أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

"تنظيف " السياسة الإفريقية

 

إذا استخدمنا مفهوم النظافة كما ورد في معاجم اللغة العربية بمعنى التطهير من الدَّنس والأوساخ، وكذلك العفة والأمانة، وما تقضيه من طهارة اليد؛ فإن السياسة الإفريقية تحتاج منذ زمن طويل إلى عملية تنظيف مستمرة.

وأحسب أن الكلمة الإنجليزية المستخدمة في عالم الطب hygiene تقتصر على المعنى المادِّي المتمثل في نظافة الشخص وبيئته بما يحافظ على الصحة العامة، والحماية من الأمراض.

لقد ظل يوم السادس من مارس عام 1957م يُمثِّل من حيث دلالته الرمزية نقطة تحوُّل فاصلة في التاريخ الإفريقي المعاصر؛ حيث أضحت مستعمرة ساحل الذهب دولة مستقلة تحمل اسم غانا. وعلى الرغم من أن بعض الدول في الشمال الإفريقي مثل السودان وتونس والمغرب كانت أسبق في الحصول على استقلالها عام 1956م فإن النموذج الغاني وضع الأساس الذي سارت على هديه المستعمرات البريطانية والفرنسية حتى تحققت المملكة السياسية لنحو سبع عشرة دولة إفريقية عام 1960م.

وعليه فقد كانت الأجواء في إفريقيا مفعمة بالآمال بعد التحرُّر من نَيْر الاستعمار الغربي. وكان على النخبة ‏الإفريقية الوطنية أن تعمل جاهدةً من أجل تدعيم ركائز قوتها السياسية. بَيْدَ أنَّ التحدِّي الأكبر الذي واجه الدولة ‏ما بعد الاستعمارية في إفريقيا قد تمثَّل في إشكالية تحويل بنيتها الهيكلية، التي قامت على أساس التخصُّص في ‏إنتاج المواد الأوليَّة، وتطوير اقتصادها الوطني، من خلال تنويع قطاعاته المختلفة لتحاكي تلك الموجودة في ‏الدول المتقدمة.‏

وإذا كانت الدول الآسيوية قد واجهت نفس التحديات إلا أنَّ النتيجة في كلا الحالتين لم تكن واحدة. فالتجارب ‏الآسيوية في التنمية تُظهر نجاح دول شرق وجنوب شرق آسيا في تحقيق قفزات اقتصادية هائلة بحيث أصبح ‏العالم اليوم يتحدث عن قصص نجاح آسيوية كبرى. أما حالة إفريقيا فإنها أكثر تعقيدًا؛ إذ يبدو أن دولها تحرَّكت ‏وهي في وضع الوقوف على أحسن الأحوال، أو أنها تحركت إلى الوراء في الأغلب الأعم.‏

ولعلَّ مقارنة حالة غانا وكوريا الجنوبية؛ حيث كانا على نفس الدرجة من النموّ الاقتصاديّ في أعوام الستينيات ‏من القرن الماضي، تُظهِر حقيقة الفجوة التي حدثت لاحقًا بين التجربتين الآسيوية والإفريقية؛ ففي عام 1965م ‏كان معدَّل كل من الدخل الفردي والصادرات لكل شخص في غانا أعلى مما هو عليه في كوريا. بَيْدَ أنَّ ‏الصورة سرعان ما تغيَّرت تمامًا، وانقلبت الأمور رأسًا على عقب؛ إذ بحلول عام 2000، كان نصيب الفرد من ‏الناتج القومي الإجمالي الكوري أكثر  بنحو عشرين مرة من غانا.

وعلى الرغم من أن نيجيريا قد حصلت على  ‏أكثر من 600 مليار دولار من عائداتها النفطية منذ بدء الإنتاج في أعوام الستينيات فقد أظهرتقرير بنك التنمية ‏الإفريقي (عام 2018م) أن نحو  80٪ من النيجيريين يعيشون بأقل من دولارين  يوميًّا. ويذهب البعض  إلى ‏القول بأن ما يصل إلى نحو  400 مليار دولار قد نُهِبَتْ من الأموال العامة النيجيرية على مرّ السنيين.

 

ولعل ‏ذلك الوضع يطرح سؤالاً منطقيًّا مفاده لماذا تقدمت آسيا وتأخرت إفريقيا؟

في عام 1988م أعاد المفكر الفرنسي المعروف رينيه ديمون إصدار كتابه المعنون "البداية الخاطئة في إفريقيا"؛ ‏حيث وصف فيه حالة فشل الأنظمة الوطنية في الدول الإفريقية في تحقيق التنمية والنهضة المنشودة، وهي ‏الغاية التي مثَّلت أجندة مرحلة ما بعد الاستقلال. لقد كانت التنمية مخيبة لآمال وطموحات الشعوب الإفريقية ‏حتى إنه نُظِرَ إلى أعوام الثمانينيات من القرن المنصرم باعتبارها عقدًا ضائعًا للتنمية الإفريقية.

ولعل تلك ‏البداية الخاطئة تتكرر عند متابعة وتقويم خبرة أكثر من عقدين من التحوُّل الديمقراطي في إفريقيا؛ إذ لا تزال مجموعة كبيرة من الدول الإفريقية بعيدةً كل البعد عن بناء مؤسَّسَات ديمقراطيَّة حقيقية رغم وجود إصلاحات سياسيَّة ‏واجتماعيَّة تنال من أُسُس التسلُّط والاستبداد. فثمة انتخابات تعدُّدية، وتنافس حزبي، ومؤسَّسات ذات طابع ‏ديمقراطيّ، ودرجات غير مسبوقة من الانفتاح السياسي. ورغم ذلك فإنَّ بعض الدراسين ممن نحوا منحى كارل ‏شميتر يصف تلك التحوُّلات الليبراليَّة بأنها زائفةٌ وغير حقيقيَّة.‏ ولعل ذلك يستدعي ضرورة إعادة تنظيف السياسات التنمويَّة في إفريقيا.

