أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

تفشي "إيبولا" في الكونغو الديمقراطية.. المخاطر وجهود القضاء عليه

بقلم أ. حكيم نجم الدين

 

لا يزال السيراليونيون يتذكرون يوم 4 أغسطس من عام 2014م؛ عندما أمرت حكومة البلاد أكثر من 7 ملايين مواطن بالاحتماء في المنزل والدعاء. فقد كان وباء "إيبولا" خارج السيطرة، وحان الوقت لاتخاذ تدابير لاحتوائه قَدْر الإمكان.

كان المسؤولون في سيراليون وقتذاك يدركون أن عملية الاحتماء في المنزل وإغلاق الحدود لن تَحُدَّ من انتشار المرض، لكنَّهم أصدروا الأوامر لأنهم أرادوا أن يُشَكِّلوا وعيًا وطنيًّا؛ ليحذر المواطنون، ويلاحظوا الوضع الخطير.

وفي حين جهَّزت الحكومة السيراليونية حدود البلاد وحواجز طرقها بأجهزة فحوصات درجة الحرارة، وتوفير المعسكرات الصحية وفرق الدفن في حالات الطوارئ, إلا أن ضحايا الوباء وقتذاك في سيراليون ودول أخرى بغرب إفريقيا – بلغوا أكثر من 11,000 شخص.

واليوم, ظهر "إيبولا" مرة أخرى، ولكن في منطقة مختلفة؛ إذ أفادت تقارير في بداية مايو 2018م، أن 17 شخصاً يُشتَبَه في أنهم ماتوا بسبب المرض بالقرب من مدينة "بيكورو" في مقاطعة "إكواتور" شمال غرب الكونغو الديمقراطية؛ لتكون هذه هي المرة التاسعة التي يندلع فيها الفيروس في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ عام 1976م.

"نحن على حافة السكين الوبائي"؛ هكذا صرح الدكتور بيتر سلامة؛ رئيس الاستجابة لحالات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية، في اجتماع خاصّ للدول الأعضاء بالمنظمة في جنيف الأسبوع الماضي.

 

اندلاع الوباء في الكونغو الديمقراطية

لقد تم الإبلاغ عن حالات الحمى النزفية في ديسمبر 2017م، كما أن هناك إبلاغًا عن بعض الوفيات في يناير 2018م. لكنَّ هذه الموجة الأولى المحتملة من الحالات لم يتمَّ تأكيدها على أنها "إيبولا". ولم تتبادل السلطات الصحية المحلية على الفور أخبار الحالات التي تلقتها في 1 مارس 2018م مع وزارة الصحة الوطنية. ويرى علماء الصحة أنه لا يمكن استبعاد كون تلك الحالات والوفيات لها علاقة بـ"إيبولا"؛ لعدم إجراء أيّ اختبارات مخبرية.

وفي 8 مايو 2018م, أبلغت وزارة الصحة في الكونغو الديمقراطية منظمةَ الصحة العالمية بوجود 32 حالة محتملة (والتي أدت إلى 18 حالة وفاة) سُجِّلت منذ أوائل أبريل في مقاطعة "إكواتور" الشمالية الشرقية، والتي كانت عاصمتها مبانداكا.

وقالت الوزارة: إن اثنتين من تلك الحالات قد تأكدتا من خلال الفحوص المخبرية بأنها وباء "إيبولا"، وصُنِّفت 18 منها على أنها "محتملة". أما 12 حالة المتبقية فهي "مشتَبَهٌ بها". وكانت ثلاث من بين 32 حالة من العاملين بمجال الرعاية الصحية. وكلها أدَّت بحكومة البلاد في اليوم نفسه أن تعلن "حالة طوارئ صحية عامة ذات تأثير دولي".

وحتى يوم 20 من شهر مايو، سجَّلت وزارة الصحة 46 حالة من حالات الحمى النزفية، بما في ذلك 26 حالة وفاة. وتأكد وجود 21 حالة إيبولا من بين هذه الحالات، و21 منها "محتملة"، و4 "مشتَبَه بها".

كما أنَّ أربع حالات من الحالات الـ21 المؤكَّدة تم تسجيلها في مبانداكا – وهي مدينة مكتظة بأكثر من مليون نسمة من السكان, مما زاد من قلق تفشِّي المرض إلى مناطق أخرى. إذ ينتشر الفيروس بسرعة في المناطق الحضرية، وتُشكل مبانداكا حلقة عبور رئيسة إلى ثلاث عواصم في منطقة وسط إفريقيا: كينشاسا (عاصمة وأكبر مدينة في الكونغو الديمقراطية), و برازافيل (عاصمة جمهورية الكونغو) و بانغي (عاصمة وأكبر مدينة في جمهورية إفريقيا الوسطى). والمدينة أيضًا تقع على بُعد 280 كيلو مترًا من المنطقة التي تم تأكيد الحالات الأولى فيها.

