أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

دراسة تطبيقية على المجموعة (G5) للساحل الأفريقي

جهود المؤسسات الإقليمية الإفريقية في مكافحة الإرهاب ..

 

 

     أ. محمد بشر جوب (*)

شكّلت قضية الإرهاب ظاهرة عالمية، شغلت الرأي العام الوطني والإقليمي والدولي، ومن أجل احتوائها وُضعت آلياتٌ واستراتيجياتٌ متنوعةٌ، بعضها أخذ طابعاً وطنيّاً، وبعضها الآخر أخذ الطابع الإقليمي أو الدولي، وبما أنها ظاهرةٌ تعدُّ من أكثر الظواهر التي عرفها المجتمع الدولي تعقيدا، لا تمضي فترةٌ من الزمن إلا وتظهر مبادراتٌ جديدةٌ تهدف إلى تطوير الآليات والاستراتيجيات الموجودة، للأخذ في الاعتبار التطورات الجديدة في الساحة؛ سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي أو الدولي، ومن أجل توحيد الجهود والآراء بذلت منظمة الأمم المتحدة جهوداً رمت إلى وضع استراتيجية عامةٍ تجمع أعضاءها من الدول في إطار واحدٍ لمكافحة الإرهاب، فأقرَّت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 أيلول (سبتمبر) 2006، استراتيجية الأمم المتحدة العالمية المشتركة لمكافحة الإرهاب، وتضمّنت على خطّة عمل تهدف إلى معالجة الظروف التي تساعد على انتشار الإرهاب، ومنعه ومكافحته، واتخاذ تدابير لبناء قدرات الدول، وهي وإن كانت خطوة مهمة من حيث المبدأ، إلا أنها لم تحقق  حتى الآن نجاحاً يذكر في هذا الصدد، ولذلك شرعت المنظمات الإقليمية في وضع آلياتها الخاصة بجانب الجهود التي تقوم بها الدول على المستوى الوطني؛ لتحمل المسؤولية اللازمة تجاه القضية.

وعلى مستوى أفريقيا لوحظ تأخرا كبيرا من قبل الاتحاد الإفريقي في المبادرة بوضع استراتيجية إفريقية لمكافحة الإرهاب، ولذلك كان حتماً على المنظمات الإقليمية أن تتحمل مسؤوليتها لمواجهة تحدي الارهاب الذي تفشَّى في القارة، ومن هذا المنطلق –في نظري- جاءت نشأة المجموعة (5) (G5) للساحل؛ التي جمعت بعض دول الساحل الإفريقي، حيث يعدُّ الساحل المنطقة الأكثر تعرُّضاً للعمليات الإرهابية في الآونة الأخيرة، أضف إلى ذلك أنها تحتضن مجموعات إرهابية تعتبر من أخطر المجموعات الإرهابية في العالم.

وفي هذا السياق تأتي هذه الدراسة للإجابة عن الأسئلة الآتية:

إلى أي مدى نجحت جهود الاتحاد الإفريقي ومؤسساته الفرعية في احتواء جريمة الإرهاب في القارة؟

ماهي مبررات نشأة المجموعة (5) للساحل الأفريقي؟

ماهي فرص ومهددات المجموعة (5) للساحل أمام تحدي الإرهاب في المنطقة؟

وتنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث هي على النحو الآتي:

 المبحث الأول: جهود الاتحاد الإفريقي، والمؤسسات الإقليمية تجاه التحدي الإرهابي.

المبحث الثاني: المجموعة (5) للساحل الإفريقي، النشأة والتكوين.

المبحث الثالث: مستقبل المجموعة (5) للساحل والدور الفرنسي المشبوه.

 

المبحث الأول: جهود الاتحاد الإفريقي، والمؤسسات الإقليمية تجاه التحدي الإرهابي.

 

المطلب الأول: التحدي الإرهابي في أفريقيا.

يعد الإرهاب واحداً من التحديات التي أرهقت القارة الإفريقية، وشهدت القارة في العقد الأخير تطوراً ملحوظاً في قضية الإرهاب، متمثلاً في تزايد الحركات والجماعات، وفي ارتفاع نسبة العمليات الإرهابية، ووفقاً لبعض الإحصاءات فإن معظم هذه  الجماعات (1)  ينتشر من أقصى الساحل الأفريقي بالغرب إلى أقصى الساحل الأفريقي في الشرق،  وصدرت بيانات قام بجمعها مركز الديانات والجغرافية السياسية (CRG) تشير إلى أن القارة الأفريقية عانت ما لا يقل عن 1426 حادثة من حوادث العنف المتعلقة بالإرهاب فيما بين 1 يناير 2016 و 30 سبتمبر 2016 وقد يرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل، منها البنية الهشة للدولة الإفريقية، وعدم الاستقرار السياسي، وتفشي العنف والحروب المسلحة، وتداخل الأفكار المتطرفة مع التركيبة التاريخية والاقتصادية والاجتماعية للقارة.

ولا يقتصر هذا الانتشار المرعب للإرهاب في القارة في منطقة بعينها، بل لا تخلو منطقة من مناطق القارة من وجود تهديدٍ إرهابيٍّ، حيث جاء في مذكرة للرئيس الجزائري "بوتفليقة" بصفته منسِّقاً لشؤون مكافحة الإرهاب بالاتحاد الإفريقي عُرضت أمام قمة الاتحاد "أن هناك أكثر من 5000 أفريقي من جنسياتٍ مختلفةٍ ينشطون مع  الجماعات الإرهابية في القارة وفي مناطق النزاعات المسلحة الأخرى" (2)  ومع ذلك يمكن القول أن قوَّة وفاعلية الجماعات الإرهابية في القارة تختلف من منطقة إلى أخرى، كما أن تداعياتها أيضا تختلف من دولة إلى أخرى، ففي عام 2013 بلغ عدد الهجمات في أفريقيا 789 وسببت في وفاة 11,180 شخص، ومقارنة مع السنتين 2012 و2013 ارتفعت عدد الهجمات إلى 155% و 104 % على التوالي، وفقاً لتقرير المركز الإفريقي للبحوث والدراسات الإرهابية.

