أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

تداعيات أزمة التعديلات الدستورية في توغو

 

 

 رشا السيد عشري (*)

لم يختلف النظام التوغولى عن غيره من باقي أنظمة بعض دول القارة الأفريقية، التي مرت بأزمة التعديلات الدستورية، والتي استخدمت كافة الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتولية نفسها لفترات رئاسية أخرى بعد انتهاء مدتها الرئاسية في البلاد.

وقد تميزت تلك الأزمة باتجاهين، اتجاه سقطت فيه التعديلات الدستورية كما حدث في بوركينا فاسو وبنين، وأخرى مرت فيها التعديلات الدستورية في تحدي لإرادة شعوبها مثل الكونغو برازافيل وبوروندي، ورواندا، وثالثة تتأرجح ما بين التعديل والسقوط مثل الكونغو الديمقراطية وتوغو الأن.

هنا يتشابه الوضع التوغولي على الصعيد السياسي والاقتصادي، وكذلك الاجتماعي مع العديد من دول القارة الأفريقية لاسيما التي مرت بأزمة التعديلات الدستورية، لتضع الدولة على صفيح ساخن نتيجة الصراع السياسي والأوضاع الأمنية المتردية، التي عقبت تلك الاحتجاجات في الدولة، لتثير تلك الحالة العديد من التساؤلات حول مستقبل تلك الدولة في ظل هذه الأوضاع السياسية المتأزمة، وهل سيؤول الوضع إلى مثيله مما حدث في بوروندي والكونغو، أي هل سيستطيع الرئيس فور جانسينجبي تمرير التعديلات الدستورية والبقاء في السلطة لفترات أخرى متحدياً إرادة الشعب والمعارضة؟ أم ستنجح تلك التظاهرات وتُسقط النظام وعائلته التي تولت السلطة منذ عام 1976؟.

وسواء نجح الرئيس في تمرير التعديلات الدستورية أم تمكنت المعارضة من عرقلتها ، فهناك العديد من التداعيات والسيناريوهات المتوقعة التي قد تؤول إليها الأوضاع في البلاد.

 

دوافع رفض التعديلات الدستورية

تعددت دوافع الشعب التوجولي والمعارضة في رفض التعديلات الدستورية، والتي كان لها الدور في تزايد الاحتجاجات والتظاهرات في الدولة بعد الإعلان عن تعديل الدستور ومد فترات الرئاسة، تمثلت في دوافع سياسية واقتصادية، وأمنية، لاسيما بعد دور القوات الأمنية في قمع التظاهرات، ناهيك عن دور المعارضة في الدولة.

 دوافع سياسية

تشهد الدولة التوغولية احتجاجات واسعة النطاق منذ أغسطس الماضي شارك فيها عشرات الآلاف من المتظاهرين في العاصمة لومي على إثر شروع الرئيس فور جاسينجي لتعديل الدستور للسماح له بالبقاء في السلطة إلى عام 2030 أو إلى الأبد، والذي واجه رفض شديد من قبل أنصار المعارضة والعديد من أفراد الشعب التوغولي، ما أدي إلى تصاعد التظاهرات أعقبها عمليات قمع من قبل قوات الأمن أدت إلى مقتل العشرات منذ بداية تلك الاحتجاجات. وكغيرها من العديد من الدول الافريقية التي تتشابه إلى حد كبير في نظامها السلطوي والديكتاتوري، تتميز توغو بنظام ديكتاوري يحكم البلاد منذ عام 1967 حتى الأن ممثلاً في عائلة جناسينجبي، فنظام الديمقراطية التمثيلية التي تمارسه النظم الانتخابية الاستبدادية، فضلاً عن انتهاكها لمعايير الليبرالية الديمقراطية بطرق منهجيه وعميقة كان دافعاً وراء إعلاء الأصوات المعارضة ضد نظم الحكم الغير ديمقراطي في الدولة.