وإذ لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تشهد فيها الكونغو الديمقراطية انتشار المرض, إلا أن حالات المرض في المرات السابقة تمركزت في المناطق الريفية، وتم احتواؤها قبل أن تصل إلى المدن والمناطق الحضرية مثل مبانداكا. والتفشي الحالي هو الرابع من نوعه في مقاطعة إكواتور - بعد اندلاعه في 1976 و 1977 و 2014م.

 

الحدّ من انتشار الوباء:

أشار تيدروس أدانوم غيبرييسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في الأسبوع الماضي (21 من شهر مايو 2018م)، إلى أنه "من المثير للقلق أن لدينا الآن حالات لإيبولا في مركز حضري في الكونغو الديمقراطية، لكننا في وضع أفضل بكثير للتعامل مع هذا التفشِّي (للمرض) مما كُنَّا عليه في عام 2014م".

وامتنع تيدروس أدانوم غيبرييسوس في الأسبوع الماضي، عن إعلان تفشِّي المرض كـ "حالة طوارئ صحية عمومية تثير قلقًا دوليًّا".

وتعهَّد وزير الصحة في الكونغو الديمقراطية أوليم إيلونغا, بتشديد مراقبة المسافرين وفحصهم حول أعراض المرض في الممرات الجوية والبحرية والبرية داخل وخارج مبانداكا. كما أنه ستوضع القرى التابعة لمقاطعة إكواتور (بما فيها القرى التي تقع في اتجاه مصب نهر الكونغو) تحت المراقبة مِن قِبَل العاملين في مجال الرعاية الصحية والمسؤولين.

لكن إيسا سيكيتي دا سيلفا, الصحافي الكونغولي المقيم في كينشاسا, يرى استحالة مراقبة جميع الممرات المائية في جمهورية الكونغو الديمقراطية بفاعلية, ليس فقط بسبب أن السفر عبر الوسائل البحرية أكثر شعبية في البلاد - لأن 2٪ فقط من شبكة الطرق في البلاد البالغ طولها 152.000 كيلو متر مرصوفة. ولكن لأن كينشاسا وحدها يوجد فيها 20 ميناء مؤقتًا مختلفًا, وغالبًا ما تكون السفن فوق نهر الكونغو وروافده تحمل ما هو أكبر من طاقتها أو في حالة سيئة، ولا يرحب قَباطنتها بالتحقيقات من المسؤولين.

وبِغَضِّ النظر عن تلك السفن التي ترسو أيضًا في الليل، فإن العاملين الحكوميين الذين يقومون بمثل هذه المراقبة غالبًا ما تؤخِّر الحكومة رواتبهم، وهم أيضًا غير مدرَّبين ومؤهَّلين. كما أن معنوياتهم منخفضة، مما يعني أن حماستهم التي يؤدّون بها وظيفتهم منخفضة.

 

معتقدات المناطق المختلفة وإقناع المصابين:

لقد غادر ثلاثة مرضى من المصابين المعسكر المعزول المخصص في المستشفى المحلي بـ"مبانداكا" – وذلك بحثًا عن علاج بديل خاص بهم. وقد توفي اثنان منهم – وهما المريضان اللذان غادرا المستشفى لحضور "مكان الصلاة".

"هذا مستشفى وليس سجنًا. لا يمكننا أن نقفل كل الأبواب (لمنع المصابين من الخروج)"؛  هكذا قال يوكويدي ألارانجار, ممثل منظمة الصحة العالمية في الكونجو لوكالة رويترز.

وذكرت وكالة الأنباء الفرنسية أيضًا أن إحدى أولى وفيات "إيبولا" في مدينة مبانداكا, كانت قسًّا (راعي كنيسة إنجيلية) يخدم مريضًا آخر، مُحاوِلًا علاجَه من مرضه عن طريق الدعاء والصلاة له.

وتُشكِّل معتقدات هذه المناطق تحديًا كبيرًا للأطباء ووكالات الصحة التي تحاول الاستجابة للمرض. ويقتنع بعض السكان بأن "إيبولا" في الواقع "لعنة" تقع على الذين يأكلون "اللحوم المسروقة"؛ وهو مصطلح يستخدمه السكان المحليون لوصف اللعبة البرية. ويعتقد آخرون أن هذا المرض يفتقر إلى السحر، وبالتالي لا يمكن علاجه بالطب الحديث.

 

اتصال المصابين بغيرهم والتطعيم ضد الوباء:

استجابةً لذلك، تقوم "مراكز إفريقيا لمكافحة الأمراض والوقاية منها" (Africa Centres for Disease Control and Prevention) بإرسال علماء الأنثروبولوجيا إلى المنطقة مع 25 من أخصائيي الوبائيات في محاولة لدعم جهود التطعيم.

