أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

جنوب السودان : أحد إخفافات الأمم المتحدة .. لا تُبنى دولة بالرشوة والتهديدات

هذه اهانة عظيمة وهذا يصيبني بالجنون’، قال اليكس روندوس، رئيس وفد الأمم المتحدة للمحادثات بين المتمردين وحكومة جنوب السودان في أديس أبابا. كنا نقف في حديقة الشيراتون في حين كان ممثلو المتمردين وممثلو الحكومة في اللوبي وراءنا بالقرب من الموائد المختلفة يتلذذون بكل أطايب الفندق الفخم. ‘لا يهمهم أن يجلسوا هنا في وقت يقتل فيه الناس هناك في جنوب السودان. سيأكلون ويشربون ويطيلون المحادثات ويقدمون إلي الحساب آخر الأمر’ ، .. لكن هذا مال قليل، قلت. : ‘إذا فكرنا في كل المليارات التي أنفقناها في جنوب السودان في العشرين سنة الأخيرة’، قال روندوس في استهزاء.

يوجد شيء يثير الحب في روندوس وهو يوناني من أثينا له خصلة شعر بيضاء آسرة يشتغل بتسوية الصراعات والتقريب بين وجهات النظر والتفاوض منذ سنوات غير قليلة. وهو يعرف إفريقيا وجنوب السودان من قريب. وهو أيضا لا ينكر أن جنوب السودان اختراع الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة. وقد يكون المكان الوحيد على وجه البسيطة الذي بُذل فيه جهد مركز بهذا القدر مدة سنوات كثيرة وأُنفقت مبالغ ضخمة لإنشاء دولة منه. وكان يفترض أن تكون دولة يحتذي عليها فُكر فيها وخُطط لها ونُظمت لكن حينما نشأت انهارت في أقل من ثلاث سنوات أو حتى في سنتين إذا كان الحساب من تموز 2011 إلى أن تمت إقالة نائب الرئيس في تموز الأخير.

جئت إلى السودان لأول مرة في 1996. وكان الجنوب آنذاك جزءا من السودان الكبرى وكانت العاصمة الرسمية هي الخرطوم. لكن العاصمة الحقيقية كانت في لوكيشوكيو وهو مخيم الأمم المتحدة الضخم في شمال كينيا غير بعيد عن بحيرة توركانا.

فمن هناك أديرت شؤون جنوب السودان ومن هناك أدار ساسة جنوب السودان العلاقة بجيش تحرير جنوب السودان. وآنذاك كانت يوجد في أنحاء جنوب السودان 36 فقط من العاملين في منظمات الإغاثة مفرقين في مخيمات قليلة وكانت طائرات كرفان تصلهم بلوكيشوكيو التي كانت هي العالم.

كان جنوب السودان آنذاك بعيدا ومعزولا. وفي الليالي كانت تأتي قاذفات أنتونوف وتلقي براميل متفجرات على قرى الجنوب، تضاف إلى التهديدات العادية من ذباب التسي تسي، وديدان من أنواع مختلفة والملاريا.

وقبل بضع سنوات في 2006 أصبح الجنوب ذا حكم ذاتي فعلي، وانتقلت منظمات الإغاثة والأمم المتحدة في مقدمتها واستقرت في جوبا، وأصبحت جوبا فورا من أكثر الأماكن غلاء في العالم، فقد جاء كل شيء من الخارج وحددت جميع الأسعار بالدولار وكانت غرفة قذرة في حاوية تكلف مئات الدولارات.

وقد زرت جوبا في المرة الثانية في كانون الثاني 2011، قبل ثلاث سنوات، في استفتاء الشعب الذي قضى بصورة لا لبس فيها بانفصال الجنوب مع كل قبائله الإفريقية، عن الشمال العربي المسلم الأبيض نسبيا. وأجريت آنذاك سلسلة أحاديث متفائلة مع شباب في جوبا ومع نائب الرئيس البسام الودود ريك متشار الذي يختبئ في هذه الأيام في منطقة جوبا. كان ريك دائما حبيب وسائل الإعلام، هذا إلى أنه كانت له زوجة انجليزية قتلت قبل سنوات وله الآن مع زوجة افريقية، زوجة أمريكية أيضا.

ونعود إلى الفندق في أديس أبابا. ‘ما الذي يقوله ذلك عن جنوب السودان؟’، تساءل اليكس روندوس، ‘هل أن كل أمر السيطرة العربية الإسلامية على الجنوب الأسود الإفريقي المسيحي كانت اختراعا في الحاصل العام؟ ألم تكن مشكلة جنوب السودان في الحقيقة هي سيطرة الشمال؟’. ولم تنبه بشيء على سيطرة المسيحية على جنوب السودان الذي كان وثنيا قبل عشرين سنة وجرى عليه عملية تنصير لتمييزه عن الشمال ومنحه ‘ثقافة’.