ففي منطقة الشمال والساحل الإفريقي التي تعتبر أكثر المناطق تعرضا للعمليات الإرهابية في أفريقيا، يشير تقرير صادر من مركز «دراسات الإرهاب» بالولايات المتحدة لعام 2016 على ارتفاع نسبة الهجمات فيها من 206 عملية إلى 235 عملية، وفي تقرير سابق لنفس المركز، جاء فيه أن معدلات العمليات الإرهابية (3) التي وقعت في المنطقة ارتفعت إلى 289 عملية إرهابية خلال 2014 (4) ما يمثل ارتفاعًا بنسبة 800%، مقارنة مع سنة 2001، وهي سنة توسيع تنظيم القاعدة لعملياته الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم (5).

وفي نيجيريا استغلت جماعة "بوكو حرام" الحـدود الـتي يسهل اختراقها بين نيجيريا والكاميرون وخطفت رعايا أجانب في كاميرون، كمـا تـسببت الأنـشطة الإرهابيـة الـتي قامت بها الجماعة في نـزوح مـا يقـدر بــ 45.000 مـن اللاجـئين والمهـاجرين العائــدين النــيجيريين، إلى تــشاد وكــاميرون والنيجــر(6)،   كما أصـبح وسـط أفريقيـا أيـضاً الـساحة الرئيـسية لعمليـات جـيش الـرب للمقاومـة (The Lord's Resistance Army)، والـذي يعتـبره الاتحـاد الإفريقي جماعة إرهابية، وهو مسؤول عن ارتكاب انتهاكات خطيرة واسعة النطاق، وقام بتنفيذ معظم المذابح التي شهدتها جمهورية إفريقيا الوسطى عام 2015م.

وما بين كلٍّ من مالي وموريتانيا شاهدنا نشاطاً واسع النطاق لجماعاتٍ إرهابية توصف بأنها خطيرة، منها تنظـيم القاعـدة في بـلاد المغـرب الإسـلامي، وجماعـة التوحيـد والجهاد في غرب أفريقيا، وجماعة أنصار الدين، حيث استغلت هذه الجماعات التدهور الأمني في كلا البلدين، فتضاعفت قدراتهم العسكرية والهجومية، فإذا أضفنا إلى ذلك تلك العمليات الإرهابية التي وقعت في شـرق أفريقيـا مــؤخراً كالهجوم الذي وقع علـى "مجمـع ويـست غايـت" التجـاري في نـيروبي في سـبتمبر 2013 و سلـسلة الحوادث الفردية التي تراوحت بين تفجـيرات والقبض على أشخاص متورطين بالإرهاب في منطقة جنوب أفريقيا، نعلم يقينا مدى انتشار وتوطُّن الإرهاب في القارة، وحتَّم ذلك ضرورة تحرك المسؤولين في الاتحاد الإفريقي وفي المؤسسات الإقليمية لتجاوز هذه الأزمة.

 

المطلب الثاني: جهود الاتحاد الإفريقي في مكافحة الإرهاب.

كان ظهور الإرهاب الدولي  في أفريقيا في مطلع التسعينات، وبدأت خطورتها تتوسع وتكبر يوما بعد يوم، وخاصة بالتزامن مع تفجيرات نيروبي عام 1998، ثم تبعتها أحداث 11 سبتمبر، بعد هذين الحدثين بدأ تعاطي الاتحاد الإفريقي مع الإرهاب يتّخذ بعداً أكثر جدّية، فبعد أحداث "نيروبي" بسنةٍ واحدةٍ وأثناء القمة الـ 35 لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1999 تبنت المنظمة اتفاقية الجزائر، واعتُبر أول اتفاقية على مستوى المنظمة والدول الإفريقية في إطار مكافحة الإرهاب (7) وفي عام 2002 تم تعزيز الاتفاقية بوضع برنامج عمل بين دول الاتحاد وذلك لتأكيد تعهدات الدول الإفريقية في تحجيم ومضايقة الجماعات الإرهابية، من خلال سن تشريعاتٍ تهدف إلى توقيع أشد العقوبات على من تورط في الأعمال الإرهابية، بالإضافة إلى التعاون البوليسي، وتبادل المعلومات، وقمع وسائل تمويل الإرهاب، وفي يوليو 2004 تم تبني البروتوكول الإضافي على الاتفاقية؛ والذي كان الإطار القانوني لإنشاء مجلس السلم والأمن الأفريقي والذي مهمته مكافحة الإرهاب الدولي بجميع أشكاله (8) . 

بداية من تلك الحقبة إلى الآن تأرجح مستوى تعامل الاتحاد مع قضية الإرهاب بين القرارات والتعهدات والبرامج التي تبناها بين الفينة والأخرى حيال القضية، ففي عام 2009 قرر الاتحاد الإفريقي تجريم الفدية التي تقدم إلى الجماعات الإرهابية من أجل تحرير الرهائن، وفي عام 2010 تم تعيين ممثل عام للاتحاد الإفريقي للتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وفي يوليو 2011 تبنى الاتحاد قانونا أساسيا لحث الدول الأعضاء على تعزيز قوانينهم الوطنية في مكافحة الإرهاب(9). 

لم تكن جهود الاتحاد الإفريقي على مستوى التحدي الإرهابي الذي اجتاح القارة، ففي حين ركزت المنظمة جهودها في الجانب التشريعي أهملت في الوقت ذاته جوانب ذات أهمية كبيرة وأساسية في التعامل مع قضية الإرهاب، فعلى الرغم وجود المركز الإفريقي للبحوث والدراسات الإرهابية (ACSRT) –وهو المركز الوحيد على مستوى القارة في هذا الشأن- فدول القارة تفضل الاعتماد على الدراسات الأجنبية في وضع خططها لمكافحة لإرهاب؛ هذا للدلالة على عدم إعطاء الأولوية لأهمية البحوث والدراسات الإفريقية في هذا الشأن، وبالتالي دعم المركز في هذه المهمة، أضف إلى ذلك ضعف التنسيق على مستوى الأجهزة الاستخباراتية للدول ونقص المعدات اللازمة للجيوش والوحدات الخاصة، ويرجع كل ذلك إلى شحٍّ في الموارد التمويلية للمنظمة.

