاميةٌ في مضمونها، عربيّةٌ في وعائها اللُّغويِّ والأسلوبيِّ، إفريقيّةٌ في ملامحها البيئيّة.

ومع ما يقال – عادة - عن هذا التراث من أنَّه تعرَّض للضياع، فإنَّ كثيراً منه ما زال حيّاً مُدَوَّناً في شكل مخطوطاتٍ، بل إنَّ العطاءَ العلميَّ والأدبيَّ ظلَّ متواصلاً في إفريقيا السوداء على مدار القرون، ويوجد في مركز (تمبكتو) - على سبيل المثال - الكثيرُ من المخطوطات التي تمثِّل بدايةً طيِّبةً لإحياء التراث العلمي والأدبيِّ في (إفريقيا)، كما يوجد من بين المقتنيات الثمينة التي تحتفظ بها الأُسَر العلمية العريقة في إفريقيا، الشيءُ الكثير من هذا التراث العلميّ الخالد.

ويحفِلُ الغربُ الإفريقي بالعديد من المؤَلَّفات القيِّمة التي ما زالت مغمورةً، ومنها آثارٌ علميَّة لا تقِلُّ روعةً عمَّا تركه علماء نيجيريا وأُدباؤُها، بل يُمكِن القولُ بأنَّ من بين تلك الآثار العلميّة والأدبيَّة ما يختلِف عن الروائع التي خلَّفها علماء نيجيريا وأدباؤها من حيث الكمِّ والنوعِ، نقول ذلك، ونحن نُدرِكُ أنَّ لكلِّ منطقة إفريقيَّة خصائصَها الجغرافيَّةَ والتاريخيّة والثقافيَّة التي تَجعلُ الاختلافَ بينها وبين غيرها من مناطق القارَّة واقِعاً لا يمكن إنكارُه.

ولعلَّ الاهتمام الذي نلاحظه لدى الباحثين العرب بعلماء نيجيريا ومؤلَّفاتهم، والتنويهَ الذي يبرزُ من خلال أبحاثهم الخاصّة بالحركة العلميّة والأدبية في هذا البلد الإفريقي، ناتجٌ - دون شَكَّ - عن عدم اطِّلاعهم على القدر الكافي من الروائع الإفريقية الأخرى التي بقيت غيرَ منشورة ولا متداوَلة، ونحن نعتقد – جازمين - أنَّ عمومَ الشعر العربي النيجيري - مع تسليمنا بجودته -  لا يُمثِّل عمومَ الشعر العربي الإفريقي كلّه، فهناك خصائصُ فنيةٌ تطبع الشعر في نيجيريا تختلف عن الخصائص التي تطبعه في غيرها من مناطق الغرب الإفريقي، والسبب واضحٌ في اختلاف البيئات الطبيعية منها والثقافية، والظروف التاريخية التي مرَّت بها كلّ منطقة إفريقية.

ويُمكن القول بأنَّ غينيا والسنغال ومالي تُعد مثلثاً ذهبيّاً في إفريقيا، يستطيعُ الباحثُ الجادُّ أن يجد فيه كنوزاً من روائع الشعر العربي، تختلف من حيث الكم والنوع عن روائع الشعر العربي في نيجيريا وتشاد مثلاً، ويجد فيها من الخصائص الأسلوبية ما لا يجده في تلك.

ولا شَكَّ في أنَّ رحلةَ الشعر العربي من الجزيرة العربية إلى ربوع الشام ومصر، ثم الأندلس والسودان، أكسبته خصائصَ لم تكن متوفِّرة فيه في بيئته الصحراوية، فلقد تشبَّع بالكثير من صور التعبير، وأساليب البناء، وضروب الأخيلة، فتوسَّعت آفاقه، وتعدّدت ألوانه، ورقَّت حواشيه، وتهذَّبت آلياته، نتيجة لثراء البيئة الطبيعية التي استقرَّ فيها الشعراء وتنوّعها.