جدير بالذكر أنه منذ استقلال الدولة وتحديدا منذ عام 1967 تولت عائلة غناسينجبي السلطة في البلاد، وذلك بعد الاطاحة بالرئيس سيلفانوس أوليمبيو أول رئيس للدولة منذ الاستقلال عام 1961، والذي قام بحل أحزاب المعارضة واعتقال قادتها، حيث أطيح به في انقلاب عسكري بقيادة إتيان إيديما غناسينغبي عام 1963، وتم انتخاب غرونيتسكي رئيسا للجمهورية، وإصدار دستور جديد (1963) وإدخال نظام متعدد الأحزاب. ليتم الإطاحة به أيضاً في انقلاب غير دموي في 13 يناير 1967، قام به إيديما غناسينغبي، الذي تول السلطة في البلاد منذ ذلك الحين، وأنشأ حزب "التجمع من أجل الشعب التوغولي"، وحظر أنشطة الأحزاب السياسية الأخرى، وأدخل نظام الحزب الواحد في نوفمبر 1969. وأعيد انتخابه في عامي 1979 و 1986.

وبالرغم من أن دستور 1992 ينص على فرض حدود على مدة الرئاسة، ناهيك عن إبرام الاتفاق الإطاري للومي في يوليو 1999، والذي سمح باعتماد قانون جديد للانتخابات وإنشاء لجنة انتخابات وطنية مستقلة، وتعزيز الحوار بين الأحزاب السياسية، إلا أنه ظل في الحكم حتى وفاته في فبراير عام 2005، حيث قام إيديما بتعديل الدستور عام 2002 من جانب واحد لإلغاء الفترات المحددة للرئاسة وخفض الحد الأدنى لسن الرؤساء من 45 إلى 35، تمهيداً لتولي ابنه الرئاسة الذي كان في أواخر الثلاثينيات في ذلك الوقت، ليتولى ابنه فور غناسينجي بالفعل الحكم في البلاد (بدعم من الجيش) بعد شهرين من وفاة والده، حيث فاز على منافسه الرئيسى في السباق ايمانويل بوب اكيتانى من اتحاد قوى التغيير، في انتخابات اتهمتها المعارضة بالتزوير، في ظل أعمال عنف تبعت تلك الانتخابات، وأدت إلى مقتل 400 شخص، وفرار حوالي 40 ألف توغولي إلى البلدان المجاورة، وتشريد 10.000 شخص داخلياً، وفقاً لما ذكرته الأمم المتحدة. مع حصول حزب التجمع الشعبى الذى يدعمه الرئيس على أغلبية مطلقة في الانتخابات التشريعية لعام 2007. وقد أدت العقوبات الاقتصادية وانخفاض مساعدات التنمية إلى تدني تقديم الخدمات الصحية والتعليمية بشكل تدريجي.

 ليظل فور، الذي عين زعيم المعارضة إديم كودجو رئيسا للوزراء قابضاً على السلطة حتى يومنا هذا، حيث تم إعادة انتخابه في عامي 2010 وحصل على 61٪ من الأصوات ضد جان بيير فابر رئيس التحالف الوطني من أجل التغيير، الذي حصل على 34% من الأصوات، والذي كان مدعوماً من قبل ائتلاف معارض يسمى "الجبهة الوطنية للتغيير"، حيث أعلن الأخير بدوره عن فوزه بفارق كبير عن الرئيس أي بنسبة 75 و80 % من الأصوات "في مقاطعة الخليج ولومي اللتين تشكل ثلث الناخبين"، وهو ما نفاه المتحدث باسم الحكومة باسكال بودجونا ، الذي أعلن فوز الرئيس وهزيمة المعارضة "هزيمة تامة".

وبالرغم من الاحتجاجات الشعبية لعدم مد فترات الرئاسة، خاصة وأن دستور عام 1992، نص على ذلك، ناهيك عن الحراك الأمني ضد قوات المعارضة، تولى الرئيس حقبة ثالثة لعام 2015. في ظل سيطرة النخبة والنظام والحزب الحاكم على الدولة مع انعدام المشاركة السياسية وغياب الديمقراطية التي يعاني الشعب في خضامها، وذلك في ظل محدودية وقلة فاعلية المؤسسات السياسية، فعلى الرغم من وجود كثير من المنظمات غير الحكومية المعنية بالتنمية ورابطات تعزيز الديمقراطية وسيادة القانون ولكن لا تزال آثارها محدودة بسبب عدم كفاية الموارد المتاحة لها.

