أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

حكومة جديدة في فرنسا.. لاستمرار الكولونيالية القديمة في أفريقيا

بقلم أ. عبدالحكيم نجم الدين

كلما حاول الرجل الأفريقي ألا يوقفه الماضي المؤلم فيحافظ على إيجابيته والمضيّ قدما لبناء بلدان قارته, كلما تأتيه أقوال وأفعال تكدر صفو المزاج. وهذا بالفعل ما حدث بعدما أطلق الرئيس الفرنسي الجديد ايمانويل ماكرون, تصريحاته المثيرة للجدل بشأن أفريقيا ونسائها فى القمة الأخيرة لمجموعة العشرين التى أقيمت فى هامبورج بألمانيا.

لم يتنبه أحد في البداية لمقتطفات خطابه أثناء قمة مجموعة العشرين بسبب ما شهدتها القمة من احتجاجات عنيفة. غير أن مقطعا منها نُشر في وسائل الإعلام الاجتماعية أشار فيه ماكرون إلى أن أفريقيا تواجه مشاكل "حضارية", وأن جزءا من التحديات التي تواجه القارة هو البلدان التي لا يزال لديها "سبعة إلى ثمانية أطفال لكل امرأة " - وذلك عندما سئل فى مؤتمر صحفى عقد فى القمة عن سبب عدم وجود "خطة مارشال" لأفريقيا.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يبدي فيها ماكرون تصريحا سلبيا عن الأفارقة. ففي 1 يونيو وهو في منطقة "بريتاني" ، جاء الحديث حول قوارب الصيد - "كواسا كواسا" وهي سفن تستخدم في جزر القمر، ويستخدمها أيضا المهاجرون الذين يسعون للوصول إلى "مايوت" التي تسيطر عليها فرنسا والواقعة في الطرف الشمالي من القنال الفاصل بين موزمبيق ومدغشقر. "لكن (قوارب) كواسا-كواسا لا تصطاد كثيرا، بل هي تقدّم أبناء جزر القمر"، يقول الرئيس الفرنسي ساخرا ومستخدما عبارة تعني السلع وليس الناس.

لقد انقسمت الآراء حول تصريحات ماكرون ما بين التأييد والانتقاد الذي لا هوادة فيه. وكان المؤيدون يرون أن الأفارقة بالفعل يُكثرون إنجاب الأطفال – بل شبّه أحد المعلقين - من دولة بشمال أفريقيا على صفحة الفيسبوك - إنجاب الأفارقة كـ"إنجاب الأرانب" – بالرغم من أنّ المؤشّر الذي بنى عليه الرئيس الفرنسي قوله بمثابة "أخبار وهمية" ويجانب التقارير الميدانية والواقع المعاش. وهم بهذا – أي المؤيدون – يغضون الطرف عن الجانب الحضاري المسيئ من تعليق ماكرون.

وهكذا تندرج تصريحات ماكرون تحت الأقوال التقليدية المألوفة، والبيانات الفاضحة واللاواقعية حول أفريقيا والتي يشير أصحابها إلى كل الأسباب وراء مشاكل القارة دون ذكر العامل الكولونيالي وتأثيره الدائم.

ففي خطابه في داكار عام 2007، أشار نيكولا ساركوزي أن "الرجل الإفريقي لم يدخل التاريخ بشكل كامل". وهذا يعني أن تعليق ماكرون "الحضاري" ليس سوى امتداد لما قاله سلفه، ولكن بإضافة تُذكرنا بمهمة "البعثة المدنية"، أو "البعثة الحضارية" التي استخدمتها فرنسا في نشاطاتها الكولونيالية.

 

ماكرون و "ثمانية أطفال لكل امرأة" :

لقد بالغ ماكرون عندما ذكر أنه يوجد بأفريقيا "7 إلى 8 أطفال" للمرأة الواحدة، لأن ارتفاع معدل الخصوبة بأفريقيا فقط في النيجر والعدد فيها أيضا متنازع عليه. يضاف إلى ما سبق أن هناك تاريخ طويل للذعر السكاني واستخدامه في أيديولوجية عنصرية. وعلى الرغم من أن الأسر الكبيرة قد تكون مصدر قلق في أوضاع محددة في أي دولة في جميع أنحاء العالم دون استثناء، إلا أن التفخيم والمبالغة عندما يكون الأمر عن أفريقيا ليس من العدل ولا معنى له.

وتشير أبحاث أجراها عالم سياسي بارز - بحسب صحيفة "ليبيراتيون" الفرنسية - استنتج فيها أن إلقاء لوم الفقر على زيادة السكان، ولوم النساء الأفريقيات على الاكتظاظ السكاني، يصرف النظر عن دور القوى الكولونيالية مثل فرنسا والمملكة المتحدة في إعاقة تطور القارة.