والمتتبع لخريطة الشعر الإفريقي يجد نوعاً من التفاوت بين اتجاهاته ومساراته، ويجد في هذه الاتجاهات والمسارات أجواءً شعريةً مختلفةً، وصوراً تعبيريةً متباينةً، ومن المفيدِ أن تتضافر الجهودُ المخلصةُ في مجال جمع التراث العربي الإفريقي من مصادره المختلفة، ويتوسّعَ مجالُها لتتناول مناطقَ إفريقيّة أخرى، فحصر الدراسة على نماذجَ محدودة من الإنتاج الأدبي في إفريقيا اجتزاء لا مسوّغ له، ولا تُرجى منه فائدة كبيرة، ونستطيع تأكيدَ أنَّ الباحثين سيعثرون في مناطق إفريقية أخرى على كنوزٍ من الأدب العربيّ الإفريقي الرائع تُشبِع فضولَهم العلميّ.

ومن الروائع التي نسجلها في الشعر العربي الإسلامي الإفريقي:

أولاً: من نيجيريا:

قول العلامة «عبد الله بن فودي» في أخيه العلامة الداعية عثمان بن فودي:

عُثْمانُ مَنْ قـد جـاءنا في ظُلْمَةٍ             فأزاح عَنَّا كُلَّ أَسْوَدَ دجدج

 ودعا إلى دين الإله ولم يَخَفْ             في ذاك لومةَ لائمٍ أو فجفج

 فانصاتَ خَلقٌ حين صات لِصوتِه        وعلا له صيتٌ فُوَيْقَ الأبرج

 كـمْ سُـنَّةٍ أحييْتَهـا وضـلالـةٍ               أَخْمَدْتَها جَمْـراً ذكـا بِتَأَجُّـج

 وظللتَ في أرضٍ عوائدُها عَدَتْ        وتخالفـت سـننُ النبي الأبهـج

 فاسْتَنْسرَتْ بُغثانهـا وتَنَمّــرَتْ            جرْذانُها ترمـي  بنصـلٍ سـلمج

 

 

ثانياً: من غينيا (كوناكري):

قول الشاعر الكبير «محمد كاسو جابي»(17) في إحدى تضرعاته الرائعة:

ولكم دعوتُكَ باسم ذاتك مؤمناً                  أدعو مُقِرّاً بالوجود المُشْرِف

 بسواك لَمْ أهتِفْ فَوَاصِلْ بالرضى            عبداً بغير إلهه لم يَهْتِف

 أدعوكَ محتسباً إليك فَقَابِلَنْ                    بقبول إِنشاءِ المُلِحِّ المُلْحِف

 ولأنت أرحمُ من عواطفِ والدٍ                حانٍ ووالدةٍ على ولدٍ حَفِي

 فارحم ولا تَحْرِمْ عُبَيدَك فضلَ ما             يرجوه من كرمٍ لديك مُشَرِّف       

 كم من أيادٍ حُرَّةٍ أثبتَّها                          حَظّاً ، فلم أُحْرَمْ ولم أتكلَّفِ                      

 وعزيمةٍ عُقِدَتْ عليك ، نَوَيْتُها                 سَلَفاً فلم أَحْفِلْ بها ، بَلْ لَمْ أَف

 أثبتَّها سلفاً وكنتَ على الوفا                   كرماً لعبدٍ في البطالة مُسْرِف

 ووَصلتَ، فضلاً منك، حبلَ هدَايَتِي           بمحمد مَنْ نُورُه لم يخسف

 وبرحمةٍ أنزلتَها قُدسِيَّةٍ                        دلَّتْ عليك وَحَدُّهَا لم يُعْرَف

 وبآيــةٍ نزلتْ عليـه وحكمــةٍ                  سـِيقَتْ إليـه وشـمسُهَا لَم تكسف

 

وقول الشاعر الفوتي البليغ «عثمان كوصَ» وهو يفتخر بشعره، ويمدح أحد أعلام الأدب والشعر في «طوبى»(18):

 ولعبتُ في شعري بمدح محمدٍ                      والعُربُ تلعبُ بالكلام وتفخرُ

 وقصيدتي لمَّا انتهتْ شبَّهتُها                        بالبِكْر، إذْ هي كالأنيسة تبهَرُ

 عربيَّةً أولدتُها مِن فكرتي                           والفكرُ تَنتُجُ منه بِكْرٌ تُمهَرُ

 بِكرٌ يفوق جمالُها شمسَ الضُّحى                   عذراءُ مِن كلِّ العذارَى أَغْيَرُ

 غارتْ على أَلاَّ يقولَ كمثلِها                         أحدٌ من الشعراء، إذْ أنا أشْعَرُ

 والشعر مَلَّكَني الإلهُ زِمامَهُ                           مهما أَشَأْ تفعيلَه يتيسَّرُ

