أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

ضعف خيارات مرشحي المعارضة في الانتخابات الرئاسية برواندا

بقلم أ. حكيم نجم الدين

في خطوة تبدو استسلاما للضغوطات, أعلنت لجنة الانتخابات الوطنية الرواندية, في 1 يونيو 2017، إلغاء قرارها الذي يطلب من الأفراد الراغبين في إجراء حملة انتخابية على مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعية: فيسبوك، تويتر، واتساب، إنستغرام، يوتيوب، أو مواقع أخرى, أن يقدموا المحتوى أولا  قبل 48 ساعة من النشر للموافقة.

إن ازدياد استخدام الهواتف الذكية في جميع أنحاء رواندا يجعل وسائل الإعلام الاجتماعية وسيلة مهمة وغير مكلفة نسبيا لوصول المرشحين إلى الآلاف من الناخبين، ونقد سياسات الحكومة، وتقديم حلول بديلة.

لكن السكرتير التنفيذي للجنة الوطنية للانتخابات قال مؤخرا, إن القرار يعدّ "تنظيما ضروريا عندما يتعلق الأمر بالانتخابات". ولكن في المقابل وبإمعان النظر، سيُخيّل إلى كل متابع أن الهدف الرئيسي من التنظيم هو تقييد قدرة المرشح على الحملة والتواصل مع الناخبين – أي الرقابة, وهي هجوما صارخا على "حرية التعبير".

تبع ذلك القرار انتقادات من داخل رواندا وخارجها ببيانات شديدة اللهجة من عدة دول أوروبية بما فيها الولايات المتحدة, المملكة المتحدة, هولندا, ألمانيا والاتحاد الأوروبي، معربين عن "قلقهم الشديد" إزاء القيود المفروضة على وسائل الإعلام الاجتماعية في البلاد.

لقد تحولت رواندا - التي يهيمن عليها رجل واحد وحزب واحد, تحت قيادة بول كاغامي وحزبه الجبهة الوطنية الرواندية، إلى واحدة من أكثر الدول استقرارا في أفريقيا ومن الحكومات الأفريقية الأقل فسادا ، واقتصاد البلاد المتنامي صار يستخدم الطائرات بدون طيار، والإنترنت عالية السرعة المثبتة في جميع أنحاء البلاد، وغيرها من تكنولوجيات "المدينة الذكية".

بل تم تتويج رواندا بألقاب مختلفة, ما بين كونها قصة نجاح أفريقية, ونموذجا للحكم السياسي الضائع عن جل القادة الأفارقة. بل وصف توني بلير الرئيس كاغامي بـ "القائد المثالي"، وأطلق عليه بيل كلينتون "واحد من أعظم زعماء عصرنا"، مما يثير تساؤلات منها: ما الذي قدّمه هذا الرئيس الذي لا يملك أي كاريزما لينال إعجاب القادة الغربيين؟

ووفقا للبعض, قد يكون سبب هذه الثناءات أن الغرب يشعر بالذنب بسبب "عدم التدخل" أثناء الإبادة الجماعية في رواندا. أو كما يقول آخرون: إن "كلينتون وبلير ربما يعيدان النظر في أيامهما في التسعينات ويفكران فيما يمكنهما فعله بشكل مختلف، وكيف يمكن القيام به على الوجه الصحيح؟"

لا غرابة إذًا في أن كل شيء عن رواندا يُنظر إليه من خلال منظور الإبادة الجماعية - مائة يوم مروّعة راحت ضحيتها حوالي 800،000 من الرجال والنساء والأطفال والرضع - معظمهم من التوتسى وهى مجموعة أقلية ينتمي إليها الرئيس كاغامي, ولم تترك الإبادة أي أسرة دون جروح. وكقائد حرب العصابات الذين ساروا من الأدغال إلى العاصمة كيغالي، كان بول كاغامي من أنهى الكابوس، ويقول مُجلّوه إنه يميل الأوزان نحو المصالحة أكثر من الانتقام. وفي حدّ تعبير رجال الأعمال المغتربين, "لستُ متأكدا من أن رواندا ستكون موجودة الآن لولاه."

وفي الحقيقة, ليس من الصعب أن نرى لماذا يفتتن زوار رواندا بـ"كاغامي" ؛ لأنه على الرغم من الاضطرابات المصدومة التي تم دفنها في اللاوعي الجماعي على مدى أكثر من العقدين الماضيين، ستجد الحياة في مدن البلاد منظمة، والأرصفة نظيفة والطرق خالية من الحفر التي باتت مألوفة في الكثير من دول أفريقيا. وتعزز العاصمة كيغالي سمعتها باعتبارها المدينة الأكثر أمانا في القارة, ليتدافق عمال الإغاثة الأميركيون ورجال الأعمال والسياح إلى الدولة الواقعة شرق أفريقيا – والتي هي بمثابة نسخة أصيلة ومميزة من أفريقيا.