دوافع اقتصادية

منذ التسعينيات تدهورت الأوضاع في البلاد على كل الأصعدة، وتضاعف عزلة توغو على المسرح الدولي، نتيجة تدهور الأوضاع السياسية في البلاد على إثر الانقلابات العسكرية، والعنف والتوتر الأمني الذي تبع العمليات الانتخابية ناهيك عن حراك المعارضة. من ثم أثّرت تلك الحالة على الوضع الاقتصادي، خاصة في ظل التراجع التنموي، الذي عاشته توغو كأحد أفقر بلدان العالم. وعلى الرغم من التحسن النسبي في السنوات الراهنة، إلا أنها لم تجابه التطورات العالمية واحتياجات الدولة. وهو ما انعكس على مطالبات الشعب بعدم مد الفترة الرئاسية لعائلة جناسينجبي، التي عاشت الدولة في ظلها فترات عنف، واقتتال، وتدهور اقتصادي.

حيث يقدر الناتج المحلي الإجمالي لتوغو بـ 1267  مليون دولار أمريكي عام 1994، وصل إلى 3,55 بليون دولار أمريكي عام 2011، ثم 4,40 مليار دولار 2016، وتسهم الزراعة بنحو 38% منه، والتي بلغت عام 2010 حوالي 39,5 أي بفارق ضئيل، مع اشتغال أكثر من 69% من القوة البشرية بها، كما تندرج توغو، من الناحية الاقتصادية، في صفوف البلدان ذات مؤشرات التنمية البشرية المنخفضة بلغت86 0.4 في عام 1999، و0.495 في عام 2006، حيث تندرج في المرتبة 143 من بين مجموع أفقر البلدان البالغ عددها 175 بلداً. وبلغ إجمالي الناتج المحلي للفرد الواحد فيها 375 دولاراً في عام 1999، وصل إلى 540 دولار عام 2016 كما يوضحها الجدول التالي، وبالرغم من تلك النسب إلا أنها لا تعبر عن المستوى الحقيقي لمعيشة السكان الذين يقع أكثر من 75% منهم دون خط الفقر المدقع، وهذا ما يُلحظ في المناطق الريفية، التي تدفع سكانها للهجرة نحو المدن.

 

                                                                   المصدر: البنك الدولي

 

أما الصناعـة فتسهم بنحو 21% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 1994، قلت تلك النسبة عام 2010 إلى 20,4%، ويشتغل فيها أقل من ربع القوة العاملة، ويغلب عليها صفة الصناعة الناشئة والتقليدية القديمة.

 وطبقاً لبيانات البنك الدولي أيضاً، نجد أن نسبة النمو السنوي لإجمالي الناتج المحلي لتوغو عام 2016 بلغ 40.5 مليون دولار في حين بلغ عام 2017  حوالي 60,5 مليون دولار، وهي نسب تعتبر أقل من تقديرات شريحة البلدان الأخرى الأقل نمواً، لتمثل توغو أكثر البلدان فقراً، والتي يقل دخلها عن البلدان منخفضة الدخل، كما يوضحه الجدول التالي. وهو مؤشر على وضع الدولة المتردي على كافة الأصعدة، ودليلاً على قلة بل انعدام مؤسسات الدولة وصانع القرار على كيفية إدارتها ودليلاً كافياً للاحتجاجات المتصاعدة على مد فترات الرئاسة للرئيس فور غناسينجبي، الذي شهدت الدولة في عهده تراجعاً اقتصاديا، وأمنياً، وتوتراً سياسياً.  