(إلى أن يقول):

إني نظرتُ فلَمْ أَجِدْ لجمالها                            كفؤاً سواكَ، وأنت كفؤاً خيِّرُ

 وإذا امتدحتُكَ يا محمد لَمْ أقلْ                            إلاَّ الذي قلَمُ الإرادة يسطُرُ

 سبقتْ لك الحسنى فجئتَ محمدا                         عند الظهور، فأيُّ أحدٍ يُنكِرُ

 ومُهذَّباً أخلاقُه ومُطهَّراً                                من كلِّ أسباب المذمَّة تنفِرُ

 وطهارةُ الأخلاق من تقديره                           سبحانه، ليستْ بما تُتَخَيَّرُ

(واختتم قائلاً):

قد اِنتهتْ رائيَّتي فلْيَرْوِها                                 في سائر الدنيا الرواةُ السُّمَّرُ

 أتحفتُها لبَني الزمان وغيرِهم                            ممَّن سيوجَدُ، أسودٌ أو أصفرُ

 كافٌ تُفَخَّمُ بعدها واوٌ كذا                                 صادٌ بِفتْحٍ عن سُمايَ يُعبَّرُ

 وأنا ابن سِيدِ محمدٍ عثمان ثا                             ني اسميَّ، ثمَّ اللقْبُ لي يتبربَرُ(19)

 شرفاً له ولنا بذكر خصاله                               تاريخ إتمامٍ بذلك يُزهرُ

ثالثاً: من النيجر:

نذكر قول الشاعر «أحمد محمد شفيع»(20):

الشعر  ينساب في فخر وفي جذل                        كعين  مـاء فرات جاء  من جبل

فـندوة الـفكر قد أحيت مشاعرنا                         وحققت جـانباً من أعمـق الأمل

قـد حـقّقت ملتقى يرمي  لوحدتنا                         وبعث  ماض عريق المجد والمثل

فـندوة الـفكر جـزء من تحرّكنا                           نحو اسـتعادة ما قد كان  يجمعنا

ثـقـافة ركـز الإسـلام بـنيتها                              فأصبحت مشعلاً  يهدي حضارتنا

وأنـقذت  مـن ظلام الجهل  أمتنا                        ومـثلت  مـحوراً صلباً  لوحدتنا

إن الـلقاء هـنا في ساي أسعدني                         فهو التحدي لما عشناه من محـن

عـشنا  التفرق والجهل الكبير بما                        يحويه  تاريخنا في سـالف الزمن

أخـوة  أسـس الإسـلام منشأها                            فكوّنت  مرجعاً يقضي على الإحن

هـذه مـهمتكم قـوموا بـواجبها                            واستعذبوا في طريق المرّ والمحن

 

المبحث الرابع: دفاع الشعر العربي الإفريقي عن الهويّة الإفريقية الأصيلة:

إذا كانت اللغة العربية بهذه القوة، والمقدرة العلمية، والمنزلة السامية، فلا غرابة أن تكون مستهدفة من أعدائها، ويعلم المشتغلون بدراسات التاريخ المعاصر، والمتابعون لمسيرة الاستعمار، وسياساته أن الهجوم على هذه اللغة المباركة الشريفة، والتهوين من شأنها، والسخرية من المشتغلين بها، والتهكم بها في وسائل الإعلام، والقصص، والروايات، والمسرحيات، هي سياسات مرسومة، وحملات مدبرة.

إن الحديث عن الهويّة بالنسبة لإفريقيا، خصوصاً وهي توضع في سياق المستقبل والتحدّيات، ينبغي أن يراعي المقومات الطبيعية والبشرية، وحال المجتمع الذي نشأ في ظلّ هذه المقومات وما له من خصوصيات، وأن يراعي كذلك إثارة التغيّرات الحضارية والثقافية التي عرفها على امتداد تاريخه، انطلاقاً مما تعرض له في مرحلة ما قبل الإسلام على ما يكتنفها من غموض واضطراب، إلى التحوّل الكبير الذي أُتيح له فيما بعد(21).

كان الشعر في إفريقيا أهم ما يعتمد عليه العلماء والمتعلّمون في المؤسّسات العلمية، حيث جعلوه غايتهم، ومعياراً تُقاس به المستويات العلمية في أوساطهم، كان العلماء الأفارقة يقرضون الشعر ويتنافسون في نظمه.