 وبما أن الدول الإفريقية والاتحاد بحد ذاته يفتقدون إلى بحوث ودراسات حقيقة حول الإرهاب المحلي والدولي الموجود في القارة؛ للوقوف على أسبابها الحقيقة لمعرفة طرق معالجتها، وأن معظم الاستراتيجيات توضع وفق الدراسات الدولية التي أغلبها لا تمت بصلة بالواقع الأفريقي، بل روعيت فيها مصالح القوى العظمى بذاتها، وجد الاتحاد نفسه عاجزاً في بلورة استراتيجية مشتركة وناجحة لوضع حد للعمليات الإرهابية أو التقليل منها، وهذا ما خيب الأمل لعديد من الدول الإفريقية، فبدأ التعويل على الجهود الإقليمية والجهود الدولية خارج إطار الاتحاد الإفريقي.

 

المطلب الثالث: المؤسسات الإقليمية في مكافحة الإرهاب في أفريقيا.

بدأ العمل الإقليمي في القارة الإفريقية بعد استقلال الدول مباشرة، وكان الهدف منها تحقيق التنمية الاقتصادية للدول، حيث كانت هي التحدي الأبرز في أفريقيا آنذاك، تضلعت هذه المؤسسات الفرعية بجانب مهمة التنمية الاقتصادية بالإضافة لمهمات أخرى، حيث وجدت نفسها مضطرة لسد ثغرات منظمة الاتحاد الإفريقي، وفي الآونة الأخيرة أصبح من أكثر الملفات حضورا في أجندة المؤسسات الإقليمية الإفريقية ملفُّ الأمن وسبل تحقيقه؛ كمطلبٍ رئيسي لتحقيق التنمية المنشودة في القارة،  وبما أن الإرهاب أحد أكبر المهددات للأمن الأفريقي ورَّطت المؤسسات الإقليمية نفسها في قضية مكافحة الإرهاب.

في شرق إفريقيا يجتمع 8 دول في منظمة التجمع الإقليمي للتنمية (IGAD) وفي منظمة جماعة شرق أفريقيا   (EAC) (10)، إلا أن الأُولى كان أكثر اهتماماً لملفات الإرهاب، ففي سنة 2006 أطلقت (IGAD)  برنامجاً لمدة أربع سنوات في العاصمة الإيثوبية (أديس أبابا) سماها برنامج بناء القدرات لمكافحة الإرهاب (Capacity Building Program Against Terrorism) اهتم البرنامج ببناء القدرات والثقة في منطقة الشرق الإفريقي، بجانب العمل الجماعي المُركَّز مع الأعضاء في المنطقة والشركاء الدوليين بمختلف المستويات، وركز البرنامج على خمسة عناصر مهمة هي: تعزيز الإجراءات القانونية، العمل لتعزيز التنسيق بين أعضاء المنظمة في مجال مكافحة الإرهاب، تعزيز الرقابة على الحدود، التعاون في مجال التدريب وتبادل المعلومات، وضع إطار استراتيجي مشترك (11).

وفي وسط أفريقيا كان مسرح العمليات الإرهابية في دولتي تشاد وكاميرون باستهداف مباشر من جماعة بوكوحرام، فقرر رؤساء الدول الأعضاء في لجنة حوض وبحيرة تشاد (CBLT) في مؤتمرهم العادي بتاريخ 7 أكتوبر 2014 في نيجر إطلاق قوات خاصة إقليمية لمواجهة الخطر الإرهابي من جماعة بوكوحرام، وتم تحديد تاريخ 20 نوفمبر 2014 لبداية عمل هذه القوات (12) وتأخر تفعيل هذا القرار حتى 20 يناير 2015، حيث أعلنت كاميرون مشاركة 2450 جندي، و أعلنت تشاد مشاركة 3000 جندي (13)، فيما أعلنت دولة بنين إرسال 800 جندي  وبمشاركة من نيجريا والنيجر توقعت الدول أن يصل العدد إلى 8700 جندي، وبدأت هذه القوات بالفعل مطاردة جماعة بوكوحرام وتنفيذ عمليات عسكرية ضد الجماعة.

بينما تنضوي دول غرب أفريقيا تحت مظلة "المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا" وفي داخل المنظمة تضلَّعت لجنة المجموعة (ECOWAS Commission) - وهي إحدى المؤسسات الفرعية للمنظمة- مهمة تحقيق رؤية الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا تجاه السلم والأمن، ويوجد داخل اللجنة قسم إدارة الشؤون السياسية والسلام والأمن (PAPS) وهي المعنية بإدارة ملف الإرهاب داخل المجموعة، ومن أهدافها تعزيز الأمن من خلال المساعدة في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، - بما فيها الإرهاب الدولي- وانتشار الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، والألغام المضادة للأفراد (14)  وفي الاجتماع العادي لدول المجموعة في "دكار" طلب رئيس اللجنة من الرؤساء التفكير في إنشاء قوات إقليمية خاصة للتعامل مع الإرهاب في المنطقة ولم يتلقَّ هذا الطلب خطوات جادة من صناع القرار في المنظمة.

بجانب هذه الجهود الإفريقية من خلال المؤسسات الإقليمية، وهي تُعدُّ قاصرة بالمقارنة مع التحدي الموجود وُجدت مبادرات دوليةٌ أخرى خارج الاتحاد الإفريقي، منها مبادرتان قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية، الأولى هي مبادرة "الشراكة لمكافحة الإرهاب عبر الصحراء" (TSCTP) والتي تأسست عام 2005، وتضم من الشركاء كل من: الجزائر، وبوركينافاسو، والكاميرون، وتشاد، ومالي، وموريتانيا، والمغرب، ونيجيريا، والنيجر، والسنغال وتونس، وقد تطورت هذه المبادرة لتعزيز قدرات الدول المشاركة في ظل الدعم الأمريكي المستمر ومساعدة بعض الدول كالجزائر والمغرب، والمبادرة الثانية هي "الشراكة لمكافحة الإرهاب في إقليم شرق أفريقيا" (PREACT)، وتأسست في عام 2009، بتمويل من الولايات المتحدة أيضا، وتشمل مجموعة من الشركاء هم: جيبوتي، وإثيوبيا، وكينيا، وتنزانيا، وأوغندا، وبورندي، وجزر القمر، ورواندا، وسيشيل، وجنوب السودان، والسودان (15).