 

 

                                                    المصدر: البنك الدولي

 

حراك المعارضة

كان شروع الرئيس في التعديلات الدستورية له أثراً سلبياً على الحراك السياسي والمجتمعي في الدولة ظهرت بوادره مع احتجاجات الشعب المناوئة لهذا القرار، مع حراك المعارضة التي أعلنت رفضها التام لهذه التعديلات، في ظل سعيها إلى تحقيق إصلاحات سياسية تفتح الطريق أمام التناوب الديمقراطي بالدولة، والتداول السلمي للسلطة، لتصبح مشاهد العنف والاعتقالات، وعمليات المواجهة بين القوات الأمنية والمتظاهرين وأنصار المعارضة هي سيدة الموقف في البلاد. وذلك في ظل مقاطعة نواب المعارضة وأحزابها جلسة البرلمان 19 سبتمبر 2017 حول تعديل مسودة الدستور (المواد 52 و59 و60)، والتي صادقت عليها اللجنة البرلمانية المختصة عبر الأغلبية الحاكمة، إلا أن عدم اكتمال النصاب القانوني استوجب اللجوء إلى الاستفتاء. حيث أعلنت رئيسة الجمعية الوطنية داما دارماني إجراء الاستفتاء في جلسة برلمانية قاطعها الكثير من أعضاء المعارضة وقالت دارمينى إن "التصويت سيكون بأغلبية الثلثين"، وفقا لما ذكره الموقع الرسمي للحكومة.

يذكر أن السلطات التوجولية كانت قد قتلت شخصين وجرحت آخرين منذ شهر أغسطس الماضي، وقد وصفت الداخلية التوجولية - آنذاك - المشاركين فيها بأنهم متطرفين. حيث كان الحزب الوطني الأفريقي قد خرج في مظاهرة يوم 19 أغسطس بالعاصمة لومي، للمطالبة بـ"تحديد مأموريات الرئيس"، وتعرض للقمع من طرف شرطة حفظ النظام ما تسبب في "مقتل 2 وإصابة 77 آخرين بجروح أصيبوا في بلدة بافيلو القريبة من العاصمة، إضافة إلى اعتقال 250 شخصا" وفق الحصيلة الرسمية المعلن عنها. ومن بين المعتقلين أيضاً قيادات في الحزب المعارض الذي تأسس عام 2014 ويرأسه المحامي والأنثربولوجي " تيكبي ساليفو آتشادام"، زعيم الحزب الوطني لعموم افريقيا (بي.ان.بي)، حيث احتشد آلاف المتظاهرين في العاصمة لومي، وكذلك مدن مثل سوديريه في الوسط الشمالي ودابولونغ ومانجو في الشمال أيضاً. وهم يرتدون الملابس الحمراء المميزة لحزب (بي.ان.بي) المعارض، مرددين هتافات "50 عاما مدة طويلة للغاية".

يحاول النظام أخذ الوضع في بلاده لاسيما موقف المعارضين إلى اتجاه أخر بعيداً عن ممارساته الطامحة للسلطة، وللتغاضي عن الإصلاحات الديمقراطية المتأخره ، هذا الاتجاه قائماً على فتح جبهات إرهابية يهدف منها النظام لتشويه المعارضة الرافضة لمد حكمه في البلاد، خاصة في ظل الشواغل المهيمنة علي الاستقرار في غرب أفريقيا بسبب تزايد التهديدات الإرهابية في البلدان المجاورة، بما يشرعن الممارسات الأمنية القمعية ضد أي تحركات تواجه النظام الحاكم في الدولة، وهو ما اتضح عندما وصفت الحكومة التوغولية المعارضين بالمتطرفين.

إلا أن هذا الأمر لم يثني تلك الاحتجاجات عن استمرارها أو دعم زعيم المعارضة جان بيير فابر، حيث  نظم احتجاج آخر في مدينة سوكود الواقعة على بعد نحو 338 كيلومترا شمالي العاصمة، ونشبت اشتباكات واستخدمت فيها قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين، ووفقا لوزارة الداخلية في توغو فإنه أصيب 12 من أفراد الشرطة إلى جانب إصابات بين المحتجين. وهو ما يدل على تصاعد التوترات الأمنية والعنف في معظم أنحاء الدولة.