وتنحصر الموضوعات التي طرقها الشعر في إفريقيا، منذ الفترات المتقدمة وحتى عهدنا هذا، في تلك الأغراض التقليدية المعروفة، وهي المدح والفخر والغزل، لكن عثرنا عند بعض الشعراء المعاصرين على موضوعات في غاية الأهمية، منها شعر الجهاد الذي هو شعر الحرب أو السياسة، والذي يعبّر فيه قائله عن النزاعات السياسية والإصلاحية(22)، وعن تصوراته الدقيقة والمحدّدة في سياسة أهل زمانه، وقد كان الجوّ السياسي والديني والاجتماعي في إفريقيا في فترة من فترات مملوءاً بالاضطرابات الشديدة، وكانت الحروب الكثيرة تدور رحاها في أنحاء القارة الإفريقية، فكانت البيئة كلها شديدة الاضطراب، قليلة الاستقرار.

وقد هيأت هذه الحروب ميداناً فسيحاً للشعراء، فجعلوا يقرضون شعراً في هذا المجال، وكانت الأهداف الرئيسة هي الدفاع عن الهويّة الإفريقية الإسلامية أمام هذه التحدّيات الاستعمارية.

إن الأديب أو الشاعر بعامة يعتقد ويقول ما يعتقد، وأحياناً أخرى يعتقد ولا يقول ما يعتقد، وإذا ما حاولنا أن نصنف الشعراء وفق هذا المعيار يبقى الشاعر الأديب الإفريقي أو الشاعر الإفريقي من النوع الأول، لذلك نجد أن هذا الشاعر العربي الإفريقي يحدّد مواقفه بوضوح طبقاً لما يجده في محيطه، ومن ثم ينطلق نحو الدفاع عن الهويّة الإفريقية الإسلامية العربية، والذي يدفعه إلى ذلك هو إيمانه بالله عز وجل، وبالحرية الإنسانية الإفريقية التي هي حق طبيعي لكلّ مخلوق، فالإنسان عنده يختار، وفي اختياره يضع الحلول لما يمكن تحقيقه، لأنه لا يمكن تحقيق كلّ الممكنات، لكن الإنسان ليس حراً فقط عند هذا الشاعر العربي الإفريقي، بل عليه أن يقول ما يعتقده لتلك القوى الظالمة المستبدة، وإلا فلا معنى لهذه الحرية ولتلك الهويّة التي يدافع عنها، ولذلك نجد أن الشعراء في إفريقيا قد مرّوا في حياتهم بمراحل شاقّة خطيرة، بعضها مغامرات وأخرى تضحيات.

وفي كثير من القصائد يعلن الشعراء الإفريقيون استمراريتهم والتزامهم بالدفاع عن القارة، والنهوض بها، والنضال من أجل هويتها الإسلامية، وقد عبّروا في أشعارهم عن حبهم للقارة حباً عميقاً، فهذا الحب هو المنبع الأول الذي تدفقت منه وطنيتهم وأشعارهم السياسية، فما كادت تتفتح ملكاتهم الشعرية حتى أخذوا يؤكّدون هذا المعنى، وينظمون فيه، فنراهم في قصائدهم يشيرون إلى حقائق العصر، وأن الاستعمار الغربي مصدر كلّ الآلام التي تعانيها الشعوب المستضعفة، وما يرونه حلاً نهائياً لتك المشكلات والهموم، وأن الوحدة الإسلامية هي نبذ التفرقة واجتثاث العصبية وإلغاء الطائفية.

يقول الشاعر المالي «مختار سي»:

دمعي على قدمي جار ومنهطل                   جمر الأسى في صميم القلب مشتعل

 لم يبكني ذكر ماضٍ بات منصرماً                في عهد آنسة لم يبكني طلل

 لكن ضياع عرى الإنسان آلمني                  وسامني ما به تستنزف المقل

 قد حول العلم سمّا قاتلاً فغدا                      مهدّداً بخراب الخلق والدول

 والمال ينصب في وديان أسلحة                  ترتج من خوفها الأفلاك والجبل

 تشب نار الوغى في كلّ منطقة                   تدوي مدافعها والخطب يفتحل

 ساد التلوث في البيئات وانتشر الأ                مراض كالريح في الأوقاف ينتقل

 يا حبذا الأمر لو كانت تجاربهم                   تجدي نتائجها يوماً إذا وصلوا

 أو أنهـم قد رأوا كونـاً يناسـبهم                   فهاجروا واسترحنا وانتهى الملل(23)

 

هذه الأبيات صرخة قوية من الشاعر الإفريقي، وهي ثورة عارمة على الظلم والظالمين، إنها تثير قضية مهمَّة وحسّاسة، وهي الدعوة إلى ترك القتال والصراع في إفريقيا، والإقبال على الاتحاد والوحدة للتقدّم والتطوّر، والعيش في السلام والأمن والاستقرار.