ومن ناحية أخرى، يقول النقاد إن الهدوء الذي تتمتع به رواندا هو "السلام القمعي"، على حساب الحريات المدنية والانتخابات التنافسية الحقيقية. وكان من المعروف اختفاء الأشخاص المنتقدين والمنافسين من الجبهة الوطنية الرواندية أو وجودهم أمواتا. ويتضمن تقرير عن تخويف وسائل الإعلام في رواندا في العام الماضي قائمة تضم 12 صفحة للصحفيين الذين ألقي القبض عليهم أو قتلوا أو اختفوا على مدى العقدين الماضيين. وتم حظر بي بي سي الناطقة بالكينيارواندا - اللغة المحلية - منذ عام 2014 بعد أن بثت فيلما وثائقيا يشكك في رواية الحكومة للإبادة الجماعية في عام 1994.

 

انتخابات 2017 والمعارضة:

تعكس انتخابات هذا العام بعض التناقضات في رواندا. فقد تم في السابق سجن شخصيات المعارضة أو العثور عليهم مقتولين - قبل الانتخابات في عام 2010 عُثر على نائب رئيس مجموعة المعارضة الرئيسية - حزب الخضر - مقطوع الرأس، وجثته مُلقاة في النهر. وهناك مرشح معارض آخر مسجون في الانتخابات نفسها، وهو فيكتوار إنغابير. ومع ذلك، فإن "ديان شيما رويغارا" ومرشحي المعارضة الآخرين لا يزالون ينتقدون الحزب الحاكم علانية.

لقد أعلنت "ديان شيما رويغارا" - وهى محاسبة عمرها 35 عاما من كيغالى، عن نيتها لخوض الانتخابات الرئاسية في فندق بوسط كيغالى, حيث وعدتْ الشعب الرواندي مزيدا من فرص العمل، والحد من الفقر، ومختلف الإصلاحات. وذهبت إلى ما هو أبعد – بتعهدها إعطاء الروانديين بلدا خاليا من التخويف والقمع.

تصرح رويغارا ، قائلة: "إن ما فشل الحزب الحاكم فى تحقيقه خلال 23 عاما، لا يستطيعون القيام به فى الفترة القادمة, ... الجميع يخافون من التعبير عن أنفسهم لأنهم خائفون جدا من الحزب الحاكم. ولا توجد حرية في التعبير في رواندا ".

بعد يومين وبينما لا تزال تعهداتها تحت وطأة النقاش لدى الروانديين, إذ فوجئ الجميع بتعميم صور "رويغارا" العارية على شبكة الإنترنت. ونشرت صحيفة أوغندية هذه الصور في صفحتها الرئيسية.

اتهمت رويغارا الحزب الحاكم بالوقوف وراء نشر هذه الصور  لكنها لم تقدم أي دليل يثبت اتهامها ، و قالت رويغارا : "كنت أعرف أنهم سيذهبون إلى المستوى المنخفض (الدنيء)، ولكني لم أكن أعرف أنهم سيذهبون إلى هذا الحد من الدناءة ... لقد تم ذلك لتثبيطي، لكنه لم يردعني. إنه يعطيني المزيد من التصميم"، على حدّ تعبيرها.

في 7 يوليو الماضي، أصدرت اللجنة الوطنية للانتخابات, قائمة المرشحين الرئاسيين، بمن فيهم الرئيس الرواندي الحالي، بول كاغامي, وزعيم المعارضة الرئيسية فرانك هابينيزا من حزب الخضر الديمقراطى الرواندى. وستبدأ الحملات الرسمية قبل الانتخابات الوطنية التي ستجرى يوم 4 أغسطس, لتكون ثالث انتخابات رئاسية متعددة الأحزاب في البلاد منذ الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994.

ورفضت اللجنة الوطنية للانتخابات ترشيح "ديان شيما رويغارا" لعدم حصولها هي وأربعة مرشحين آخرين على العدد المطلوب من التوقيعات, إذ يتعين على الطامحين الرئاسيين المستقلين، تقديم 600 توقيع من كل المقاطعات الثلاثين.

"لقد تحققنا من التوقيعات وانخفضت توقيعات المرشحين المستقلين عن العدد المطلوب في جميع المناطق. لديهم خمسة أيام لتقديم العناصر المفقودة من ملفاتهم." قال رئيس اللجنة الوطنية للانتخابات, كاليسا مباندا, "إنهم جميعا يفتقدون التوقيعات من جميع المناطق."