لم يكم الدور النسائي غائباً عن هذا الحراك الشعبي، حيث استخدمت نساء المعارضة أسلوباً جديداً يدعو الى التمرد على الحياة الزوجية وهدم الاستقرار، وذلك لدعم حراك المعارضة، حيث دعت زعيمة المعارضة إيزابيل أميغانفي نساء بلادها إلى الإضراب عن "الحياة الزوجية" لمدة أسبوع احتجاجاً على اعتقال متظاهرين قبيل الانتخابات البرلمانية، وقالت أميغانفي، زعيمة حركة "إنقاذ توغو" المعارضة"، وفق شبكة "سي إن إن الأمريكية": "أدعو جميع النساء للإضراب لمدة أسبوع، والتزام الصوم والصلاة للإفراج عن إخواننا وأزواجنا المعتقلين". حيث بدأت بالفعل النساء في توغو إضراباً سياسياً شاملاً استجابة لتلك الدعوة لدفع الرجال إلى الخروج في مظاهرات، ما يوضح استخدام المعارضة كافة الطرق بما فيها المدخل المجتمعي للتصعيد من الاحتجاجات المناوئة لحكم الرئيس، ويعطي دفعة لتزايد العنف في الدولة، وذلك للتأثير على صانع القرار السياسي.

 

تداعيات الأزمة على الأوضاع في توغو

التصميم الواضح للرئيس علي البقاء في السلطة لفترات جديدة مهما كانت التكلفة، في ظل عمليات القمع والمواجهات العنيفة، والديمقراطية الشكلية بالرغم من عدم تحسين الإطار والمظهر الخارجي للمؤسسات الرئيسية للنظام، قد ترك تداعيات سلبية قد تؤول لمستقبل أكثر عنفا إذا تزايد حراك المعارضة وشحن الشعب، أو قد تؤول في نهاية المطاف إلى القبول بالأمر الواقع والرضوخ للتعديلات الدستورية في ظل القبضة الأمنية على المتظاهرين وانتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يترك أثراً سلبيا على الدولة في نهاية المطاف. من ثم تركت الأزمة والتي مازالت تعيش الدولة في خضامها تداعيات مختلفة يمكن إيضاحها في الأتي:

1.         على الصعيد السياسي أثارت استمرار الاحتجاجات في الدولة توتراً سياسياً زاد معه تصعيد المعارضة لمطالبها بإقالة الرئيس من منصبه، دلّ على ذلك إعلان المعارضة التوغولية المنضوية تحت لواء ائتلاف يضم 14 حزبا من خلال بيان تلقته وكالة بانا للصحافة في لومي أنها ستنظم خلال أكتوبر الجاري مظاهرات عبر كامل الأراضي الوطنية للمطالبة بالعودة إلى دستور 1992 ووضع حد لقمع مناضلي التشكيلات السياسية المشاركين في مظاهرات أغسطس وسبتمبر الماضيين والإفراج عن الأشخاص المعتقلين والمحكومين. ناهيك عن استمرار حراك المعارضة وتحديها للنظام، ظهر ذلك في تحركات جان بيير فابر، رئيس التحالف الوطني من أجل التغيير، لدعم المتظاهرين شمال البلاد لاسيما ضحايا القمع.

2.         استخدمت قوات الأمن طرقها في قمع المعارضة كما تعتاد باقي أنظمة الدول الأفريقية حيث تم اعتقال المئات من أنصار المعارضة، وقتل بعض المتظاهرين، بما يعطي نمطاً أكثر عنفاً في الاحتجاجات، ويصعّد من التوتر الأمني، على غرار فترات الانتخابات الرئاسية الماضية. وقد كانت الهجمات المتعمدة علي أسواق لومي وكارا في يناير 2013 بمثابه ذريعة لمضايقة زعماء المعارضة.