يقول الشاعر «أحمد محمد شفيع»:

رمى الغرب تشتيت الصفوف بقهره                        وقسم أبناء الصحاري بمكره

 وحاول تسخير العقول بخبثه                                ليبتز خيرات البلاد لنفسه

 ويجعل من إفريقيا ملك جنده                                ويجعل من صحرائنا جزء أرضه

 فأصبح في جهد لتفريق صفنا                              وتشتيت هذا الشعب ها هو همّه

 فهذا شمالي وأبيض لونه                                   وهذا جنوبي وأسود وصفه

نجد أن أبيات الشاعر أحمد شفيع صورة واضحة للثورة المتأجّجة في نفسه على الظلم والظالمين، فهو يعلن حرباً ضدّ الأيديولوجيات الاستعمارية، مدركاً الأسباب الحقيقية التي دفعت الغرب الاستعماري إلى تقسيم قارته، وفي هذه الأبيات أيضاً إشعار للاستعمار الغربي وتنبيه له بأن بني وطنه على علم بما يقوم به من مكر وكيد وتخطيط في سبيل تمزيق صفوفهم، وطمس هويتهم الإفريقية، وفي البيت الأخير درسٌ واضح ومفيد لمن أراد منهم الحقيقة، وهي أن اللونين الأبيض والأسود أخوان وحّدهما النضال الطويل والقديم في واقعه الإسلامي.

ويقول الشاعر النيجيري «مهدي الحاج معاذ»:

إن الحياة مواقف ومخاطر                                       والحال بين تراجع وتقابل

 وإذا الشعوب تضامنت وتكاملت                                تنجو من الظلم الكريه الشامل

 وإذا العقول تحركت وتفكرت                                    تأتي بشيء لا أبا لك نائل

 ليس الشجاع من انتهى مستسلماً                                 إن الشجاع مكافح بتناضل

 فالأمر بين نشوئه ونمــــوّه                                       ومروره بمراحل فمراحـل

وتمثّل هذه الأبيات في رأينا الإجابة المنتظرة للخروج من هذه المأساة التي يعيش فيها أغلب بلدان القارة الإفريقية، وبخاصة التي استعمرتها فرنسا بسياستها المعروفة (فرّق تسد)، حيث تسيطر على الشاعر فكرة واحدة، وهي الضيق بهذه الحياة المظلمة التي يحياها الإفريقيون في أوطانهم من التشابه الفرنسي المزيّف على حساب الهويّة الإفريقية الأصيلة، وهذا السخط على ما تعج به من مفاسد وشرور وأهوال هو الدافع إلى هذا النوع من التوق إلى التخلص منها، والانصراف عنها إلى قبول سياسة الاتحاد الإفريقي، هذا المشروع العظيم والحلّ الآمن لكل ما نعيش فيه الآن من تشتت في الأفكار والميول، مع التشاور والتضامن الإفريقي بغية الوصول إلى الحق، والتنعّم بالطمأنينة والأمن والسلام.

وشاعر تشادي آخر هو «محمد عمر الفال» يقول:

يا سائلاً في كلّ فج من أنا                                      هاك الجواب نشيد رام سؤددا

 أما الجواب فإنني من عصبة                                   لك أسوة في سعيهم أقصى المدى

 ورثوا الفضائل كابرا عن كابر                                فإذا انتسبت إليهم لن تجحدا

 وإذا سألت عن  الكـرام  فلن ترى                             أبداً سـوانـا كـان أكـرم أحمـد  

وفي معرض الحديث عن الهويّة الإسلامية، والتي تسعى قوى الاستعمار الجديد إلى طمس معالمها، يقول الشاعر الغيني «محمد الأمين جابي»(24) في قصيدة طويلة، نورد منها هذه الأبيات على كثرتها لنبل معانيها:

