أثيوبيا أنجولا أوغندا إريتريا افريقيا الوسطى الجابون الجزائر الرأس الأخضر السنغال السودان الصومال الكاميرون الكونغو الكونغو الديمقراطية المغرب النيجر بنين بوتسوانا بوركينا فاسو بوروندي تشاد تنزانيا توغو تونس جزر القمر جنوب أفريقيا جنوب السودان جيبوتي رواندا زامبيا زيمبابوي ساو تومي وبرينسيبي سوازيلاند سيراليون غامبيا غانا غينيا غينيا الاستوائية غينيا بيساو كوت ديفوار كينيا ليبيا ليبيريا ليسوتو مالاوي مالي مدغشقر مصر موريتانيا موريشيوس موزمبيق ناميبيا نيجيريا

تحديات الحفاظ على زخم النمو الإفريقي

ديفيد ليبتون (*)

ترجمة قراءات إفريقية

واجهت إفريقيا 15 عامًا من النمو الكبير والتنمية، وتلك الإنجازات الاقتصادية الكبرى ساعدت على تغيير نظرة العالم لتلك المنطقة، وأعطت أملا جديدا للمستقبل. ولكن في العام الماضي كانت الصورة أكثر قتامة لبعض البلدان حيث أثرت التطورات الخارجية على العديد من دوافع النجاح الاقتصادي الأخير لإفريقيا.

وما أود أن أقوم به اليوم هو الحديث عن تلك التطورات الأخيرة، بدءًا من المكاسب الكبرى منذ منتصف التسعينيات، ثم بعد ذلك سأوضح الأسباب الكامنة وراء ذلك التباطؤ. وفي النهاية سوف أسلط الضوء على كيف يمكن لإفريقيا أن تستمر في النمو بسياسات اقتصادية جيدة يمكن أن تضمن نجاحات مفضلة على المستوى المتوسط.

ورسالتي بسيطة: لقد أتت الدول الإفريقية جنوب الصحراء من طريق طويل في وقت قصير، وهناك أسباب كثيرة تدعونا لأن نؤمن أنها تستطيع أن تستمر في النمو والتنمية شريطة وجود استجابة بسياسات مناسبة.

 

الانبعاث الإفريقي:

دعونا نبدأ بالفترة التي أصبحت معروفة باسم صعود إفريقيا. فبعد 1995، شهدت هذه المنطقة نموا كبيرا وتحسنا ملحوظا في مؤشرات التنمية الاجتماعية والإنسانية؛ فأكثر من ثلثي دول المنطقة البالغ عددها 45 دولة تمتعت بعشر سنوات أو أكثر من النمو المستمر. وقد استفاد من ذلك ملايين الأفارقة. وقد اشتملت الإنجازات على وجود عدد أكبر من السكان المتعلمين وانخفاض حاد في عدد وفيات حديثي الولادة. ففي كينيا على سبيل المثال، زاد الانخراط في التعليم الابتدائي بنسبة 25% كما نقص عدد وفيات الأطفال تحت سن 5 سنوات بمقدار 6.5%.

كما نمت التجارة الإفريقية بصورة سريعة، وجاء ذلك كاستجابة إلى الطلب من الأسواق الناشئة والتي التحقت بالاقتصادات المتقدمة وأصبحت شريكة لأكبر الدول التجارية وبخاصة الصين. وقد أصبحت إفريقيا وجهة هامة لتدفق الأموال من كل من الأسواق المتقدمة والناشئة، كما أن اقتصادات السوق الحدودية مثل كينيا والسنغال وزامبيا، أصدرت السندات الأوروبية وأصبحت أكثر اقترابًا واندماجًا في الاسواق المالية العالمية.

وهذا التحسن المذهل في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية حدث بفضل ثلاثة قوى دافعة:

1.التحسن في أنظمة الحكم مما أنتج بيئة تجارية واقتصادية أكثر جذبًا للاستثمار.

2. ارتفاع في أسعار السلع مما أفاد المصدّرين للمصادر الطبيعية، وبخاصة دول المنطقة الثمانية المصدرة للنفط.

3. الظروف المالية العالمية المريحة والتي عززت تدفق الأموال وسمحت للبلدان المذكورة عاليه بأن تتعامل مع الأسواق العالمية بشروط معقولة.