فيما أطلق الاتحاد الأوربي مبادرة في 2011 سماها (الاستراتيجية الأمنية والتنموية للساحل)، انطلقت هذه المبادرة بعد أن قتلت القاعدة في المغرب الإسلامي مواطنا فرنسياً، فأنشأ مجلس الشؤون الخارجية للبرلمان الأوربي فريق عمل تمخَّضت منه هذه الاستراتيجية، بمشاركة من المكتب التنسيقي لمكافحة الإرهاب للبرلمان الأوربي.

 وتعتبر هذه الخطوة انتهازية بامتياز، حيث يرجع سبب هذه الاهتمام إلى أن أوربا تنظر إلى منطقة الساحل على أنها منطقة غنية بموارد الطاقة والمعادن، فموريتانيا لها ودائع من المواد الخام من الحديد الذي يحتاج إليه أروبا، والنيجر هي الدولة الرابعة المنتجة لليورانيوم في العالم، ويغطي 8% من الانتاج العالمي، و12% من احتياجات أروبا لهذه المادة، كما أظهر بعض الكشوفات عن ودائع من البترول والغاز على طول تشاد والنيجر وموريتانيا، والآن بدأت أوربا تفكر في سبل استخدام الغاز من نيجريا عبر الأنابيب مباشرة إلى أروبا (16) فكان هذا الاهتمام الأوربي بجانب الاهتمام الأمريكي حلقة أخرى من حلقات صراع النفوذ بين القوتين ووضع السبل الأمثل لامتصاص خيرات القارة.

 

المبحث الثاني: المجموعة (5) للساحل الإفريقي، النشأة والتكوين.

 

المطلب الأول: الساحل الأفريقي الإطار الجغرافي والجيوسياسي.

عند تحديد منطقة الساحل الأفريقي يجب أن نضع في الاعتبار المعيار الجغرافي والمعيار الجيوسياسي والمعيار الاستراتيجي، لأن المنطقة وفق هذه المعايير تتسع وتضيق تبعاً للمعيار الذي تم الأخذ به، ولذا نجد البرامج التي تهتم بالمنطقة تختلف أحيانا في تعريفها وتحديدها.

فمن الناحية الجغرافية يطلق الساحل على الشريط الممتدّ من إريتريا إلى موريتانيا، ويفصل بين أفريقيا الشمالية وأفريقيا جنوب الصحراء، ويشمل كلا من بوركينا فاسو ومالي والنيجر ونيجيريا والسنغال والسودان (17) وهي منطقة قديمة وعريقة تاريخيا، وتطلق أحيانا كلمة الساحل مع كلمة الصحراء (الصحراء-الساحل) لتشمل المنطقة المذكورة بالإضافة إلى بعض الدول من الشمال الإفريقي هي الجزائر وليبيا والمغرب وتونس (18) ومن الناحية الجيوسياسية تعتبر المنطقة ذات أهمية وتأثير مباشر في عدد من الدول المجاورة، ما جعل بعض التعريفات تدمج في المنطقة دولاً مثل غامبيا وغينيا بيساو (19) وفق هذا المعيار يمكن اعتبار كاميرون وساحل العاج وغينيا دولاً ساحلياً لعلاقاتها المباشرة مع دول هذه المنطقة سياسياً وأمنياً.

اعتمدت دول المجموعة (5) للساحل تعريفا ضيقاً للمنطقة، وذلك بالاعتماد على الدول الرئيسية والأكثر تأثيراً فيها، وهي الدول الخمسة التي شكلت المجموعة، (بوركنا فاسو ومالي و النيجر وموريتانيا وتشاد) وهو تعريف أخذ في الاعتبار المعيار الاستراتيجي، ووفق هذا التعريف تبلغ مساحة الساحل 5.097.138 كلم2 ويبلغ عدد المواطنين فيه، 69.161.109 نسمة وفق تقديرات 2015  (20) وإذا ذكر الساحل في هذا السياق تقصد به المنطقة التي تشمل هذه الدول فقط.

 كانت المنطقة ومازالت محور اهتمام دولي كبير، كما شهدت أخيراً صراعاً في النفوذ بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، لأن أغلب دولها تعتبر مستعمرات فرنسية قديماً، لذلك تدعي فرنسا حقها التاريخي المزعوم في المنطقة، بينما أمريكا تسعى هي الأخرى إلى فرض وجودها في المنطقة ونجحت بالفعل في إنشاء قاعدة عسكرية لها في نيجر، وبدأت بالفعل بناء هذه القاعدة التي ستكلفها 100 مليون دولار (21) بينما مازالت فرنسا تسيطر على العمليات العسكرية الجارية في "مالي" باسم عملية "سيرفال" التي بدأت 2013 وحلّت مكانها عملية "برخان" في أغسطس 2014م (22).

وفي السنوات الأخيرة شهد الساحل الإفريقي ظروفا استثنائية صعبة بفعل الإرهاب، حيث ورد في تقرير للمركز الإفريقي للبحوث والدراسات الإرهابية (ACSRT) سنة 2013 أن الغرب والساحل الأفريقي هي المنطقة الأكثر تعرضا للإرهاب في أفريقيا (23) ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل رئيسية، شكلت تلك العوامل ظروفاً مناسبة لإنشاء المجموعة (5) لدول الساحل.

 

المطلب الثاني: ظروف نشأة المجموعة (5) للساحل الإفريقي.