الحَرْبُ ليسَتْ بالذَّخائِرِ وحْدَها                            حَرْبُ الحضارةِ والثّقافةِ أخْطَرُ

 والحرْبُ مَهْما خَلَّفَتْ آثارُها                              ليستْ كَحرْبِ الفِكْرِ حينَ تُدَبَّرُ

 لا سِيَّما حربٌ تُدارُ بِحِكمَةٍ                               وَوراءَها عقلٌ يَعِي ويُفَكِّرُ

 لا سِيَّما حربٌ تُشَنُّ على خُصو                           مٍ غافِلين، عدُوُّهم يَتَفكَّرُ

 ما بالُنا يَمْضِي الزَّمانُ، ولَمْ نَعُدْ                           يَوْماً على أمْجادِنا نَتَحَسَّرُ

 وَلَكَمْ فَقَدْنا في مَدَى تارِيخِنا                               عَدَداً من الأَمْجادِ ليسَتْ تُحْصَرُ

 كَمْ مِنْ مَراكِزَ للثَّقافةِ شُيِّدَتْ                               فَغَدَتْ أحاديثاً تُقَصُّ وتُذْكَرُ

 ماضٍ مِنَ الأمجادِ فَخْمٌ زاهِرُ                              يا لِيْتَ شِعري هَلْ يَعُودُ فَيُعْمَرُ

 وأَمانةُ التاريخِ إِنْ ضاعَتْ فلا                             أَحْدٌ يُبَرِّئُ نَفْسَه أَوْ يُعْذَرُ

 أَوَ ليسَ ذُلاَّ أَنْ يسُودَ عَدُوُّنا                                 وَنَعيشَ أّسْفَلَ سافِلينَ ونَصْغُرُ

 أَضْحَتْ دِماءُ المسلمين رَخيصَةً                           حَرْبُ الإِبادَةِ ضِدَّهم تَتَطَوَّرُ

بهذه الأبيات وغيرها تتضح لنا الخطوات التي كانت تحرّك وجدان الشعراء الأفارقة للتعبير عن الشعور الرافض للسياسة والاحتكار للإمبريالية الغربية تجاه الدول الناشئة في القارة الإفريقية، وبخاصة محاولة طمس هويّة الأفارقة الإسلامية، بنُظُمهم الكلاسيكية في السياسة والتعليم والاقتصاد.

لقد عاصر أغلب الشعراء الإفريقيين الأحداث السياسية في أوطانهم، وتفتّحت ملكتهم الشعرية على أصداع الحركات الوطنية، وفي تلك الفترة التي كانت من أسوأ الفترات التاريخية التي مرّت بالقارة، فقد اتسمت بالظلم والصراع وظهور الخلافات الدينية والاجتماعية، وكانت القوى الغربية وسياستها المبنية على التفرقة وراء كلّ ذلك.

والجدير بالملاحظة أن العاطفة الدينية الإسلامية هي المسيطرة على إنتاج هؤلاء الشعراء الإفريقيين في جميع قصائدهم التي حاولوا فيها الدفاع عن قارتهم، ولا غرابة في ذلك؛ فالدين والوطنية توأمان(25) .

كانت مسيرة الدول الإفريقية نحو الاستقلال أكبر الدوافع لقيام الحركة الشعرية في إفريقيا، ولكن هل الاستقلال يعني عروض عسكرية ومسيرات شعبية إلى ميدان الحرية؟ إن الاستقلال هو عدم التبعية، كما يعني الإنتاج والابتكار وحرية الفكر والتعبير وتحرير التعليم.

ولعل التعليم هو أهم المجالات التي تأثرت بمخططات الحكم الاستعماري، لذلك نسجل أن قيام الاتحاد الإفريقي في مدينة «سِرت» بالجماهيرية العظمى في اليوم التاسع من شهر الفاتح عام 1999م هو أكبر إنجاز إفريقي، فمع هذا الاتحاد تتمكن القارة الإفريقية من الحصول على مكانتها ووزنها في ظلّ التكتلات السياسية الراهنة، ومن ثم تحرير نظام التعليم الكلاسيكي المنتشر في إفريقيا بعامة، وغرب إفريقيا بخاصة، وذلك لمصلحة أطفال القارة، ومستقبل الشعوب التي خضعت منذ قرون عدة لتغريب القوى الاستعمارية في مجال التعليم على صعيد المستويات التعليمية كلها، من الابتدائية إلى الدراسات الجامعية.