 

ترقيع صعب:

ولأنكم تدرسون الأعمال والاقتصاد، فأنا متأكد أنكم على دراية بكيف أن البيئة الخارجية أصبحت أقل دعما لتلك الدول في السنة الماضية، فعلى المستوى العالمي من المتوقع أن يوسم عام 2016 مرة ثانية بنمو مكبوت، والتوقعات تشير إلى نمو بمقدار 3.2 %، أعلى بهامش بسيط عن النمو الذي سجل العام الماضي ومقداره 3.1%. وهذه التوقعات محكومة ببعض التعديلات الهامة على المستوى الاقتصادات الكبرى االمتوقعة، بما في ذلك: 1) التباطؤ الصيني وإعادة التوازن 2) مزيد من الانخفاض في أسعار السلع وبخاصة النفط، 3) تباطؤ مشابه في الاستثمار والتجارة 4) انخفاض في تدفق رؤوس الأموال على الأسواق والاقتصادات الناشئة والنامية.

فدول جنوب الصحراء الإفريقية تشعر بآثار انخفاض أسعار السلع والشروط المالية الأقل تفضيلا لها، والنتيجة هي أن النمو الكبير للسنوات الماضية انخفض بصورة متسارعة. فقد انخفض النمو في دول جنوب الصحراء في عام 2015 إلى 3.5 % وهو الأقل منذ 15 عامًا، وهذا التباطؤ من المتوقع أن يستمر في عام 2016، بنمو متوقع بثلاث نقاط، وهو نصف ما كانت إفريقيا معتادة عليه.

 

 

وقد ظهر هذا التباطؤ بصورة خاصة في الاقتصادات الكبرى التي تصدر أيضًا السلع (مثل أنجولا ونيجيريا وجنوب إفريقيا)، ومؤخرصا الدول التي ضربها الجفاف في شرق وجنوب إفريقيا (مثل إثيوبيا وزامبيا). ومن المهم أن نشير إلى أننا في حالة أخرجنا نيجيريا وجنوب إفريقيا من التوقعات، فإن النمو الإقليمي سيكون أعلى بمقدار نقطة. وحتى الآن فإن الصورة التي أرسمها سلبية للغاية، ولكن ليست تلك هي القصة الكاملة، ففي الحقيقة من المتوقع أن تسجل العديد من الدول الإفريقية نموا كبيرا، فثلث بلدان المنطقة تتمتع بنمو أعلى من 5 نقاط هذا العام. وهذا يتماشى مع المؤشرات الأخيرة، كما يظهر هنا في هذا الشكل بالنسبة للدول المستوردة للنفط:

 

 

وهذا ينطبق بصورة خاصة على كينيا وبصورة أوسع على "تجمع شرق إفريقيا"، فتلك الدول التي تشكل هذا التجمع يجب أن تسجل 6 نقاط نمو هذا العام، وبالمثل، فإن النمو سيستمر في سرعته في ساحل العاج (8.5) والسنغال (6.5) والعديد من الدول ذات الدخل المنخفض في المنطقة، وذلك لاستفادتهم من انخفاض أسعار النفط.

 

العوامل والمخاطر الدولية

دعوني أقول كلمات إضافية عن بعض العوامل الدولية التي تؤثر على النظرة الاقتصادية. إن صدمة أسعار السلع من الواضح أنها كانت قوية. فأسعار النفط الخام في الأشهر ال18 الماضية حتى نهاية 2015 انخفضت بصورة أكثر من أي فترات سابقة منذ 1970. وكان الوضع ذاته بالنسبة لأسعار السلع، وخاصة خام الحديد، والذي انخفض حتى أكثر من النفط. ونحن لا نرى نهاية لصدمة أسعار السلع حتى انتهاء هذا العِقد. وبالرغم من أن أسعار السلع الآن تتعافى من انخفاض مستمر لعامين، إلا أنه لا يزال هناك مخاطر لا يمكن تجاهلها لأنها يمكن أن تنخفض مرة ثانية وتؤدي إلى مزيد من التقويض لآمال النمو للدول التي تنتج هذه السلع.