في 16 فبراير 2014 اجتمعت الدول الخمس (موريتانيا، بوركنا فاسو، تشاد، نيجر، مالي) في العاصمة الموريتانية نواكشوط للتوقيع على الاتفاقية المنشئة لهذه المؤسسة، ثم سميت بعد ذلك بـ (المجموعة 5 للساحل)، نسبة لعدد الدول الخمس التي وقعت على هذه الاتفاقية، وهي كلها دول تشكل محوراً أساسيا لدول منطقة الساحل وإن لم تحتضن المجموعة كل دولها كما تم بيانه، وقد نشأت المجموعة في ظروف يمكن حصرها في العوامل الآتية:

1- تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في منطقة الساحل:

بعد سقوط جزء من مالي في أيدي بعض الجماعات المسلحة، وفقدت "مالي" السيطرة على جزء كبير من شمال البلاد، وجد بعض الحركات الإرهابية فرصة لتوسيع عملياتهم، وفي الوقت ذاته وجد الإرهاب ذريعة للتمدد بعد توسيع فرنسا عملياتها العسكرية من خلال عملية "برخان"  فكان ذلك بمثابة تنشيط لبعض الجماعات الإرهابية، كما أنه سرعان ما تقوّت هذه الحركات بفضل الدعم المتواصل من جانب نظيراتها في الساحل والغرب الأفريقي، هذا الدعم تجاوز عمليات التدريب وتقديم المساعدات المالية ليشمل المشاركة الميدانية في مواجهة القوات الدولية، وقد جاء هذا الدعم بالأساس لجماعات مثل "أنصار الدين"، و"التوحيد والجهاد" في غرب أفريقيا كما ظهرت تقارير تشير إلى وجود تفاهمات بين التوحيد والجهاد والقوات الفرنسية (24)  وتعهدت حركة أنصار الدين بمواصلة المعارك ضد الجيش الفرنسي والجيوش الإفريقية المشاركة معه، وذلك بعد خروجها من مدينتي "تمبكتو" "وكيدال" اللتين كانت تسيطر عليهما قبل التدخل.

تصاعدُ وتيرة العمليات الإرهابية كان شاملاً لدول الساحل، حيث ورد في آخر تقرير للمركز الإفريقي للبحوث والدراسات الإرهابية سنة 2014، أن الهجمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء وغرب أفريقيا، ارتفعت من 220 في عام 2013 إلى 254 في عام 2014 فيما وصل عدد الضحايا إلى 6052 شخص، وهي زيادة وصلت إلى 100% بالمقارنة مع العام الذي سبقه (25).

 

 

 

2- التشكُّل الجديد لخارطة الجماعات الإرهابية.

مع الانفلات الأمني في المنطقة، والتغيرات التي حصل في الساحة الإقليمية والدولية، تغيرت معها تلقائيا خارطة الحركات الإرهابية في المنطقة، بتأثيرٍ من تلك التغيرات، وهذا التغيُّر كان في صالح الحركات والجماعات الإرهابية إلى حد كبير، هذا ما جعل أربع جماعات يدخل في تحالف جديد، يُدعى"جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، بقيادة "إياد آغ غالي"، ويضم التحالف "أنصار الدين" (آغ غالي) و"المرابطون" (يتزعمها مختار بلمختار) و"إمارة منطقة الصحراء" (تتبع القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي)، و"كتائب ماسينا" (وسط مالي) (26) انضافت إلى هذا العامل مبايعةُ جماعة بوكوحرام لداعش من جانب، ومن جانب آخر تأسيس حركات أخرى منشقة، مثل داعش الصحراء بقيادة "أبي الوليد"، وهذه الجماعة هي التي تبنت هجمات في كل من بوركينافاسو والنيجر، كما كان للوضع الليبي أيضا أثر مباشر في تكوين خلفية قوية للحركات الإرهابية في الساحل، خاصة مع ظهور داعش ليبيا التي سيطرت على أجزاء من ليبيا منذ نهاية 2014م (27). 

3- فشل بعض المبادرات الإقليمية والدولية.

يؤكد بعض الباحثين (28) أن انتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء هو نتاج تضافر العديد من العوامل، من أبرزها تردَّي الأحوال المعيشية في الدول الأفريقية، والتدخل الأجنبي السافر في شؤون القارة، وانتشار الجماعات التبشيرية بشكل كثيف، وسهولة التنقل بين الدول وبعضها البعض، هذا علاوة على الطبيعة الداخلية، الاقتصادية والعرقية والقبلية، للعديد من الدول التي تشجع على إفراز تنظيمات متشددة، في كل من موريتانيا والجزائر ونيجيريا ومالي، في ظل هذا الانتشار وجدت مبادرات إقليمية ودولية، فيما يخص المبادرات الإقليمية بعضها مجرد تعهُّدات لم تنفذ، كالمبادرة التي تعهدت بها "إيكواس" لإنشاء قوة مشتركة لمكافحة الإرهاب في اجتماعها العادي الـ (49) الذي انعقد في "دكار"، وبعض المبادرات نُفِّذت لكن لم تؤت ثمارها حتى الآن كمبادرة لجنة حوض وبحيرة تشاد (CBLT)، أما المبادرات الدولية فالراجح أنها لم يكن الغرض منها القضاء على الإرهاب بقدر ما أنها اتَّخذت من الإرهاب ذريعة للتدخل في الشؤون الإفريقية وتبرير سياساتها التوسعية والاستعمارية، وليس التدخل الفرنسي وبناء القاعدة الأمريكية في النيجر استثناء من هذا التوجه.

ففي ظل هذه الظروف والعوامل تأتي نشأة المجموعة (5) للساحل، ولا شك أن الاعتبار الأمني كان الأوفر حظا في اهتمامات المجموعة، وتكونت المجموعة من خمسة أجهزة، منها أمانةٌ عامةٌ تنفيذيةٌ، تضلَّعت بالأمور الإدارية للمجموعة.

 

المطلب الثالث: أجهزة المجموعة.

حصرت المادة (6) من الاتفاقية المنشئة أجهزة المجموعة في خمسة أجهزة هي:

- مؤتمر رؤساء الدول.

- مجلس الوزراء.

- لجنة الدفاع والأمن.

- الأمانة الدائمة للمجموعة.

- لجان التنسيق الوطنية.