3.         أثرت الأزمة على الوضع الاقتصادي في الدولة لاسيما شركات الانترنت التي يديرها المستثمرين الصغار من الشباب، نتيجة إغلاقها من قبل الحكومة عقب التظاهرات لمنع أى وسائل للتواصل، كما أدت الاحتجاجات إلى خسائر بلغت نحو 2، 5 مليار فرنك أفريقي (27 مليون دولار أمريكي)، فضلاً عن انخفاض في حركة الشاحنات في الموانئ، وفي تصريح لمستشار الرئيس فور، قال دجوسو سيميندجي "أن توغو التي تضم 8 مليون نسمة هي موطن لعدة شركات كبيره بما فيها شركة إيكوبنك وشركة الطيران الإقليمية، وقد أثرت الأزمة عليها بما له تبعات سلبية علي الاقتصاد بشكل عام". وذلك في ظل الفقر الذي تعيشه الدولة بالرغم من أنها واحده من أكبر خمسة منتجين للفوسفات في العالم.

4.         ظلت سجلات الحكومة الخاصة بحقوق الإنسان مشوهة في ظل سحق المعارضين السياسيين من جانب وتردي الأوضاع الاجتماعية من جانب أخر. كما انعكس الوضع الاقتصادي والسياسي بدوره على الوضع الاجتماعي أيضاً في الدولة، خاصة في أوضاع الصحة، حيث تفاقم مرض الإيدز، وذلك في ظل  تهميش الأطفال المصابين بالفيروس، وزيادة تعرض الشباب للمرض أيضاً. أما التعليم، فقد توقفت معدلات الالتحاق بالمدارس، ولا تزال معدلات الرسوب مرتفعة، ولا تزال الفتيات متخلفات عن الفتيان في الالتحاق بالمدارس الابتدائية، نتج عن ذلك تعرض الأطفال لمجموعة من التهديدات التي تفاقمت في السنوات الأخيرة، بما فيها الاتجار بالبشر والعنف والاستغلال الجنسي. وهو ما يعطي مؤشراً سلبياً على مدى تطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان في ظل تصاعد الأزمة الأخيرة، واستمرار لهذه الإشكاليات الاجتماعية الخطيرة في ظل تعزيز نفوذ النظام الحاكم على حساب التداول السلمي للسلطة، والتوجه نحو بناء الدولة وحمايتها من المخاطر.

5.         بالرغم من تهديد القوى الدولية بمنع المساعدات للدولة على إثر أزمة الاحتجاجات فإن المجتمع المحلي، ولا سيما النظراء الأفارقه والاتحاد الافريقي والجماعة الاوروبية، وكذلك مؤسسات بريتون وودز والصين والاتحاد الأوربي، قد اتبع نهج "التدخل المتساهل" لصالح الاستقرار ومصلحتهم الوطنية السليمة في التعامل مع الدولة. وهو ما فسر عدم تعامل القوى الدولية أو تخاذ موقف تصعيدي ضد النظام الحاكم نتيجة أعمال العنف.

 

خلاصة القول:

بالرغم من نجاح عدد من الدول الأفريقية في تحقيق التداول السلمي للسلطة منذ عام 1990 وحتي الآن، حيث وصل عدد هذه الدول إلي أكثر من ثلاثين دولة من إجمالي دول القارة الأفريقية البالغ عددها 55 دولة، وظهرت تطورات إيجابية في القارة لم تكن معتادة مثل قبول زعماء سياسيين التخلي عن السلطة بناء علي نتائج الانتخابات العامة مثل كينيث كاوندا في زامبيا (1991)، وهستنجز باندا في مالاوي (1994)، وآراب موي في كينيا (2002)، وحل صندوق الاقتراع محل الانقلاب العسكري بوصفه الأداه الرئيسية لتغيير الحكومات وانتخاب القادة السياسيين. وقد أصبح اجراء انتخابات منتظمة وتنافسيه بصوره متزايدة هو القاعدة في معظم أفريقيا. أيضاً كانت بداية الإصلاح الحقيقي حينما وافق القادة السياسيون على تعديلات دستورية مبنية على مصالح اجتماعية لطبقات متعددة. وذلك في دول عديدة مثل بنين، الكونغو، وتوجو في التسعينيات، إلا أن تلك الديمقراطيات كانت بمثابة نظاماً تمثيلياً، لم يستطع مجابهة الأنظمة السلطوية الديكتاتورية، التي استخدمت كافة الوسائل الشرعية وغير الشرعية لاستمرارها في السلطة إلى الوفاة، ومن ثم أصبحت معظم البلدان الافريقيه تحكمها الآن دساتير- علي الورق-أكثر أو اقل ديمقراطية. ولا يتم تطبيقها في الواقع إلا بما يحقق مصالح النخبة الحاكمة.