أو كما يعبّر عن ذلك الباحثان "ليندر هيلدرينغ" و "جيمس روبنسون" في دراستهما بعنوان "الاستعمار والتنمية في أفريقيا" : "..من الصعب تقديم أدلة متاحة إلى جانب حقائق معقولة مضادة للدفاع عن وجود أي بلدٍ اليوم في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كان أكثر تطورا لأنه اسُتُعْمِر من قبل الأوروبيين. بل على العكس تماما."

وأضاف الباحثان, "الواقع أنه في معظم الحالات يمكن أن يعزى سبب الانخفاض الاقتصادي في فترة ما بعد الاستقلال في أفريقيا إلى الاستعمار لأن أنواع الآليات التي أدت إلى هذا الانخفاض كانت من صنع المجتمع الاستعماري."

وهناك مراقبون انتقدوا ماكرون للإشارة فقط إلى "أفريقيا"، بدلا من دول محددة، متجاهلا الاختلافات الهائلة والتفاوتات في مستوى تطور البلدان في ثاني أكبر قارة في العالم. وعلى حدّ تعبير ميشكا وزار, الكاتبة لـ"ديلي فوكس" الجنوب أفريقي : "إن أفريقيا ليست بلدا واحدا. لا يمكنك، كزعيم عالمي (أو حتى شخص عادي في الشوارع دون طموحات سياسية) أن تخلط بين الدول الأفريقية و "قارة أفريقيا".

من جانب آخر, يؤكد الخبراء – منهم عالمة السياسة الأمريكية, لورا سيي - أنه إذا ما وجدت مناطق أو دول أفريقية بها معدل خصوبة مرتفع أو تعاني من ارتفاع عدد السكان, فإن اللوم يقع على عاتق فرنسا.

"كانت نظرية فرنسا الاستعمارية تسمى "مهمة المدنية" (البعثة الحضارية), والتي تدعي أنها تجلب كل مزايا الفرنسيين إلى القارة (الأفريقية). وجزء من "المهمة" كان إضفاء الطابع المؤسسي للكاثوليكية باعتبارها الدين الرسمي للأراضي الاستعمارية الفرنسية في أفريقيا," تقول لورا سيي منتقدة الرئيس الفرنسي في سلسلة من التغريدات.

"نحن اليوم نرى كل أنواع الآثار المترتبة على "مهمة المدنية" في أفريقيا الناطقة بالفرنسية،" مثل أن تعطي الكنيسة دروسا ضد استخدام وسائل منع الحمل، والتي يأخذها معظم أتباع الكنيسة في أفريقيا على محمل الجد. فهل تريد النساء في أفريقيا الناطقة بالفرنسية أن يلدن أطفالا أكثر بكثير مما يمكنهن إطعامهم بشكل معقول، وتوفير اللباس لهم، وتثقيفهم؟ أشك في معظمها," تضيف لورا.

 

هل فرنسا تريد التطور لدول أفريقيا ؟

عندما طالبت غينيا بالاستقلال في عام 1958 عن الحكم الكولونيالي الفرنسي، انفجر الفرنسيون (أكثر من 3000 شخص) غضبا, وتركوا البلد الأفريقي وهم يأخذون معهم كل ممتلكاتهم, ودمروا كل ما لا يمكنهم أخذه - كهدم المدارس ودور الحضانة ومباني الإدارة العامة والسيارات والكتب والأدوية وأدوات معهد البحوث، وتخريب الجرارات، وقتل الحيوانات. حرقوا بعض المواد الغذائية في المستودعات وسمموا أخرى. وهم يفعلون ذلك لإنذار جميع المناطق الأخرى تحت سيطرتها أن ثمن رفضها لفرنسا سيكون غاليا.

بل قبل أن تقبل فرنسا بالمطالب الأفريقية بالاستقلال في الستينيات، نظمت بعناية كل المناطق الأفريقية التي سيطرت عليها (دول الفرنك الأفريقي) في نظام "التضامن الإلزامي" المتمثل في إلزام 14 دولة أفريقية بوضع 65٪ من احتياطياتها من العملة الأجنبية في الخزانة الفرنسية، بالإضافة إلى 20٪ أخرى للمطالب المالية. وهذا يعني أن هذه البلدان الأفريقية الـ 14 لا تملك إلا 15٪ من أموالها الخاصة للتنمية الوطنية في كل سنة. وإذا كانت أي دولة منها بحاجة إلى مزيد من الأموال, فما عليها سوى الاقتراض من أموالها - التي أودعها في يد الفرنسيين - بأسعار تجارية. وهذا هو الحال منذ الستينيات.

يقول الكاتب "سيجي جابر" في تلخيصه لمقابلة أجرتها "مجلة نيو أفريكان" مع البروفيسور مامادو كوليبالي، رئيس الجمعية الوطنية الإيفوارية، وأستاذ الاقتصاد، ومؤلف كتاب "استعباد الميثاق الاستعماري" :

"لفرنسا الحق الأول في شراء أو رفض أي موارد طبيعية موجودة في أرض البلدان الفرنكوفونية. لذلك حتى لو تمكنت البلدان الأفريقية من الحصول على أسعار أفضل في أماكن أخرى، فإنها لا تستطيع بيعها لأي شخص حتى تقول فرنسا أنها لا تحتاج إلى تلك الموارد.