فمؤتمر رؤساء الدول يتألف من جميع الرؤساء الأعضاء في المجموعة، وهو الهيئة العليا لها، وهو جهاز اتخاذ القرار ووضع السياسات العامة والخيارات الاستراتيجية، كما يضمن إدارة جميع الأعمال السياسية والأمنية للمجموعة، ويجتمع المؤتمر في دورة عادية مرة في كل سنتين، بينما مجلس الوزراء والذي يضم الوزراء المسؤولين عن التنمية، هو الهيئة المسؤولة عن تنفيذ سياسة المجموعة على النحو الذي حدده مؤتمر رؤساء الدول، ويجتمع مجلس الوزراء مرتين في السنة، ولجنة الدفاع والأمن هي المنوطة بالمسائل الأمنية لبلدان منطقة بما فيها مكافحة الإرهاب، وتتألف اللجنة من رؤساء الأركان وضباط الأمن المندوبين من دولهم، ويرأسها رئيس الأركان العامة للجيوش للدولة التي ترأس المجموعة.

ووُكِّلت الأعمال الإدارية إلى الأمانة الدائمة وإلى لجان التنسيق الوطنية، فتكون الأمانة مسؤولة عن رصد وتقييم تنفيذ استراتيجية التنمية والأمن، وعن حشد الموارد المالية لتمويل استراتيجية التنمية المستدامة، وتتألف من فريق من الخبراء ذوي اختصاصات متعددة، فيما تتألف لجنة التنسيق الوطنية أيضا من خبراء وطنيين وتكون مسؤولة عن رصد وتنفيذ البرامج والمشاريع في قطاعاتهم (29).

هذا من حيث التنظير أما من حيث الواقع وممارسات المجموعة فإن معضلة سيادة المجموعة واستقلاليتها تبقى محكاًّ كبيرا في واقع المجموعة، وسيتضح ذلك عندما نورد الدور الفرنسي المشبوه في منطقة الساحل في المطلب الأخير من الدراسة.

 

المبحث الثالث: مستقبل المجموعة (5) للساحل والدور الفرنسي المشبوه.

 

المطلب الأول: تحديات المجموعة.

نشأت المجموعة في إقليمٍ كثُرت فيه المنظمات الإقليمية والبرامج المتنوعة، وأثر فيه التدخلات الدولية الداعية إلى مكافحة الإرهاب، ما جعله منطقة مليئة بالتناقضات إلى حد كبير، ولا يمنع ذلك القول بأن مجرد استشعار القادة مسؤوليتهم، والقيام بطرح هذه المبادرة يمكن اعتباره خطوة إيجابية، إلا أن فرص نجاح المجموعة تكمن في مدى قدرة قادتها على إدارة ملف الإرهاب داخل المجموعة، والتغلب على التحديات الماثلة أمامهم،  ويمكن حصر هذه التحديات في الآتي.

1- التحدي البنيوي.

 التهديد الإرهابي في منطقة الساحل لا ينحصر فقط في هذه الدول الخمسة المنضوية تحت مظلة المجموعة، بل يتعداها إلى دول ساحلية مثل نيجيريا والسنغال وإلى دول مجاورة للساحل مثل كاميرون ساحل العاج، فلو تم استيعاب تلك الدول في المنظمة أو الاتفاق على صيغة أخرى تضع في الاعتبار شمول هذا التحدي لجميع هذه الدول، لكانت بنيةُ وشكلُ المجموعة أكثر قدرة وفاعلية في مكافحة الإرهاب، علما بأن السنغال تربطها بهذه الدول مؤسسات أخرى مثل "اللجنة الدولية المشتركة  لمكافحة الجفاف في منطقة الساحل"، ولا يُستثنى من التهديدات الإرهابية فحركة "تحرير ماسينا" مثلا تدعو لـ"إحياء مجد إمبراطورية ماسينا" التي حكمت ثلاثة بلدان (مالي، والنيجر والسنغال) مع نهاية القرن الـ18، ونفذت الحركة منذ نشأتها 14 هجوما إرهابيا أخطرها كان في فندق "راديسون بلو" واستهدفت فيها سياحا أوربيين (30) بينما ساحل العاج تعرضت بالفعل لعملية إرهابية تبنتها "القاعدة في المغرب الإسلامي" في مارس 2016 واستهدفت فيها منتجعا سياحيا (31) فمن غير المتصور أن تنجح الدول الخمسة في إقصاء الإرهاب من المنطقة؛ في حين تكون في الدول المجاورة ثكناتٌ وخلفياتٌ لانطلاق عمليات ارهابية تستهدف المنطقة بأكملها.

2- التحدي الموضوعي.

من الناحية الموضوعية ذكرت المجموعة في الاتفاقية المنشئة لها أهدافها الخاصة بها (32) ويأتي في مقدمة هذه الأهداف تحقيق الأمن في المنطقة من خلال إيجاد استراتيجية التدخل العسكري في مواجهة الجماعات الإرهابية، وفي هذا إشارة واضحة إلى تبني الخيار العسكري لمكافحة الإرهاب، كما أن البرامج التي قدمتها المجموعة منذ نشأتها ركزت في الجانب العسكري، ولا أحد يشك في أهمية هذا الخيار، ولكن يجب أن لا يكون هناك انتقاء في آليات مكافحة الإرهاب، ومن الضروري استصحاب العوامل الأخرى، كالمشاكل الاقتصادية والسياسية ولاجتماعية التي تغذي الفكر الإرهابي، مع وضْع برامج أخرى منسجمة مع هذه العوامل.

3- التنافس الإقليمي.

التعدد غير الرشيد أو المنضبط للمنظمات الإقليمية يؤدي إلى تفتُّت الصف الإفريقي لتباين المصالح الاقتصادية والسياسية وتنافسها وصعوبة التنسيق بين الشبكة المتشعبة لمصالحها وأنشطتها، بالإضافة إلى أنه كلما ازداد عدد المنظمات التي تشترك فيها دولة معينة، كلما قلت درجة التزامها تجاه المنظمات الأخرى، وهذا من أكبر المشاكل التي تعاني منها أفريقيا، حتى يرجح البعض أن إنشاء بعض المنظمات ليس إلا للتسابق في تلقي الدعم الدولي من المانحين، فإذا أرادت المجموعة استئصال جريمة الإرهاب في المنطقة، يجب أن تنآى بنفسها عن الدخول في تنافس إقليمي مع المنظمات الأخرى، وتستحضر مسؤوليتها الأساسية في القضاء على الإرهاب.