الخاتمة:

لقد دخل الإسلام في القارة الإفريقية أول الأمر في شرق إفريقيا عبر البحر الأحمر في العام الخامس لظهور الدعوة الإسلامية في مكة المكرمة، ونعني بذلك هجرة الصحابة الأولى إلى بلاد الحبشة وما ترتب عليها من نتائج طيبة في شرق إفريقيا.

كما دخل الإسلام شمال القارة الإفريقية عبر سيناء في العام الثامن عشر للهجرة، وهو العام الذي فتح فيه الصحابي الجليل عمرو بن العاص مصر، ومن ثم فتحت أرض الذهب «النوبة» عام 31هـ الموافق 651م، وبلاد المغرب في الفترة الواقعة بين عامي 21 و 90 هـ الموافق لعامي 624 – 708م.

وكان من الطبيعي بعد دخول الإسلام وانتشاره في شرق إفريقيا وشمالها أن يدخل البلدان الواقعة في وسط القارة وغربها وجنوبها، لأن الإسلام رسالة عالمية لا تقف في سبيلها الحواجز المائية أو الرملية أو الجبلية أو البشرية، وقد نتج عن دخول الإسلام إلى الشمال الإفريقي، ثم توغله إلى الصحراء والساحل والسودان الغربي، وحدة روحية وثقافية إسلامية بين هذه المناطق، كما نتجت عن ذلك روابط بشرية من الصداقة والأخوة والتزاوج والاندماج العرقي في كثير من الحالات؛ مما خلق شعوراً عميقاً بالتضامن ووحدة المصير بين شعوب يوحدها الإسلام وثقافته.

لقد اكتشفنا من خلال هذه الدراسة التأثير الإسلامي الواضح في هذا الشعر الإفريقي، إذ لا نعثر على قصيدة واحدة منه، أو بيت واحد يخالف معناه ما يدعو إليه الإسلام من قيم أخلاقية سامية، حتى فيما نُظم من شعر الغزل.

ومن خلال هذا البحث توصلنا إلى ما يأتي:

1 - أن اللغة العربية في إفريقيا عميقة الجذور، حيث عرفتها البيئة منذ عصورها الوثنية، وذلك بفعل الهجرات العربية المبكّرة إليها.

2 - أن الشعر العربي الإفريقي لم يكن نتيجة طفرة أو مظهر عابر، وإنما جاء نتيجة مؤثّرات نابعة من صميم البيئة الإفريقية التي اصطبغت بالثقافة العربية الإسلامية.

3 - عالج الشعر العربي الإفريقي تشويه القوى الاستعمارية الغربية للقارة الإفريقية الذي تعمدت الدول الغربية صنعه لمصلحتها.

4 - أن الاحتلال الغربي يُعد من أكبر المعوّقات لمسيرة الحضارة الإسلامية والثقافة العربية، وذلك من خلال ما مارسه من شتى أنواع الدمار في إفريقيا، وما أوقعه على شعوبها من ظلم، كاد يسلب منها ثوابتها وثقافتها المصيرية.

5 – أن ما اتخذه الشعراء الإفريقيون من أسلوب للدفاع عن الهويّة الإفريقية هو الرفض والتخويف والتنبيه والتحريض، وذلك من خلال غرض شعر الجهاد.

ويبقى سؤال تطرحه هذه الخاتمة، وهو هل للأدب العربي مستقبل في إفريقيا؟ وهذا السؤال يقودنا إلى سؤال آخر، وهو هل لشعراء اللغة العربية مستقبل في إفريقيا؟

مصادر ومراجع غير مذكورة بالهامش:

أولاً: المخطوطات:

ديوان الشاعر أحمد الشفيع، ديوان الشاعر أحمد غور بيري، ديوان الشاعر محمد الأمين جابي، ديوان الشاعر مختار سي، ديوان الشاعر مهدي الحاج معاذ، ديوان الشاعر عيان سه.

ثانياً: المطبوعات:

1 - القاموس الجديد للطلاب، علي بن هادية وآخرون، الشركة الوطنية للنشر، الجزائر، 1979م.

2 - قيام إمبراطورية مالي، إبراهيم طرخان علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة.

3 - مجلة الصراط كلية أصول الدين، الجزائر، عدد  2 - مارس 2001م.

4 - مجلة الدراسات اللغوية، العدد 2، 1999م.