يعلم من يعرف المكان قليلا أن ما يحدث فيه هو صراع قوة بين سائسين يريدان القوة والمال. وسيضحيان بكل من وما يجب التضحية بهم للحصول على ذلك. ولما كانا لم يستدخلا المسيرة الديمقراطية التي أُدمج فيها مقربون بحسب القانون وبحسب نظم الآداب والنفاق الدولي، فانهما يفعلان ذلك كما هي العادة في إفريقيا أو في أفغانستان أو في العراق أو في سوريا.

إن جنوب السودان واحد من الإخفاقات الكبرى التي منيت بها الأمم المتحدة منذ تأسيسها وقد يكون أكبرها. فان فكرة أنه يمكن بالمساعدة والضغط والرشوة والتهديدات والوعود، تأسيس دولة وإرغام دولة مستقلة على التخلي عن جزء غني من أرضها وجزء من سكانها وإنشاء دولة جديدة كانت كما يبدو كبيرة جدا من بدئها وتفجرها متوقع.

في تموز 2011 ولدت الدولة الجديدة بفرح عظيم. وهي دولة تكلف الفنادق في عاصمتها بين 100 دولار إلى 400 دولار لكل ليلة. ولا يوجد فيها شارع واحد مناسب، ولا يوجد عمل لمواطنيها، ويذكر الفساد والبيروقراطية فيها بإمبراطوريات عمرها 500 سنة، ولا توجد فيها بني تحتية وتعمل فيها مولدات كهرباء من كل حجم ونوع طول النهار وطول الليل.

في تموز 2013 أقال الرئيس سلفاكير نائب الرئيس ريك متشار وطائفة من الوزراء والساسة المقربين منه. وقبل نحو من ثلاثة أسابيع تمرد المبعدون تمردا ظاهرا على النظام ووقعت معارك شوارع في جوبا بين مؤيدي الحكومة ومؤيدي ريك. وأفادت الأمم المتحدة قبل أسبوعين أن عدد القتلى يقف على ألف إنسان، لكن القتال قوي في الدولة منذ ذلك الحين. وقدرت منظمة مواجهة الأزمات الدولية (آي.سي.جي) في هذا الأسبوع أن عدد القتلى في الصراع في جنوب السودان بلغ 10 آلاف. وجاء أيضا أن القتال يجري في 30 موقعا مختلفا.

ما الذي حدث إذا، وكيف حدث؟ عرضت هذين السؤالين على سلفاكير رئيس جنوب السودان، وهو من قبيلة دنكا، حينما جلسنا لحديث في قصر الرئاسة في جوبا. إن القبائل الثلاثة الكبرى في جنوب السودان هي دنكا ونوار التي ينتمي إليها مشار، وشاي لوك. ‘عرفنا أن مشار يخطط للمؤامرة ولهذا كنا مستعدين. انه لا يقبل قراراتنا الدستورية. وقد قال من قبل انه سينافس في انتخابات الرئيسة في 2015 وإذا لم يفز فسيفعل كل شيء ليكون رئيسا’.

 

ويزعم رجال مشار في مقابل ذلك أن الإقالة غير قانونية. إن ريك مشار غير موجود في جوبا منذ بدأ القتال. وتسيطر فرقة موالية له وعصابة مسلحة محلية من نوار تسمى ‘الجيش الأبيض’ على عدة أقاليم من بور القريبة نسبيا من جوبا (200 كم إلى الشمال) حتى بنتيو على الحدود مع السودان.

حاول الجيش الاستيلاء على بور قبل بضعة أيام ووقع في كمين فانسحب. والوضع في بنتيو غير واضح، وفي حديث مع الرئيس قال انه أمر المفاوضين في أديس أبابا أن يتوصلوا قبل كل شيء إلى وقف إطلاق النار. ولم يقل الرئيس هل سيوافق على الإفراج عن الساسة الذين يؤيدون ريك مشار، الذين سجنهم والإفراج شرط من الشروط الأساسية لأنصار ريك الذين يخشون على سلامتهم.

في أيام الشغب الأولى قتل أكثر من ألف إنسان، الكثرة الغالبة منهم مواطنون من أبناء نوار. وفي أنحاء جوبا جرح آلاف آخرون ووجد كثيرون من نوار ملاذا مؤقتا بصفة لاجئين في مدينتهم في مخيم الأمم المتحدة.

قام سلفاكير بإجراءين سريعين لعزل ريك مشار. فقد وافق على أن يرسل البشير، وهو الرئيس السوداني من الخرطوم قوات للدفاع عن حقول النفط (وتخلى بذلك عن سيادة جنوب السودان التي حارب عنها عشرات السنين في ظاهر الأمر وطلب وحصل على مساعدة من الجيش الأوغندي، الذي قصف مواقع المتمردين بالقرب من الحدود. بيد أن الزعزعة في الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة كبيرة جدا حتى أن الولايات المتحدة أعلنت في يوم الجمعة بأنها ستعلق المساعدة لجنوب السودان.