"وعند منح العقود الحكومية، يجب النظر في الشركات الفرنسية أولا؛ أي لا يمكن لهذه البلدان أن تبحث في أماكن أخرى, ولا يهم ما إذا كان بوسع بلدان "الفرنك الأفريقي" الحصول على قيمة أفضل مقابل المال نفسه في أماكن أخرى."

وإذا حاول أي رئيس دولة من تلك الدول مغادرة نظام "الفرنك الأفريقي" فإنه سيتعرض لضغوطات سياسية ومالية من قبل الحكومة الفرنسية وقادتها.

وعلى سبيل المثال؛ صمّم "لوران غباغبو" على تخفيف سيطرة فرنسا على بنوك ساحل العاج والتأمين والنقل وتجارة الكاكاو والطاقة. وكان قد دعا في وقت قصير من منصبه شركات من بلدان أخرى لتقديم اقتراحات وخطط لمشاريع حكومية.

شعر "لوران غباغبو" بعدم الارتياح إزاء التكلفة المفرطة للمشروعات التي قدمتها الشركات الفرنسية مثل الجسر الذى كان من المقرر أن تقوم شركة فرنسية ببنائه فى العاصمة أبيدجان مقابل 200 مليار فرنك أفريقى. فألغى العقد عندما قال له الصينيون إنهم قادرون على بناء الجسر مقابل 60 مليار فرنك أفريقى فى عام 2002. بل ويُتوقع أن يكون الدفع للجسر للشركة الفرنسية في شكل حبوب الكاكاو التى تعد ساحل العاج من أكبر منتج لها فى العالم. غير أن فرنسا ردّت على غباغبو: "لا يمكنك أن تفعل ذلك" .. لا يمكنك إيقاف العقد!

النتيجة؟ تؤكد تقارير أن فرنسا خططت لخمسة انقلابات ضد غباغبو، وكلها فشلت. وفي النهاية قبضت عليه فرنسا وزوجته في مقر إقامته الرئاسية، وذلك باستخدام قوات فرنسية خاصة وتسليمهم إلى "رجلهم"، الحسن واتارا، المدعوم من قبل المتمردين الذين سلّحتهم فرنسا.

"كان الرئيس الفرنسي السابق نيكولاس ساركوزي وراء ترحيل غباغبو من ساحل العاج لتحتجزه المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي عام 2011. وعلى مدى خمس سنوات، حقق الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية في الادعاءات الموجهة ضد غباغبو. وقد ثبت أن بعض الأدلة التي رفعها الادعاء ضده في جلسات الاستماع التمهيدية ملفقة," تقول شانون إبراهيم, المحررة الدولية لمؤسسة "انديبندينت" الجنوب أفريقية.

إذن، هذه الدول الأفريقية ليست سوى دافعي الضرائب الفرنسيين - بنسبة هائلة – حتى وإن كان مواطنو تلك البلدان ليسوا فرنسيين ولا يمكنهم الحصول على السلع والخدمات الفرنسية العامة التي تستخدم لها أموالهم. بل فرنسا تطلب من "مستعمراتها" توفير تمويل خاص للسياسيين الفرنسيين خلال الانتخابات في فرنسا.

كل ما سبق يؤدي إلى التساؤلات التالية:

-  هل فرنسا بالفعل تريد لمستعمراتها السابقة أن تتطور وتتقدم؟

- وما جدوى "استقلال" البلدان الـ 14 الأعضاء في نظام "الفرنك الأفريقي" إذا لم يكن لديهم حرية التصرف في أموالهم ولو للتنمية؟

-  وهل يعلم الفرنسيون – بما فيهم ماكرون - أنهم يعيشون بثروة البلدان الأفريقية منذ أكثر من نصف قرن؟

من الناحية العسكرية، تواصل فرنسا أيضا تغلغلها في قضايا "مستعمراتها" السابقة بدعوى المساعدة أو محاربة "الإرهاب"، ولكنها غالبا ما تكون صامتة على انتهاكات حقوق الإنسان والحقوق المدنية.

أما فرانسواز فيرجيس, فقد سلطت الضوء - في كتابها "بطن المرأة"- على الجرائم والإساءات التي ارتكبها أطباء فرنسيون بتعقيم النساء السود, وإجراء عمليات إجهاض دون موافقتهن في منطقة ريونيون الأفريقية التابعة لفرنسا في السبعينيات.

"جُعلت المرأة في العالم الثالث مسؤولة عن عدم التطوير [ولكن] معظم الدراسات تظهر اليوم أن عدم التطوير هو الذي يسبب زيادة السكان". "إن نظرية الاكتظاظ السكاني تتجنب أيضا التشكيك في دور الكولونيالية والإمبريالية في الفقر," تقول فيرجيس.

 

 

كتاب الموقع