 

المطلب الثاني: الدور الفرنسي المشبوه في منطقة الساحل.

من الواضح أن فرنسا تضع عينها دائما على أفريقيا، وهي تلعب في كل الأوراق وخاصة إذا تعلق الأمر بمنطقة الساحل أو الغرب أو الشمال الإفريقي، حيث مازالت حتى الآن تريد الاحتفاظ بنفوذها في هذه المناطق، وخاصةً في ظل مزاحمة الولايات المتحدة الأمريكية لها في المنطقة، لقد لعبت فرنسا دورا أساسيا في إنشاء المجموعة، فأول من باركها بعد إنشائها هو الجنرال الفرنسي "بيير دفيي" بعبارته المشهورة "الوقت المناسب لتحسين الوضع الأمني في الإقليم" (33) وعلى غراره أيضا استبشر المجلس الأوربي خيراً بميلاد المجموعة، كما كان الإعلان الرسمي لتشكيل قوات المجموعة البالغة 5000 جندي في 2 يوليو الماضي في "بماكو" عاصمة "مالي" بحضور الرئيس الفرنسي "إمانويل مكرون" مع الرؤساء الأعضاء في المجموعة (34).

  وبعد إنشائها بستة أشهر قامت فرنسا بإعلان نهاية عملية "سيرفال" وإبدالها بعملية جديدة اسمها "برخان" لم تكن نهاية العملية بإرادة من الحكومة المالية كما تدّعي فرنسا، بل كانت فقط  للتكيف مع الوضع الجديد، والتوسع في سيطرتها على الإقليم، فعملية "سيرفال" كانت تقتصر في مالي، بينما عملية "برخان" أعادت فيها فرنسا توزيع جنودها وقواعدها العسكرية في دول المجموعة الخمسة، ويبلغ عدد هذه القوات الفرنسية 4000 جندي أي ما يساوي تقريبا عدد القوات الخاصة للمجموعة مجتمعة، ويقود هذه القوات جنرال فرنسي مقيم في مقر له في تشاد، ويستند مخطط هذه القوات على ثلاث نقاط دعم رئيسية "غاوو" في مالي و"نيامي" في النيجر و"نجامينا" في تشاد وستِّ قواعد مؤقتة متقدمة في (كيدال، وتيساليت، وأغلال، ومداما، وفايا، وأبيشي) وثلاث نقاط للدعم البحري في "دكار" و"أبيدجان" و"دوالا" (35). 

يوجد لفرنسا حضور مكثف ومؤثر في المجموعة، فتحضر اجتماعات الجنرالات الخمس للمجموعة وكان آخرها في 17 أبريل 2017 في تشاد، كما تشارك في العمل مع اللجان التي هي المسؤولة عن وضع الخطط والاستراتيجيات ضد الهجمات الإرهابية، وتخطيط عمليات مشتركة (36). 

 في 20 مايو 2014 كان تبني الوزراء الداخلية للدول الخمس إعلان نواكشوط بحضور وزير الداخلية الفرنسي "برنارد كازنف"، وكان الإعلان يدعو إلى تسهيل تبادل المعلومات في المجال الأمني وإدارة الحدود، وفي الفترة من 20 إلى 27 ديسمبر 2014 تم تنفيذ أول عملية عسكرية للمجموعة باسم "عملية Mangouste " (37) وكانت بمشاركة القوات الفرنسية الموجودة في عملية "برخان"، وبقيادة من القاعدة العسكرية الفرنسية البرية في "مداما".

والمثير في الأمر أن هذه التوظيف الفرنسي للمجموعة تم إقراره في وثيقة تحت عنوان "خارطة الطريق لتعزيز الحوار والتعاون بين المجموعة (5) للساحل والاتحاد الأوروبي"  حيث وردت فيها أن آلية التعاون بين المجموعة والاتحاد الأوربي يرتكز في الآتي:

- مشاركة الاتحاد الأوربي في القمم التي تقيمها المجموعة.

- لقاءات سنوية بين الوزراء الخارجية للمجموعة والممثل العليا للاتحاد للشؤون السياسية والخارجية والأمنية.

- المشاركة المحتملة حسب الموضوعات لأعضاء اللجنة الأوربية في لقاءات المجموعة (38).

هذا التوغل الفرنسي الذي وصل إلى درجة التحكم على المجموعة، قد يثير شكوكا في مدى استقلالية المجموعة، وقد يجعلها آلة في يد فرنسا، أو مجرد واجهة أخرى لعملية "برخان" كما يزيد التعقيد أيضا في المنطقة، لأن حسابات وأولويات فرنسا في المنطقة تجعل التحالف معها في هذا الشأن من قبيل التناقض، أضف إلى ذلك أن التحكم الفرنسي لعمليات المجموعة ستساهم في  تحفيز الجماعات الإرهابية الموجودة في المنطقة لتزيد من حملاتها الهجومية ضد دول المنطقة.

 

خاتمة:

 وصلت جريمة الإرهاب إلى مستوى غير مسبوق في أفريقيا، وهي الآن تهدد حاضر القارة ومستقبلها، وهذا ما توصل إليه صناع القرار في القارة، إلا أن حماسهم في استدراك القارة من الوقوع في الإفلاس بسبب الإرهاب لم يترجم فعليا في برامج عمل ذات فعالية تكون على مستوى التحدي الموجود، والجهود الموجودة ينقصها أبسط شروط النجاح، حيث لا يخلو أغلبها من الارتجال وتكرار التجارب السابقة، بالإضافة إلى الاعتماد الزائد والتبعية غير المبررة للغرب، كما يرجع الفشل الذي مني به الاتحاد الافريقي والمؤسسات الإفريقية في مكافحة الإرهاب إلى البناء الهش لهذه المؤسسات، وفشلها في تلبية متطلبات التنمية وبناء دولة المؤسسات، ثم القضاء على الصراعات ذات الأبعاد المختلفة في القارة.