والدولة لا تقوم على رجليها وكذلك تتساءل منظمات الإغاثة ما الحاجة إلى مدينة أنشأتها هي نفسها بالقرب من جوبا في 2006. وما الحاجة إلى كل عاملي الفريق الذين تنفق عليهم في جنوب السودان وهم يعولون الاقتصاد المحلي، إذا كانت النتيجة هي هذه؟ إن المشكلة بالطبع هي انه يجب إنقاذ المواطنين البسطاء والطريقة الوحيدة التي يمكن بها إنقاذهم هي التعاون مع الساسة الفاسدين. اجل إنها دولة أمم متحدة يحتذى عليها.

‘ربما يجب علينا أن نفكر بصورة عملية لا قانونية’، قال روندوس في حديقة الشيراتون، ‘هذه مشكلة الاتحاد الإفريقي، وقد يضطر الاتحاد إلى التفكير في إرسال قوات للتدخل فيما يجري هنا كما في الصومال وأماكن أخرى. فكر في دول مثل إثيوبيا أو كينيا لها جارة مثل الصومال، هل تحتاج إلى مكان آخر كهذا على حدودها؟’.

وحينما عرضت مسألة الغزو المحتمل لتحالف الدول الإفريقية. قال سلفاكير في حذر إن الالتزام الإفريقي هو الدفاع عن نظم حكم مكلفة والقضاء على أعمال تمرد لا مساعدة المتمردين على الخصوص. لكن هل عمل الرئيس سلفاكير بحسب القانون؟ يبدو أنه لم يفعل. فقد هرب 17 ألف من أبناء نوار من أماكن سكنهم في أنحاء جوبا ووجدوا ملاذا في مخيم الأمم المتحدة الكبير بالقرب من المطار وهو مخيم لاجئين خالص مع أسوار وجنود من رواندا والهند وسيريلانكا وأوكرانيا يحمون من يهربوا.

يوجد في جوبا منع تجول يبدأ من السادسة مساءا، لكن في كل مساء جلست فيه على النيل مع البعوض كان يمكن أن اسمع إطلاق النار.

وسألت الرئيس عن التطهير العرقي الذي سمعت أن الجيش قام به. ‘في زمن محاولة الانقلاب داهموا (المتمردون) مخزن سلاح كبيرا وسرقوا سلاحا وملابس عسكرية. وهم يلبسون الملابس العسكرية ويستعملون سلاح الجيش لكنهم ليسوا جنودا’، أجاب. ربما.

وحدثني آخرون أن الدنكا يمسكون بكل واحد من نوار يعرفونه ويقتلونه وأنهم أمس عند مدخل الفندق الذي أسكنه امسكوا بواحد وحينما حاول أن يجد ملاذا في احد البيوت جروه وقتلوه.

وعدت وسألت الرئيس عن أعمال القتل. ‘إما أنك تكذب وإما أن من يحدثك هو الكاذب’، قال. ‘يوجد جنود في حرس الرئاسة هم من نوار وتستطيع أن تجري مقابلات معهم. وكان أربعة منهم من بنتيو. قالوا إنهم جنود الحكومة وسيحاربون المتمردين حتى آخر قطرة دم من دمائهم. وسألتهم ألا يخشون التجول في شوارع جوبا فقالوا إن الملابس العسكرية تحميهم وانه لن يمسهم احد وهم يلبسون اللباس العسكري’. وماذا يكون بغير الملابس العسكرية؟ ‘لا نستطيع أن نجيب عن ذلك’، قال.

ماذا سيكون مصير جنوب السودان إذا؟ يعلم الطرفان أنهم لا يستطيعان الانتصار لان مشار له تأييده القبلي وتأييد سياسي من جهات أخرى أيضا، ولسلفاكير الجيش الموالي له. وتوجد إلى جانب الرئيس الخرطوم وأوغندا لكن الأمم المتحدة لا تثق في الحقيقة ببراءة قصده ونيته.

وفي مقابل ذلك لا يريد احد أن يعلن فشل مشروع جنوب السودان ولهذا سيتحادث ممثلو الإدارة والمتمردين إلى أن يتفقوا على العودة إلى الحكومة نفسها عوض سلة وعود وإغراءات وان يكون للدولة شبه صورة ديمقراطية وان يستمر النيل في الجريان بالفعل وان يرسل الساسة أبناءهم للدراسة في الخارج وألا يتعلم أكثر الباقين ولا ينسون.

 

 

 

كتاب الموقع