من الجدير بالذكر أن الفضاء الذي تتمتع به "رويغارا" حتى الآن له علاقة بخلفيتها؛ إذ هذه السيدة التي درست المالية والمحاسبة في كاليفورنيا قبل عودتها إلى رواندا، تنتمي إلى التوتسي وهي من عائلة كانت تدعم الجبهة الوطنية الرواندية (الحزب الحاكم). وتوفي والدها في عام 2015، وهو أحد أغنى رجال الأعمال في رواندا, إلا أن "رويغارا" تزعم أنه اغتيل لمقاومة مطالب الجبهة الوطنية الرواندية المتعلقة بمشاريعه التجارية, غير أن الشرطة تقول إنه قُتل على الفور بعد أن صدمته شاحنة.

أما فرانك هابينيزا من حزب الخضر, فسيكون ضمن الاقتراع هذا العام بعد سنوات من الكفاح لتسجيل حزبه المعارض الذي أسسه عام 2009. كما انتقد علنا سياسات الجبهة الوطنية الرواندية القديمة مثل نظام زراعي يتطلب من المزارعين أحادية المحاصيل وزرع محاصيل معينة لبيعها للتعاونيات المحلية، بدلا من اختيار المزارعين ما يحلو لهم زراعته.

تعرضت هذه السياسة الرامية إلى زيادة الإنتاج الزراعي للانتقادات بسبب إيذاء المزارعين الأكثرين فقرا، ولأنها لم تفعل سوى القليل للمساعدة في انعدام الأمن الغذائي في أجزاء من البلاد التي تواجه الجفاف الشديد. وكما يقول هابينيزا, إنه سيعمل على تخصيص أراضي عامة للزراعة التجارية.

"كنا ندعو لفتح الفضاء السياسي منذ عام 2009. لكنه يفتح شيئا فشيئا، والآن لدينا فتحة حقيقية لأنني سأكون في الاقتراع"، يقول هابينيزا, وأضاف "إننا نزداد قوة".

ويركز المرشحون الآخرون على الحد من الفقر - ما يقرب من 40٪ من السكان لا يزالون يعيشون تحت خط الفقر - وتبلغ بطالة الشباب حوالي 23٪، وفقا للإحصاءات الحكومية. يقول فيليب مباييمانا، مرشح معارض آخر: "هذه هي بداية الحرية في رواندا". وكان مباييمانا، وهو صحفي، يعيش في فرنسا حتى عام 2012 عندما عاد إلى رواندا. وأضاف "إنها المرة الأولى التي يستطيع فيها خصمٌ التحدث بحرية".

ويقول المرشحون إنهم يتعاملون مع أشكال التخويف غير المباشرة؛ اختفى شخص مقرب لرويغارا خلال الفترة التي أرادت فيها الإعلان عن ترشيحها، مما أدى إلى تأخير الإعلان لعدة أشهر. ويقول هابينيزا إن أعضاء طاقمه قد حرّموا من الرعاية الصحية وإن أبقار أنصار حزبه وممتلكاتهم الأخرى تم الاستيلاء عليها, بل صرح أنه هو نفسه يتلقى مكالمات هاتفية غريبة ويتحمل السخرية من قبل الغرباء لمحاولة خوضه الانتخابات ضد كاغامي. أما مباييمانا فهو يقول أن الأصدقاء وأفراد العائلة قد ابتعدوا عنه.

ومع ذلك، لا يوجد أي معارضة حقيقية ضد إعادة انتخاب الرئيس كاغامي. لأن جميع الأحزاب الأخرى قد أعلنت عن تأييدها للرئيس، ولا يزال المرشحون المعارضون مثل رويغارا يواجهون معركة شاقة. كما أن حزب هابينيزا الخضر لم يتمكن من التسجيل إلا في عام 2013. ولم يكن اسمَيْ "مباييمانا" و "رويغارا"، اللذان يعتبران مرشحين مستقلين، في القائمة المؤقتة للمرشحين المعتمدين مؤخرا, ولديهم حتى 3 يوليو لتلبية احتياجات المتطلبات المتبقية.

إن فوز كاغامى كان مفروغا منه، وقد عُزز هذا الفوز في عام 2015 خلال استفتاء حول تعديل الدستور ليسمح له بقضاء مزيد من الفترة في منصبه. ومن شبه المؤكد أن العديد من الروانديين قد أجروا اقتراعهم لإعادة انتخاب كاغامي - بتصويتهم على التعديل الدستوري.

يضاف إلى ما سبق أن مراقبي الانتخابات الأوروبيين قرروا عدم الحضور إلى رواندا، لأن الانتخابات لا تتسم بالتنافسية الجدية. وقد يبقى كاغامى الذى ستنتهى فترة ولايته في نهاية العام الحالي، في منصبه حتى عام 2034 – على الرغم من أنه بالفعل يُصنف ضمن أطول عشرة قادة في أفريقيا.

 

 

كتاب الموقع