وعلى حدّ تعبير جون نكينجونغ، رئيس المنظمة: "إذا لم نتعامل مع اتصال (المصابين بغير المصابين من السكان) بشكل جيد، فقد يعاني برنامج التلقيح".

وقد وضع العاملون في مجال الصحة قائمة تضم 628 شخصًا يعرفون أنهم على اتصال مباشر بالمرضى الذين يعانون من المرض، وهم يتتبعون أهم طرق انتشار المرض (عبر اتصال المصابين بغيرهم): أحدها مرتبط بمرفق صحي ريفي, والآخر مرتبط بكنيسة، والثالث بجنازة المصابين. وسيُقدَّم للعاملين في تلك المجالات الثلاث اللقاح التجريبي الذي طوَّرته وكالة الصحة العامة في كندا.

ويستهدف برنامج التطعيم -الذي بدأ الاثنين الماضي- 100 شخص؛ حوالي 70 منهم من العاملين الصحيين في الخطوط الأمامية، وسيتم تلقيحهم بحلول نهاية الأسبوع. كما أن أكثر من 7500 جرعة من اللقاحات متوفرة بالفعل في الكونغو الديمقراطية, مع توقُّع وصول 8000 جرعة أخرى قريبًا. هذا بالإضافة إلى مساهمات أخرى لكل من الحكومة الكونغولية والمنظمات الدولية للقضاء على الوباء.

 

مصدر آخر لاندلاع الوباء:

يعزو العلماء ظهور المرض إلى مصدر آخر محتمل؛ وهو الخفاش، الناقل المعروف للمرض والذي يصعب السيطرة عليه. ومع ذلك، توصل ثلاثة باحثين في جامعة ليهاي في بنسلفانيا إلى طريقة للتنبؤ بكيفية نقل ونشر الحيوانات الطائرة لـ"إيبولا".

ويتتبع نموذجهم، الذي نُشِرَ الأسبوع الماضي في مجلة ساينس ريبورتس، أنماط هجرة الخفافيش باستخدام بيانات الأقمار الصناعية والعوامل البيئية، مثل الطقس وتوافر الغذاء والمأوى لهذه الحيوانات، وذلك للتنبؤ بمكان وزمان تفشي المرض.

وطبقوا هذا النموذج على حادثة عام 2014 لـ"إيبولا" بغرب إفريقيا، فوجدوا علاقة بين تفشي المرض وهجرة الخفافيش، إذ يبلغ عدوى المرض ذروتها تزامنًا مع موسم ولادة الخفاش. وهذه النتيجة تعطي العلماء أملاً في أن الأداة المستخدَمَة قد تساعد السلطات الصحية على التركيز على مواقع معينة وأوقات محددة من السنة لمعرفة مستوى تفشّي فيروس "إيبولا" ودرجة خطره.

ومن ناحية أخرى, لا تزال هناك ادعاءات وإشاعات مِن قِبَل مجموعة ترى أن المرض "أداة أجنبية" لتجربة اللقاحات في مناطق إفريقية، أو لتقويض صفوف دول معينة.. إلا أن كل هذه المزاعم تدعو إلى التأمل في الأسئلة التالية: هل هناك أدلة واقعية وحجج دامغة تؤكد هذه المزاعم؟ وما دور المؤسسات البحثية والمؤسسات الأكاديمية المحلية في التوعية عن الوباء وإنتاج لقاحات محلية الصنع منذ أول تفشي المرض في أغسطس عام 1976؟

صحيح أن استجابة بعض الحكومات الإفريقية والاتحاد الإفريقي محمودة ومشجِّعة, لكن المؤسسات الإعلامية الإفريقية مقصِّرة تجاه مهامها, كما أن المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية الإفريقية لا تُبْدِي اهتمامًا حقيقيًّا تجاه الوباء، وربما السبب في ضعف التمويل للبحوث والدراسات العلمية مِن قِبَل السياسيين والزعماء الأفارقة الذين لا يهمهم مثل هذه القضايا الصحية الخَطِرَة إلا بعد خروجها عن السيطرة؛ فيعلنوها حالة طوارئ!

 

المصادر:

Javier Buceta (2018, May 23). Researchers create new modeling framework that takes a zoonotic perspective on Ebola. journal Scientific Reports, Retrieved from http://tinyurl.com/y7bb7ja2

Issa Sikiti da Silva (2018, May 21). Ebola outbreak in Congo: What you need to know. IRIN. Retrieved from http://tinyurl.com/y7tzy525

Jonathon Gatehouse (2018, May 23). Ebola outbreak on a 'knife edge,' WHO unsure it can stop spread to urban areas. Retrieved from http://tinyurl.com/ya9a3cvo

 

 

كتاب الموقع