كان الأمل -ومازال- هو أن تصنع المجموعة (5) للساحل فارقاً في تعاملها مع ملف الإرهاب، وذلك بتبني نهج وتجربة مختلفة عن التجارب السابقة، إلا أن الخلل البنيوي للمجموعة، واعتمادها الكبير على القوى الدولية خاصة فرنسا، شكل مصدرا للتوجّس والشكّ في مدى قدرة المجموعة على الالتزام بتعهداتها في خلق بيئة أمنية خالية من الإرهاب وآثاره.

 

الهوامش والإحالات :

(*) كاتب وباحث في الشؤون الأفريقية والدولية - السنغال

(1) محمد بسيوني، الإرهاب الأسمر: خريطة الجماعات الإرهابية في أفريقيا، www.ida2at.com  3/5/2016

(2) مذكرة الرئيس بوتفليقة بشأن آفاق منع ومكافحة التطرف العنيف والإرهاب في أفريقيا، وكالات الأنباء الجزائرية، 03  يوليو 2017

(3)  African Centre for the Study and Research on Terrorism (ACSRT), The African union terrorism situation analysis report (AU-TSAR) 2014 January-December 2014, p 15

 (4) Yonah ALEXENDER, Terrorisme in north Africa and the sahel in 2016, March 2017, p 8

  (5) محمد بسيوني، الإرهاب الأسمر ، مرجع سابق.

  (6) تقريـر الأمين العام عـن الأعمال الـتي تــضطلع بها الأمــم المتحــدة لمساعدة الدول والكيانات الإقليميـة ودون الإقليميـة في أفريقيـا في مجـال مكافحة الإرهاب، 9 يناير 2014  3/31

  (7)Joseph Léa NKALWO NGOULA, L’Union Africaine à l’épreuve du terrorisme : forces et challenges de la politique africaine de sécurité Cameroun, avril 2016, p 4

(8)   Pascal DE GENDT, L’Union Africaine face aux défit du continent, analyses et etudes politique international,  2016 p 12

 (9) Mathieu OLIVIER, Kadhafi, Obiang, Mugabe… ces présidents de l’Union africaine qui font polémique, http://www.jeuneafrique.com, 02 février 2015

(10)  Camilla ELOWSON and Adriana Lins de ALBUQUERQUE Challenges to Peace and Security in Eastern Africa: The role of  IGAD, EAC and EASF, Studies  ın African security, February 2016, p 1

 (11) Patrick KİMUNGUYİ, Terrorism and counter terrorism in East Africa, Research Fellow, Global Terrorism Research Centre and Monash European and EU Centre Monash University, p 14

(12)  Germain Herve Mbia YEBEGA, Terrorisme et contre terrorisme en Afrique Centrale Quelle vision strategique pour le Tchad et le camerou? Etude Prospective et Strategique, Ministere de la defense, Belgique, Janvier 2015, p 13

 (13) Jeanine FANKAM, Commission du bassin du lac Tchad, La force multinationale parée contre boko haram, http://www.camerpost.com 18 -8-2015

(14)  Camilla ELOWSON and Justin MAC DERMORT, ECOWAS Capabilities in Peace and Security, a scoping study of progress and challenges, Swedish defense Research Agency, defense Analysis, December 2010, p 31

 (15) أميرة عبد الحليم، أفريقيا في تقرير الخارجية الأمريكية حول الإرهاب 2016 ... قراءة نقدية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية   http://acpss.ahram.org.eg    8-8 2107

 (16) Une stratégie cohérente de l’EU pour le sahel, Direction général des politiques externes, Département Thématique, p 9

(17)  Virginia SMİTH, The Sahel region, February 7th, 2008, p 1

 (18) Cahiers de l’Afrique de l’ouest atlas du Sahara-Sahel, Géographie, Economie, et Sécurité p 2

(19)  Marcel  KITISSOU, France and the United States  in western Sahel : cooperation and competition in an interlocking conflict, Cornell Institute for African Development, October 28-29, 2016, p 5

 (20)  Stratégie pour le développement et la sécurité des pays du G 5 Sahel, Secrétariat permanant, septembre 2016, p 13

(21)  Etats-Unis : Une base américaine au Niger, http://www.bbc.com, 30 septembre 2016.

(22)  L’opération militaire française au Mali et au Sahel en chiffres, http://www.jeuneafrique.com,  20 mai 2017

(23) The African union terrorism situation analysis report, African Centre for the Study and Research on Terrorism (ACSRT), January-December 2013, p 25

(24) أميرة عبد الحليم

(25)  African Centre for the Study and Research on Terrorism (ACSRT), The African union terrorism situation analysis report  (AU-TSAR) 2014 January-December 2014, p 71

(26)     تسع جماعات إرهابية رئيسية تزرع الرعب شمالي وغربي إفريقيا، وكالة الأناضول، 21.03.2017 

(27)   داعش" في إفريقيا.. فروعها ومبايعوها وأنصارها وكالة الأناضول  17.11.2015   

(28)  مادي إبراهيم كانتي، الإرهاب الأفريقي، https://futureuae.com 05 /09/2015

(29)  انظر إلى الاتفاقية المنشئة للمجموعة المواد 7-8-10-13-14

(30) أبوبكر دهماس، جبهة تحرير ماسينا.. جهاديو فولان يبحثون عن "الإمبراطورية الضائعة"  https://www.alaraby.co.uk 7 مايو 2016

(31) Côte d'Ivoire : au moins 16 morts dans des attentats revendiqués par le groupe Aqmi, http://www.leparisien.fr, 13 mars 2016

(32) انظر الاتفاقية المنشئة للمجموعة 5 الساحل المادة 4

(33)  General Pierre de villiers, propos tenus devant l’assemble national France 7 octobre 2014

(34)  Dossier de Presse – Opération BARKHANE minister des armes France– Juillet 2017 p 4

(35)  Dossier de Presse p 14-16

(36)  Antonin TİSSERON, G 5 Sahel: une simple organisation de plus? 25 mars 2015 Bruxelles p 2

(37)  TİSSERON p 2

(38)  Feuille de route pour renforcement des dialogues et de la coopération entre le G 5 Sahel et l’Union européenne, p 5

 

 

كتاب الموقع