من ثم كان الوضع التوغولي هو تعبيراً عن ذلك النمط من الديمقراطيات التمثيلية التي لا تحقق في النهاية إلا مصالح الأنظمة، في ظل تأثيرات سلبية على الشعب جراء العنف والتوتر الأمني، وهو ما يضع احتمالاً لاستمرار أعمال العنف وتصاعد الاحتجاجات في الدولة في ظل عدم التوصل إلى قرار سياسي يرضى الأطراف والعدول عن إقرار التعديل الدستوري، حيث يرى حزب "عموم أفريقيا الوطني" المعارض في توجو أن الرئيس الحالي فوريه جناسينجبي لن يتخلى عن السلطة مالم يرغم على الاستقالة. إلا أن هناك احتمالاً أخر قد يفضي إلى رضوخ المعارضة والشعب إلى التعديلات الدستورية وتولي الرئيس لحقبة رئاسية أخرى في ظل قدرة النظام على إحكام القبضة الأمنية والدعم الدولي له لاسيما من دول ذات المصالح في الدولة، ليسدل ستار الحراك الديمقراطي في توغو على السير في اتجاه دول الجوار التي قبلت بالتعديلات الدستورية طوعاً أو وكرهاً، كما حدث في رواندا وبورندي والكونغو.

 

مراجع:

(*) كاتبة وباحثة مصرية ، متخصصة في الشأن الافريقي.

1. الأمم المتحدة، الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، وثيقة أساسية تشكل الجزء الأول من تقارير الدول الأطراف .. توغو، يناير ٢٠٠٣. http://hrlibrary.umn.edu/arabic/TogoCoreREV1.pdf

2. البنك الدولي

https://data.albankaldawli.org/country/togo

3. البنك الدولي، ممارسة أنشطة الأعمال في توغو           

http://arabic.doingbusiness.org/data/exploreeconomies/togo

4. يونيسيف، لمحة عن توغو.

https://www.unicef.org/arabic/infobycountry/togo.html

5. رشا السيد عشري، "تطورات المشهد الافريقي 3 أكتوبر 2016"، المعهد المصري للدراسات السياسية والاستراتيجية، أكتوبر ٢٠١٦.      http://bit.ly/2hCdaSN   

  6.   Dirk Kohnert, “Togo: recent political and economic development”,   Munich Personal RePEc Archive (MPRA) Paper, No. 6341,,  April 2015.

7.   Andreas Schedle, Electoral Authoritarianism, wiley online library, 15 MAY 2015

http://bit.ly/2gaSvZ8

8.  E. Gyimah-Boadi, Africa’s Waning Democratic Commitment, Journal of Democracy, Volume 26, Number 1, January 2015.

https://muse.jhu.edu/article/565642/summary

9.   Dibie Ike Michael, Togo protests continues as business owners worry about economic impact, Africa News, 21/09/2017.

http://www.africanews.com/2017/09/21/togo-protests-continues-as-business-owners-worry-about-economic-impact/

10.   Farida Nabourema, 50 years of hurt: Togo protesters vow to continue, African Arguments, AUGUST 25, 2017.

http://africanarguments.org/2017/08/25/50-years-of-hurt-togo-protesters-vow-to-continue/

11.   Togo country profile, BBC NEWS, 4 October 2017.

http://www.bbc.com/news/world-africa-14106781

 12.  Alex Duval Smith, Togo protests: Why are people marching against Faure Gnassingbé? , BBC NEWS , 21 Sep 2017.

http://www.bbc.com/news/world-africa-41332072

13.   Max Bearak, One family has ruled Togo for 50 years, Washington Post, Sept 2017.  http://wapo.st/2z1wE

 

 

 

كتاب الموقع