ولا تزال إفريقيا تعاني من صراعات اجتماعية ممتدة كتلك التي تشهدها السودان والكونغو الديمقراطية، وإفريقيا الوسطى، وبوروندي، أو حالة ‏الاحتقان الشديدة التي تشهدها الكاميرون. ولم يقف الأمر عند هذا الحد؛ إذ ظهرت صراعات أخرى جديدة ‏اختلفت من حيث حدّتها وكثافتها، كما حدث في ساحل العاج عام 2002م عندما شهدت البلاد نزاعًا مسلحًا أفضى ‏إلى انقسامها من الناحية الواقعية إلى قسمين.

وقد ازدادت الأمور سوءًا بعد ظاهرة عسكرة السياسة مرَّة أخرى ‏لتصبح أحد أبرز ملامح التطوُّر السياسي في القارة السمراء.‏

 

وفي تفسيره لأزمة إفريقيا المستعصية؛ يَطرح المفكر الجنوب إفريقي موليتسى مبيكي عاملين أساسيين يساعدان ‏على الفهم والتفسير؛

أولهما : يتمثل في سوء إدارة النُّخَب الوطنيَّة الإفريقية الحاكمة للفائض الاقتصاديّ في ‏مجتمعاتها على مدى العقود الستة الماضية.

والآخر يتمثَّل في عمليات السلب والنهب التي تقوم بها القوى ‏الدولية لموارد إفريقيا وثرواتها الطبيعية. فقد قامت النُّخَب الحاكمة في الدول الإفريقية بعد الاستقلال وبمساعدة ‏من الدول الغربية، باستغلال قوتها السياسية الطاغية من أجل تحسين أوضاعها المعيشية والوصول بها إلى ‏حالة تضاهي وضع الشرائح الاجتماعية العليا في الغرب.‏

لقد لجأت الدولة الإفريقيَّة ما بعد الاستعماريَّة إلى فرض الأيديولوجيَّة التنمويَّة التي تقوم على ترابط العمليتين ‏السياسية والاقتصادية. كما أنها احتفظت بكثير من ملامح الفترة الاستعماريَّة، ولا سيما سياسات القمع والإكراه ‏الماديّ. وكان واضحًا أنَّ "التنموية" هي مجرد تبرير للتسلطيَّة والطغيان السياسي.‏ وعليه فإنَّ أغلبية الشعب ممن تمَّت تعبئتهم ضدَّ الاستعمار أصبحوا بمعزل عن المشاركة السياسيَّة الحقيقيَّة، ‏كما أنَّ مؤسَّسَات المجتمع المدني المتمثلة في الأحزاب والنقابات والتنظيمات الشعبيَّة قد حُرِمَتْ من فُرَص ‏التعبير عن نفسها، أو على الأقل تم إدماجها في مؤسَّسَات وهياكل الدولة ذاتها، أما قيادات المعارضة فقد تمَّ ‏التخلص منها.‏

لقد أضحت الدولة الإفريقية ببساطة بيتًا للداء عوضًا عن أن تكون عونًا على التخلُّص من أمراض المجتمع.

ونظرًا لزيادة اندماج إفريقيا في الاقتصاد العالمي، وعجز الدولة التنمويَّة عن توفير الاحتياجات الأساسيَّة ‏للشعوب الإفريقية، بسبب انهيار أسواق المواد الخام في منتصف السبعينيات؛ فإن الدولة الإفريقية عانت من ‏أزمات خانقة، بسبب تنامي الهويَّات العرقيَّة، والإقليميَّة، والدينيَّة التي نازعت الدولة من أجل البقاء. ‏

لقد أضحى وجود الدولة الإفريقية بحدّ ذاته محلّ شكّ ونزاع، ولنذكر -على سبيل المثال- الكونغو الديموقراطيَّة، وجنوب السودان، ‏والصومال، وبوروندي. وثمة مطالب شعبية متزايدة بضرورة تنظيف السياسة من خلال إيجاد أُسُس جديدة للحكم في إفريقيا تُعْلِي من ‏تمكين الشعب، ومحاسبة القادة الفاسدين.‏

 إنَّ عملية تنظيف السياسة الإفريقية تستدعي البناء على مقولات فرانز فانون وايمي سيزار وغيرهما من الرُّوَّاد الذين نادوا بتحرير العقل الإفريقي.

إننا بحاجة إلى تطوير مفردات الفكر السياسيّ الإفريقيّ من أجل المستقبل؛ مفاهيم مثل «أوبونتو» التي ترتكز على رؤية كونية أصيلة ونَمَط معرفيّ يتوخى الرفاه والخير للفرد والمجتمع. لا يعني ذلك أننا ندعو إلى الانغلاق عن بقية العالم، ولكن أن تكون لدينا حرية الاختيار بين النماذج التنمويَّة التي تتفق مع الواقع الإفريقي.

وفي نهاية المطاف، واتباعًا لخطوات فانون وأشيلي ميمبي وعلى مزروعي؛ ينبغي تمكين الأفارقة من المساهمة في بناء مستقبلهم بأنفسهم، وكذلك من المشاركة في تعزيز التراث العالمي، ولكي يحدث هذا ينبغي إعادة الاعتبار للشخصيَّة الإفريقيَّة التي حدَّد أركانها كلٌّ من بلايدن ونكروما ومزروعي في التقاليد الإفريقية الأصيلة والإسلام، ومؤثِّرَات الحضارة الغربية.

 

كتاب الموقع