وكل ذلك يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتنمية في الصين، فباستثناء السلع، هذه المنطقة كانت دائمًا لديها عجز في الميزان التجاري مع الصين، ولكن أثناء حقبة زيادة أسعار السلع في منطقة جنوب الصحراء الإفريقية كان هناك فائضًا تجاريا مع الصين. هذا الفائض التجاري الكبير تحول إلى عجز في أقل من عام، ولا يوجد لدينا أسباب لنعتقد أن الصين سوف تعود إلى المستويات العالية من النمو التي دفعت النمو العالمي بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. ولكن هذا القطار قد غادر المحطة، والصين لا تزال قوة في الاقتصاد العالمي. وهناك مخاطر من أن إعادة التوازن للاقتصاد الصيني سوف تستمر بصورة أسرع مما توقعه صندوق النقد الدولي في أبريل 2016 في تقرير "نظرة على الاقتصاد العالمي. وإذا حدث هذا فإن النمو في دول جنوب الصحراء ربما يتباطأ.

والظروف المالية الأكثر تقتيرًا سوف تستمر أيضًا في أن تظل عاملا من عوامل الحياة، وهناك درجة من اللايقين بشأن تطورات الأسواق المالية من المتوقع أن تجعل الأموال من الصعب أن تعود للدول الأفريقية المستدينة.

فتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي أنتج ظروفا مالية أكثر تقتيرًا. وهناك زيادة واضحة في تفادي المخاطر الاقتصادية سيقود إلى انكماش حاد في تدفق رؤوس الأموال حول العالم. ففي العام الماضي على سبيل المثال، شهدت الأسواق الناشئة مائتي مليار دولار في صورة تدفق الأموال مقارنة ب 125 مليار لعام 2014. وهذه الأموال من المتوقع أن تذهب إلى ملاجئ آمنة. فإذا نقص تدفق رؤوس الأموال على دول جنوب الصحراء عن المتوقع بسبب التطورات العكسية في الأسواق العالمية، فإن الأسواق الناشئة في المنطقة ستواجه فرصا مالية خارجية أقل. وهذا أيضًا سيكون له تداعيات سلبية على النمو الاقتصادي.

 

العوامل والمخاطر الداخلية:

ما هي العوامل الداخلية والإقليمية؟ في رؤيتنا، التحدي الأساسي هو تطبيق التعديلات السياسية في وقتها وهي ضرورة ألزمتها التباطؤ في الاقتصاد. وبدون تلك التعديلات هناك مخاطر من أن بعض الدول ستواجه صعوبات مالية بل ستصعب عملية التعديل في المستقبل.

كما أن استمرار الجفاف في شرق وجنوب القارة يعد من المخاطر أيضًا، فمن الممكن أن يطول أمده أو يشعر الناس به في مناطق واسعة- كينيا لن تتأثر لحسن الحظ- وبالمثل فإن تعاظم المخاطر الأمنية في المنطقة سوف يكون له تأثير اقتصادي كبير على التجارة والاستثمار والسياحة وتحريك العائدات. أنا أعلم أنكم على علم بتلك القضايا، وأريد أن أقول أن صندوق النقد الدولي سوف يقف إلى جواركم.

ربما من السهل أن ننظر إلى الوضع الحالي ونقفز إلى استنتاجات قاتمة بشأن آمال دول جنوب الصحراء، ولكني أعتقد أن ذلك أمر مغرق في التشاؤم. ولكننا نظل متفائلين بشأن آمال النمو على المدى المتوسط في المنطقة، بل أكثر تحديدًا على دواعي النمو الأهم، بما في ذلك تحسين بيئة الأعمال والديموجرافيات المفضلة.

 

الحاجة إلى التحرك:

لكن لكي ندرك إمكانات المنطقة، فإن صناع السياسات الأفارقة بحاجة إلى التحرك االفوري. وهذه هي رسالة التقرير الأخير عن الاقتصادات الإقليمية في المنطقة، الذي أصدره صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي على موقعه.

نحن بحاجة إلى التحرك السريع بخاصة بين الدول المصدرة للمصادر الطبيعية الذين كان أداءهم حتى الآن دون المستوى، فمع تصاعد عجز الموازنات في تلك الدول وانخفاض الاحتياطي العالمي والقيود المالية الصارمة، فإن التعديلات الآن لا يمكن تجاهلها، والخطوات السياسية التي نحتاجها الآن تشتمل على تقليل العجز في الميزانيات ومرونة سعر الصرف في الدول التي خارج الاتحاد النقدي.