5 - نيل الابتهاج بتطريز الديباج، أحمد بابا التمبكتي، منشورات كلية الدعوة الإسلامية.

6 - الإنسان عرض للثقافة الإفريقية، عبد الرحمن صالح، الدار القومية للنشر والطباعة – القاهرة.

7 - الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق، د. علي صبح، الدار القومية للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة.

الإحالات والهوامش:

(*) الجامعة الإسلامية بالنيجر، ص ب 11507 نيامي، جمهورية النيجر، alawiyel@yahoo.com .

(1) انظر: حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، د. شيخو أحمد سعيد غلادنشي، المكتبة الإفريقية، ط 2، ص 17.

(2) انظر: النيجر اليوم، منشورات جون إفريقيا، ط 1، 1982م، ص 13.

(3) تاريخ السودان، عبد الرحمن بن عبد الله السعدي، نشره هوداس وبنوه، باريس 1964م، ص 15.

(4) النيجر اليوم، مرجع سابق، ص 19.

(5) د. عامر صمب: الأدب السنغالي العربي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع - الجزائر، (1 / 21).

(6)  د. إبراهيم أنيس: المعجم الوسيط، الجزء الثاني، دار الدعوة، استانبول 1410هـ / 1989م، ص 998.

(7) موسوعة مصطلحات جامع العلوم الملقب بدستور العلماء، بيروت 1417هـ / 1997م، ص 964.

(8) د، محمد عمارة: الهوية الحضارية، مجلة الهلال، عدد فبراير 1997م، دار الهلال، القاهرة 1417هـ / 1997م، ص 36.

(9) المرجع السابق والصفحة.

(10) مستقبل الهوية المغربية أمام التحديات المعاصرة، مطبعة المعارف الجديدة، 1998م، ص 145.

(11) ينظر: المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب، البكري، أبو عبد الله بن عبد العزيز، دار دي سلات، الجزائر، 1965م، ص 179.

(12) ابن بطوطة: تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار (رحلة ابن بطوطة)، دار صادر ودار بيروت، ص 126.

(13) ينظر: أضواء على الشعر العربي في غرب إفريقيا، السنغال ونيجيريا، د. عبد الصمد عبد الله محمد، مكتبة وهبة، ط 1، 2001م، ص 40.

(14) د. علي شلبي: الأدب الإفريقي، عالم المعرفة - 171، مارس، 1993م، ص 9.

(15) حركة اللغة العربية وآدابها في نيجيريا، مرجع سابق، ص 193.

(16) محمد الأمين جابي: من أجل أدب إسلامي فاعل ومتفاعل، أعمال الندوة الدولية 2002م، حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر، عدد خاص من منشورات الإسيسكو، الباحث غيني وأستاذ بالجامعة الإسلامية بالنيجر، باحث في التراث العربي الإفريقي وشاعر وروائي ومفكّر، وله مؤلفات عديدة، تم نشر بعضها.

(17) والد الأستاذ محمد الأمين جابي، (1906م -  2008م)، عالم وفقيه وأديب وشاعر، شعره عالي الطبقة، وله ديوان حقّقه ابنه الأستاذ المذكور، ونُشر في حوليات الجامعة الإسلامية بالنيجر عام 2002م.

(18) من فحول شعراء فُوتا الكبار، لم نقف على سيرته، وحصلنا على القصيدة من مخطوطة زوّدنا بها أخونا الأديب الشاعر محمد الأمين جابي.

(19) يُنمي نسبه إلى البربر، وهم أحد الأصول التاريخية التي ينتسب إليها الفلانيون.

(20) شاعر وأديب ومؤرخ، وأستاذ جامعي سابق، من مواليد تِنتَابَرَادِن.

(21) ينظر: مستقبل الهوية المغربية أمام التحديات المعاصرة، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، د. عبد العلي الودغيري، سلسلة الندوات، 1977م، ص 158 - 159.

(22) أضواء على الشعر العربي في غربي إفريقيا، السنغال ونيجيريا، مرجع سابق، ص 51.

(23) ديوان الشاعر، مخطوط.

(24) من ديوان الأستاذ محمد الأمين جابي، مخطوطة.

(25)ينظر: الشعر العربي في النيجر، يوسو منكيلا، جامعة الفاتح 2001م، ص 149.

 

كتاب الموقع