فالدول التي لا تصدر سلعا مثل كينيا هي الأقدر على تفادي التباطؤ، ففي كثير من تلك البلدان فإن العجز في الميزانيات قل في السنوات الماضية مع استغلالهم لميزة الظروف المالية المفضلة لمخاطبة الفجوات في البنى التحتية. والآن يجب على هذه الدول أن تعيد قياس سياساتها لمواكبة النقص في الفرص المالية المحلية والأجنبية. ويجب عليهم أن يستغلوا قوتهم الحالية في احتواء الزيادة في الدين العام، ويطبقوا سياسة مالية تركز على تقليل التضخم، وبناء احتياطات دولية. وهذه السياسات سوف تقلل عجزهم أمام التدهور الحاد في المناخ الاقتصادي.

كما يذكرنا الموقف الحالي أيضًا بضرورة تعديل الأجندة الاقتصادية في الفترة القادمة، فالوقت قد حان للانتقال إلى الأمام بهذه الأجندة. فيجب على الدول أن تعثر على طرق لتحريك العائدات المحلية وخلق قاعدة ضريبية مستدامة في القطاعات غير السلعية. وهذه هي الطريقة الأكثر استمرارية لتمويل التنمية في البنية التحتية الاجتماعية. وفي الوقت ذاته يجب أن تحافظ الدول على زخم أهداف التنمية طويلة الأمد بتحديد أولويات أفضل للإنفاق التنموي. وقائمة الإصلاح طويلة: تنويع الاقتصاد، تعديلات هيكلية، تنمية القطاع المالي، والحكم الرشيد. وكل تلك تعد أساسية في الوقت الراهن إذا ما أرادت إفريقيا أن تخلق مصادر جديدة للنمو وضمان أن الشعوب في تلك المنطقة تستمر في رؤية تحسن على حياتهم.

لقد كان صندوق النقد صديقًا حميما لإفريقيا في رحلتها، ونحن ندعم المنطقة عبر تلك الإصلاحات القاسية. فقد خصص صندوق النقد سياسة لتقديم استشارت بشأن تحديات بعينها تواجه دول جنوب الصحراء، ونحن ندعم تلك النصائح بتدريبات ودعم تقني ممتد، بما في ذلك عبر خمسة مراكز مساعدات تقنية في المنطقة ومعهد تدريب إفريقيا في موريشيوس.

كما يقدم صندوق النقد الدولي أيضا دعما ماليا، بما في ذلك عبر قروض بصفر فائدة لأفقر أعضائها، كما أننا نبتكر في ذلك، فعلى سبيل المثال كانت كينيا هي أول دولة في إفريقيا جنوب الصحراء تستفيد من دعم صندوق النقد في صورة تأمين، وهذا يعني أن القارة لديها القدرة على الوصول إلى 1.5 مليار دولار وتستطيع أن تستخدم تلك المصادر إذا ما اقتضت الحاجة لنقد أجنبي إضافي.

الخلاصة:

إذن إلى ماذا يقودنا كل ذلك؟ بوضوح، إفريقيا تواجه تحديات جديدة، فالبيئة الخارجية ليست كما كانت عام 2014، ولكن لا يزال هناك العديد من الأسباب التي تدعونا إلى التفاؤل. فإفريقيا، وكينيا، لديها كل الأسباب التي تجعلها تتطلع إلى المستقبل بنظرة إيجابية. وهناك العديد من الخطوات على جبهة الإصلاح بحاجة إلى اتخاذها لمخاطبة تلك الظروف المتغيرة، ولكن النجاحات السابقة تظهر أن المنطقة تستطيع أن تقف أمام تلك التحديات.

لذلك فإن الطلاب في تلك القاعة هم المطالبون بأن يتغلبوا على تلك التحديات في السنوات المقبلة، وأعتقد أنكم ستقومون بمساهمات هامة في منطقة تستطيع أن تستمر في صعودها عبر القرن الحادي والعشرين.

(*) أصل هذا المقال هو محاضرة ، ألقاها ، ديفيد ليبتون ،النائب الأول للمدير الإداري لصندوق النقد الدولي ،  أمام جامعة ستراتمور، نيروبي، كينيا، 9 مايو 2016م ، للاطلاع على النص الأصلي من هنا .

كتاب الموقع